التَّوَسُّلُ إِلَى اللهِ بِالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ: بَيَانُ حُكمِهِ وَتَفنِيدُ شُبُهَاتِ المُنكِرِينَ فِي ضَوءِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمِن أَقوَالِ الأَئِمَّةِ

*التَّوَسُّلُ إِلَى اللهِ بِالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ: بَيَانُ حُكمِهِ وَتَفنِيدُ شُبُهَاتِ المُنكِرِينَ فِي ضَوءِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمِن أَقوَالِ الأَئِمَّةِ*

*مُقَدِّمَةٌ*

❖ بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَى مَن شَاءَ مِن عِبَادِهِ إِلَى مَعرِفَةِ الحَقِّ، وَجَعَلَ لَهُم مِن دِينِهِ بَصَائِرَ يَستَبِينُونَ بِهَا سَبِيلَ الهُدَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيرُ خَلقِهِ، وَأَعظَمُهُم جَاهًا عِندَهُ، ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ إِلَى يَومِ الدِّينِ.

❖ أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ مَسأَلَةَ التَّوَسُّلِ بِالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ مِنَ المَسَائِلِ الَّتِي كَثُرَ فِيهَا الجِدَالُ، وَتَجَرَّأَ فِيهَا بَعضُ النَّاسِ عَلَى التَّبدِيعِ وَالتَّكفِيرِ بِغَيرِ عِلمٍ، مَعَ أَنَّ نُصُوصَ الشَّرعِ، وَأَقوَالَ الأَئِمَّةِ، وَسِيرَةَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ، كُلَّهَا تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ هٰذَا البَابِ، وَأَنَّهُ لَيسَ شِركًا، وَلَا كُفرًا، وَلَا خُرُوجًا عَن جَادَّةِ التَّوحِيدِ.

❖ وَمِن ثَمَّ كَانَ لَازِمًا أَن يُحَرَّرَ القَولُ فِي هٰذِهِ المَسأَلَةِ تَحرِيرًا عِلمِيًّا رَصِينًا، يَجمَعُ التَّعرِيفَ، وَيَذكُرُ الأَدِلَّةَ، وَيُبَيِّنُ الشُّبُهَاتِ، وَيَرُدُّ عَلَيهَا، وَيَحفَظُ لِلنُّصُوصِ وَالأَقوَالِ مَعَانِيَهَا، مِن غَيرِ اختِصَارٍ، وَلَا إِخلَالٍ، وَلَا تَجَاوُزٍ لِشُرُوطِ البَحثِ وَأَدَبِ العِلمِ.

*إِثبَاتُ أَنَّ التَّوَسُّلَ بِالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ جَائِزٌ، وَأَنَّهُ لَيسَ شِركًا*

❖ اِعلَم أَنَّهُ لَا دَلِيلَ حَقِيقِيٌّ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ فِي حَالِ الغَيبَةِ، أَو بَعدَ وَفَاتِهِم، بِدَعوَى أَنَّ ذٰلِكَ عِبَادَةٌ لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَيسَ عِبَادَةً لِغَيرِ اللهِ مُجَرَّدُ النِّدَاءِ لِحَيٍّ أَو مَيِّتٍ، وَلَا مُجَرَّدُ التَّعظِيمِ، وَلَا مُجَرَّدُ الِاستِغَاثَةِ بِغَيرِ اللهِ، وَلَا مُجَرَّدُ قَصدِ قَبرِ وَلِيٍّ لِلتَّبَرُّكِ، وَلَا مُجَرَّدُ طَلَبِ مَا لَم تَجرِ بِهِ العَادَةُ بَينَ النَّاسِ، وَلَا مُجَرَّدُ صِيغَةِ الِاستِعَانَةِ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى.

❖ وَإِنَّمَا يُحكَمُ عَلَى الشَّيءِ بِأَنَّهُ عِبَادَةٌ إِذَا انطَبَقَ عَلَيهِ حَدُّ العِبَادَةِ، وَهٰذَا مَا لَا يَنطَبِقُ عَلَى هٰذِهِ الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرنَاهَا. فَمُجَرَّدُ أَن يَقُولَ الإِنسَانُ: اللهمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ بِنَبِيِّكَ، أَو بِجَاهِ وَلِيِّكَ، أَو يَا رَسُولَ اللهِ، أَو يَا وَلِيَّ اللهِ، لَا يَكُونُ بِذٰلِكَ عَابِدًا لِغَيرِ اللهِ، مَا دَامَ مُعتَقِدًا أَنَّ اللهَ وَحدَهُ هُوَ الخَالِقُ لِلنَّفعِ وَالضُّرِّ، وَأَنَّ غَيرَهُ لَيسَ إِلَّا سَبَبًا جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى مَظِنَّةً لِلرَّحمَةِ، أَو بَابًا مِن أَبوَابِ التَّشَرُّفِ وَالتَّكَرُّمِ.

