مجلس 7:
كلامنا اليوم في [رد شبهات يتمسَّك بها أهل الفتنة في هذه مسألة تكفير المُجسِّمة]
بعد أن استفضنا أمس بالكلام في تكفير المُجسِّمة
نقف اليوم عند بعض العبارات القليلة النادرة التي تمسَّك بها أهل الفتنة في ادِّعائهم الخلاف في تكفير المُجسِّم
فنوضح هل هي صحيحة أم باطلة
وعلى أي شيء حملها علماء أهل السنة والجماعة
ثم نحكم من عمل كما عملوا ومن خالفهم في حقيقة الأمر
الحمدلله وصلى الله وسلم على رسول الله
وبعد فقد اطَّلعنا وإياكم أمسِ على كثير من النقول والأقوال التي تؤكد أن المجسمة كُفَّار بالإجماع
أما مَن نسب (الجسم) إلى الله وهو (لا يعرف معنى الجسم) بل يظن معناه الموجود فهذا لا نحكم بتكفيره
واليوم سنتناول بعض تلك العبارات
مع بيان معانيها وماذا أراد بها قائلوها
وكيف تعقَّب علماءُ أهل السنة قائليها وكيف ردوا وكيف بيَّنوا
فأوَّل ذلك ما يُنقل عن العز بن عبدالسلام من ترك تكفير القائل بالجهة
الإمام العز بن عبدالسلام
كان كثير من العامة في زمانه لا يعرفون مدلول الكلمات
هو ليس من المتقدمين
بل كان في زمن متأخر ضعفت فيه المعرفة باللغة
وكان في بلاد العرب والمسلمين من غير العرب شعوب كثيرة كالمماليك وغيرهم
ولذلك قال هذه العبارة ومراده أن من أطلقها ولا يعرف معناها لا نحكم بتكفيره
هذا كان مراده كما سنتبين من أقوال العلماء
لكن العبارة في حد ذاتها ليست صالحة لهذا المعنى
ولذلك اضطر العلماء إلى عدم قبولها
ردَّ عليه بعضهم وتعقَّبه
وبعضهم حملها على أنها في العوام الذين لا يفهمون مدلول الكلمات
أي لا يعرف أن (جهة فوق) تعني المكان والحيز والجهة مع اعتقاده الأكيد بأن الله منزه عن المكان والجهة والحيز والعلو الحسي
وقد بيَّن الكوثري مراد العز بن عبدالسلام فقال: <وإن العز بن عبد السلام يَعذر في قواعده من بَدَرَتْ منه كلمة موهمة لكنه يريد بذلك العامي الذي تخفى عليه مدلولات الألفاظ> انتهى
[أي لا يفهم معناها]
فكلام الكوثري واضح في أن كلام العز بن عبدالسلام ليس فيمن يعرف معنى الكلمة ومدلولها
بل كلامه فيمن لا يعرف مدلول الكلمة وظن لها معنى آخر وكان المعنى الآخر ليس كفرا
وبقية كلامه توضح أن من علم المعنى لا يُتوقَّف في تكفيره. قال: <لا من ألَّف وقام يدعو الناس إلى عقيدة التجسيم بهذه الصراحة *فيجب إلزامه مقتضى كلامه بدون توقف> انتهى
يعني لو لم نذكر إلا كلام الكوثري لكفى به بيانا لما سبق من كلام ابن عبدالسلام
لكن نكمل من باب الانتفاع بإذن الله
ونقل الرملي في [حاشيته] أن البلقيني رد كلام ابن عبدالسلام وأن البلقيني قال: <الصحيح أو الصواب خلاف ما قال> انتهى.
وقول البلقيني: الصواب خلاف ما قال يعني قول ابن عبدالسلام باطل لأن الباطل هو ما يقابل الصحيح في مصطلح الفقهاء
إذًا
بعض العلماء كالكوثري حمل كلام ابن عبدالسلام على مَن لا يفهم مدلول الكلام وهو عين ما نقول به نحن كما تعلمون
وبعضهم كالبلقيني ردَّ عليه ولم يقبل ظاهر العبارة أبدا
فمن هو البلقيني؟
البًلقيني هو شيخ الإسلام وعلَّامة الدُّنيا وكان من أصحاب الوجوه في المذهب الشافعي تعرفون أصحاب الوجوه رتبة عالية جدا في المذهب
يعني كان أعلى مرتبة من النووي ومن العز بن عبدالسلام ومِن كثير مِن الشافعية الذين جاءوا قبله أو بعده
وقد دل كلامه أن ظاهر كلام ابن عبدالسلام باطل
وكذلك النووي لم يوافق على عبارة ابن عبدالسلام كما هي هكذا على إطلاقها.. لا يقبل بها العلماء على إطلاقها لذلك النووي قيَّدها بالعامي ليدل أن المراد الذي لا يفهم مدلول العبارة
وكذلك ابن أبي جمرة قيَّدها بعُسر فَهم العامَّة يعني لأنهم لا يفهمون مدلولها وما تقتضيه
فمن قال بها منهم أي من العامة ولم يكن يعرف المعنى لا يُكفَّر ما لم يعتقد أن الله مُتحيِّز في مكان أو جهة
هذا التفصيل هو فقط فيمن لا يعرف مدلول الكلمة
أما من يعرف الكلمة ومدلولها ومع ذلك قالها في حق الله فهو كافر لا تفصيل في حقه
هل بينكم من يقبل أن يقول قائل: المسيح ابن الله
وهو يعرف معنى الابن
ثم يزعم أن كلامه ليس كفرًا لأنه لا يلتزم لوازم الجسم!
