

إن المعتزلة قالوا: المفهوم من الشيء إن لم يكن عين المفهوم من الآخر فهو غيره، وإن كان عينه فهو هو، ولا واسطة بينهما
فالمعتزلة يجعلون العلاقة بين شيئين من حيث المفهوم العقلي الذهني لا تخرج عن حالتين فقط :
إذا تصوّرت أحدهما في ذهنك فكان هو نفس تصوّر الآخر بلا زيادة ولا اختلاف
فيقولون: هذا هو عينه وليس شيئًا آخر.
وإمّا أن يكون المفهومان مختلفين، أي إذا تصوّرت الأول وجدت فرقًا ولو يسيرًا عن الثاني.
فيقولون: هذا غيره.
ثم يقولون: لا توجد حالة ثالثة بين الاتحاد والمغايرة، فلا يوجد عندهم شيء “ليس هو ولا غيره”.
ورد أهل السنة والجماعة اعتراضهم هذا بأنه لما فسّرنا الغيرين بما ذكر من عدم قبولهما الانفكاك وهو التفسير الذي دلت عليه اللغة وشهد بصحته العقل وفسرنا العينية باتحاد المفهوم تُصوّر بين الوصفين واسطة وهي أن نثبت شيئين ليس مفهوم أحدهما مفهوم الآخر مع كونه لا يقبل الانفكاك عنه.
ومثال ذلك في الشاهد الواحد من العشرة فإنه كما أن الواحد ليس عين العشرة فليس غيرها لاختلاف المفهوم في الأول وعدم إمكان الانفكاك في الثاني.
فاعتراض أهل السنة على قاعدة المعتزلة مبني على تغيير تعريف “الغيرية” و”العينية”.
فقالوا باختصار:
العينية: اتحاد المفهومين في الذهن.
الغيرية: إمكان الانفكاك في الخارج (أي يمكن أن يوجد أحدهما دون الآخر لأن حقيقة الغيرين ما جاز مفارقة أحدهما للآخر بوجود أو عدم وهذا لا يجوز في الذات الإلهية مع الصفات لأن الصفات ثابتة لله أزلا وأبدا ثبوتا لا يقبل الانفكاك).
فإذا عرّفناهما بهذا الشكل، تظهر واسطة بينهما.واسطة بين العين والغير فتقول هذا ليس عين ذاك ولا هو غيره والواسطة هنا هي أن مفهوم هذا غير مفهوم ذاك وفي نفس الأمر لايفارقه فلا يكون بعضا ولا غيرا.
فحقيقة الغيرين عندنا هما ما يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر، فإن لم يقبلا الانفكاك : فليس غيرًا.
والعينية هي اتحاد المفهوم أي إن كان المفهومان واحدًا في الذهن : فهما عين.
فالنتيجة إذا وجدنا شيئين:
مفهومان مختلفان (فليسا عينًا).
لكن لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر (فليسا غيرًا).
حصلت واسطة بين العينية والغيرية، وهذا يبطل قول المعتزلة “لا واسطة”.
ومثال ذلك في الشاهد الواحد من العشرة:
مفهوم الواحد غير مفهوم العشرة : إذن ليس عينها.
لكن الواحد داخل في العشرة ولا يمكن أن توجد العشرة بدون آحاد : فلا يمكن الانفكاك.هذا المثال في الشاهد الواحد بعض من العشرة ويد الانسان بعض من الانسان أما في حق الله سبحانه فليست صفاته هي هو و لا هو هي و ليست الصفات أبعاضا أو أجزاء أو أغيارا.
إذن:
ليست الصفات عين الذات لاختلاف المفهوم.
وليست غير الذات لعدم إمكان الانفكاك.
فثبتت الواسطة وهي اختلاف في المفهوم مع عدم إمكان الانفكاك.
لذلك نقول صفات الله ليست عينًا، وليست غيرًا عن الذات
ليست عين الذات، ولا غير الذات، بل: لا هي عينها ولا غيرها.
زيادة إيضاح:
وإنما قلنا ليست عين الذات لان مفهوم الصفة غير مفهوم الذات فالمفهوم من قولنا علم الله غير المفهوم من قولنا ذات الله ونقول عن الصفات ليست غير الذات لأن حقيقة الغيرين ما جاز مفارقة أحدهما للآخر بوجود أو عدم وهذا لايجوز في الذات مع الصفات لأن الصفات ثابتة لله أزلا وأبدا ثبوتا لا يقبل الإنفكاك فيعلم مما سبق أن القول بإثبات الصفات لايلزم منه قدم غير الله و لا تعدد الآلهة.
