هل يسب الأحباش الصحابة ؟؟ و بيان مذهب الأشعريِّ في البُغاة

ردُّ كيد المُفتري على الإمام الهرري <4>

في بيان مذهب الأشعريِّ في البُغاة

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

* وبعدُ فهذه سلسلة مِن المقالات؛ فيها [ردُّ كيد المُفتري على الإمام الهرري] وهُو العالِم العلَّامة والحَبر الفهَّامة، وبيان أقواله في مسائل شرعيَّة مُهمَّة افترى عليه أهل الفتنة الَّذين يتلقَّفون مِن الكُتُب كُلَّ صحيح وسقيم.

* في بيان مذهب الأشعريِّ في البُغاة

1

وزعم أهل الفتنة أنَّ الشَّيخ عبدَاللهِ الهرريَّ دلَّس في بيان مذهب الإمام الأشعريِّ في البُغاة؛ فيزعُمون أنَّه اقتطع مِن كلام الأشعريِّ ما يُغيِّر معناه، وكذبوا، بل كان شيخُنا صادقًا في تحقيق مذهب الأشعريِّ في البُغاة.

2

و[المُجرَّد] محشُوٌّ بالنُّصوص المُصادقة على تحقيق شيخنا لمذهب الأشعريِّ في كون البُغاة عُصاة آثمين؛ فبعضُ تلك النُّصوص صريح في تأثيم مُعاوية وبعضها قواعدُ تنصُّ على ذلك؛ فنُورد مِنها ما فيه الكفاية لمُسترشد.

3

قال الأشعريُّ في [المُجرَّد] [ص/191]: <وكان [الأشعريُّ] يقول: إذَا عقد مَن هُو مِن أهل الحلِّ والعقد الإمامة لمَن هُو لها أهل انعقد؛ ووجب على كافَّة الخلق الانقياد والمُتابعة> انتهى فهل انقاد مُعاوية واتبع!

4

وقال [ص/194]: <وكان يقول في أمر الخارجين عليه والمُنكرين لإمامته: (إنَّهم كُلَّهم كانوا على الخطإ فيما فعلوا؛ ولم يكن لهم أنْ يفعلوا ما فعلوا مِن إنكار إمامته والخروج عليه)> انتهى فلم يكُن لهُم أنْ يخرُجوا عليه عنده.

5

وقال [ص/195]: <وكذلك كان يقول في حرب مُعاوية إنَّه كان باجتهاد منه وإنَّ ذلك كان خطأً وباطلًا ومُنكرًا وبغيًا على معنى أنَّه خُروج على إمام عادل> انتهى وهُو نصٌّ صريح في تأثيم مُعاوية باجتهاده المذكور.

6

وليس في قول الأشعريِّ: <ولكنَّه كان بنوع مِن الاجتهاد ممَّن له أنْ يجتهد فيما له أنْ يجتهد فيه> انتهى نقض لِمَا تقدَّم لأنَّه لم يقُل إنَّه اجتهد فيما ليس فيه نصٌّ ولم يُبرِّئه مِن التَّقصير ولم يصِف اجتهادَه بالشَّرعيِّ.

7

وكذلك ليس في قوله: <وكان يُجري ذلك مجرى اختلاف الحاكمَين إذَا اجتهدَا فأخطأ أحدُهما وأصاب الآخَرُ> انتهى نقض لِمَا تقدَّم فإنَّه لم يُصرِّح فيه بالأجر لمُعاوية فمَن قال إنَّه صرَّح فقد كذب على الأشعريِّ.

8

فالاجتهاد إمَّا أنْ يكون بالقياس إلى الكتاب والسُّنَّة وإمَّا أنْ يكون مُجرَّد رأي مِن قِبل النَّفس؛ ولو أنَّه أراد الاجتهاد الشَّرعيَّ لَمَا قال: <كان خطأً وباطلًا ومُنكرًا وبغيًا على معنى أنَّه خُروج على إمام عادل> انتهى.

9

فالأشعريُّ لم يكُن يرى جواز الاجتهاد فيما نصَّ عليه القُرآن والحديث الصَّحيح الثَّابت وإجماع الأُمَّة ولذلك قال [ص/209]: <وكان يذهب إلى جواز الاجتهاد في فُروع الشَّرع ممَّا لم يُوجد فيه نصٌّ> انتهى.

10

ولو لم يرَ أنَّه قصَّر لَمَا وصفه بالخطإ والباطل والمُنكر والبغي لأنَّه قال في المُختلفَيْن [ص/209]: <إنَّه لا يكون أحدُهمَا أَوْلى بالإصابة مِن صاحبه إذَا استوَتْ طريقتُهُمَا في الاجتهاد ولم يقع منهُمَا تقصير> انتهى.

