*بَحثٌ فِي إِبطَالِ مَقَالَةِ القَائِلِينَ بِحُرِّيَّةِ المُعتَقَدِ وَالضَّمِيرِ وَالفِكرِ وَالرَّأيِ وَالتَّعبِيرِ*
*مُقَدِّمَةٌ*
❖الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمينَ، الَّذي أَرسَلَ رُسُلَهُ بِالهُدى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَأَقامَ الحُجَّةَ عَلَى العِبادِ بِالبَيِّناتِ وَالبَراهينِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ﷺ، خاتَمِ النَّبِيِّينَ، الَّذي بَلَّغَ الرِّسالَةَ، وَأدَّى الأَمانَةَ، وَنَصَحَ الأُمَّةَ، وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ وَإِخوانِهِ النَّبِيِّينَ وَالمُرسَلينَ.
❖أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ مِن أَعجَبِ ما ابتُلِيَت بِهِ هٰذِهِ الأُمَّةُ فِي هٰذَا العَصرِ ظُهورَ أَقوالٍ مُحدَثَةٍ تَلبَسُ لِباسَ الحَقِّ وَهِيَ مِن أَشَدِّ الباطِلِ، وَتَتَزَيَّنُ بِأَلفاظٍ بَرَّاقَةٍ وَمُصطَلَحاتٍ مُجلجِلَةٍ، كَـ«حُرِّيَّةِ المُعتَقَدِ»، وَ«حُرِّيَّةِ الضَّميرِ»، وَ«حُرِّيَّةِ الفِكرِ»، وَ«حُرِّيَّةِ الرَّأيِ وَالتَّعبيرِ»، حَتّى صَارَ بَعضُ النّاسِ يَظُنُّ أَنَّ الإِسلامَ يُقِرُّ جَميعَ المِلَلِ، وَيُسَوِّي بَينَ الحَقِّ وَالباطِلِ، وَيُجيزُ لِكُلِّ إِنسانٍ أَن يَختارَ ما شاءَ مِنَ الأَديانِ وَالأَفكارِ مِن غَيرِ حُكمٍ وَلا تَبِعَةٍ.
❖وَهٰذَا إِنَّما نَشَأَ ـ فِي كَثيرٍ مِن صُوَرِهِ ـ مِن تَأَثُّرٍ عَميقٍ بِالثَّقافَةِ الغَربِيَّةِ وَمَفاهيمِها، وَمِن تَسَلُّطِ أَقوامٍ لَم يَرسُخ قَدَمُهُم فِي العِلمِ عَلى نُصوصِ الشَّرعِ، فَأَخَذُوا يَزِنُونَ دِينَ اللَّهِ بِمَوَازينِ غَيرِهِ، وَيُحَمِّلُونَ آياتِ القُرآنِ الكَريمِ وَأَحاديثَ النَّبِيِّ ﷺ ما لَا تَحتَمِلُهُ، وَيُؤَوِّلُونَها عَلَى وَفقِ أَهوائِهِم وَما يَستَحسِنُهُ مَن أُعجِبُوا بِهِ مِن أَهلِ الثَّقافاتِ الوافِدَةِ.
❖وَمِن هٰؤُلاءِ مَن تَأَثَّرَ بِالثَّقافَةِ الغَربِيَّةِ تَأَثُّرًا بالِغًا، فَأَخَذَ يَزِنُ دِينَ اللَّهِ بِمَوَازينِها، وَيُؤَوِّلُ آياتِ القُرآنِ الكَريمِ وَأَحاديثَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى ما يُوافِقُ مَفاهيمَها، وَيَتَكَلَّفُ لِذٰلِكَ تَأويلاتٍ بَعيدةً، بَل قَد يَزيدُ مِن عِندِ نَفسِهِ مَقولاتٍ لَا يَشهدُ لَها نَصٌّ، وَلَا يَعضُدُها فَهمُ أَحدٍ مِن أَئِمَّةِ الهُدى، حَتّى ظَهَرَت دَعاوى مِثلُ «حُرِّيَّةِ الضَّميرِ»، وَ«حُرِّيَّةِ الفِكرِ»، وَ«حُرِّيَّةِ الدِّينِ»، عَلَى وَجهٍ يُرادُ بِهِ تَسويغُ الباطِلِ، وَإِسقاطُ أَحكامِ الشَّريعَةِ، وَتَمييعُ الفَرقِ بَينَ الإِيمانِ وَالكُفرِ.
❖وَقَد بَلَغَ الأَمرُ بِبَعضِهِم أَن رَضُوا بِالقَوانينِ الوَضعِيَّةِ الَّتي تَمنَعُ أَصنافًا مِنَ الكَلامِ وَتُقَرِّرُ عَلَى ذٰلِكَ عُقوباتٍ وَإِجراءاتٍ، ثُمَّ استَثقَلوا أَحكامَ الوَحيِ، وَتَأَوَّلُوا النُّصوصَ الصَّريحَةَ، وَأَرادُوا أَن يَجعَلُوا دِينَ اللَّهِ تَابِعًا لِمُصطَلَحاتِ العَصرِ وَضُغوطِ الواقِعِ، فَكانَ قَبولُهُم لِحُكمِ البَشَرِ أَيسَرَ عِندَهُم مِن قَبولِهِم لِحُكمِ رَبِّ البَشَرِ، وَهٰذا مِن أَعظَمِ أَبوابِ الزَّيغِ وَالخَلَلِ.
*تَمهِيدٌ فِي خَطَرِ التَّفَسيرِ فِي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ بِغَيرِ عِلمٍ*
❖ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمينَ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلى سَيِّدِ المُرسَلينَ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلى جَميعِ إِخوانِهِ النَّبِيِّينَ وَالمُرسَلينَ. أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ مِن أَعجَبِ ما يُبتَلى بِهِ النّاسُ أَن يَتَصَدَّى لِلكَلامِ فِي دِينِ اللَّهِ مَن لَم يَرسُخ قَدَمُهُ فِي العِلمِ، وَلَم يَتَأَدَّب بِآدابِ الفَهمِ عَنِ اللَّهِ وَعَن رَسولِهِ ﷺ، ثُمَّ يَحمِلُ نُصوصَ الشَّرعِ عَلى ما يُوافِقُ الأَهواءَ وَالأَفكارَ الوافِدَةَ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ بِذٰلِكَ قَد أَتى بِفَهمٍ جَديدٍ، وَحَقِيقَةُ الأَمرِ أَنَّهُ قَد حَرَّفَ الكَلِمَ عَن مَواضِعِهِ، وَنَسَبَ إِلَى الإِسلامِ ما لَيسَ مِنهُ.
❖ واعلَم، أَيُّها الرّاغِبُ فِي مَعرِفَةِ الحَقِّ، أَنَّهُ لَا يَجوزُ الإِقدامُ عَلى تَفسيرِ آياتِ القُرآنِ الكَريمِ وَالأَحاديثِ النَّبَوِيَّةِ مِن غَيرِ عِلمٍ وَرُسوخٍ وَاعتصامٍ بِفَهمِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ؛ فَقَد رُوِيَ عَن رَسولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قالَ: «مَن قَالَ فِي القُرآنِ بِرَأيِهِ أَلجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِن نَارٍ يَومَ القِيَامَةِ». وَفِي «صَحيحِ البُخارِيِّ» أَنَّهُ ﷺ قالَ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
❖وَمِنَ القَواعِدِ المُتَّفَقِ عَلَيها عِندَ العُلَماءِ أَنَّ آياتِ القُرآنِ وَأَحاديثَ الرَّسولِ ﷺ لَا يَتَناقَضُ بَعضُها مَعَ بَعضٍ، بَل يُؤَيِّدُ بَعضُها بَعضًا، وَيَعضُدُ بَعضُها بَعضًا، وَيُبَيِّنُ مُجمَلُها مُفَصَّلَها، وَيَشرَحُ أَوَّلُها آخِرَها؛ فَمَن تَعَلَّقَ بِنَصٍّ مُجمَلٍ، وَتَرَكَ سائرَ النُّصوصِ المُفَسِّرَةَ وَالمُبَيِّنَةَ، فَقَد أَضَلَّ نَفسَهُ وَأَضَلَّ غَيرَهُ.