قال الإمام النسفي وله صفات قائمة بذاته وهي لا هو و لا غيره وهي العلم والقدرة والحياة والقوة والسمع والبصر و الإرادة و المشيئة.
وقال أهل السنة صفات الله هي صفات قائمة بالذات أي ثابتة لذاته ليس معناه حالة في الذات لأنه على قول إنها حالة في الذات يكون الذات ظرفا للصفات وذلك يؤدي إلى القول بأنه جسم وهذا شأن المحدثات فلا يقال إن صفاته بعضه ولا غيره ولا يقال إنها موافقة للذات ولا مخالفة ولا شبيهة بالذات لأنها ليست عين الذات ولا غير الذات.
هذا كلام الشيخ عبد الله الهرري في شرح النسفية.
وهذا مختصر المطالب الوفية للشيخ سمير القاضي يشرح هذه القضيّة شرحا موجزا مختصرا مفيدا :
قال المؤلف رحمه الله: [وله صفات أزلية قائمة بذاته].
(الشرح): أن الله تعالى له صفات أزلية قائمة بذاته، ولا يقال حالة بذاته ولا حالة في ذاته ولا إنها بعض ذاته ولا أنها متصلة بذاته بل نقول صفات قائمة بذاته أي ثابتة له سبحانه لا تنفك عنه كما ينفك الغير عن الغير، فنقول علمه تعالى صفة أزلية أبدية قائمة بذاته وقدرته صفة أزلية قائمة بذاته يتأتى بها الإيجاد الإعدام وإراداته صفة قديمة قائمة بذاته يخصص بها الممكنات ببعض ما يجوز عليها بدل بعض، بها خصص الجسم الأبيض بالبياض دون السواد وخصص القصير بالقصر دون الطول وخصص الطويل بالطول دون القصر، وقد كان جائزا في العقل أن نكون طوالا كما كان ءادم ستين ذراعا بل كان جائزا أن نكون أطول منه فخصصنا الله تعالى بهذا الطول الذي نحن عليه، وهذا التخصيص هو المشيئة وهو الإرادة.
قال المؤلف رحمه الله: [وهي لا هو ولا غيره].
(الشرح): أن صفات الله ليست عين الذات ولا غير الذات، فبقولنا هذا نفينا ما تقوله المعتزلة من نفي قيام الصفات بالله تعالى قالوا لو كان لله صفات لكانت أزلية ولو كانت أزلية لتعدد القدماء فبطل التوحيد بل هو قادر لذاته وعالم لذاته قلنا نحن أهل السنة لا نثبت صفات هي غير الذات حتى يكون في إثباتها إثبات تعدد القدماء بل نقول الله ذات واحد متصف بصفات لا هي عينه ولا هي غيره أي لا يصح انفكاكها عنه كالغيرين ولا هي عينه بل لها مفهوم غير مفهوم الذات لأنك إذا قلت علم الله يفهم من هذه الكلمة غير مفهوم الذات المقدس وإذا قلت الله يفهم منه الذات فلا يلزم من قولنا الله له علم قديم وقدرة قديمة وإرادة قديمة وسمع قديم وبصر قديم وحياة قديمة وكلام قديم قائمات بذاته إثبات ءالهة ولا يلزم إثبات قدم الغير ولا تكثر ذوات قدماء بل أثبتنا إلٰها واحدا متصفا بصفات أزلية بأزلية الذات أي نقول الله واجب الوجود بذاته وصفاته واجبة لذاته الواجب فليس في ذلك إشكال. أما النصارى وإن لم يصرحوا بالقدماء المتغايرة لكن لزمهم ذلك لأنهم أثبتوا الأقانيم الثلاثة التي هي الوجود والعلم والحياة وسموها الأب والابن وروح القدس وزعموا أن أقنوم العلم قد انتقل إلى بدن عيسى عليه السلام فجوزوا الانفكاك والانتقال على صفات الله فكانت ذواتا متغايرة وعندا لا يجوز أن تنتقل صفة الإله لأن الأزلي لا يطرأ عليه التغير.
وما أجهل هؤلاء الذين عندما تأتي ليلة النصف من شعبان يفزعون إلى المساجد ليحضروا دعاء على زعمهم يغير الله تعالى مشيئته لأجله ولمن يحضره في هذه الليلة فهؤلاء ما عرفوا الله تعالى وكذبوا قوله عز وجل: {ما يبدل القول لدي} [ق: 29].