11

وقال [ص/209]: <والفُروعَ؛ الحقُّ في الجميع والكُلُّ مُصيبون إذَا أدَّى كُلُّ واحد منهم حقَّ الاجتهاد> انتهى فلو رأى مُعاوية مُجتهدًا على الكتاب والسُّنَّة لَمَا خطَّأه ولَمَا وصفه بالمُنكرِ وهُو الحرامُ والبغيِ وهُو الظُّلم.

12

وقولُه [ص/195]: <ولم يُطلِق عليه اسم الفسق والكُفر> انتهى معناه ليس فسقًا مُسقطًا للرِّواية؛ فهُو مثلُ قول البغداديِّ في [الفَرق بين الفِرق] في أهل الجَمَل: <ولم يكُن خَطَؤُهُم كُفرًا؛ ولا فسقًا يُسقط شهادتهُم> انتهى.

13

واعلم أنَّ الأشعريَّ يُسمِّي المعصية خطأ؛ قال [ص/160]: <وإنَّ كُلَّ مَعصيَةٍ ذَنبٌ وخَطأٌ وخِلافٌ لأَمر اللهِ تَعالى> انتهى ولذلك قال في خُروج طلحة والزُّبَير [ص/195]: <وإنَّ ذلك كان منهُما خطأً> انتهى.

14

فمع كونهمَا أفضلَ عنده مِن مُعاوية لأنَّهُمَا مِن المُبشَّرِين بالجنَّة إلَّا أنَّه أثبت عليهم المعصية ثُمَّ برَّأهُمَا منها بالتَّوبة فقال [ص/195]: <وإنَّهما رجعَا عن ذلك وندمَا وأظهرَا التَّوبة وماتَا تائبَين ممَّا عملَا> انتهى.

15

فمع قوله فيهما: <وكانَا في ذلك مُتأوِّلَين مُجتهدَين يرَيانِ ذلك صوابًا بنوع مِن الاجتهاد> انتهى إلَّا أنَّه احتاج تأكيد تَوْبَتِهِمَا مرَّات؛ فتأكَّدَ أنَّه ما أراد بالاجتهاد القياسَ إلى الكتاب والسُّنَّة بل مُجرَّد الرَّأي مِن قِبل النَّفس.

16

ثُمَّ انتصر للقول بغُفران ذنب طلحة والزُّبَير فقال [ص/195]: <إنَّه وقع مغفورًا للخبر الثَّابت عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه حكم لهُمَا بالجنَّة فيما رُوِيَ في خبر بِشارة عَشَرَة مِن أصحابه بالجنَّة..> إلخ.

17

ولم يُثبت مثل ذلك لمُعاوية بل جعله تحت المشيئة فقال [ص/195]: <وأمَّا خطأُ مَن لم يُبشِّره رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالجنَّة في أمره فإنَّه يجوز غُفرانه والعفوُ عنه> انتهى وهُو قول أهل السُّنَّة في أهل الكبائر.

18

ومُعاوية عند الإمام أبي الحسن الأشعريِّ لم يكُن عادلًا بل مَلِكًا وحاكمًا ظالمًا ولهذا قال [ص/196]: <وإنَّ الأمر بعد عليِّ بن أبي طالب كان مُلكًا؛ ولا يقول لأحد بعدَه إنَّه كان إمامًا عادلًا مُفترضَ الطَّاعة> انتهى.

19

ولو كان الأشعريُّ لا يرى تأثيم البُغاة لَمَا كان أكثر الأشاعرة على تفسيق مُقاتلي (سيِّدنا عليٍّ وكُلِّ مَن خرج على مَن اتُّفِقَ على إمامته) كما نصَّ على ذلك الآمديُّ ممَّا نقله عنه الزَّركشيُّ في [شرح جمع الجوامع].

20

وهكذا يتبيَّن بالبراهين والأدلَّة بما لا يدعُ مجالًا للشَّكِّ دقَّة شيخنا الهرريِّ رحمه الله في [في بيان مذهب الأشعريِّ في البُغاة] فمَن اتهمه بالتَّدليس بنى على الجهل ورُبَّما على غرض خبيث وعند الله تجتمع الخُصوم.

نهاية المقال.

Jul 14, 2020, 5:06 AM

حكاياتُ الأنبياء عليهمُ السَّلامُ – 3

اللُّغة الَّتي تكلَّم بها آدمُ عليه السَّلام

1

قال الله تعالى: {وَعَلَّمَ ءادَمَ الأَسمَاءَ كُلَّهَا}. لمَّا كان سيِّدنا آدمُ نبيًّا مُرسلًا مِن الله ليبلِّغَ الدِّين، كان لا بُدَّ مِن لُغةٍ يتكلَّمُ بها مع قومه ليُبلِّغهُم ما أمر اللهُ تعالى بتبليغه. وهذا الأمرُ العظيمُ لا يتأتَّى بلُغة الإشارة كما ظنَّ البعض.

