مجلس 27:
كلامنا اليوم تتمة لما كان تكلم عنه الأخ عمر في ثلاث مجالس سابقة
بعنوان
*رد كيد المفتري على الإمام الهرري*
*في بيان مذهب الإمام الأشعري*
*في مسألة البغاة*
الحمدلله
وصلى الله وسلم على رسول الله
وبعد فقد تكلمنا قبل
1. في بيان أن الأشعري لا يرى اجتهاد معاوية اجتهادا شرعيا
2. وفي بيان أن الأشعري لا يرى لأحد أن يجتهد في الخروج على الإمام علي
3. وفي بيان أن الأشعري لم يكن يرى بعد الإمام علي إماما عادلا واجب الطاعة
*ودائما كل هذا بحسب [المجرد]*
نأتي الآن إلى بيان أن الأشعري كان يطلق على المعصية والذنب لفظ الخطأ
وهذا مهم لنفهم معنى قوله في المجرد: <وكذلك كان *يقول في حرب مُعاوية إنَّه كان باجتهاد منه وإنَّ ذلك كان خطأً وباطلًا ومُنكرًا وبغيًا على معنى أنَّه خُروج على إمام عادل>* انتهى
لأننا متى عرفنا مراده
فهمنا كذلك ماذا يصف اجتهاد معاوية
فلو تأكدنا أنه يريد بالخطإ المعصية والذنب ومخالفة أمر الله
لانتهى النقاش ولانحسم الجدل
فتعالوا نقرأ معا من المجرد لنرى
يقول في المجرد [ص/160]: <وإنَّ كُلَّ مَعصيَةٍ ذَنبٌ وخَطأٌ وخِلافٌ لأَمر اللهِ تَعالى> انتهى
إذًا..
الامر محسوم
قد علمنا الآن أنَّ الأشعريَّ يُسمِّي المعصية خطأ
*فماذا كان رأي الأشعري في خروج طلحة والزبير رضي الله عنهما؟*
يقول الأشعري في خُروج طلحة والزُّبَير [ص/195]: <وإنَّ ذلك كان منهُما خطأً> انتهى.
فهذا يدلنا أنه أراد أنهما وقعا في إثم
ثم نص بعد ذلك على توبتهما وجزم بذلك
*ولكن مهلًا كيف نتأكد أنه أراد المعصية ولم يرد الخطأ الذي لا يبلغ أن يكون معصية؟*
والجواب:
أن الخطأ الذي لا يكون معصية لا يُحتاج إلى التعبير بالتوبة للخروج منه
وذلك لأنه من المعلوم بالضرورة أنهما ليسا معصومين
لا أحد من أهل السنة يقول الصحابة معصومون من الوقوع في الذنوب
وإنما هو قول النواصب أهل الفتنة وحسب
بحروف أخرى:
الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه
على قول هم معصومون حتى من الصغائر التي لا خسة فيها
فعلى هذا القول يُخرَّج ما ورد من توبة في حق أحد منهم
أنه لتعويض ما لعله فاتهم
فالعلماء القائلون بالعصمة المطلقة قالوا أطلق لفظ المعصية على الأنبياء مجازًا وعرفنا كونه مجازًا من كونهم معصومين عن الوقوع فيها
أما الصحابة فليسوا معصومين عن ذلك؛ بالإجماع.. بإجماع الأمة قد يصدر من صحابي ذنب
فلا باب للقول بتأويل ما ورد في حق الصحابة من لفظ (ذنب) أو (معصية) أو (توبة)
وإلا كان تحكُّمًا أي قولا لا يقوم عليه دليل
فيكون إذًا عبثا بالنصوص عن طريق لَيِّ أعناقها وإخراجها عن سياقها ومعناها الصحيح
إذًا..
مع كون طلحة والزبير رضي الله عنهما من المبشرين بالجنة
ومع كونهما أفضل من معاوية بلا خلاف
ومع أنه لم يثبت أن الزبير مثلا رفع سيفًا
مع كل ذلك أثبت الأشعري عليهما المعصية بخروجهما ثُمَّ برَّأهُمَا منها بالتَّوبة فقال [ص/195]: <وإنَّهما رجعَا عن ذلك وندمَا وأظهرَا التَّوبة وماتَا تائبَين ممَّا عملَا> انتهى.
