عدالة الصحابة

مجلس 8:

نسأل الله أن يرزقنا حسن النوايا

كلامنا اليوم في [عدالة الصحابة]

وما مفهوم هذه العبارة عند أهل السنة والجماعة

وسنحتاج أن نتكلم في هذه المسألة في مجلسين اثنين

– اليوم وغدًا إن شاء الله تعالى

ثم نتكلم (بعد غد) في مسألة [عصمة الأنبياء] لرد افتراءات أهل الفتنة علينا في هذه المسألة فلا يفوتكم

أوَّلًا ينبغي علينا أن نعلم أن الطَّعن في مجموع الصَّحابة رضوان الله عليهم من الزندقة لأنه طعن بالإسلام لأنَّ الصحابة هم حَمَلَة الشَّريعة إلينا

والطعن في مجموعهم يعني الطعن فيهم كلهم

وليس الطعن في واحد منهم بعينه بأن يقال إنه عصى لأن الفرد من الصحابة عندنا نحن أهل السنة ليسوا معصوما

ثانيًا ينبغي أن نعلم أن الصحابة ليسوا كلهم في مرتبة واحدة

بل فيهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار (فهؤلاء لا يأتي بعدهم أفضل منهم)

وفي الصحابة من غير السابقين (وهؤلاء منهم أتقياء ومنهم غير أتقياء)

فأما الذين رضي الله عنهم فهم السابقون ومن اتبعهم بإحسان

إذًا؛ الطعن في مجموع الصحابة ضلال

أما الطعن في واحد من الصحابة ليس زندقة

فقد طعن بعض الصَّحابة في بعض الصَّحابة ولم يضرهم ذلك في عقيدتهم

وأجمع العلماء على تخطئة معاوية -وهذا من الطعن فيه- فهل علماؤنا ضلوا جميعا بحسب قواعد النواصب أهل الفتنة؟

ولو ذكرنا معصية واحد من الصحابة لا يُعتبر ذلك طعنًا بالصحابة

وإلَّا لَمَا روى الإمام أحمد خبر الصَّحابي الَّذي وجدوا في شمْلته دينارَين

ولَمَا ذكر البخاري الصَّحابي الَّذي غلَّ شملة أخذها مِن الغنيمة

ولا كان المحدثون ذكروا الصحابي الذي شرب الخمر

ولا كانوا حكوا عن الصَّحابي الذي أقيم عليه حدُّ الزِّنا

فالقول بأنَّ ذِكر معصية صحابيٍّ حرام مُطلقًا = يُؤدِّي إلى إبطال هذه الأحاديث الصَّحيحة

أما من قال إن صحابيا قد يكذب فيما ينقله لنا من حديث الرسول؟

فهذا ممنوع

لأنه خلاف مذهب أهل السنة والجماعة

الصحابة عندنا نحن أهل السنة (عدول في الرواية عن الرسول)

أي لا يكذبون في خبر الرسول عليه الصلاة والسلام

مرة ثانية: ما المراد إذًا من قول العلماء: (الصحابة كلهم عدول)؟

قال اللَّكنوي المُتوفَّى 1304 هجري في [ظَفَر الأماني]: <وقد تُطلَق العدالة على التَّجنُّب عن تعمُّد الكذب في الرِّواية وانحراف فيها بارتكاب ما يُوجب عدم قبولها. وهذا المعنى هُو مُراد المُحدِّثين مِن قولهم: (الصَّحابة كُلُّهم عُدول)> انتهى.