2

فعلَّم اللهُ تعالى سيِّدنا آدمَ كُلَّ اللُّغات، وتكلَّم بها كُلَّها حتَّى أخذها عنه أولادُه، وكانت العربيَّة أوَّل لُغة تكلَّم بها آدم عليه السَّلام فقد ورد أنَّه عليه السَّلام لمَّا تمَّ تكوينُه عَطَسَ فقال: <الحمدُ لله ربِّ العالمين> انتهى.

3

فتكلَّم آدم عليه السَّلام بكُلِّ اللُّغات الأصليَّة كالعربيَّة والعِبريَّة والسُّريانيَّة واللَّاتينيَّة والجِرْمانيَّة ولكن غلبَتِ السُّريانيَّة على لسانه وعلى ألسنة ذُرِّيَّته الأُولى. ثُمَّ بعد الطُّوفان بزمان استقلَّ كُلُّ قَوم بلُغة مِن تلك اللُّغات.

4

قال القرطبيُّ: <الصَّحِيحُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ بِاللُّغَاتِ كُلِّهَا مِنَ البَشَرِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالقُرْآنُ يَشْهَدُ لَهُ، قَال تَعَالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا}> انتهى. وقال: <فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ إِلَّا وَعَلَّمَ سُبْحَانَهُ آدَمَ اسْمَهُ بِكُلِّ لُغَةٍ> انتهى.

5

واللُّغة العربيَّة هي أفضلُ وأسهلُ وأحسنُ وأجملُ لُغة، فهي لُغة النَّبيِّ ولُغة القُرآن ولُغة أهل الجنَّة فيحرُم الاستخفافُ بها، وهي محفوظةٌ بحفظِ اللهِ تعالى القُرآنَ؛ أضِفْ إلى ذلك أنَّها مِن اللُّغات الأصليَّة القديمة.

6

قالَ الشَّيخ عبدُاللهِ الهَرَرِيُّ: <اللُّغاتُ الأصليُّةُ توقيفيةٌ أي الَّتي أوحَى اللهُ بها إلى آدمَ ومنها العربيَّةُ والعِبريَّةُ والسُّريانيَّةُ واللَّاتينيَّةُ والجِرْمانيَّةُ، هذه لُغاتٌ أصليَّةٌ، فأُصولُ اللُّغاتِ ليس اتِّفاقًا مِن البَشرِ لأنَّهُم حتَّى يتَّفقوا يحتاجونَ للُغةٍ، اللَّاتينيَّةُ انبثقَ منها الفرنسيَّةُ والإيطاليَّةُ والإسبانيَّةُ والبُرتغاليَّةُ، الجِرْمانيَّةُ اشْتُقَّ منها الألمانيَّةُ والدَّنماركيَّةُ والسُّويديَّةُ. في الحبشةِ الهرريَّةُ والأمهريَّةُ والتِّغْرانيَّةُ والسَّلْتِيَّةُ أصلُهم لُغةُ الجَعْزِ، لا أحدَ يتكلَّمُ بها اليومَ إلَّا في الكنيسةِ في التِّغْراي، وهُو إقليمٌ في الحبَشَةِ، لأجلِ هذا إنِ احتجتَ أنْ تعرفَ ما وردَ في بعضِ الأحاديثِ كحديثِ: <هذا سَناه> أي جميلٌ، هذا مِن لُغةِ الجَعْزِ. “مَهْيَم”: أي ما هذا؟ ترجعُ في مثلِ هذا إلى الجَعزيَّةِ لا إلى اللُّغاتِ المُستعملةِ اليومَ. والهَرَرِيَّةُ دخلَها عربيٌّ وتُركيٌّ وهنديٌّ> انتهى.

* مُلاحظة: لمَّا نطقَ الشَّيخُ كلمةَ (جَعزٍ) نطقَها بالجيمِ المصريَّةِ.

* في المقال التَّالي: لماذَا سجَدَتِ الملائكة لآدم عليه السَّلام وما هُو أوَّل كُفر وقع فيه إبليس؟ وهل كان مِن الملائكة؟

Jul 13, 2020, 5:20 AM

فهرس آخر مقالات صفحة أهل السُّنَّة في فيسبوك

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

وبعد فهذا فهرس آخِر مقالات صفحة أهل السُّنَّة في فيسبوك فنرجو ممَّن أحبَّ مراجعتنا في أيِّ مقال أنْ يُراسلنا على بريد الصَّفحة. ونسأل الله تعالى أنْ يتقبَّل منَّا ومنكُمُ الصَّالحات وآخِر الدُّعاء أنِ الحمدلله ربِّ العالَمِين.