قال المؤلف رحمه الله: [وهي العلم والقدرة والحياة والقوة والسمع والبصر والإرادة والمشيئة].
(الشرح): أن من الصفات التي هي أهم معرفة على المؤمن هذه المذكورات وإلا فصفات الله ليست محصورة في هذا القدر ولكن بعضها يجب معرفته تفصيلا وجوبا عينيا وبعضها لا.
قال أهل الحق العلم صفة أزلية تكشف المعلومات عند تعلقها بها.
والقدرة صفة أزلية تؤثر في المقدورات عند تعلقها بها. والقوة مرادفة للقدرة فالقوة هي القدرة.
والسمع صفة تتعلق بالمسموعات، والبصر صفة تتعلق بالمبصرات فيسمع الله تعالى كل المسموعات بسمعه الأزلي ويرى كل المرئيات برؤيته الأزلية. وقال بعض الأشاعرة المتأخرين السمع يتعلق بالمسموعات وغيرها من الموجودات والبصر يتعلق بالمبصرات وغيرها من الموجودات.
أما الإرادة أي المشيئة فهما عبارتان عن صفة للحي توجب تخصيص أحد المقدورين في أحد الأوقات بالوقوع مع استواء نسبة القدرة إلى الكل.
أما البقاء فهي عند الأشعري صفة معنى وصفات المعاني على هذا ثمانية.
وبعض المتأخرين قالوا يجب معرفة عشرين صفة لله وجوبا عينيا فأضافوا إلى ما تقدم كونه تعالى قادرا وكونه مريدا وكونه عالما وكونه حيا وكونه سميعا وكونه بصيرا وكونه متكلما سموها معنوية لكونها لازمة من ثبوت صفات المعاني لأنه من ثبوت القدرة يلزم كونه قادرا وبثبوت العلم يلزم كونه عالما. والتحقيق أنه يكفي اعتقاد ثبوت العلم لله والقدرة والإرادة والسمع والبصر والحياة والكلام والبقاء لأنه يحصل من اعتقاد أن لله قدرة اعتقاد كونه قادرا.
ولما قال المؤلف كغيره من أهل الحق [وله صفات أزلية] علمنا بطلان قول الكرامية عن مشيئة الله حادثة تتجدد في ذاته كما قال ابن تيمية.
والكرامية طائفة كان يتزعمها محمد ابن كرام وهو متقدم على ابن تيمية بزمان طويل لكن يجمعهما تشبيه الله بخلقه. عند الكرامية الله تعالى له إرادة متجددة وهذه صفة المخلوق لا الخالق.
وكذلك يقول ابن تيمية كلام الله قديم النوع حادث الأفراد فالله تعالى عنده يتكلم بالحرف إن كان عربيا وإن كان عبريا وإن كان سريانيا فيجعل الحرف قديما باعتبار وحادثا باعتبار، وهذا دليل على نقصان عقله كما قال الإمام الحافظ أبو زرعة العراقي [علمه أكبر من عقله] اهـ. فالحرف إما عربي كائن بلغة العرب أو أعجمي بغيرها من اللغات وكلها حادثة مخلوقة يسبق بعضها بعضا عند الكلام بها فكيف يجعلها ابن تيمية بالنسبة إلى الله قديمة النوع حادثة الأفراد فهو باعتقاده هذا ضاهى الكرامية من وجه وضاهى الفلاسفة المحدثين من وجه لان الفلاسفة المحدثين يقولون العالم أزلي النوع حادث الأشخاص وإن كان يربأ بنفسه أن يقال عنه إنه مع الفلاسفة. وقوله هذا موجود في عدة من مؤلفاته فليحذر.
(فائدة): قالت المعتزلة إن الأمر هو الإرادة فعندهم كل ما أمر الله به فقد أراده وقع أو لم يقع للك قالوا أمر الله تعالى عباده بالإيمان وقد شاء وقوعه منهم جميعا ولكن لم تنفذ مشيئة الله تعالى وغلبت مشيئة الكفار مشيئته تعالى فكفروا. وقال أهل السنة الإرادة ليست هي الأمر فقد يأمر الإنسان بما لا يريد حصوله كمن يريد أن يظهر لإنسان ءاخر أن عبده لا يطيعه بل يعصيه فيأمر عبده بشيء وليس قصده أن ينفذ ما أمره به بل يريد أن لا يفعله لإظهار عصيانه وعدم امتثاله لأمره.