*فِي بَيَانِ أَنَّ الإِسلامَ جَاءَ بِإِبطَالِ ما سِوَاهُ مِنَ الأَديانِ الباطِلَةِ*
❖إِنَّ الإِسلامَ لَم يَأتِ لِيُقَرِّرَ أَنَّ النّاسَ أَحرارٌ فِي أَن يَنتَحِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهم ما شاءَ مِنَ الأَديانِ وَالمِلَلِ وَالنِّحَلِ، مِن غَيرِ حُكمٍ وَلا تَبِعَةٍ، بَل جَاءَ لِيُبطِلَ كُلَّ دِينٍ سِوى دِينِ الإِسلامِ، وَلِيَكُفَّ النّاسَ عَنِ الأَفكارِ الَّتي تُخالِفُ الوَحيَ وَتُناقِضُ الحَقَّ. وَلَو كانَ الأَمرُ كَما يَزعُمُ هٰؤُلاءِ، لَما كانَ لِبَعثِ الأَنبياءِ مَعنى، وَلَما كانَ لِدَعوتِهِم إِلى دِينٍ واحِدٍ وَصِراطٍ مُستَقيمٍ وَجهٌ، مَعَ ما لاقَوهُ مِن أَذًى وَمِحَنٍ فِي سَبيلِ الدَّعوةِ إِلَى اللَّهِ.
❖ فَاللَّهُ تَعالى لَم يَترُكِ الخَلقَ سُدًى، بَل أَرسَلَ الرُّسُلَ يَدعونَ إِلى التَّوحيدِ، وَيُحَذِّرونَ مِنَ الشِّركِ وَالكُفرِ، وَقَد أُوذِيَ كَثيرٌ مِنَ الأَنبياءِ فِي هٰذا السَّبيلِ، وَقُتِلَ مِنهم مَن قُتِلَ، وَابتُلِيَ مِنهم مَنِ ابتُلِيَ؛ فَلَو كانَ النّاسُ مُخَيَّرينَ شَرعًا بَينَ الحَقِّ وَالباطِلِ عَلَى السَّواءِ، لَما كانَ لِهٰذِهِ الرِّسالَةِ العُظمى مَحلٌّ، وَلَا لِهٰذِهِ المِحَنِ وَالآلامِ مَعنًى. فَقَد ابتُلِيَ أَهلُ الحَقِّ فِي كُلِّ عَصرٍ؛ فَلَو كانَ الحَقُّ وَالباطِلُ سَواءً، لَما كانَ لِهٰذِهِ الرِّسالَةِ العُظمى مَحلٌّ، وَلَا لِهٰذِهِ التَّضَحياتِ مَعنى.
*فِي بَيَانِ أَنَّ الإِلزامَ بِأَسبابِ السَّعادَةِ مِن مُقتَضَى الحِكمَةِ*
❖ إِنَّ النَّظَرَ فِي مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ يَقُودُ إِلَى تَحقِيقِ حَقِيقَةٍ جَلِيَّةٍ، وَهِيَ أَنَّ هٰذِهِ الشَّرِيعَةَ قَائِمَةٌ عَلَى أُسُسِ الحِكمَةِ وَالرَّحمَةِ، وَأَنَّهَا تَهدِفُ إِلَى جَلبِ المَصَالِحِ وَدَرءِ المَفَاسِدِ عَن العِبَادِ، فَلَا تَشرِيعَ فِيهَا إِلَّا وَهُوَ مُنبَثِقٌ عَن عِلمٍ إِلَهِيٍّ مُحِيطٍ، وَحِكمَةٍ بَالِغَةٍ لَا يَبلُغُهَا فِكرُ البَشَرِ.
❖ فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الكُفرَ سَبَبُ الشَّقَاوَةِ الأَبَدِيَّةِ، وَأَنَّ الإِيمَانَ سَبَبُ السَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ، عُلِمَ عِلمًا يَقِينِيًّا أَنَّ مِن مُقتَضَى الحِكمَةِ الشَّرعِيَّةِ أَن يُدعَى النَّاسُ إِلَى مَا فِيهِ نَجَاتُهُم، وَأَن يُنهَوا عَمَّا فِيهِ هَلَاكُهُم؛ فَالشَّرِيعَةُ لَم تَأتِ لِتُسَايِرَ أَهوَاءَ العِبَادِ، وَلَا لِتُقَرِّرَ مَا يُوَافِقُ مَيلَهُم، بَل جَاءَت لِهَدَايَتِهِم، وَإِخرَاجِهِم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَنَقلِهِم مِن مَهَاوِي الشَّقَاءِ إِلَى سُبُلِ السَّعَادَةِ.
❖وَعَلَى هٰذَا الأَصلِ تُفهَمُ أَبوَابُ الأَمرِ وَالنَّهيِ، وَالحُدُودِ وَالزَّوَاجِرِ، وَسَائِرُ الأَحكَامِ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ لِمَصَالِحِ عِبَادِهِ؛ فَهِيَ لَيسَت تَضيِيقًا عَلَيهِم، وَلَا تَقيِيدًا لِحُرِّيَّاتِهِم، بَل هِيَ سِيَاجٌ حَافِظٌ لِدِينِهِم وَأَنفُسِهِم وَأَعرَاضِهِم وَأَموَالِهِم، وَمِيزَانٌ يَضبِطُ مَسَارَ الحَيَاةِ عَلَى وَفقِ مَا يُرضِي اللَّهَ وَيُصلِحُ شُؤُونَ العِبَادِ وهذا من مَظَاهِر الحِكمَةِ فِي التَّشرِيعِ.
❖ وَلِتَقرِيبِ هٰذَا المَعنَى، مَثَالٌ يُوَضِّحُ مَعنَى الإِلزَامِ بِالحَقِّ، فَإِنَّهُ لَو أَرَادَ وَلَدُكَ أَن يُلقِيَ بِنَفسِهِ إِلَى التَّهلُكَةِ، أَو أَن يَقتُلَ غَيرَهُ، أَو أَن يَسرِقَ، أَو أَن يَرتَكِبَ فِعلًا مُحَرَّمًا يَستَوجِبُ العُقُوبَةَ؛ أَفَتَترُكُهُ لِهَوَاهُ، أَم تَمنَعُهُ وَتَحُولُ بَينَهُ وَبَينَ مَا يُرِيدُ، وَلَوِ اقتَضَى ذٰلِكَ إِلزَامُهُ وَمَنعُهُ بِقُوَّةٍ؟ لَا شَكَّ أَنَّ الحِكمَةَ وَالرَّحمَةَ تَقتَضِي مَنعَهُ وَإِن كَرِهَ؛ صَونًا لِنَفسِهِ وَحِفظًا لِمَصلَحَتِهِ.
❖وَعَلَى هٰذَا القِيَاسِ يُفهَمُ أَنَّ إِلزَامَ النَّاسِ بِالدُّخُولِ فِي دِينِ اللَّهِ، وَمَنعَهُم مِنَ الإِقَامَةِ عَلَى مَا فِيهِ هَلَاكُهُم، هُوَ مِن مُقتَضَى الحِكمَةِ؛ حَتَّى وَإِنِ احتِيجَ فِي بَعضِ الأَحوَالِ إِلَى القِتَالِ، فَإِنَّ مَا يَنشَأُ عَن ذٰلِكَ مِن دُخُولِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي الإِسلَامِ، وَانقِطَاعِ مَوَادِّ الكُفرِ، وَانتِشَارِ الهِدَايَةِ، هُوَ مَصلَحَةٌ عُظمَى، وَحِكمَةٌ بَالِغَةٌ تَشهَدُ لِهَا نُصُوصُ الشَّرعِ وَوَقَائِعُ التَّارِيخِ.
❖ وَخُلَاصَةُ الأَمرِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسلَامِيَّةَ مَبنِيَّةٌ عَلَى أَصلٍ عَظِيمٍ، وَهُوَ رِعَايَةُ مَصَالِحِ العِبَادِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَأَنَّ مَا فِيهَا مِن أَوَامِرَ وَنَوَاهٍ، وَمِن إِلزَامٍ وَزَوَاجِرَ، إِنَّمَا هُوَ تَحقِيقٌ لِهٰذِهِ المَصَالِحِ، وَدَفعٌ لِمَا يُنَاقِضُهَا؛ فَمَن فَهِمَ ذٰلِكَ عَلِمَ أَنَّ الحِكمَةَ كُلَّهَا فِي اتِّبَاعِ الشَّرعِ، وَأَنَّ الرَّحمَةَ كُلَّهَا فِي الِانقِيَادِ لَهُ.
*آيَاتٌ قُرآنِيَّةٌ فِيهَا الرَّدُّ عَلَى مَن يَقُولُ بِحُرِّيَّةِ المُعتَقَدِ*
❖ الغَايَةُ مِن خَلقِ الإِنسَانِ وُجُوبُ عِبَادَةِ اللَّهِ وقَد بَيَّنَ القُرآنُ الكَرِيمُ أَنَّ الغَايَةَ مِن خَلقِ الإِنسِ وَالجِنِّ هِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. أَي: خَلَقَهُم لِيَأمُرَهُم بِعِبادَتِهِ وَيَنهاهُم عَن مَعصِيَتِهِ.