1. ردُّ كيد المُفتري على الإمام الهرري 1 في مسألة سَبِّ الصَّحابة

2. ردُّ كيد المُفتري على الإمام الهرري 2 في مسألة التَّرضِّي على مُعاوية

3. ردُّ كيد المُفتري على الإمام الهرري 3 في مسألة عصمة الأنبياء

4. فيديو قصيدة: إليك وسيلتي قوم كرام

5. حكايات الأنبياء 1: مُقدِّمة

6. حكايات الأنبياء 2: آدمُ عليه السَّلام.. كيف خُلِق وما هي صُورتُه؟

7. سُؤال وجوابُه 1 في مسألة عصمة الأنبياء

8. سُؤال وجوابُه 2 هل للبُغاة أجر في بغيهم؟

9. تحقيق مذهب الأشعريِّ في عصمة الأنبياء

10. أهل الفتنة ابتدعوا تقسيم المعصية إلى ثلاثة أقسام

11. بئس أهل الفتنة جعلوا الجائز كُفرًا وقاسوا المُستحيل على المُمكن

12. ما لم يُجب عليه المُخالفون في مسألة اتِّجاه القِبلة في أميركَا الشَّماليَّة

13. حكايات الأنبياء 3: اللُّغة الَّتي تكلَّم بها آدمُ عليه السَّلام

* روابط المقالات في المُداخلات على المقال.

* الرَّجاء عدم إجراء مُداخلات على هذا المقال.

شُكرًا لكُم.

Jul 12, 2020, 1:12 PM

ردُّ كيد المُفتري على الإمام الهرري – 3

في مسألة عصمة الأنبياء عليهمُ السَّلام

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

* وبعدُ فهذه سلسلة مِن المقالات؛ فيها [ردُّ كيد المُفتري على الإمام الهرري] وهُو العالِم العلَّامة والحَبر الفهَّامة، وبيان أقواله في مسائل شرعيَّة مُهمَّة افترى عليه أهل الفتنة الَّذين يتلقَّفون مِن الكُتُب كُلَّ صحيح وسقيم.

* في مسألة عصمة الأنبياء عليهمُ السَّلام

1

وزعم أهل الفتنة أنَّ الشَّيخ عبداللهِ الهرريَّ نسب إلى الأنبياء ما لا يليق بهم، وهذا بُهتان عظيم، فإنَّ شيخنا على ما عليه جُمهور العُلماء مِن عصمة الأنبياء عن الكُفر والكبائر وصغائر الخسَّة قبل النُّبُوَّة وبعدها.

2

وتمسَّك أهل الفتنة بالدَّعاوي الكاذبة فزعموا أنَّ الأنبياء معصومون بعد النُّبُوَّة عن كُلِّ معصية بالإجماع، وكذبوا، فليس هذا مذهب الجُمهور بل جوَّز الجُمهور وُقوع الأنبياء في صغائر لا خسَّة فيها قبل النُّبُوَّة وبعدها.

3

وقال التَّفتازانيُّ فِي [شرح العقائد النَّسفيَّة]: <أَمَّا الصَّغَائِرُ فَيَجُوزُ عَمْدًا عِنْدَ الجُمْهُورِ> إلى قوله: <لَكِنَّ المُحَقِّقِينَ اشْتَرَطُوا أَنْ يُنَبَّهُوا عَلَيْهِ فَيَنْتَهُوا عَنهُ. هَذَا كُلُّهُ بَعْدَ الوَحْيِ> انتهى وقوله: <بَعْدَ الوَحْيِ> أي بعد النُّبُوَّة.

4

ونقل كثير مِن العُلماء مذهب الجُمهور في جواز وُقوع الأنبياء في صغائر لا خسَّة فيها كالطَّبريِّ -الموصوف بالاجتهاد- وابن بطَّال والبيهقيِّ والمُتولِّي والجُوينيِّ والقاضي عياض ومُلَّا عليٍّ والزَّركشيِّ وكثير غيرهم.

5

وقال الغزاليُّ فِي [المنخول]: <وأمَّا الصَّغائرُ ففيهِ تردُّدُ العُلماءِ والغالبُ على الظَّنِّ وقوعُهُ وإليهِ يُشيرُ بعضُ الآياتِ والحكاياتِ؛ هذا كلامٌ فِي وقوعِهِ> انتهى وقال في [المُستصفى]: <فقد دلَّ الدَّليل على وُقوعها منهُم> إلخ.

6

وقال النَّوويُّ فِي [شرح مُسلم]: <وَاخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِ غَيْرِهَا مِنَ الصَّغَائِرِ مِنْهُمْ فَذَهَبَ مُعْظَمُ الفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ وَالمُتَكَلِّمِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ إِلَى جَوَازِ وُقُوعِهَا مِنْهُمْ وَحُجَّتُهُمْ ظَوَاهِرُ القُرْآنِ وَالأَخْبَارِ> إلى آخر كلامه.

7

وأنكر أهل الفتنة على شيخنا تسميته الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها: حقيقيَّة، فذكرنا لهُم قول عياض فِي [الشِّفا]: <وَلَا يَجِبُ عَلَى القَوْلَيْنِ أَنْ يُخْتَلَفَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ تَكْرَارِ الصَّغَائِرِ وَكَثْرَتِهَا إِذْ يُلْحِقُهَا ذَلِكَ بِالكَبَائِرِ> انتهى.