أعوذ بالله أن يكون بينكم من يوافق على مثل هذا
وأعلم أنه ليس بينكم مثله والحمدلله
أما أهل الفتنة الذين أخذوا بظاهر كلام ابن عبدالسلام
فهؤلاء ما فهموا مراده
وخالفوا العلماء في كيفية تناول كلام ابن عبدالسلام بالتعقب والرد ونحوه
فضلُّوا وأضلُّوا والعياذ بالله
فثبت أننا وافقنا علماءَ الأُمَّة وأنهم خالفوهم والعياذ بالله
يعني يخالفون هم علماء الأمة
ونوافق نحن العلماء
ثم يسبقون إلى اتهامنا بأننا خالفنا العلماء وانفردنا بأقوال غريبة
وما الغريب إلا ما أتوا من تكذيب العلماء ومخالفتهم
ونقل صاحب الخصال من الحنابلة عن أحمد بن حنبل أنه قال: من قال جسم لا كالأجسام كفر
وقد يقول أهل الفتنة إن كلام أحمد والشافعي في تكفير مَن قال (جسم لا كالأجسام) أورده الحفاظ من غير سند فلا يعمل به!
والجواب: إن الحُفَّاظ لم يرووه بحكاية تضعيف فكيف ترُدُّونه!؟
فهو لا ينزل عن كونه ثابتًا عندهم على الأقل
وهم حُفَّاظ الأُمَّة
أليس البخاري في صحيحه ذكر حديث رسول الله العلماء وَرَثَة الأنبياء دون سند!
بلى فعل
والبخاري لا يقول قال الرسول إلا إذا كان ثبت عنده أنه من كلامه صلى الله عليه وسلم
وهكذا
ويؤكد هذا: حكايةُ الإجماع التي نقلها كثيرون في تكفير المجسم والشافعي من علماء الامة فهو داخل فيمن أجمع على كفر المجسمة بلا شك
ويؤكده كذلك أن الشافعي رضي الله عنه كفَّر حفصًا الفرد باللازم
أي بلازم قوله لأنه كان لازمًا بيِّنًا
ثم الشافعية هذا مذهبهم وهم لا يخالفون إمام مذهبهم
كان الواحد من العلماء لو خالف إمام مذهبه في صغيرة صرَّح بذلك
فهل صرح الشافعية أنهم يخالفون إمامهم حيث كفَّروا المجسمة! أبدا
والعلماء نقلوا قول الشافعي في تكفير المجسمة في محل الاحتجاج
فهذا يعني انه ثابت عندهم
القاضي حسين نقل أن الشافعي نصَّ على كفر من قال الله جالس على العرش
ونقل ابن المعلم القرشي في نجم المهتدي نحوه
ونقل ابن جماعة تكفير المجسمة في [شرح التنبيه] عن نَصِّ الشافعي (يعني من كلامه بحروفه)
وحكاه كذلك السيوطي في الأشباه والنظائر
ولذلك أصلا علماء الإسلام ألزموا المجسمة بمقالاتهم
لأنهم عدُّوهم واعين بما يتلفظون.
قال الكوثري في معرض كلامه عن بعض مقالات رؤوس المجسمة: <فلا محيص في عدِّهم واعين لما نطقوا به، فتعيين إلزامهم بما يترتب على تلك التَّقوُّلات في نظر أهل البرهان الصحيح> انتهى.
بعد هذا لا يُلتفت إلى أهل الفتنة الذين يزعمون أن الشافعي ما كفَّر المجسمة أو أنه ما ثبت أنه كان يكفِّرهم
فالمجسم الذي ينسب الجهة والمكان في حق الله يكفر ولا يفيده إنكاره كما قال الإمام السبكي رحمه الله: <ومن أطلق القعود وقال إنه لم يرد صفات الأجسام قال شيئا لم تشهد به اللغة فيكون باطلا وهو كالمقر بالتجسيم المنكر له> انتهى.