❖ وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعبُدُوا اللَّهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]، وَقالَ سُبحانَهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبحَانَهُ عَمَّا يُشرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]، وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23]، أَي: أَمَرَ رَبُّكَ وَأَوجَبَ.
❖وَقالَ سُبحانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
❖وَلَو تُرِكَ الإِنسانُ حُرًّا فِي اِختيارِ الدِّينِ عَلَى السَّواءِ بَينَ الحَقِّ وَالباطِلِ، لَما أُرسِلَتِ الرُّسُلُ، وَلَما أُنزِلَتِ الكُتُبُ، وَلَما دُعِيَ النّاسُ إِلى تَوحيدِ اللَّهِ وَاتِّباعِ أَنبيائِهِ، وَلَما كانَ لِمَشَقَّةِ الرُّسُلِ وَصَبرِهِم عَلَى أَذَى أَقوامِهِم مَعنى.
❖ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وَتَعالى جَعَلَ جَهَنَّمَ مَستَقَرًّا لِلكافِرينَ، فَقالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُم سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: 64-65]. وَقالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَن يَبتَغِ غَيرَ الإِسلَامِ دِينًا فَلَن يُقبَلَ مِنهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].
❖ فَلَو كَانَ لِلإِنسَانِ أَن يَختَارَ مَا يَشَاءُ مِنَ الأَديَانِ لَمَا كَانَ لِإِرسَالِ الرُّسُلِ مَعنًى، وَلَمَا كَانَ لِلوَعِيدِ بِالنَّارِ عَلَى الكُفرِ مَحلٌّ، فَهٰذِهِ النُّصوصُ الصَّريحَةُ كُلُّها تَدُلُّ دَلالَةً بَيِّنَةً عَلى أَنَّ الإِسلامَ جَاءَ بِإِبطالِ ما سِواهُ مِنَ الأَديانِ الباطِلَةِ، وَلَم يَأتِ لِيُقَرِّرَ أَنَّ النّاسَ أَحرارٌ فِي البَقاءِ عَلَى الباطِلِ عَلَى وَجهِ التَّسويَةِ بِالحَقِّ.
❖ ومن أقوى الاستدلالات الاِستِدلالِ بِقَولِهِ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُم حَتَّى لَا تَكُونَ فِتنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 39]. وَمَعنى ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتنَةٌ﴾: أَي حَتَّى لَا يَمنَعَ الكُفّارُ مَن أَرادَ الدُّخولَ فِي الإِسلامِ مِن دُخولِهِ وَاتِّباعِهِ الحَقَّ. وَمَعنى ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾: أَي حَتَّى يَظهَرَ دِينُ اللَّهِ، وَيَكونَ العُلوُّ لِلإِسلامِ، وَهٰذِهِ الآيَةُ واضِحَةُ الدَّلالَةِ عِندَ أُولِي البَصائِرِ فِي أَنَّ الإِسلامَ لَم يَجعَلِ الباطِلَ دِينًا مُعتَبَرًا كَالحَقِّ.
❖وَمَن رَدَّ هٰذَا المَعنى وَعانَدَ النَّصَّ الصَّريحَ، فَقَد وَقَعَ فِي مُخالَفَةٍ خَطيرَةٍ؛ لِأَنَّ رَدَّ نُصوصِ الوَحيِ لَيسَ مِن هَيِّنِ الأُمورِ، وَقَد قالَ الإِمامُ النَّسَفِيُّ فِي «العَقيدَةِ»: [وَرَدُّ النُّصوصِ كُفرٌ].
*ومن الاِستِدلالِ بِالحَديثِ الصَّحيحِ*
❖وَيَدُلُّ عَلى أَنَّ الإِسلامَ لَم يَجِئ بِتَسويغِ الكُفرِ وَتَقريرِهِ، ما رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسلِمٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قالَ: «أُمِرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذٰلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم إِلَّا بِحَقِّ الإِسلَامِ». وَمَقصودُ الاِستِدلالِ بِهِ هٰهُنا أَنَّ نُصوصَ الشَّرعِ تُبَيِّنُ أَنَّ الحَقَّ الَّذي دَعَت إِلَيهِ الرِّسالَةُ هُوَ الإِسلامُ، وَأَنَّهُ لَا يَجوزُ جَعلُ الكُفرِ خِيارًا دِينِيًّا مُعتَرَفًا بِهِ عَلَى وَجهِ التَّسويَةِ بِالحَقِّ.
*فِي ذِكرِ ما نَصَّ عَلَيهِ الفُقَهاءُ فِي كُتُبِهِم*
❖وَقَد نَصَّ الفُقَهاءُ مِنَ المَذاهِبِ الأَربَعَةِ عَلى أَحكامٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالجِهادِ وَالعَلاقَةِ بِالكُفّارِ فِي أَبوابِ السِّيَرِ وَالأَحكامِ السُّلطانِيَّةِ، وَذَكَرُوا أَنَّ مِن وَظائِفِ الإِمامِ، أَيِ الخَليفَةِ، أَن يَرعَى هٰذِهِ الأَبوابَ بِما تُقَرِّرُهُ الشَّريعَةُ، وَأَنَّ حُكمَ القِتالِ يَختَلِفُ بِاختِلافِ الأَحوالِ وَالقُدرَةِ وَالوُسعِ وَوُجودِ الإِمامِ وَغَيرِ ذٰلِكَ مِنَ الشُّروطِ.
❖وَالمَقصودُ مِن ذِكرِ هٰذَا هُنا بَيانُ أَنَّ الأَمرَ لَيسَ عِندَ أَهلِ الفِقهِ مَبنيًّا عَلى فِكرَةِ «التَّخييرِ المُطلَقِ» الَّتي يَتَصَوَّرُها بَعضُ المُعاصِرينَ، بَل هُوَ بابٌ شَرعِيٌّ لَهُ أُصولُهُ وَضَوابطُهُ وَمَقاصِدُهُ.
❖وَكَذٰلِكَ فَقَد نَبَّهَ أَهلِ العِلمِ إِلى أَنَّ الكَلامَ فِي هٰذِهِ الأَبوابِ لَا يُؤخَذُ مُجرَّدًا عَن القُدرَةِ وَالعَجزِ وَفِقهِ الوَاقِعِ وَوُجودِ السُّلطانِ الشَّرعِيِّ؛ فَلِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، وَلِكُلِّ حُكمٍ شُروطُهُ وَمَوانِعُهُ.
*فِي ذِكرِ ما وَرَدَ فِي بابِ الرِّدَّةِ عِندَ الفُقَهاءِ*
❖وَقَد ثَبَتَ فِي كُتُبِ الفِقهِ وَالعَقيدَةِ أَنَّ لِلرِّدَّةِ أَحكامًا مَعلومَةً عِندَ أَهلِ العِلمِ، وَأَنَّ الفُقَهاءَ تَكَلَّموا فِيها تَكَلُّمًا مُفَصَّلًا، وَجَعَلوا لَها شُروطًا وَأَحكامًا وَإِجراءاتٍ قَضائِيَّةً، وَلَم يَترُكوا البابَ مُهمَلًا.
❖ وَقَد رَوَى البُخارِيُّ أَنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن بَدَّلَ دِينَهُ فَاقتُلُوهُ»، وَلٰكِنَّ ذِكرَ هٰذا الحَديثِ فِي مِثلِ هٰذا المَقامِ فالمُرادُ مِنه هُنا بَيانُ أَنَّ مَقالَةَ «حُرِّيَّةِ الرِّدَّةِ» وَ«حُرِّيَّةِ الضَّميرِ» تُصادِمُ ما هُوَ مَقرَّرٌ فِي كُتُبِ الشَّريعَةِ، لَا أَن تُجعَلَ هٰذِهِ الأَبوابُ مَجالًا لِلتَّصَرُّفِ الفَردِيِّ أَوِ الِإفتاء عَلى أَهلِ القَضاءِ وَالسُّلطانِ.
❖فَمَن قالَ بِما يُسَمَّى «حُرِّيَّةَ الفِكرِ وَالرَّأيِ وَالتَّعبيرِ» فهو يَهدِمُ بِهِ النُّصوصَ، وَيُغلِقُ بِهِ بابًا مِن أَبوابِ الدِّينِ، وَهُوَ بابُ أَحكامِ المُرتَدِّينَ الَّذي بَحَثَهُ الفُقَهاءُ وَاتَّفَقوا عَلى أَصلِهِ، وقَد أَتى بِمَقالَةٍ خَطيرَةٍ لَا تَستَقيمُ مَعَ التُّراثِ الفِقهِيِّ وَالعَقَدِيِّ المُستَقِرِّ.