8

ثُمَّ علَّمناهُم أنَّ كلام القاضي عياض المذكور آنفًا يُفيد بأنَّ الصَّغيرة الَّتي جوَّز الجُمهور وُقوع الأنبياء فيها: هي الصَّغيرة الحقيقيَّة غير المُنفِّرة لأنَّ المعصية المجازيَّة مهمَا تكرَّرت وكثُرت فإنَّها لا تلتحق بالكبائر.

9

ثُمَّ قرأ أهل الفتنة أنَّ بعض العُلماء اشترطوا في المعصية الحقيقيَّة العلمَ بكونها معصية، وغاب عنهُم أنَّه اصطلاح عند بعض العُلماء القائلين بالعصمة المُطلقة فهُو خاصٌّ بهم ليس أصلًا في المعنى الشَّرعيِّ.

10

أمَّا في اللُّغة فالحقيقة تُقابل المجاز ولذلك ميَّز سائر العُلماء بَين الصَّغيرة وترك الأَوْلى؛ لكون الصَّغيرة حقيقيَّة والثَّانية مجاز، ولا يُوجد بين أيديهم قول مُعتبَر واحد فيه إنكار أنَّ ما جوَّزه الجُمهور المعصية على الحقيقة.

11

وزعم أهل الفتنة أنَّ المعصية تُطلق على ثلاثة وُجوه: إطلاق حقيقيٌّ وإطلاق مجازيٌّ وإطلاق ثالث مُجرَّد مِن الحقيقة والمجاز! وهذا الثَّالث المكذوب هُمُ افترَوه على اللُّغة والدِّين، وهو منهُم بدعة لم يُسبقوا إليها في العالَمِين.

12

وأنكر أهل الفتنة استعمال لفظ الحقيقيَّة بقصد بيان قول الجُمهور في العصمة وزعموا أنَّه إساءة أدب بحقِّ الأنبياء؛ ولا معنى لإنكارهم فإنَّه لفظ لا يزيد على ما أطلقه الجُمهور مِن جواز الصَّغيرة على الأنبياء عَمْدًا.

13

ولو كان أهل الفتنة مُنصفين لأنكروا على مشايخهم نسبة الكبائر للأنبياء فإنَّ ذلك مُخالف لِمَا أجمع عليه عُلماء أهل السُّنَّة مِن عصمة الأنبياء عن الكبائر قبل النُّبُوَّة وبعدها؛ ولكنَّهُم سكتوا عن إنكار ذلك ففضحهُمُ الله.

14

وكُلُّ مَن جالس الشَّيخ الهرريَّ وعَرَفَه يشهد كيف استفاد منه محبَّة الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامُه- وتعظيمَهُم وتنزيهَهُم عمَّا لا يليق بهم وكيف قضى الشَّيخ عُمُرَه في الدِّفاع عن الأنبياء والتَّحذير ممَّا افتُري عليهم.

نهاية المقال.

Jul 12, 2020, 4:01 AM

حكاياتُ الأنبياء عليهمُ السَّلامُ <2>

نبيُّ الله ءادمُ عليه السَّلامُ

1

قال تعالى: {إِنَّ اللهَ اصْطَفَى ءادَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْرَاهِيمَ وَءالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} فآدمُ عليه السَّلامُ أبو البشر وأولُّ إنسانٍ خُلِق. كان خَلْقُه عليه السَّلامُ في الجنَّة آخرَ ساعةٍ مِن يوم الجُمُعة. قال الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم: <خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ> انتهى.

كيف خُلق آدمُ عليه السَّلامُ

2

أَمَرَ اللهُ تعالى مَلَكًا مِن ملائكتِه الكرام أنْ يأخُذ مِن جميعِ أنواعِ تُرابِ الأرضِ الَّتي نَعيشُ عليها لِيُخلَقَ منه آدمُ عليه السَّلامُ، فأخذ هذا المَلَكُ مِن جميع أنواع تُراب الأرض؛ مِن أبيضِها وأسودِها وما بينَ ذلك، ومِن سَهْلِها وحَزْنها أي قاسِيها وما بينَ ذلك، ومِن طَيِّبها وردِيئها وما بينَ ذلك.

3

وجاء في الحديث: <إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا –أي أنَّ اللهَ أمر مَلَكًا بِقَبْضِها- مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، فَجَاءَ مِنْهُمُ الأَبْيَضُ وَالأَحْمَرُ وَالأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ والحَزْنُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَبَيْنَ ذَلِكَ> انتهى فجاؤوا مُختلِفين كاختلاف التُّراب.

معنى قول النَّبيِّ: <إنَّ اللهَ خلق آدمَ على صُورته>

4

وقال نبيُّنا صلَّى الله عليه وسلَّم: <إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ> انتهى. ومِن المعلوم أنَّ اللهَ تعالى لا يُوصف بالصُّورة لأنَّها صفة المخلوقات لكن يجوزُ أنْ يكُونَ المعنى على صُورة آدمَ الأصليَّةِ طولُه ستُّون ذراعًا وعرضُه سبعةُ أذرُع؛ فيكُون الضَّميرُ في <صورته> عائدًا إلى آدمَ عليه السَّلامُ.