وكلام اللكنوي اختصار لقول المحققين من العلماء

فـ(الصحابة كلهم عدول) معناه لا يكذبون فيما ينقلون من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.. أي لا يفترون الكذب على رسول الله

أما في غير الرواية فبعض الصحابة عدول مطلقا وبعضهم لا

إذًا.. ليس معنى كل الصحابة عدول أنه لا يوجد بينهم من ليس تقيا

بل يوجد بينهم من غير الأتقياء

وليس المعنى أنه لا يوجد بينهم من اقترف الذنوب بل اقترفوها

ولكن كلهم عدول رواية فليس بينهم من كذب وافترى في خبر رسول الله

أما في أحوالهم فليسوا كلهم عدولا مطلقًا

والعدل: رجل مسلم تقي يُؤدِّي كل الواجبات ويجتنب كل المحرمات

ولو وقع في معصية لا يصر عليها بل يتوب منها

والعدل له مواصفات أخرى في السلوك لا حاجة للنص عليها الآن

ومعلوم أن بعض الصحابة وقع فيما يخالف الشروط المذكورة آنفًا

ولو كان كل الصحابة عدول مطلقًا أي أتقياء

لَمَا دخل أحد منهم النار

ولَمَا عُذِّب أحد منهم في قبره

ولكنكم تعلمون أنه ثبت في الحديث أن بعضهم يدخل النار

وأن بعضهم يُعذَّب في قبره

وكتب الحديث فيها الكثير مما يخبر بهذا

في البخاري يوجد وفي غيره يوجد

حديث 1 –

روى البخاريُّ أن نبينا عليه السلام قال في خادم له: <إنه في النار> وكان قد غلَّ شملة أخذها من الغنيمة قبل أن تُقسم الغنائم ثم قُتل.

فلو كان تقيا هل كان سيكون في النار؟

حديث 2 –

روى أحمد وابن حبان وغيرهما أنَّ الرسول قال في رجل من أهل الصُّفَّة لمَّا مات فوجدوا في شمْلته دينارين فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: “كيَّتان”

وفي رواية: “كيتان من نار”

فهذا (لإخفائه دينارين عن الناس وإظهار الفاقة) قال الرسول فيه ما قال.

وأهل الصُّفَّة فضلهم معروف

ومع ذلك فهذا الصحابي قال فيه النبي ما قال لأنه اقترف الذنب

فالصحبة لا تقتضي العصمة كما توهم الجهلة المتصولحة

حديث 3 –

روى البخاري: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ : إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ

إلى آخر الحديث

قال الحافظ في [شرح البخاري]: <فالظاهر من مجموع طرقه أنهما كانا مُسْلِمَين ففي رواية ابن ماجه “مر بقبرين جديدين” فانتفى كونهما في الجاهلية، وفي حديث أبي أمامة عند أحمد “أنه صلى الله عليه وسلم مر بالبقيع فقال: من دفنتم اليوم هاهنا؟” فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين..> إلى قوله: <ويُقوِّي كونهما كانا مُسْلِمَين رواية أبي بكرة عند أحمد والطبراني بإسناد صحيح “يعذبان وما يعذبان في كبير” و”بلى وما يعذبان إلا في الغيبة والبول” فهذا الحصر ينفي كونهما كانا كافرين> انتهى.

على ماذا تدل هذه الأحاديث الصحيحة الثابتة؟

تدل على:

أن مجرد التصريح بأن صحابيا وقع في إثم = ليس طعنا بالصحابة

فهذا الرسول صرح بذلك..

وليس بغضا للصحابة فالرسول لا يبغض أصحابه

وليس غيبة محرمة لأن النبي لا يقع في الغيبة المحرمة

فهل سيقول أهل الفتنة إن نبينا طعن بالصحابة!؟

هل سيزعمون أنه صلى الله عليه وسلم يبغض الصحابة؟

هل يعلمنا النبي الطعن بالصحابة؟

هل سيقول أهل الفتنة إن نبينا يقع في الغيبة المحرمة لأنه قال في صحابي إنه عصى وإنه يدخل النار!؟

لا يستطيعون أن يقولوا هذا

وعليه لا يستطيعون أن قولوا هذا فيمن عمل مثلما عمل النبي في الكلام عن أمور وحوادث بقصد بيان حكم الشرع

في ضرورة بيان حكم الشرع لا تكون الغيبة محرمة

وعليه لا يستطيعون أن يقولوا هذا* تصويب –

وتدل هذه الأحاديث كذلك على

أن هؤلاء رغم كونهم من الصحابة لكنهم لم يكونوا عدولا بالمعنى المطلق للكلمة أي لم يكونوا أتقياء كاملين بل كانوا عصاة وقد استوجبوا دخول النار بما عصوا..