*فِي ذِكرِ بَعضِ الآثارِ وَالوَقائِعِ المَرويَّةِ فِي هٰذا البابِ*
❖وَقَد وَرَدَ فِي كُتُبِ الحَديثِ وَالسِّيَرِ وَالتَّارِيخِ ذِكرُ أَخبارٍ وَآثارٍ تَدُلُّ عَلى أَنَّ الصَّحابَةَ فَهِموا هٰذِهِ الأَبوابَ فَهمًا مُخالِفًا لِما يَدَّعِيهِ المُعاصِرونَ مِن تَقريرِ «حُرِّيَّةِ المُعتَقَدِ».
❖فَمِن ذٰلِكَ ما رُوِيَ فِي كُتُبِ الحَديثِ مِن وُقوعِ أَحكامٍ وَوَقائِعَ عِندَ الصَّدرِ الأَوَّلِ تَدُلُّ عَلَى تَغليظِ شَأنِ الِاعتِداءِ عَلَى مَقامِ النُّبُوَّةِ، وَعَلَى أَنَّ أَبوابَ العَقيدَةِ وَالدِّينِ لَم تَكُن عِندَهُم مَجالًا لِلتَّساهُلِ وَالتَّمييعِ، بَل كانَت مُرتَبِطَةً بِأَحكامٍ شَرعِيَّةٍ وَضَوابطَ مَعروفَةٍ.
❖ فَمِن ذٰلِكَ ما رَوَاهُ البَيهَقِيُّ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، فَلَمّا أُخبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذٰلِكَ قالَ: «مَن فَعَلَ ذٰلِكَ؟» فَجاءَ الرَّجُلُ وَقالَ: أَنا يا رَسولَ اللَّهِ، كانَت تَقَعُ فِيكَ فَأَزجُرُها فَلَا تَنزَجِرُ، ثُمَّ إِنَّها وَقَعَت فِيكَ فِي لَيلَةٍ، فَأَخَذتُ المِعوَلَ وَوَضَعتُهُ عَلى بَطنِها وَتَحامَلتُ عَلَيهِ حَتَّى قَتَلتُها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اشهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ». وَإِنَّما يُذكَرُ هٰذا الخَبَرُ فِي سِياقِ بَيانِ ما كانَ أَهلُ العِلمِ يَحتَجُّونَ بِهِ فِي أَبوابِ حُرمَةِ سَبِّ النَّبِيِّ ﷺ وَتَغليظِ شَأنِ ذٰلِكَ.
❖وَثَبَتَ أَيضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أَرسَلَ أَبا موسى الأَشعَرِيَّ وَمُعاذَ بنَ جَبَلٍ إِلى اليَمَنِ قالَ لَهُما: «بَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا»، وَأَوصاهُما بِالتَّطاوعِ وَالِاتِّفاقِ. ثُمَّ إِنَّ مُعاذًا لَمّا جاءَ زائِرًا لِأَبي موسى وَجَدَ رَجُلًا مُكَبَّلًا بِالحَديدِ، فَقالَ: ما شَأنُ هٰذا؟ قِيلَ لَهُ: هٰذا كانَ مُسلِمًا ثُمَّ ارتَدَّ يَهودِيًّا. فَكانَ ذٰلِكَ مِمّا يُذكَرُ فِي كُتُبِ الفِقهِ وَالسِّيَرِ فِي بابِ أَحكامِ الرِّدَّةِ، وَتُذكَرُ مَعَ ذٰلِكَ فِي كُتُبِ الفِقهِ وَالسِّيَرِ وَقائِعُ أُخرَى مُتَعَلِّقَةٌ بِأَحكامِ الرِّدَّةِ لِبَيانِ أَنَّ الصَّحابَةَ لَم يَفهَموا الدِّينَ عَلَى ما يُرَوَّجُ اليَومَ مِن إِطلاقِ الحُرِّيَّةِ فِي هٰذا البابِ.
❖وَكَذٰلِكَ نُقِلَ عَن أَبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ مَواقِفُ فِي التَّعامُلِ مَعَ المُرتَدِّينَ، وَمِمَّا يُذكَرُ فِي ذٰلِكَ أَنَّهُ قاتَلَ المُرتَدِّينَ الَّذينَ اتَّبَعوا مُسَيلِمَةَ الكَذّابَ وَغَيرَهُ، وَكَانَ عَلى رَأسِ الجَيشِ خالِدُ بنُ الوَليدِ، وَكانَ فِي الجَيشِ عَلِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ، وَقَد عَدَّ أَهلُ العِلمِ حُروبَ الرِّدَّةِ مِن أَعظَمِ مَناقِبِ أَبي بَكرٍ؛ لِأَنَّهُ حَفِظَ بِها بَيضَةَ الإِسلامِ، وَمَنَعَ تَفَرُّقَ العَرَبِ بَعدَ وَفاةِ النَّبِيِّ ﷺ.
❖وَلِهٰذا كانَ التَّوسُّعُ فِي الفُتوحِ فِي عُصورِ الخُلَفاءِ الرّاشِدينَ وَمَن بَعدَهُم جارِيًا عَلى فَهمٍ شَرعِيٍّ يُقَرِّرُ عُلُوَّ دِينِ اللَّهِ وَظُهورَهُ، حَتّى وَصَلَ الإِسلامُ فِي زَمَنِ عُثمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ إِلى أَطرافٍ بَعيدةٍ شَرقًا وَغَربًا، وَاتَّسَعَت دائِرَةُ الدَّعوَةِ وَالسُّلطانِ.
❖وَقَد غَزا رَسولُ اللَّهِ ﷺ سَبعَ عَشرَةَ غَزوَةً بَعدَ أَن أُذِنَ لَهُ بِالقِتالِ، وَهٰذا مِمَّا يَدُلُّ عَلى أَنَّ أَبوابَ الجِهادِ وَالعَلاقَةِ بِالمُخالِفينَ فِي الدِّينِ لَم تَكُن عِندَهُ ﷺ مَبنيَّةً عَلى فِكرَةِ التَّسويَةِ بَينَ الحَقِّ وَالباطِلِ، فإنَّ الإِسلامَ دِينُ حَقٍّ مُهَيمِنٌ، لَا دِينٌ يَقبَلُ أَن يُجعَلَ أَحدُ البَدائِلِ المُتَساوِيَةِ مَعَ غَيرِهِ.
❖وفِي تَفسيرِ قَولِهِ تَعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُم أَو يُسلِمُونَ﴾ وَقَولِهِ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤمِنُونَ بِاللَّهِ…﴾ يظهر ما قُلنا فقد قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُم أَو يُسلِمُونَ﴾ [الفتح: 16]، وَهٰذَا فِي حَقِّ طَوائِفَ مِنَ الكُفّارِ غَيرِ أَهلِ الكِتابِ. وَأَمَّا أَهلُ الكِتابِ فَقَد نَزَلَ فِيهِم قَولُ اللَّهِ تَعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِاليَومِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعطُوا الجِزيَةَ عَن يَدٍ وَهُم صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
❖وَهٰذِهِ النُّصوصُ كُلُّها تَدُلُّ عَلى أَنَّ الإِسلامَ دِينُ حَقٍّ مُهَيمِنٌ، وَلَيسَ مَشروعًا لِتَقريرِ التَّعَدُّدِيَّةِ الدِّينِيَّةِ عَلَى وَجهِ المُساواةِ بَينَ الحَقِّ وَالباطِلِ.
*بَيَانُ الشُّبُهاتِ الَّتِي يَستَنِدُ إِلَيها أَصحابُ هذِهِ المَقالَةِ*
❖إِنَّ مِن جُملَةِ مَن بُلِيَت بِهِم هذِهِ الأُمَّةُ فِي هذَا الزَّمانِ أُناسًا يَدَّعُونَ أَنَّ الإِسلامَ يَضمَنُ حُرِّيَّةَ المُعتَقَدِ، وَيَصونُها، وَيُجيزُ لِكُلِّ إِنسانٍ أَن يَعبُدَ ما يَشاءُ، وَأَن يَعتَنِقَ ما يُريدُ مِنَ الأَفكارِ وَالمِلَلِ، وَيُلبِسونَ ذٰلِكَ لِباسَ التَّسامُحِ وَالتَّنويرِ.