5

ويجوزُ أنْ يكونَ الضَّميرُ في <صُورته> عائدًا إلى الله بمعنى أنَّها مِن خلقِه وتكوينه لا على معنى أنَّها صفة له ولكن أُضيفَت إليه إضافة المِلك والتَّشريف كما أنَّنا نُضيف الكعبة إلى الله فنقول بيت الله أي بيت مُكرَّم عند الله تعالى؛ كقول الله تعالى لإبراهيمَ وإسماعيلَ: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتيَ} الآية.

6

فاللهُ سُبحانه وتعالى ليس كمثله شيء ولا يُوصَفُ بالجُزئيَّة فليس هُو أصلًا لشيء ولا فرعًا عن شيء، ولا يُوصفُ اللهُ تعالى بالصُّورة لأنَّ الصُّورة تقتضي الكيفيَّة <والكيفية عن اللهِ وعن صفاته مَنفيَّة> كما قال أبُو سُليمانَ الخطَّابيُّ فيما رواه عنه الإمام البيهقيُّ في [الأسماءِ والصِّفاتِ].

* في المقال التَّالي: بيان اللُّغة الَّتي تكلَّم بها آدمُ عليه السَّلام وهل هي العربيَّة أم السُّريانيَّة؟ وهل عَلِم عليه السَّلام كُلَّ اللُّغات الأصليَّة؟

Jul 11, 2020, 3:33 AM

ردُّ كيد المُفتري على الإمام الهرري <2>

في مسألة التَّرضِّي على مُعاوية

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

* وبعدُ فهذه سلسلة مِن المقالات؛ فيها [ردُّ كيد المُفتري على الإمام الهرري] وهُو العالِم العلَّامة والحَبر الفهَّامة، وبيان أقواله في مسائل شرعيَّة مُهمَّة افترى عليه أهل الفتنة الَّذين يتلقَّفون مِن الكُتُب كُلَّ صحيح وسقيم.

* في مسألة التَّرضِّي على مُعاوية

1

وزعم أهل الفتنة أنَّ الشَّيخ عبداللهِ الهرريَّ يُضلِّل الإمام البُخاريَّ وغيره مِن العُلماء الَّذين يترضَّون على مُعاوية بن أبي سُفيان في مُصنَّفاتهم؛ وهذا بُهتان عظيم، فإنَّ شيخنا لا يُضلِّل أحدًا مِن العُلماء لمثل ذلك.

2

وهؤُلاء المُفترون ليس معهُم مُستند ولكنَّهُم يفترون على الشَّيخ عبدالله الهرريِّ لأنَّهم لم يفهموا المسائل على الوجه الصَّحيح وإلَّا فإنَّ الشَّيخ رحمه الله على تعظيم عُلماء أهل السُّنَّة ولا سيَّما الإمامُ البُخاريُّ رضي الله عنه.

3

فقد ذكر شيخُنا في كتابه [الرَّدِّ على الألباني] صلاحَ البُخاريِّ وفضلَه، وأنَّه لمَّا ظهر أمرُه بعد وفاته خرج بعضُ مُخالفيه إلى قبره وأظهروا النَّدامة، وكيف أنَّ أهل سمرقندَ كانوا يستسقون عند قبره فيسقيهمُ الله تعالى.

4

ومعنى (رضي الله عنه) إخبار أنَّ مَن قِيلت فيه هُو ممَّن أطاعوا الله تعالى وأجابوا نبيَّه المُصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم إلى ما دعاهُم إليه مِن أمره ونهيه فهُمُ الأتقياء الطَّائعون ولا يجوز أنْ يُخبر بذلك عن العُصاة.

5

وخُلاصة ما قاله شيخُنا الهرريُّ أنَّ عبارة (رضي الله عن فُلان) إنْ كانت مِن باب الإخبار والتَّعظيم فلا يجوز إطلاقُها إلَّا على الَّذين هُم ممَّن رضي الله عنهُم مِن الأتقياء مِن هذه الأُمَّة وسائر أُمم الأنبياء.

6

فليس كُلُّ صحابيٍّ داخلًا في الآية: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}. وقال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} الآية.

7

ولم يقُل سُبحانه وتعالى إنَّه رضي عن كُلِّ صحابيٍّ بعينه مُطلَقًا فلا نستدرك على ما جاء في كتاب الله؛ ولذلك ترك كثير مِن السَّلف الصَّالح التَّرضي على مُعاوية وقد وصف الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم فئتَه بالباغية.

8

ثُمَّ بعض العُلماء نظروا في قول مُعاوية حين اقتربَتْ منيَّتُه: <ذنبي كالتُّراب> انتهى فحملوا كلامه على النَّدمِ والنَّدمُ توبة فمَن ترضَّى عليه فلمظنَّة توبته؛ وكثير مِن العُلماء لم تثبُت عندهُم توبة مُعاوية فلم يحكُموا له بذلك.

