أحوالُ البشَر عند الموتِ وفي البَرْزَخ.
الحمد للهِ رَبِّ العالَمين له النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحسَن صلواتُ اللهِ البَرِّ الرحيمِ والملائكةِ المقرَّبين على سيِّدنا مُحَمَّدٍ أشرفِ المرسَلين وعلى جميعِ إخوانهِ النبيِّين وعلى ءالهِ الطَّيِّبين الطاهرين.
عن النبيِّ، صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: “أكْيَسُ الناسِ أكثرُهم ذِكْرًا للموتِ وأشدُّهم استعدادًا للموت”. رواه الطبرانيُّ في (المعجمِ الكبير) من حديثِ عبدِ الله بنِ عُمَرَ وحَسَّنَهُ المنذِريُّ في (الترغيبِ والترهيب) والهيثميُّ في (مجمَع الزوائد).
أي أنَّ أعقلَ الناسِ من كان يستعدُّ لِمَا ينفعُه بعد الموت، لأنَّ الدنيا دارُ مرورٍ والآخرةَ دارُ القَرار. والناسُ في الآخرةِ ثلاثةُ أصناف: صِنْفٌ ماتوا على الإسلامِ مؤمنينَ صالحين، وصِنْفٌ ماتوا مؤمنينَ وهم متلبِّسون بكبائرِ الذنوبِ أي ماتوا قبل أن يتوبوا منها، وصِنْفٌ ماتوا كافرينَ على غير الإسلام.
الصِّنْفُ الأوَّلُ هم الذين قال الله فيهم في سورةِ يونس: “ألَا إنَّ أولياءَ اللهِ لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون”. وذلك أنَّ المسلمَ التقيَّ الصالحَ إذا حضَرته الوفاةُ تأتيه ملائكةُ الرحمةِ فيبشِّرونه بالجَنَّةِ فيَذْهَبُ عنه الخوفُ من الموت والقبر، ثمَّ بعد أن تفارقَ الروحُ الجسدَ تكونُ الروحُ مع الملائكةِ ويُصْعَدُ بها إلى السماءِ الأولى فالثانية فالثالثة فالرابعة وهكذا إلى السابعة. وبين الأرضِ والسماءِ الأولى ملائكةٌ يبشِّرونه فيسمعُ تبشيرَهم، وهكذا حتَّى يصِل إلى السماءِ السابعةِ ثمَّ يُسَجَّلُ اسمُه في عِلِّيِّين. يقولُ الله تعالى في سورة الْمُطَفِّفين: “كلّا إنَّ كتابَ الأبرار لَفي عِلِّيِّينَ * وما أدراك ما عِلِّيُّونَ * كتابٌ مرقوم * يَشْهَدُهُ المقرَّبون”. ثمَّ بعدما يُسَجَّلُ اسمُه في عِلِّيِّينَ تنزِل به ملائكةُ الرحمةِ إلى حيثُ جسدُه من غير أن تدخلَ الروحُ في الجسد. الروحُ تبقى إلى جانب الجسدِ تجاورُه. فإذا حُمِلَ الجسدُ إلى الدفن نادت هذه الروحُ من شِدَّةِ الفرح: “قدِّموني قدِّموني”. روحُ المؤمن التقيِّ من شِدَّةِ السرور تقولُ للبشر الذين يحمِلونها إلى القبر: “قدِّموني قدِّموني”، ولكن من حيث العادةُ لا يسمعون، الميِّت الصالِح يحبُّ أن يُعَجَّلَ به إلى القبر. وفي القبر تعود الروحُ إلى الجسد ويعود إلى الجسد الإحساسُ. فيسأله الملَكان ويجيبُ بما فتح اللهُ عليه، ثمَّ يقولان له: “نم نومةَ العروسِ الذي لا يوقظُه إلّا أحبُّ أهلهِ إليه”. فينام، ويوسَّع له في قبره سبعينَ ذراعًا في سبعينَ ذراعًا، ويُفْتَحُ له بابٌ من الجَنَّةِ إلى قبره ليأتيَه من رائحتِها، فلا يَلْقَى شيئًا يُنَغِّصُ راحتَه، بل يكونُ بحالةٍ لو عُرِضَ عليه أن يرجِع إلى الدنيا ويكونَ له الدنيا كلُّها لا يحبُّ أن يرجِع إلى الدنيا، إلّا شهيدَ المعركة، فإنَّه يحبُّ أن يرجِع إلى الدنيا فيُقْتَلَ مَرَّةً ثانيةً لِمَا يرى