❖وَيَستَنِدُونَ فِي ذٰلِكَ إِلى أُمورٍ عِدَّةٍ، مِنها أَربَعَةُ أُصولٍ:
1. تَفسيرُهُم الباطِلُ لِقَولِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَليُؤمِن وَمَن شَاءَ فَليكفُر﴾ [الكهف: 29].
2. تَفسيرُهُم الفاسِدُ لِقَولِهِ تَعالى: ﴿لَكُم دِينُكُم وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6].
3. تَمَسُّكُهُم بِآياتٍ مِثلِ: ﴿لَا إِكرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، وَ﴿أَفَأَنتَ تُكرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤمِنِينَ﴾ [يونس: 99]، وَ﴿لَستَ عَلَيهِم بِمُصَيطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]، وَ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُم﴾ [البقرة: 272]، وَحَملُها عَلَى غَيرِ وُجوهِها.
4. الاِستِدلالُ بِقِصَّةِ نَصارى نَجرانَ، وَما زِيدَ فِي بَعضِ رِواياتِها مِنَ الِافتِراءِ.
*أَوَّلًا: بَيَانُ مَعنَى قَولِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَليُؤمِن وَمَن شَاءَ فَليكفُر﴾*
❖لا يَجوزُ تَفسيرُ هذِهِ الآيَةِ عَلَى أَنَّ الإِنسانَ لَهُ حُرِّيَّةُ الاِختيارِ مُطلَقًا دُونَ مُؤاخَذَةٍ؛ فَإِنَّ فِي ذٰلِكَ رَدًّا لِلنُّصوصِ، وَإِبطالًا لِما بَعدَها مِن قَولِهِ تَعالى: ﴿إِنَّا أَعتَدنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِم سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29].
❖وَفِي ذٰلِكَ أَيضًا إِبطالٌ لِقَولِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، وَإِلغاءٌ لِوَظيفَةِ الرُّسُلِ، وَقَد قالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا أَرسَلنَا مِن قَبلِكَ مِن رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]، وَإِبطالٌ لِقَولِهِ تَعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: 213]؛ فَعَلى أَيِّ شَيءٍ تَكونُ البُشرى وَالإِنذارُ إِذا كانَ الأَمرُ تَخييرًا مُطلَقًا؟!
❖وَقَد فَسَّرَ العُلَماءُ هذِهِ الآيَةَ تَفسيرًا صَحيحًا:
1. قالَ القُرطُبِيُّ: عَنِ ابنِ عَبّاسٍ: مَن شاءَ اللَّهُ لَهُ الإِيمانَ آمَنَ، وَمَن شاءَ لَهُ الكُفرَ كَفَرَ. وَقالَ ابنُ زَيدٍ: هذَا كُلُّهُ وَعيدٌ.
2. قالَ الزَّجّاجُ فِي «مَعاني القُرآنِ»: هذَا مِن أُسلوبِ التَّهديدِ، كَما يُقالُ: اِفعَل ما شِئتَ.
3. قالَ الثَّعلَبِيُّ فِي «الكَشفِ وَالبَيانِ»: لَيسَ تَخييرًا، بَل وَعيدٌ وَتَهديدٌ.
4. قالَ البَغَوِيُّ: هُوَ عَلَى طَريقِ التَّهديدِ، كَقَولِهِ تَعالى: ﴿اعمَلُوا مَا شِئتُم﴾ [فصلت: 40].
5. قالَ أَبو حَنيفَةَ فِي «الفِقهِ الأَبسَطِ»: هُوَ وَعيدٌ.
❖ فَهُوَ عِندَ أَهلِ العِلمِ لِلتَّهديدِ وَالوَعيدِ، لَا لِلتَّرخِيصِ وَالتَّخييرِ. وَيُفهَمُ ذٰلِكَ مِن سِياقِ الآيَةِ؛ فَإِنَّ تَكمِلَتَها قَولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّا أَعتَدنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِم سُرَادِقُهَا وَإِن يَستَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالمُهلِ يَشوِي الوُجُوهَ بِئسَ الشَّرَابُ وَسَاءَت مُرتَفَقًا﴾ [الكهف: 29]. فَمَعنى الآيَةِ: مَن شاءَ أَن يَسلُكَ سَبيلَ الإِيمانِ فَذٰلِكَ سَبيلُ النَّجاةِ، وَمَن شاءَ أَن يَسلُكَ سَبيلَ الكُفرِ فَعَلَيهِ وَعيدُ اللَّهِ وَعَذابُهُ، فَلَيسَ فِيها إِعطاءُ مَشروعيَّةٍ لِلكُفرِ، بَل فِيها تَغليظٌ وَتَخويفٌ.
❖وَقَد بَيَّنَ أَهلُ العِلمِ مَعنى أَلفاظِ هٰذِهِ الآيَةِ، وَأَمَّا قَولُهُ تَعالى تَمامَ الآيَةِ: ﴿وَإِن يَستَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالمُهلِ يَشوِي الوُجُوهَ بِئسَ الشَّرَابُ وَسَاءَت مُرتَفَقًا﴾ [الكهف: 29]، فَقَد بَيَّنَ أَهلُ العِلمِ أَنَّ قَولَهُ: ﴿أَحَاطَ بِهِم سُرَادِقُهَا﴾: أَي لِهٰذِهِ النّارِ غِشاوةٌ وَإِحاطَةٌ وَغِطاءٌ يَزيدُ فِي شِدَّةِ حَرِّها. وَقَولُهُ: ﴿وَإِن يَستَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالمُهلِ﴾: أَي إِنِ استَغاثُوا مِن شِدَّةِ العَطَشِ أُسقُوا ماءً بَالغًا فِي الحَرارَةِ، يُشوِي الوُجوهَ مِن شِدَّةِ حَرِّهِ، فَأَيُّ تَرخِيصٍ فِي الكُفرِ بَعدَ هٰذَا الوَعيدِ؟
❖ وَقَد كَذَّبُوا بِهٰذا الفَهمِ المخالف القُرآنَ وَالحَديثَ وَإِجماعَ الأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ وَغَيرِهِم؛ فَإِنَّ الإِسلامَ جَاءَ بِإِبطالِ كُلِّ دِينٍ سِوى الإِسلامِ، وَلَم يَأتِ لِيُثبِتَ لِلنّاسِ حُرِّيَّةَ الكُفرِ وَالاِنصِرافِ عَنِ الحَقِّ.
*ثَانِيًا: بَيَانُ مَعنَى قَولِهِ تَعالى: ﴿لَكُم دِينُكُم وَلِيَ دِينِ﴾*
❖لا يَجوزُ حَملُ هذِهِ الآيَةِ عَلَى إِقرارِ الباطِلِ، بَل مَعنَاها المُفاصَلَةُ وَالتَّهديدُ.
❖وَقَد قالَ العُلَماءُ:
1. قالَ ابنُ فُورَكٍ: لَكُم جَزاءُ عِبادَةِ الأَوثانِ وَهُوَ النّارُ، وَلِيَ جَزاءُ عِبادَةِ رَبِّي وَهُوَ الجَنَّةُ.
2. قالَ الماوَردِيُّ: هُوَ تَهديدٌ، وَكَفى بِجَزاءِ العَمَلِ ثَوابًا.
3. قالَ ابنُ عَبّاسٍ: لَيسَ فِي القُرآنِ سُورَةٌ أَشَدُّ لِغَيظِ إِبليسَ مِن هذِهِ؛ لِأَنَّها بَراءَةٌ مِنَ الشِّركِ.
4. قالَ الخازِنُ: لَكُم كُفرُكُم وَلِيَ تَوحِيدِي، وَهُوَ كَقَولِهِ تَعالى: ﴿اعمَلُوا مَا شِئتُم﴾ [فصلت: 40].
5. وقد بَيَّنَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ المَعنى: لَكُم دِينُكُم الَّذِي أَنتُم عَلَيهِ، وَلِيَ دِينِي، عَلَى وَجهِ المُفاصَلَةِ وَالبَراءَةِ، لَا عَلَى مَعنى الإِقرارِ وَالتَّصحيحِ، وَقالَ غَيرُ واحِدٍ مِن أَهلِ التَّفسيرِ: إِنَّها آيَةُ تَهديدٍ وَإِظهارٍ لِلمُبايَنَةِ بَينَ الحَقِّ وَالباطِلِ.