فهذا يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن قول كل الصحابة عدول

معناه عدول في الرواية

أما في غير الرواية فكل واحد بحسب عمله

هل قال أهل الفتنة إن من الغيبة شرح حديث ويح عمار؟

نعم بعضهم قال هذا.. وسكت أصحابه عليه وهو كلام فاسد والعياذ بالله

قال الجاهل ما معناه: حرام شرح حديث <ويح عمار تقتله الفئة الباغية>

وزعم أنها غيبة محرمة لأن أولئك الصحابة ماتوا فهم غائبون!

والذي زعم أن شرح الحديث غيبة محرمة هو المدعو نايف عمُّورة

فنقول له:

كيف تُحرِّم مثل ذلك يا نايف وهل يقع نبينا في الغيبة المحرمة؟

تحريم نشر الهدي المحمدي جريمة

تحريمك نشر الهدي المحمدي دعوة ضد الدين

هل دراسة وتدبُّر معاني كلام وأحاديث الرسول غيبة محرمة!

وهل كان نبينا آثما عندما أخبر أن فلانا الصحابي في النار!

والصواب أنه لا يكون من الغيبة المحرمة أن تقول فلان فعل كذا ولم يكن جائزا أن يفعل لأن الضرورة اقتضت أن تقول حفظا للشرع

لا سيما مع وجود فتنة النواصب كحال أهل الفتنة

ففي مقام الرد عليهم لا بأس بأن يقال فلان من الصحابة فعله بغي وإثم

ويزعم أهل الفتنة أننا نبيح (سب معاوية)

ويقصدون إيهام الناس أننا نقول هذا على وجه السب لأجل السب أو القذف مما لا يجوز في حق مسلم تقي أو فاسق

مع أنهم يعرفون أن مراد الشيخ (وصفه بالبغي) وليس قذفه مثلا

وذلك لأن الوصف بالبغي سب في الحقيقة

ولأنه يقول عنه باغ في مقام النهي عن الاقتداء به في الحرام

فلا يكون سبًّا مُحرَّما

وأهل الفتنة متناقضون مضطربون كل الاضطراب

فبعضهم قال: (قاتل عمار فاسق من أخبث خلق الله)

فلما قلنا له: إن قاتل عمار هو الصحابي أبو الغادية

فكيف يجوز لك أن تفسقه وهو إنما عمل ما أمره به معاوية

ثم تبرئ معاوية من الفسق!

فأنكر أنه يقول عن صحابي إنه فاسق من أخبث خلق الله

واضطرب وانقطع ولم يعرف بأي شيء يجيب

وواحد آخر من أهل الفتنة يقول: قاتِلُ عمَّار بن ياسر -الصحابي الجليل- لم يرتكب صغيرة ولا كبيرة

والعياذ بالله من قوله

هذا الجاهل جعل قتل هذا الصحابي الجليل الذي هو من السابقين جائزا ومشروعا لمن قتله

وقد علمتم يا سادة أن أول ما يُقضى به يوم القيامة الدماء

فلا حول ولا قوة إلا بالله

انقضى الوقت المخصص للمجلس

نكمل غدا بإذن الله تعالى وعونه

من كان له سؤال في موضوع مجلسنا اليوم فليتفضل

فإن لم يوجد نفتح الأسئلة في أي موضوع في مكافحة شبهات أهل الفتنة

وآخر الحديث الحمدلله الحمدلله

أضف تعليق