*مَا هِيَ العِبَادَةُ عِندَ اللُّغَوِيِّينَ؟*

❖ العِبَادَةُ عِندَ اللُّغَوِيِّينَ هِيَ الطَّاعَةُ مَعَ الخُضُوعِ. وَقَد قَالَ الأَزهَرِيُّ، وَهُوَ أَحَدُ كِبَارِ اللُّغَوِيِّينَ، فِي كِتَابِهِ «تَهذِيبِ اللُّغَةِ»، نَقلًا عَنِ الزَّجَّاجِ، وَهُوَ مِن أَشهَرِهِم: العِبَادَةُ فِي لُغَةِ العَرَبِ الطَّاعَةُ مَعَ الخُضُوعِ. وَقَالَ الفَرَّاءُ بِمِثلِ ذٰلِكَ، كَمَا نَقَلَهُ ابنُ مَنظُورٍ فِي «لِسَانِ العَرَبِ». وَقَالَ بَعضُهُم: العِبَادَةُ أَقصَى غَايَةِ الخُشُوعِ وَالخُضُوعِ. وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ نِهَايَةُ التَّذَلُّلِ، كَمَا يُفهَمُ ذٰلِكَ مِن كَلَامِ شَارِحِ القَامُوسِ، مُرتَضَى الزَّبِيدِيِّ، خَاتِمَةِ اللُّغَوِيِّينَ. وَهٰذَا هُوَ الَّذِي يَستَقِيمُ لُغَةً وَعُرفًا؛ إِذ لَيسَ كُلُّ خُضُوعٍ عِبَادَةً، وَلَا كُلُّ تَعظِيمٍ تَأَلُّهًا، بَلِ العِبَادَةُ هِيَ الغَايَةُ فِي الخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ مَعَ اعتِقَادِ الرُّبُوبِيَّةِ أَوِ الأُلُوهِيَّةِ لِلمَخضُوعِ لَهُ.

*الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ التَّذَلُّلِ لَيسَ عِبَادَةً لِغَيرِ اللهِ*

❖ إِنَّ مُجَرَّدَ التَّذَلُّلِ لَيسَ عِبَادَةً لِغَيرِ اللهِ، وَإِلَّا لَكَفَرَ كُلُّ مَن يَتَذَلَّلُ لِلمُلُوكِ وَالعُظَمَاءِ، وَهٰذَا بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ. وَقَد ثَبَتَ أَنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ، لَمَّا قَدِمَ مِنَ الشَّامِ، سَجَدَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: *«مَا هٰذَا؟»* فَقَالَ: *«يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي رَأَيتُ أَهلَ الشَّامِ يَسجُدُونَ لِبَطَارِقَتِهِم وَأَسَاقِفَتِهِم، وَأَنتَ أَولَى بِذٰلِكَ»*، فَقَالَ ﷺ: *«لَا تَفعَل، لَو كُنتُ آمُرُ أَحَدًا أَن يَسجُدَ لِأَحَدٍ، لَأَمَرتُ المَرأَةَ أَن تَسجُدَ لِزَوجِهَا»* رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ وَابنُ مَاجَه وَغَيرُهُمَا. وَلَم يَقُل لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كَفَرتَ، وَلَا قَالَ لَهُ: أَشرَكتَ، مَعَ أَنَّ السُّجُودَ مَظهَرٌ كَبِيرٌ مِن مَظَاهِرِ التَّذَلُّلِ. فَلَو كَانَ مُجَرَّدُ التَّذَلُّلِ عِبَادَةً، لَحَكَمَ عَلَيهِ بِالشِّركِ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ قَصدَهُ التَّعظِيمُ لَا العِبَادَةُ، نَهَاهُ وَلَم يُكَفِّرهُ.