❖وَقَد قالَ كَثيرٌ مِنَ المُفَسِّرينَ: إِنَّها مِمّا نُسِخَ بِآيَةِ الجِهادِ، لا عَلَى أَنَّ الكُفرَ كانَ مُباحًا، بَل عَلَى أَنَّهُ بَعدَ ذٰلِكَ أُمِرَ بِأَحكامٍ أُخرَى فِي التَّعامُلِ مَعَ الكُفّارِ، وَبَقِيَ أَصلُ المُفاصَلَةِ بَينَ الحَقِّ وَالباطِلِ واضِحًا فِيها.
❖ فقَولُهُ تَعالى: ﴿لَكُم دِينُكُم وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]، لَيسَ تَخييرًا وَلا إِقرارًا لِلكُفّارِ عَلى باطِلِهِم، بَل هُوَ تَهديدٌ وَوَعيدٌ وَمُفاصَلَةٌ بَينَ الحَقِّ وَالباطِلِ. وَمَعناهُ: لَكُم دِينُكُم الباطِلُ الَّذي أَنتُم عَلَيهِ، وَلِيَ دِينِي الحَقُّ الَّذي أَنا عَلَيهِ، فَلَيسَ بَينَنَا مُوافَقَةٌ وَلَا مُداهَنَةٌ فِي أَصلِ الدِّينِ.
*ثَالِثًا: بَيَانُ مَعنَى قَولِهِ تَعالى: ﴿لَا إِكرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ وَ﴿أَفَأَنتَ تُكرِهُ النَّاسَ﴾*
❖ قَولُهُ تَعالى: ﴿لَا إِكرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، قَد نَزَلَت قَبلَ آياتِ الجِهادِ، وَقِيلَ: نُسِخَت بِها، وَقِيلَ: هِيَ خاصَّةٌ بِأَهلِ الكِتابِ إِذا دَفَعُوا الجِزيَةَ.
1. قالَ الطَّبَرِيُّ: ثُمَّ نُسِخَت بِقِتالِ أَهلِ الكِتابِ فِي سُورَةِ بَراءَةَ، وَقالَ آخَرونَ: بَل هِيَ فِي خُصوصٍ، وَلا نَسخَ فِيها. فَقَد حَمَلَهُ الطَّبَرِيُّ عَلَى وُجوهٍ مَخصوصَةٍ، مِنها أَنَّهُ فِي قَومٍ بِأَعيانِهِم، أَو فِيمَن تُقبَلُ مِنهُ الجِزيَةُ، فَلَم يَجعَلهُ نَصًّا فِي تَصحيحِ جَميعِ الأَديانِ وَالمِلَلِ.
2. قالَ ابنُ عادلٍ الحَنبَلِيُّ: كانَ ذٰلِكَ فِي ابتِداءِ الإِسلامِ قَبلَ الأَمرِ بِالقِتالِ، ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةٍ مِن آياتِ القِتالِ بِآيَةِ السَّيفِ: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشهُرُ الحُرُمُ فَاقتُلُوا المُشرِكِينَ حَيثُ وَجَدتُّمُوهُم وَخُذُوهُم وَاحصُرُوهُم وَاقعُدُوا لَهُم كُلَّ مَرصَدٍ﴾ [التوبة: 5]..
3. قالَ الآلوسِيُّ: مِثلُ هذِهِ الآياتِ مَنسوخٌ بِالقِتالِ.
❖ فَقَد تَمَسَّكَ بِهِ هٰؤُلاءِ تَمَسُّكًا فاسِدًا، وَحَمَلُوهُ عَلى غَيرِ وَجهِهِ. وَالصَّوابُ أَنَّ أَهلَ التَّفسيرِ قَد ذَكَروا فِيهِ وُجوهًا مَعلُومَةً، مِنها أَنَّهُ نَزَلَ قَبلَ آياتِ الجِهادِ، ثُمَّ جاءَ بَعدَ ذٰلِكَ التَّشريعُ المُفَصَّلُ فِي القِتالِ. وَقالَ بَعضُ العُلَماءِ: إِنَّهُ خاصٌّ بِأَهلِ الكِتابِ الَّذينَ إِذا دَفَعُوا الجِزيَةَ وَالتَزَموا شُروطَها تُرِكَ قِتالُهُم. وَعَلى كِلَا القَولينِ، فَلَيسَ فِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى تَصحيحِ الكُفرِ، وَلَا عَلى أَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَن يَعتَنِقَ ما شاءَ مِنَ الباطِلِ وَيُقالَ: هٰذَا مَشروعٌ فِي الإِسلامِ.
❖وَأَمّا قول اللَّهُ تَعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُكرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤمِنِينَ﴾ [يونس: 99]. أَي لَستَ – يا مُحَمَّدُ ﷺ – بِقادِرٍ عَلَى إِكراهِ قُلوبِ النَّاسِ عَلَى الإِيمانِ، وَإِنَّما غايَةُ ما يُتصوَّرُ إِكراهُ الأَجسادِ فِي الظَّاهِرِ، أَمّا القُلوبُ فَلَيسَت بِيَدِكَ، بَل هِيَ بِيَدِ اللهِ تَعالى يُقلِّبُها كَيفَ يَشاءُ.
❖فَلَو شاءَ اللهُ أَن يَهديَ جَميعَ النَّاسِ لَهَداهُم أَجمَعينَ، فَيَكونونَ كُلُّهُم مِن أَهلِ الإِيمانِ، وَلٰكِنَّهُ سُبحانَهُ لَم يَشَأ ذٰلِكَ، فَكانَ مِنهُم المُؤمِنُ وَمِنهُم الكافِرُ.
❖وَهو كقَولِهِ تَعالى: ﴿لَا إِكرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]؛ فالمَقصودُ بِهِ أَنَّ العِبادَ لا يَملِكونَ إِيجادَ الهِدايةِ فِي القُلوبِ، فَلا يَقدِرونَ عَلَى خَلقِ الإِيمانِ فِيها، وَإِنَّما ذٰلِكَ إِلَى اللهِ وَحدَهُ، يَخلُقُ فِي القَلبِ القَبولَ وَالإِذعانَ لِلحَقِّ.
❖فهٰذا هو مَعنَى قَولِهِ تَعالى: ﴿وَلَو شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرضِ كُلُّهُم جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]؛ أَي لَيسَت هِدايةُ القُلوبِ إِلَيكَ، وَإِنَّما هِيَ إِلَى اللهِ تَعالى.
❖وَيفسره قوله سُبحانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَينَ المَرءِ وَقَلبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وَقَد قالَ ابنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما: «يَحولُ بَينَ المُؤمِنِ وَالكُفرِ، وَبَينَ الكافِرِ وَالإِيمانِ»، فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ القُلوبَ تَحتَ سُلطانِ اللهِ تَعالى.
❖وَلَيسَ مَعنَى هٰذِهِ الآياتِ أَنَّ اللهَ أَعطى النَّاسَ حُرِّيَّةَ الاِعتِقادِ عَلَى وَجهِ الإِطلاقِ، بَل هٰذا الفَهمُ يُخالِفُ القُرآنَ؛ كما قالَ تَعالى: ﴿وَلَا يَرضَىٰ لِعِبَادِهِ الكُفرَ﴾ [الزمر: ٧]. وَلَو كانَ الأَمرُ كَذٰلِكَ لَما أَرسَلَ اللهُ الأَنبِياءَ، وَلا أَنزلَ الكُتُبَ، وَلٰكِنَّهُ أَرسَلَهُم لِهدايةِ العِبادِ وَإِقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيهِم.
❖وَمِمَّن فَسَّرَ هٰذِهِ الآيَةَ: ﴿أَفَأَنتَ تُكرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، كَما سَبَقَ بَيَانُهُ:
1. قالَ الإِلبيرِيُّ المالِكِيُّ: أَي: لَستَ تَستَطيعُ إِكراهَهُم، بَل الهِدايَةُ بِمَشيئَةِ اللَّهِ.
2. قالَ الرّازِيُّ: المَقصودُ بَيانُ أَنَّ القُدرَةَ وَالمَشيئَةَ لِلَّهِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُكلَّفٌ بِالتَّبليغِ. ثم قال الرازي: وَالمَعنَى أَنَّكَ مَا أُمِرتَ إِلَّا بِالتَّذكِيرِ. وأتبَعَ الرازي قائلًا: «قَالُوا: ثُمَّ نَسَخَتهَا آيَةُ القِتَالِ، هَذَا قَولُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ».