السبكي مات في أواسط القرن الثامن هجري
كان قاضي قضاة المذاهب الأربعة
لكل مذهب قاض وهو فوق الأربعة يقضي وكان من أكابر الشافعية
فهل كان يحكم بكفر المجسمة خلافا لقول إمام مذهبه!
وقال الكشميري في [إكفار الملحدين]: <والحاصل في مسئلة اللزوم والالتزام: أن مَن لَزِمَ مِن رأيه كُفر لم يشعر به، وإذَا وقف عليه أنكر اللزوم وكان في غير الضروريات وكان اللزوم غير بَيِّنٍ فهو ليس بكافر –أي إن لم يلتزمه–> انتهى.
وكلامه صريح أنه يتكلم في اللازم الخفي ليس في اللازم البيِّن
انظروا هنا
عندما لا يكون اللازم بيِّنًا
أيش يكون؟ خفيًّا
ولما كان خفيا صار مقبولا أن يقال: لازم المذهب ليس مذهبا
سبق طباعة
صار المقبول أن يقال: لازم المذهب ليس مذهبا
اعذروني
أما إن كان اللازم بيِّنًا فلا يكون مقبولا إلا أن يقال: لازم المذهب مذهب
وللتقريب:
الذي يعرف معنى الجسم وهو يعرف أن الجسم يعني ما كان له أجزاء
ثم قال الله جسم
هذا لا ينفك عن الكفر لأنه من الواضح وضوحا شديدا أنه يقول إن الله له أجزاء
فلا يُتوقَّف في كفر من قال عن الله جسم
طالما يعرف معنى الجسم
الخلاصة أن كل كتاب أو موضع ذُكِرَ فيه أن المُجسِّم مختلف في تكفيره فهذا غير صحيح
وهو تعبير ظاهره باطل لأن الإجماع منعقد على تكفير المجسمة
وأنه محمول على مَن لا يفهم مدلول لفظ الجسم لا على من يعرف
فالتفصيل ليس في (هل كفر ام لم يكفر)
لا
المسألة:
إن كان يعرف معنى الجسم فلا تفصيل في الحكم بكفره
إن كان لا يعرف معنى الجسم هنا التفصيل هنا يُنظر هل يعتقد التشبيه أم لا
واحفظوا كلام الشيخ محمد الدسوقي المالكي في [حاشيته على الكبير] فهو تختصر كل الإشكال الذي غرق فيه الجهلة المتصولحة أهل الفتنة
يقول الشيخ محمد الدسوقي رحمه الله: <وأما قولهم: لازم المذهب ليس بمذهب فمحمول على اللازم الخفي> انتهى.
وبعد كل هذا الشرح أو قبله اعلم أن العبرة بالدليل
وما تمسك به أهل الفتنة لا دليل عليه من الشرع
ولذلك حكى الكوثري أن المقبلي ذكر أن كلام ابن عبدالسلام لا دليل عليه وقال: وليس أحد يعذر فيما يوجب الكفر انتهى.
وقد علمتم قول الشاعر:
والدَّعاوي ما لم تقيموا عليها * بيِّناتٍ أبناؤها أدعياءُ
حسنا راجعني الإخوة
عندما ذكرت قول الكشميري أعلاه
توهمتُ أنه حصل معي سبق طباعة
لكن تبين لي الآن أنه ما حصل معي سبق طباعة
ففي المرتين كتبت الحروف الصحيحة السالمة من السبق الطباعي ولله الحمد
خلاصة المحاضرة اليوم
أن احذروا أهل الفتنة فإنهم جهلة متصولحة متعولمة
متصولحة معناها يدَّعون الصلاح وليسوا
ومتعولمة معناها يدَّعون العلم وهم جهلة على التحقيق
حازم رفاعي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بارك الله فيك اخي عمر الغالي على التوضيح حتى الإمام الشافعي بقوله (لا يُكفَّر أهل القبلة وأستثني المجسم) ذكره السيوطي في كتابه الأشباه والنظائر في كتاب الردة. ولمن طعن في نقل السيوطي مدعيًا بأن لا سند للقول نقول: ثبت عند السيوطي وهو حافظ ثقة، ولو لم يثبت عنده لابتدأ كلامه قائلا “رُوي عن الشافعي” أو “قيل”. ومعنى قول الإمام “لا يُكفَّر أهل القبلة” أي ما لم تصل بدعتهم إلى حد الكفر، فإن وصلت فهم كفار لما ثبت عن الشافعي أنه كفّر حفصًا الفرد المعتزلي لقوله بخلق القرءان.
واعذروني على مواضيع هذه المحاضرات
فنحن لا نختارها بالمبادرة
وإنما ننظر في شبهات أهل الفتنة فنردها عليهم
والله المستعان
وآخر الطباعة: الحمدلله رب العالمين
تفضلوا للسؤال فيما تكلمنا فيه أوَّلًا
من كان عنده سؤال فليتفضل
افتح المجموعة يا مديرنا التقني