وهنا تنبيه مهم
وهو أنه أثبت عليهما المعصية
مع أنه كذلك أكد انهما خرجا متأولَين مُجتهدَين
*وهذا يؤكد ما كنا خرجنا به من خلاصة فيما المجالس السابقة*
فكيف ذلك؟
نحن كنا قلنا
إن قول الأشعري إن معاوية اجتهد
وقوله في المجرد: كان يجري ما شجر بين الصحابة مجرى الحاكمين إذَا اجتهدَا
لا يعني أنه أثبت لمعاوية أجرا كما توهم النواصب
وقلنا إنه كان يرى اجتهاد معاوية خروجا على إمام عادل
ثم أبرزنا أقواله في تأكيد تحريم الخروج على الإمام العادل
وها هو الأشعري الآن يثبت معصية على طلحة والزبير رضي الله عنهما
ثم يبرئهما بالنص على توبتهما ويجزم بذلك
مع أنه يؤكد أنهما كانا مجتهدين في خروجهما
بدليل قوله فيهما: <وكانَا في ذلك مُتأوِّلَين مُجتهدَين يرَيانِ ذلك صوابًا بنوع مِن الاجتهاد> انتهى
الخلاصة
أنه أثبت لهما اجتهادا لا يؤجران فيه بل يأثمان بحيث يحتاجان للتوبة منه وهو ما نسبه إلى طلحة والزبير
وكل هذا يصادق على كلامنا في المجالس السابقة
في تأكيد أنَّه ما أراد بالاجتهاد القياسَ إلى الكتاب والسُّنَّة بل مُجرَّد الرَّأي مِن قِبل النَّفس.
*هل انتهت الفوائد من كلام الأشعري؟*
ليس بعد
ففيما يلي فوائد مهمة
فانظروا معي كيف أن الأشعري فرَّق بين ذنب طلحة والزبير
وبين ذنب من سواهما من الصحابة
فكيف ذلك؟
الجواب:
أنه لما تكلم عن ذنب طلحة والزبير
جزم بتوبتهما فقال: <وإنَّهما رجعَا عن ذلك وندمَا وأظهرَا التَّوبة وماتَا تائبَين ممَّا عملَا> انتهى.
ولم ينص على مثل ذلك في حق معاوية
ما أثبت له توبة كما أثبت لهما
بل ولم يشر إلى توبة منه أبدا
*فهذه واحدة*
ثم أثبت أن ذنب طلحة والزبير مغفور بمقتضى التوبة مستدلا بما ورد فيهما من بشارة النبي عليه الصلاة والسلام لهما بالجنة فقال [ص/195]: <إنَّه وقع مغفورًا للخبر الثَّابت عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه حكم لهُمَا بالجنَّة فيما رُوِيَ في خبر بِشارة عَشَرَة مِن أصحابه بالجنَّة..> إلخ.
ولم يُثبت مثل ذلك لمُعاوية بل جعله تحت المشيئة فقال [ص/195]: <وأمَّا خطأُ مَن لم يُبشِّره رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالجنَّة في أمره فإنَّه يجوز غُفرانه والعفوُ عنه> انتهى
إذًا..
قول الأشعري في معاوية يشبه قول أهل السُّنَّة في أهل الكبائر.
*فهمتم؟*
وهذا التحقيق يحسم الجدل في مذهب الأشعري في البغاة
ويثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الأشعري على تأثيم البغاة
ولو كره الكارهون
ومهما أظهر النواصب أهل الفتنة عنادا في هذا الباب
والحق أحق أن يقال
وأكثر الأشاعرة ملتحقون بالأشعري في تأثيم البغاة بل نسب الآمدي إلى أكثر الأشاعرة أنهم يُفسِّقون كلَّ من قاتل الإمام عليا رضي الله عنه
نص على ذلك الزَّركشيُّ في [شرح جمع الجوامع] فقال: <هذا مع القطع بتخطئة مُقاتلي عليٍّ وكُلِّ مَن خرج على مَن اتُّفِقَ على إمامته، لكنَّ التَّخطئة لا تبلغ إلى حدِّ التَّفسيق عند القاضي أبي بكر؛ وقالتِ الشِّيعة بالتَّفسيق؛ ونسبه الآمِدِيُّ لأكثر أصحابنا> انتهى
وقوله: <أصحابنا> يعني به الأشاعرة؛ فما نقله الآمديُّ يُكذِّب ما توهَّمه مُتمشعرة هذا الزَّمان مِن مُراد الأشعريِّ.
فما افتراه الجناة المتفحشون على شيخنا حين زعموا أنه اقتطع مِن كلام الأشعريِّ ما يُغيِّر معناه = ما هو إلا من قبيل الكذب الوقح
يعتمد أهل الفتنة في افترائهم على أهل السنة على جهل المتلقي
وقلة تحقيقه في بعض الأبواب
ليدخلوا إليه ما يضره في دينه وآخرته والعياذ بالله
وهكذا يتبيَّن بالبراهين والأدلَّة بما لا يدعُ مجالًا للشَّكِّ دقَّة شيخنا الهرريِّ رحمه الله في [في بيان مذهب الأشعريِّ في البُغاة]
فمَن اتهمه بالتَّدليس بنى على الجهل ورُبَّما على غرض خبيث وعند الله تجتمع الخُصوم..
وآخر مجلسنا الحمدلله الحمدلله
نفتح المجموعة للأسئلة
تفضلوا