*رَابِعًا: فِي تَفسيرِ قَولِهِ تَعالى: ﴿لَستَ عَلَيهِم بِمُصَيطِرٍ﴾ وَ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُم﴾*
❖قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَستَ عَلَيهِم بِمُصَيطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]، وَمَعناهُ: لَستَ يا مُحَمَّدُ مالِكًا لِقُلوبِهِم، وَلَا قادِرًا عَلى تَحويلِها مِنَ الكُفرِ إِلَى الإِيمانِ بِمُجرَّدِ إِرادَتِكَ؛ فَالهِدايَةُ الَّتي هِيَ خَلقُ الإِيمانِ فِي القُلوبِ إِنَّما هِيَ بِيَدِ اللَّهِ وَحدَهُ. أَي فلَستَ يا مُحَمَّدُ ﷺ بِقادِرٍ عَلَى التَّسَلُّطِ عَلَى قُلوبِ الكافِرينَ، فَتُحوِّلَها مِنَ الكُفرِ إِلَى الإِيمانِ، وَإِنَّما الَّذِي يُقلِّبُ القُلوبَ كَيفَ يَشاءُ هُوَ اللهُ تَعالى وَحدَهُ.
❖وَعَلَى هٰذا يَدُلُّ قَولُ النَّبِيِّ ﷺ فِي دُعائِهِ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّت قَلبِي عَلَى دِينِكَ»، وَفِي ذٰلِكَ تَعليمٌ لِأُمَّتِهِ ﷺ، وَإِلَّا فَإِنَّ الرَّسُولَ ﷺ مَعصُومٌ مِنَ الكُفرِ قَبلَ أَن يُوحَى إِلَيهِ بِالنُّبُوَّةِ، وَبَعدَ أَن أُوحِيَ إِلَيهِ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسالَةِ ﷺ، فَلَا يَقَعُ الكُفرُ مِنَ الأَنبِياءِ أَلبَتَّةَ.
❖ وَكَذٰلِكَ قَولُهُ تَعالى: ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُم﴾ [البقرة: 272]، أَي لَيسَ عَلَيكَ خَلقُ الهِدايَةِ فِي قُلوبِهِم؛ لِأَنَّ الخَلقَ لِلَّهِ وَحدَهُ. فلستَ مُكَلَّفاً بِقَلبِ قلوبهم لأنَّ الذي يُقَلِّبُ القلوب هو الله، وَلَيسَ فِي هٰذِهِ الآياتِ أَدنى دَلالَةٍ عَلى أَنَّ الكُفرَ دِينٌ مَشروعٌ، أَو أَنَّ الإِنسانَ مُخَيَّرٌ شَرعًا بَينَ الإِيمانِ وَالكُفرِ عَلَى السَّواءِ.
❖ وَمِن نَفائِسِ تَعالِيمِ الإِسلامِ أَن يُجابَ على أُولٰئِكَ الفاسِدونَ المُفسِدونَ بِأُسلوبِ التَّبكيتِ وَالإِلزامِ، فَيُقالُ لَهُم: لَو كانَ لِلإِنسَانِ أَن يَعتَقِدَ ما يَشاءُ عَلَى وَجهِ الإِطلاقِ، فَلِأَيِّ شَيءٍ خَلَقَ اللهُ جَهَنَّمَ؟!
❖ وَبِهٰذا يَظهَرُ أَنَّ أَقوالَ أَئِمَّةِ التَّفسيرِ مُتَظاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ هٰذِهِ الآياتِ لَا تُحمَلُ عَلَى المَعنى الَّذِي يُرادُ اليَومَ مِن تَسويغِ الكُفرِ أَو تَصحيحِ التَّعَدُّدِ الدِّينِيِّ عَلَى وَجهِ التَّسويَةِ بَينَ الحَقِّ وَالباطِلِ.
*خَامسًا: قِصَّةُ نَصارى نَجرانَ وَبَيَانُ ما فِيهَا مِنَ الزِّيادَاتِ الباطِلَةِ*
❖ تُعَدُّ قِصَّةُ وَفدِ نَجرَانَ مِنَ الوَقَائِعِ المَشهُورَةِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَقَد كَثُرَ حَولَهَا النَّقلُ وَالجِدَالُ، وَتَداوَلَ النَّاسُ فِيهَا رِوَايَاتٍ مُتَفَاوِتَةً صِحَّةً وَضَعفًا. وَمِن ثَمَّ كَانَ لِزامًا بَيَانُ الحَقِّ فِيهَا عَلَى وَفقِ مَا ثَبَتَ بِالأَدلَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَرَدِّ مَا لا يَصِحُّ إِسنَادُهُ أَو يَتَعَارَضُ مَعَ الأُصُولِ الشَّرعِيَّةِ.
❖ وقد ثَبَتَ أَنَّ وَفدًا مِن نَصَارَى نَجرَانَ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي المَدِينَةِ، وَكَانُوا جَمَاعَةً مِن أَشرَافِهِم، فَدَعَاهُم إِلَى الإِسلَامِ وَبَيَّنَ لَهُم حَقِيقَةَ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ أَنَّهُ عَبدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَأَبَوا وَجَادَلُوا، فَأَنزَلَ اللَّهُ تَعَالَى قَولَهُ: ﴿فَقُل تَعَالَوا نَدعُ أَبنَاءَنَا وَأَبنَاءَكُم وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُم وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُم ثُمَّ نَبتَهِل فَنَجعَل لَعنَتَ اللَّهِ عَلَى الكَاذِبِينَ (61)﴾. فَلَمَّا رَأَوا الجِدَّ فِي المُبَاهَلَةِ خَافُوا عَاقِبَتَهَا، وَآثَرُوا المُصَالَحَةَ وأَدَاءَ الجِزيَةِ، فَتُرِكُوا عَلَى ذَلِكَ، وَهٰذَا هُوَ الثَّابِتُ فِي كُتُبِ الحَدِيثِ وَالسِّيرَةِ المُعتَمَدَةِ.
❖ أما مَسأَلَةُ صَلَاتِهِم فِي المَسجِدِ فقد وَرَدَت رِوَايَاتٌ فِي بَعضِ كُتُبِ السِّيرَةِ تَذكُرُ أَنَّ وَفدَ نَجرَانَ صَلَّوا فِي مَسجِدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى جِهَةِ المَشرِقِ، وَأَنَّهُ قِيلَ: أَنَّهُ ﷺ قالَ: دَعوهُم يُصَلُّونَ فِي مَسجِدِي!. وَهٰذِهِ الزِّيادَةُ مِمّا أَنكَرَها العلماء؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَرسَلَ نَبِيَّهُ ﷺ آمِرًا بِالمَعرُوفِ ناهِيًا عَنِ المُنكَرِ، وَقالَ تَعالى: ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَتَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110].
❖ وَهٰذِهِ الرِّوَايَاتُ لَيسَت مِنها ما يَثبُتُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ صَرِيحٍ، بَل فِيهَا انقِطَاعٌ أَو ضَعفٌ، وَقَد تَكَلَّمَ العُلَمَاءُ فِيها، فَلَا يُبنَى عَلَيهَا حُكمٌ وَلَا يُعارَضُ بِهَا الأَصلُ المَعلُومُ مِن شَرعِ الإِسلَامِ.
❖ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُنزَّهٌ عن الإِقرار بِالبَاطِلِ أو الرِّضَا به وقد ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحمَدُ، وَأَنَا المَاحِي الَّذِي يَمحُو اللَّهُ بِيَ الكُفرَ». فَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رِسَالَتَهُ قَائِمَةٌ عَلَى إِزَالَةِ الشِّركِ وَالبَاطِلِ، وَإِظهَارِ الحَقِّ وَالتَّوحِيدِ، فَلَا يَتَصَوَّرُ مَعَ ذَلِكَ أَن يُقِرَّ الكُفرَ أَو يَرضَى بِهِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُنزَّهٌ عَن إِقرَارِ الكُفرِ أَوِ الرِّضَا بِهِ.
❖وإِنَّ كُتُبَ السِّيرَةِ لَيسَت كُلُّ مَا فِيهَا صَحِيحًا، بَل فِيهَا الصَّحِيحُ وَالضَّعِيفُ وَالمُنكَرُ، وَقَد دَخَلَ فِي هٰذِهِ المَصنَّفَاتِ مَا يَحتاجُ إِلَى تَمحِيصٍ وَتَحرِيرٍ، وَلِذٰلِكَ كَانَ أَهلُ الحَدِيثِ يُمَيِّزُونَ بَينَ مَا يَثبُتُ وَمَا لَا يَثبُتُ، وَلَا يَقبَلُونَ كُلَّ مَا يُروَى دُونَ نَظَرٍ فِي إِسنَادِهِ.