9

وقد ترك التَّرضي على مُعاوية وطعن به غير واحد مِن أئمَّة السَّلف والحُفَّاظ ورجال السِّتَّة المُجمع على ثقتهم حتَّى إنَّ إسحق بن راهوَيه -وهُو شيخ البُخاريِّ والنَّسائيِّ- قال: <لا يصحُّ في فضل مُعاوية شيء> انتهى.

10

والإمام أحمد بن حنبل لمَّا سأله ابنه: <ما تقول في مُعاوية؟> قال رضي الله عنه ما نصُّه: <إنَّ عليًّا كان كثير الأعداء ففتَّش أعداؤه له عيبًا فلم يجدوا فعمدوا إلى رجُل قد حاربه فأطرَوه كيادًا منهُم لعليٍّ> انتهى.

11

قال ابن حجر العسقلانيُّ: <فأشار بهذا إلى ما اختلقوه لمُعاوية مِن الفضائل ممَّا لا أصل له> انتهى. فمَن بلغه قول النَّبيِّ: <ويح عمَّار تقتُلُه الفئة الباغية> ولم تثبُت عنده توبته فلا يُخبر أنَّه مِن المرضيِّين عند الله.

12

فأمَّا أهل الفتنة فخلطوا السَّابق بالمُتأخِّر والفاضل مِن الصَّحابة بغيره وأهلَ الرِّضوان بمَن لم يبلُغ تلك المنزلة العليَّة والدَّرجة الكريمة؛ وليس كُلُّ مَنِ ادَّعى العلم كان عالمًا أُصوليًّا ولا كُلُّ مَن تمظهر بالتَّقوى صار تقيًّا.

نهاية المقال.

مُلاحظة: وإنَّ مَن التقيناهُم مِن العُلماء في زماننا هُم على ما كان عليه الشَّيخ عبدالله الهرريُّ. وفي المُداخلة الأُولى فيديو الشَّيخ مُحمَّد عبد الباعث (ابن الوليِّ الصَّالح الشَّيخ إبراهيم عبد الباعث المصريِّ الاسكندريِّ).

Jul 10, 2020, 3:53 AM

حكايات الأنبياء عليهم السَّلام <1>

مُقدِّمة السِّلسلة

1

الحمدُ لله أكرمَنا بِبعْثةِ سيِّدنا مُحمَّدٍ خيرِ الأنام، وأَرسلَ الأنبياءَ هُداةً مَهدِيِّين يدعُون إلى عبادته ويُحذِّرُون مِن معصيتِه. والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِّنا مُحمَّدٍ وعلى آله وصحبه الطَّاهرِين ومَن تبعهُم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.

2

إنَّ المُطالع في قَصص أنبياءِ اللهِ ورُسُلهِ الكِرام يجدُ أنَّ فيها المواعظَ والعِبَرَ، وحثَّ النَّاسِ على أداءِ ما افترضَ اللهُ، والصبر على الشدائد والثَّباتَ على الحقِّ، قال اللهُ تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ}.

3

وقد جعل اللهُ أفضلَ الخلائقِ الأنبياءَ والرُّسُلَ عليهمُ الصَّلاةُ السَّلامُ، قال اللهُ تعالى: {وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى العَالَمِينَ} فهُم صفوة الخَلْقِ وهُمُ القُدوةُ للمُؤمنين لِمَا خصَّهُمُ اللهُ بصفاتٍ وشمائلَ لم يُعطِها لغيرهِم مِن مخلوقاته.

4

فكانت الفكرةُ أنْ نقُوم بعمل هذه السِّلسلة المُباركة الَّتي تُعنى بذكر حكايات الأنبياء الَّذين وردت أسماؤُهم في القُرءان الكريم وسيرةِ سيِّدِّنا مُحمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ كُلُّ ذلك بعبارة سليمة وباختصارٍ مِن غير إطالة.

5

وقد دفعنا إلى ذلك رغبتُنا في أنْ يكونَ بين يديِ القارئِ حكايات أنبياءِ الله ورُسُله الكرام ليستفيدَ منها ويستخلصَ ما ينيرُ له قلبَه ودربَه، ولتنقية هذه القَصص مِنَ الرِّوايات المكذُوبة والَّتي لا تليق بالأنبياء عليهمُ السَّلام.

6

فنسألُ اللهَ العليَّ القديرَ أنْ يُوفِّقنا فيما قامت الهمَّة على كتابته ورسمه وأنْ يجعل سُبحانه وتعالى عملَنا هذا خالصًا لوجهِه الكريم وأنْ يُوفِّقنا عزَّ وجلَّ لِمَا يُحبُّه ويرضاه وأنْ يرزُقنا حُسن الختام إنَّه على ما يشاء قدير.

انتهى.