من كرامةِ الشهادة. وبعضُ الصالحين يوسَّع له قبرُه مَدَّ البصر. فإذا بَلِيَ جسدُ المؤمنِ التقيِّ في القبر ولم يبقَ منه إلّا عَجْبُ الذَّنَبِ، فإنَّ ملائكةَ الرحمةِ تصعد بروحه إلى الجَنَّةِ لتأكلَ من ثمارها، لكن هي لا تسكنُ المكانَ الذي تسكنُه في الآخرة، وإنَّما هي تعيشُ في منطلَق في الجَنَّةِ. تكون الروح بشكلِ طائرٍ يأكلُ من ثمارها. وكلُّ هذا يكونُ قبلَ يومِ القيامة. قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: “إنَّما نَسَمَةُ المؤمنِ طيرٌ يَعْلَقُ في شجرِ الجَنَّةِ حتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ إلى جَسَدِه يومَ يبعثُه”. أي تَسْرَحُ في شجرِ الجَنَّةِ. رواه الإمامُ مالكٌ في (الْمُوَطَّإ). وقولُه عليه الصلاة والسلام: “حتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ إلى جَسَدِه يومَ يبعثُه”، معناه يبقى على هذه الحالِ إلى أن يَبْعَثَ اللهُ مَنْ في القبور فيُحْشَرُ، يومَ القيامة، ءامِنًا مطمئنًّا بروحه وجسدِه الذي أكله الترابُ بعدما يعود الجسد كما كان ثمَّ يدخلُ الجَنَّةَ بروحهِ وجسدِه ويتبوَّأ مكانَه الذي أعدَّه اللهُ له.
وأمَّا الصِّنْفُ الثاني، وهم الذين يموتون من المسلمينَ وعليهم من كبائر الذنوب، فهم قسمان: قسم لا يصيبُهم في قبورهم عذابٌ ولا نكَد وقسم يصيبُهم نكَد. ومن جملة النكَد وحشةُ القبر وظلمتُه وهَوامُّ الأرض، وبعضُهم يعذَّبون بضغطةِ القبر. فإذا بَلِيَ جسدُ المسلمِ الفاسقِ في القبر بحيث لم يَبْقَ منه إلّا ذلك العظمُ الصغير، عَجْبُ الذَّنَبِ، فإنَّ الملائكةَ يصعدون بروحهِ في هذا الفضاءِ فيكونُ مُسْتَقَرُّهُ في مكانٍ يعلمُه اللهُ في هذا الفضاءِ الذي بين الأرضِ والسماءِ الأولى، وبعضُهم يكونون داخلَ السماءِ الأولى، وذلك إلى أن يعيد اللهُ، يومَ القيامة، الجسدَ الذي أكلَه الترابُ كما كان ويعيد الروحَ إليه. والمسافةُ بين الأرضِ والسماءِ الأولى مسيرةُ خَمْسِمِائةِ سنة.
وأمَّا الكافرون الذين ماتوا غيرَ مسلمين، وهم الصِّنْفُ الثالث، فإنَّ ملائكةَ العذابِ يَحْضُرُونَهُ قبلَ خروج روحهِ فيضرِبونه من أمامٍ ومن خلف، وهو يشعر، ومَنْ حولَه لا يشعرون. يقولُ الله تعالى في سورة محمَّد: “فكيف إذا توفَّتهم الملائكةُ يضرِبون وجوهَهم وأدبارَهم”. ويقولُ في سورة الأنفال: “ولو تَرَى إذ يَتَوَفَّى الذين كفروا الملائكةُ يضرِبون وجوهَهم وأدبارَهم وذوقوا عذابَ الحريق * ذلك بما قدَّمت أيديكم وأنَّ الله ليس بظَلَّامٍ للعبيد”. ولا يستطيع هذا الكافرُ أن يصرخ أو يُفْلِتَ من أيديهم لأنَّ أعصابَه لا تعمل من شِدَّةِ ألمِ سكراتِ الموت، ثمَّ يبشِّرونه بعذابِ الله. ثمَّ إذا خرجتِ الروحُ تَصْعَدُ ملائكةُ العذابِ بها حتَّى ينتهُون بها إلى السماءِ الأولى، فلا يُفْتَحُ لها بابُ السماء، فتُرَدُّ إلى الأرض. يقولُ الله تعالى في سورة الأعراف: “إنَّ الذين كذَّبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تُفَتَّحُ لهم أبوابُ السماءِ ولا يدخُلون