الكلام في أصول التوحيد مأخوذ من القرءان
1 – قال الله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا… *} [(538)] وهذا الكلام موجز منبه على الحجة بأنه واحد لا شريك له، وكلام المتكلمين في التوحيد بالتمانع والتغالب فإنما مرجعه إلى هذه الآية، وقوله عز وجل: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ… *} [(539)]، وإلى قوله عز وجل: {…أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ… *} [(540)].
وكلام المتكلمين في الحجاج في توحيد الله إنما مرجعه إلى هذه الآيات التي ذكرناها، وكذلك سائر الكلام في تفصيل فروع التوحيد والعدل إنما هو مأخوذ من القرءان .
2 – فكذلك الكلام في جواز البعث واستحالته الذي قد اختلف عقلاء العرب ومن قبلهم من غيرهم فيه حتى تعجبوا من جواز ذلك، فقالوا: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ *} [(541)] {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ *} [(542)]، وقولهم: {…مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ *} [(543)]، وقوله: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ *} [(544)]، وفي نحو هذا الكلام منهم إنما ورد بالحِجاج في جواز البعث بعد الموت في القرءان تأكيدا لجواز ذلك في العقول وعلّم نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ولقّنه الحِجاج عليهم في إنكارهم البعث من وجهين على طائفتين:
منهم طائفة أقرت بالخلق الأول وأنكرت الثاني.
وطائفة جحدت ذلك بقدم العالم.
فاحتج على المقر منها بالخلق الأول بقوله: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ… *} [(545)]، وبقوله: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ… *} [(546)]، وبقوله: {…كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ *} [(547)]، فنبههم بهذه الآيات على أن من قدر أن يفعل فعلا على غير مثال سابق فهو أقدر أن يفعل فعلا محدَثا فهو أهون عليه فيما بينكم وتعارفكم، وأما البارئ جل ثناؤه وتقدست أسماؤه فليس خلق شىء أهون عليه من الآخر[(548)]، وقد قيل: إن الهاء في «عليه» إنما هي كناية للخلق بقدرته، إن البعث والإعادة أهون على أحدكم وأخف عليه من ابتداء خلقه، لأن ابتداء خلقه إنما يكون بالولادة والتربية وقطع السُرة والقماط وخروج الأسنان وغير ذلك من الآيات الموجعة المؤلمة، وإعادته إنما تكون دفعة واحدة ليس فيها من ذلك شىء فهي أهون عليه من ابتدائه، فهذا ما احتج به على الطائفة المقرة بالخلق.
3 – وأما الطائفة التي أنكرت الخلق الأول والثاني وقالوا بقدم العالم فإنما دخلت عليهم شبهة بأن قالوا: وجدنا الحياة رطبة حارة والموت باردا يابسا، وهو من طبع التراب، فكيف يجوز أن يجمع بين الحياة والتراب والعظام النخرة فيصيرَ خلقا سويا، والضدان لا يجتمعان، فأنكروا البعث من هذه الجهة.
ولعمري إن الضدين لا يجتمعان في محل واحد ولا في جهة واحدة ولا في الموجود في المحل، ولكنه يصح وجودهما في محلين على سبيل المجاورة، فاحتج الله عليهم بأن قال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ *} [(549)] فردهم الله عز وجلّ إلى ما يعرفونه ويشاهدونه من خروج النار على حرها ويبسها من الشجر الأخضر على بردها ورطوبتها، فجعل جواز النشأة الأولى دليلا على جواز النشأة الأخرى[(550)].
الفرق بين النقيضين والمتضادين
1- النقيضان:
هما مفهومان لا يجتمعان ولا يرتفعان معًا عند العقول السليمة، أي أنه إذا وُجد أحدهما زال الآخر تمامًا، وإذا زال أحدهما وُجد الآخر بالضرورة، مثل:
أ• الوجود والعدم.
فلا يمكن أن يكون الشيء موجودًا ومعدومًا في نفس الوقت. فلا تقول مثلا: هذا معدوم موجود؛ فلا بد من وجود أحدهما دون الآخر، ولا يمكن رفعهما جميعا.
ب• الحياة والموت: لا يمكن أن يكون الشىء حيًا وميتًا معًا.
الزوج والفرد: العدد إما زوج وإما فرد، فلا يمكن أن يكون هذا العدد زوجاً وفرداً معاً. كما لا يمكن أن نقول هذا العدد لا زوج ولا فرد .
وبعضهم ألحق بالنقيضين ما كان أحدهما وجودياً و الآخر عدمياً، مثل أبي البقاء الكفوي في كلياته، وهذا نحو:
ج• الإنسان واللا إنسان.
د• الداخل واللادخل
هـ• الخارج واللاخارج
2- المتضادان:
هما مفهومان لا يجتمعان، اي يتعاقبان ولكن يمكن أن يرتفعا معًا، أي يمكن أن يزول كلاهما ويحل محلهما حالة وسط. مثل:
أ • الحرارة والبرودة. لكن يمكن أن يكون الجو لا حارًا ولا باردًا، أي معتدلًا.
ب• الألوان، مثل الأبيض والأسود، فهما متضادان وليس متناقضين، لأنه يمكن أن يكون هناك درجات بينهما مثل الرمادي. فلو قيل لك: هذا أسود أم أبيض؟ لساغ لك أن تقول: لا أسود ولا أبيض، هو أحمر
ج• الداخل والخارج، هما متضادان، لأنه يمكن أن يكون هناك حالة وسطية مثل شخص يقف على العتبة بين الداخل والخارج. وليسا متناقضين لأن وجود أحدهما لا يستلزم نفي الآخر بالضرورة، فقد يكون الشيء جزئيًا في الداخل وجزئيًا في الخارج.
فيصح أن يقال: زيد بعضه خارج البيت و بعضه داخل فيه، فهو لا خارج البيت بالكلية ولا داخل فيه بالكلية.
وبالتالي فإن قول القائل: أن الشيء إما داخل وإما خارج فهو كلام باطل.


فائدة: ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ
وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ (13) قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ (17) إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ (19)
ليس المراد بالموت والحياة هنا في هذه الاية…الموت الذي عهدناه في الدنيا من خروج الروح واستمرار الحياة بوجود الروح….لا..انما هذه الايةوهي قوله تعالى… ثم لا يموت فيها ولا يحي..نزلت في الكفار المخلدين في نار جهنم…فمعنى لا يموت فيها أي الكافر ولا يحي…أي لا يموت فيرتاح من العذاب ولا يحي حياة هنيئة…..انما في عذاب الى أبد الآبدين…فهذه الاية لا تعني أنهم لا يحسون بالوجود على الإطلاق، بل تعني أنهم يعيشون في حياة لا راحة فيها ولا موت لينتهي الألم.
المعنى لا يموتان فيرتاحوا اي ينتهى عذابهم ولا يحيون حياة هنية