❖وَخُلَاصَةُ الأَمرِ: أَنَّ قِصَّةَ وَفدِ نَجرَانَ وَالمُبَاهَلَةِ ثَابِتَةٌ، وَأَنَّهُم عَدَلُوا عَنِ المُبَاهَلَةِ إِلَى المُصَالَحَةِ وَدَفعِ الجِزيَةِ، وَأَمَّا مَا يُروَى مِن صَلَاتِهِم فِي المَسجِدِ فَلَيسَ مِمَّا يَثبُتُ إِسنَادُهُ، وَيَجِبُ فِي مِثلِ هٰذِهِ المَسَائِلِ الرُّجُوعُ إِلَى مِيزَانِ العِلمِ وَالتَّثَبُّتِ، وَتَركُ مَا لَا يَصحُّ أَو يُوهِمُ مَا لَا يَليقُ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ.
❖ فَلا يَصحُّ أَن تُجعَلَ هٰذِهِ الرِّواياتُ المُضطَرِبَةُ أَصلًا فِي تَقريرِ «حُرِّيَّةِ المُعتَقَدِ» بِالمَعنى الَّذي يَزعُمونَ. وَبِهذا يَظهَرُ الحَقُّ جَلِيًّا، وَيَتَبَيَّنُ بُطلانُ هذِهِ المَقالَةِ، وَأَنَّها قائِمَةٌ عَلَى تَحريفِ النُّصوصِ، وَسُوءِ الفَهمِ، وَاتِّباعِ الهَوى.
❖وَكَثيرٌ مِمَّن يَستَدِلُّ بِهذِهِ الشُّبُهاتِ إِنَّما يَسعى إِلى ما يُسمَّى «حِوارَ الأَديانِ»، وَالتَّحريضِ عَلَى الخُروجِ مِن دِينِ الإِسلامِ تَحتَ شِعارِ «حُرِّيَّةِ المُعتَقَدِ»، وَإِرضاءِ الكافِرينَ. وَقَد كَذَّبُوا بِهٰذا الفَهمِ القُرآنَ وَالحَديثَ وَإِجماعَ الأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ وَغَيرِهِم؛ فَإِنَّ الإِسلامَ جَاءَ بِإِبطالِ كُلِّ دِينٍ سِوى الإِسلامِ، وَلَم يَأتِ لِيُثبِتَ لِلنّاسِ حُرِّيَّةَ الكُفرِ وَالاِنصِرافِ عَنِ الحَقِّ، فَالحَقُّ ظاهِرٌ بَيِّنٌ، وَالوَاجِبُ لُزومُهُ، وَالحَذَرُ مِنَ الاغتِرارِ بِالشُّبُهاتِ وَالأَباطيلِ.
❖وَمِن هُنا يُعلَمُ أَنَّ ما يُسمَّى اليَومَ بِـ«حُرِّيَّةِ الفِكرِ» إِذا أُرِيدَ بِهِ إِطلاقُ العِنانِ لِلعُقولِ فِي مُخالَفَةِ الوَحيِ، وَتَسوِيغُ الرَّدِّ عَلَى اللَّهِ وَرَسولِهِ ﷺ، وَنَقضُ أُصولِ الإِيمانِ، فَهُوَ لَيسَ مِنَ الإِسلامِ فِي شَيءٍ، بَل هُوَ بابٌ إِلى الفَوضى العَقَدِيَّةِ وَالهَدمِ الدِّينِيِّ.
*فِي بَيَانِ أَنَّ أَحكامَ القِتالِ وَغَيرِها لَها أَهلُها وَضَوابِطُها*
❖وَمَعَ كُلِّ ما سَبَقَ، فَيَجِبُ التَّنبيهُ إِلى أَنَّ الكَلامَ فِي أَحكامِ الجِهادِ وَالسِّياسَةِ الشَّرعِيَّةِ وَأَحكامِ الرِّدَّةِ وَغَيرِها لَا يَجوزُ أَن يُتَّخَذَ ذَريعَةً إِلى الفَوضى، أَوِ الِاعتِداءِ الفَردِيِّ، أَوِ الاِفتِياتِ عَلى السُّلطانِ وَالقَضاءِ؛ فَهٰذِهِ أَبوابٌ لَها أَهلُها، وَلَها مَقامُها، وَلَها شُروطُها وَتَرتيباتُها، وَإِنَّما المقصودُ هٰهُنا بَيانُ بُطلانِ المَقالَةِ الَّتي تُقَرِّرُ لِلكُفرِ مَشروعيَّةً، وَتَجعَلُ الحَقَّ وَالباطِلَ فِي رُتبَةٍ واحِدَةٍ.
❖وَقَد نَبَّهَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ فِي العُصورِ المُتَأَخِّرَةِ إِلى أَنَّ الكَلامَ فِي أَبوابِ الجِهادِ وَالقِتالِ يَرتَبِطُ بِالوُسعِ وَالقُدرَةِ وَوُجودِ الإِمامِ وَتَحقُّقِ الشُّروطِ، وَأَنَّ المَسائِلَ العِظامَ لَا يَتَسَلَّطُ عَلَيها كُلُّ أَحَدٍ بِفَهمِهِ القاصِرِ وَحَمَاسَتِهِ المُجرَّدَةِ.
*خَاتِمَةٌ:*
❖فَبِهذا يَتَبَيَّنُ لِمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدرَهُ لِلحَقِّ أَنَّ دَعوى «حُرِّيَّةِ المُعتَقَدِ وَالضَّميرِ وَالفِكرِ وَالرَّأيِ وَالتَّعبيرِ» إِذا أُرِيدَ بِها تَصحيحُ الكُفرِ، وَتَسويغُ الرِّدَّةِ، وَجَعلُ الأَديانِ الباطِلَةِ خِياراتٍ مَشروعَةً عَلَى السَّواءِ مَعَ دِينِ اللَّهِ، فَهِيَ دَعوى باطِلَةٌ، تُخالِفُ القُرآنَ وَالسُّنَّةَ وَإِجماعَ أَئِمَّةِ الإِسلامِ، وَتُناقِضُ مَقاصِدَ الرِّسالَةِ.
❖وَكَثيرٌ مِمَّن يَستَدِلُّ بِهذِهِ الشُّبُهاتِ إِنَّما يَسعى إِلى تَمييعِ العَقيدَةِ، وَإِسقاطِ الفارِقِ بَينَ الحَقِّ وَالباطِلِ، وَإِرضاءِ الكافِرينَ، وَالتَّرويجِ لِما يُسمَّى «حِوارَ الأَديانِ» عَلَى وَجهٍ يُفضِي إِلى ذَوبانِ الحَقِّ فِي الباطِلِ.
❖وَالمُسلِمُ الصّادِقُ يَزِنُ الأَقوالَ بِمِيزانِ الوَحيِ، لَا بِمَقايِيسِ الثَّقافاتِ الدَّخيلَةِ، وَيَرجِعُ فِي فَهمِ دِينِهِ إِلى أَهلِ الرُّسوخِ وَالعِلمِ، لَا إِلى المُتَجَرِّئِينَ عَلى النُّصوصِ بِالأَهواءِ وَالمُصطَلَحاتِ المُجمَلَةِ.
❖نَسأَلُ اللَّهَ أَن يُثَبِّتَنا عَلَى الحَقِّ، وَأَن يَحفَظَ بِلادَنا وَسائِرَ بِلادِ المُسلِمينَ مِنَ الزَّيغِ وَالفِتَنِ، وَأَن يَرزُقَنا البَصيرَةَ فِي دِينِهِ، وَالثَّباتَ عَلى التَّوحيدِ، وَالوَفاةَ عَلى كامِلِ الإِيمانِ، بِجاهِ النَّبِيِّ المُصطَفى ﷺ، وَالحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمينَ.
وَكَتَبَهُ الرَّاجِي رَحمَةَ رَبِّهِ
د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ
![]()
فِي هٰذِهِ القَنَاةِ تَجِدُونَ سِلْسِلَةً مِنَ الرُّدُودِ وَالمَقَالَاتِ المُتَمَيِّزَةِ، الَّتِي قَدْ لَا تَجِدُونَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ؛ كُتِبَتْ بِأُسْلُوبٍ عِلْمِيٍّ رَصِينٍ، وَمَنْهَجٍ مُحْكَمٍ، يَهْدِفُ إِلَى بَيَانِ الحَقِّ، وَنَشْرِ العِلْمِ النَّافِعِ. ![]()
![]()
![]()
نَرْجُو مِنْكُمُ الآَنَ الِانْضِمَامَ إِلَى قَنَاتِنَا الرَّسْمِيَّةِ عَبْرَ هٰذَا الرَّابِطِ:

