تنزيه الله عن الحركة و الانتقال والمجيء من القرءان

سائر الكلام في تفصيل فروع التوحيد والعدل إنما هو مأخوذ من القرءان :

قال العلامة كمال الدين البياضي الحنفي: «ونقل السبكي عن أبي القاسم القشيري أنه قال في رسالة الرد على الكرامية: العجب ممن يقول ليس في القرءان علم الكلام، وآيات الأحكام الشرعية تجدها محصورة، والآيات المنبهة على علم الأصول تربو على ذلك بكثير فلا يجحد علم الكلام إلا مقلد أو ذو مذهب فاسد … ثم نقل عن ابن حجر الهيتمي قوله: وما الأمر إلا ما جاء به القرءان، فإنه جاء فيه إشارات إلى النظر في أدلة اليقين وآيات منبهة على أصول الدين، كما قال عليّ كرم الله وجهه: «جميع العلم في القرءان لكن تقاصر عنه أفهام الرجال»[(531)] اهـ.

وقال الإمام أبو الحسن الأشعري : «فأما حوادث تحدث في الأصول في تعيين مسائل فينبغي لكل عاقل مسلم أن يرد حكمها إلى جملة الأصول المتفق عليها بالعقل والحس والبديهة وغير ذلك، لأن حكم مسائل الشرع التي طريقها السمع أن تكون مردودة إلى أصول الشرع التي طريقها السمع، وحكم مسائل العقليات والمحسوسات أن يرد كل شىء من ذلك إلى بابه، ولا تخلط العقليات بالسمعيات ولا السمعيات بالعقليات» [(532)] اهـ.

ويساعد على إيضاح كلام إمامنا أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه هذا قوله: «الجواب الثاني: أن يقال لهم: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجهل شيئًا مما ذكرتموه من الكلام في الجسم والعرض والحركة والسكون والجزء والطفرة، وإن لم يتكلم في كل واحد من ذلك معينا ، وكذلك الفقهاء والعلماء من الصحابة، غير أن هذه الأشياء التي ذكرتموها معينة أصولها موجودة في القرءان والسنة جملة غير مفصلة .

فأما الحركة والسكون والكلام فيهما فأصلهما موجود في القرءان، وهما يدلان على التوحيد، وكذلك الاجتماع والافتراق، قال الله تعالى مخبرا عن خليله إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه: {…فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ *} [(533)] في قصة أفول الكوكب والشمس والقمر وتحريكها من مكان إلى مكان ما دلّ على أن ربه عزّ وجل لا يجوز عليه شىء من ذلك، وأن من جاز عليه الأفول والانتقال من مكان إلى مكان فليس بإله» [(534)] اهـ.

قال أبو المظفر الإسفرايني : «وأن تعلم أن الحركة والسكون والذهاب والمجيء والكون في المكان والاجتماع والافتراق والقرب والبعد من طريق المسافة والاتصال والانفصال والحجم والجرم والجثة والصورة والحيز والمقدار والنواحي والأقطار والجوانب والجهات كلها لا تجوز عليه تعالى، لأن جميعها يوجب الحد والنهاية، وقد دللنا على استحالة ذلك على البارئ سبحانه وتعالى، وأصل هذا في كتاب الله تعالى، وذلك أن إبراهيم عليه السلام لما رأى هذه العلامات على الكواكب والشمس والقمر قال: {…لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ} فبين أن ما جاز عليه تلك الصفات لا يكون خالقا » [(535)] اهـ.

ومما يدل على هذا المعنى قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ *إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ *} [(536)].

وكذا قوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ *} [(537)].

أضف تعليق