الجَنَّةَ حتَّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِيَاطِ وكذلك نَجْزِي المجرمين”. إنَّ الكُفَّارَ لا يتمكَّنون في الدنيا ولا في الآخرةِ من دخولِ أيٍّ من السماواتِ السبعِ حتَّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِيَاطِ. والجَمَلُ هو الحبلُ الغليظُ الذي يُعْمَلُ للسُّفُنِ. والخِيَاطُ، بكسر الخاء، والْمِخْيَطُ، بكسر الميم، الإبرة. وسَمُّ الخِيَاطِ، بفتح السين، هو ثَقْبُ الإبرة. ويَصِحُّ أن يقال أيضًا: “سُمُّ الخِيَاطِ” أي بضمِّ السين. معناه: مستحيلٌ أن يدخُل الكُفَّارُ السماواتِ والجَنَّةَ. فهم لا يتمكَّنون من ذلك لا في الدنيا ولا في الآخرة. وبعدما تُرَدُّ روحُ الكافر إلى الأرضِ تنزِل به ملائكةُ العذابِ من بابٍ في هذه الأرضِ حيث يَنْفُذُ إلى الأرضِ السابعةِ ويُسَجَّلُ اسمُه في ديوانِ الكفّار ثمَّ يَرُدُّونَهُ إلى هذه الأرض. يقولُ اللهُ تعالى في سورة الْمُطَفِّفين: “كلّا إنَّ كتابَ الفُجَّارِ لَفي سِجِّينٍ * وما أدراك ما سِجِّينٌ * كتابٌ مرقومٌ”. وبعدما تُرَدُّ روحُ الكافر إلى الأرضِ حيث جسدُه، تبقى إلى جانبِ الجسد تجاورُه من غير أن تَحُلَّ فيه. فإذا حُمِلَ الجسدُ إلى الدفن صرختِ الروحُ من شِدَّةِ الفزعِ مِمّا ينتظرُها في القبر: (يا ويلي، أين تذهبون بي). وبعدما يُدْفَنُ الميِّت الكافرُ يأتيه الملَكان، مُنْكَرٌ ونَكير، فيسألانهِ، فيُضَيَّقُ عليه القبرُ حتَّى تختلفَ أضلاعُه. ثمَّ يبقى في نكَد دائم. ويستمرُّ العذابُ على الكافر في قبره بروحهِ وجسدِه إلى أن يَبْلَى جسدُه ولا يبقى منه إلّا عَجْبُ الذَّنَبِ. فإذا بَلِيَ الجَسَدُ ولم يَبْقَ منه إلّا عَجْبُ الذَّنَبِ، أخذَت ملائكةُ العذابِ الروحَ ونزَلوا بها إلى مكانٍ في الأرضِ السابعةِ يقالُ له سِجِّينٌ حيث تجتمعُ هناك أرواحُ الكفَّار جميعِهم بعدما تَبْلَى أجسادُهم في قبورهم. وتبقى الأرواحُ هناك، في سِجِّينٍ، إلى أن يبعثَ اللهُ الموتى يومَ القيامة، أي إلى أن يبعثَ اللهُ مَنْ في القبور. فيُبْعَثُ هؤلاءِ الكُفَّارُ من قبورِهم بأرواحِهم وأجسادِهم التي أكلها الترابُ بعدما تعود كما كانت.
أكثرُ الناس، يومَ القيامة، يعودون كما كانوا أوَّلَ ما خُلِقُوا، حفاةً عراةً غُرْلًا، أي تعود القُلْفَةُ التي قُطِعَتْ عند الخِتان. وأمَّا الأتقياءُ فيكونون كاسين راكبين. لا يحشَرون على أقدامِهم. ثمَّ يبقى الناسُ في الموقفِ إلى أن يُصْرَفَ بعضٌ إلى الجَنَّةِ وبعضٌ إلى النار. وهذه المدَّة، مُدَّةُ الخروجِ من القبر إلى استقرار الناسِ بعضِهم في الجَنَّةِ وبعضِهم في النار، قَدْرُ خمسينَ ألفَ سنة. لكنَّ المؤمنَ التقيَّ، اللهُ تعالى يجعلُ عليه هذه الْمُدَّةَ الطويلةَ أخفَّ من صلاةِ فريضة. من شِدَّةِ ما مُلِئَ سرورًا لا يُحِسُّ بشيءٍ من النكَد. من شِدَّةِ ما استولى على قلبهِ الفرحُ هذه الْمُدَّةَ الطويلةَ لا يُحِسُّ بطولِها.
اللهم إنا نسألك الموت على كامل الإيمان شهداء في سبيلك. ءامين.
والحمد للهِ رَبِّ العالَمين.