Jul 9, 2020, 12:48 AM

ردُّ كيد المُفتري على الإمام الهرري <1>

في مسألة سَبِّ الصَّحابة رضي الله عنهُم

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

* وبعدُ فهذه سلسلة مِن المقالات؛ فيها [ردُّ كيد المُفتري على الإمام الهرري] وهُو العالِم العلَّامة والحَبر الفهَّامة، وبيان أقواله في مسائل شرعيَّة مُهمَّة افترى عليه أهل الفتنة الَّذين يتلقَّفون مِن الكُتُب كُلَّ صحيح وسقيم.

* في مسألة سبِّ الصَّحابة رضي الله عنهُم

1

زعم أهل الفتنة أنَّ شيخنا الهرريَّ يُبيح سَبَّ الصَّحابة رضي الله عنهُم، وهذا بُهتان عظيم، فإنَّه عدَّ سَبَّ الصَّحابة في معاصي اللِّسان ونحن نُبيِّن ما أشكل على المُفتري في فهمه فأصبح سقيمًا وفي قلبه فأمسى أثيمًا.

2

قال شيخُنا الهرريُّ في [بُغية الطالب]: <مِن معاصي اللِّسان سَبُّ أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فمَن سبَّهُم جُملةً كَفَرَ> انتهى أمَّا مَن سَبَّ واحدًا منهُم فقد وقع في ذنب كبير. هذا قول شيخنا في سَبِّ الصَّحابة.

3

وشيخُنا الهرريُّ لا يتكلَّم في جواز لعن أحد مِن الصَّحابة وهُو يقول إنَّ السَّابقين الأوَّلِين مِن المُهاجرين والأنصار أولياءُ كُمَّلٌ وإنَّ سَبَّ أحدهم أعظم إثمًا وأشدُّ ذنبًا مِن سَبِّ غيرهم؛ ويقول: أُمَّهات المُؤمنين كُلُّهُنَّ وَلِيَّات.

4

وأهل الفتنة لم يفهموا كلام شيخنا في مسألة السَّبِّ عندما بلغهُم ما يتعلَّق بذلك فتوهَّموا أنَّه رحمه الله يُبيح سَبَّ بعض مَن فَسَقَ مِن الصَّحابة وشَتْمَهُم بما يكون بَين النَّاس مِن المُشاتمة؛ وليس هذا مُراد الشَّيخ أبدًا.

5

فلمَّا كان السَّبُّ وصف الإنسان بما يُكره مِن الكلام في عادة النَّاس كان مُراد شيخنا أنَّ مَن قال: “الَّذين قاتلوا الإمام عليًّا بُغاة ظالمون” فمثل هذا إنْ كان لسبب شرعيٍّ كضرورة بيان حُكم الشَّرع: فهذا جائز.

6

وقد جاء فيما يدُلُّ على نُبُوَّة سيِّدنا مُحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم: <ويح عمَّار تقتُلُه الفئةُ الباغية> انتهى فالوصف بالبغي والظُّلم ونحو ذلك ذَمٌّ لهُم لكنَّه جائز لتعلُّقه بضرورة شرعيَّة. فهذا مُراد شيخنا الهرريِّ رحمه الله.

7

وروى العُلماء الحديث وشرحوه ليفهم النَّاس معناه فنقل الجُرجانيُّ عن فُقهاء الحجاز والعراق بأنَّ الَّذين قاتلوا عليًّا: <بُغاة ظالمون له ولكن لا يجوز تكفيرُهُم ببغيهم> انتهى وقال ابن الهُمام: <إنَّ مُعاوية جائر> انتهى.

8

وقال عليٌّ القاري: <فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ كَانَ فِي الْبَاطِنِ بَاغِيًا وَفِي الظَّاهِرِ مُتَسَتِّرًا بِدَمِ عُثْمَانَ مُرَاعِيًا مُرَائِيًا فَجَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَيْهِ نَاعِيًا وَعَنْ عَمَلِهِ نَاهِيًا لَكِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا فَصَارَ عِنْدَهُ كُلٌّ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مَهْجُورًا> إلخ.

9

ولو كان لا يجوز انتقاد صحابيٍّ في أيِّ شيء ما روى الإمام مُسلم حديث النَّبيِّ في مُعاوية: <لا أشبع اللهُ بطنه> ولا قوله: <أمَّا أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه وأمَّا مُعاوية فصُعلوك لا مال له>.. الحديث.

10

ويصحُّ قول: إنَّ وصف الَّذين خرجوا على الإمام عليٍّ وقاتلوه بـ(البُغاة) ليس سَبًّا لهُم. ويكون المعنى: أنَّه ليس مِن السَّبِّ الَّذي يكون بين النَّاس بقصد إهانتهم والحطِّ منهُم فَافْهَمْ الخطاب واللهُ الهادي إلى الصَّواب.

نهاية المقال.

Jul 8, 2020, 4:18 AM

أضف تعليق