*مَا هُوَ التَّوَسُّلُ؟*

❖ التَّوَسُّلُ هُوَ طَلَبُ حُصُولِ مَنفَعَةٍ أَوِ اندِفَاعِ مَضَرَّةٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، بِذِكرِ اسمِ نَبِيٍّ أَو وَلِيٍّ، إِكرَامًا لِلمُتَوَسَّلِ بِهِ. فَالمُتَوَسِّلُ لَا يَسأَلُ النَّبِيَّ أَوِ الوَلِيَّ عَلَى أَنَّهُ يَخلُقُ لَهُ النَّفعَ أَو يَدفَعُ عَنهُ الضُّرَّ بِنَفسِهِ، بَل يَسأَلُ اللهَ تَعَالَى، وَيَجعَلُ ذِكرَ النَّبِيِّ أَوِ الوَلِيِّ وَسِيلَةً فِي دُعَائِهِ، تَرجِيَةً لِلقَبُولِ، وَتَبَرُّكًا بِمَكَانَتِهِ عِندَ اللهِ.

*مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى ﴿وَابتَغُوا إِلَيهِ الوَسِيلَةَ﴾*

❖ مَعنَى هٰذِهِ الآيَةِ: اطلُبُوا إِلَيهِ كُلَّ مَا يُقَرِّبُكُم مِنهُ، أَي كُلَّ سَبَبٍ مَشرُوعٍ يَكُونُ وَسِيلَةً إِلَى رِضوَانِهِ وَرَحمَتِهِ وَتَحقِيقِ مَطَالِبِكُم. وَهٰذِهِ الأَسبَابُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِالأَخذِ بِهَا، هِيَ مِمَّا يُجرِي اللهُ بِهِ المَسَبَّبَاتِ عَلَى يَدِ العِبَادِ. فَهُوَ سُبحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى أَن يُحَقِّقَ الأَشيَاءَ بِلَا وَاسِطَةٍ وَلَا سَبَبٍ، وَلٰكِنَّهُ جَعَلَ لِلكَونِ سُنَنًا، وَلِلأُمُورِ أَسبَابًا، وَأَمَرَ عِبَادَهُ بِأَن يَأخُذُوا بِهَا. فَمِن جُملَةِ هٰذِهِ الأَسبَابِ التَّوَسُّلُ بِأَهلِ الفَضلِ وَالقُربِ مِنَ اللهِ تَعَالَى.

*لِمَ نَقُولُ: اللهمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ بِجَاهِ رَسُولِ اللهِ، أَو بِحُرمَتِهِ، أَن تَقضِيَ حَاجَتِي؟*

❖ لِأَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ مِنَ الأَسبَابِ المُعِينَةِ لَنَا عَلَى تَحقِيقِ مَطَالِبِنَا التَّوَسُّلَ بِالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ فِي حَالِ حَيَاتِهِم، وَبَعدَ مَمَاتِهِم. فَنَحنُ إِذًا نَسأَلُ اللهَ بِهِم، وَنَرجُو تَحقِيقَ مَطَالِبِنَا بِذِكرِ مَن لَهُ مَنزِلَةٌ عِندَ اللهِ. فَنَقُولُ: اللهمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ بِجَاهِ رَسُولِ اللهِ، أَو بِحُرمَةِ رَسُولِ اللهِ، أَن تَقضِيَ حَاجَتِي، وَتُفَرِّجَ كُربَتِي. وَقَد يَقُولُ العَبدُ: اللهمَّ بِجَاهِ عَبدِ القَادِرِ الجِيلَانِيِّ، أَو نَحوَ ذٰلِكَ. وَهٰذَا كُلُّهُ جَائِزٌ، وَلَيسَ فِيهِ مَا يُنَافِي التَّوحِيدَ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ لَم يُصرَف إِلَّا لِلهِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ ذِكرُ العَبدِ الصَّالِحِ سَبَبًا وَوَسِيلَةً. وَإِنَّمَا حَرَّمَ ذٰلِكَ الوَهَّابِيَّةُ، فَشَذُّوا بِهِ عَن أَهلِ السُّنَّةِ.

*مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى ﴿إِيَّاكَ نَعبُدُ﴾*

❖ قَالَ الفَرَّاءُ، وَهُوَ مِن أَئِمَّةِ اللُّغَوِيِّينَ: العِبَادَةُ الطَّاعَةُ مَعَ الخُضُوعِ. وَبِهٰذَا فَسَّرُوا قَولَهُ تَعَالَى: *﴿إِيَّاكَ نَعبُدُ﴾*، أَي نُطِيعُكَ الطَّاعَةَ الَّتِي مَعَهَا الخُضُوعُ. وَالخُضُوعُ هُنَا مَعنَاهُ التَّذَلُّلُ. فَإِذَا كَانَتِ العِبَادَةُ هِيَ الطَّاعَةَ مَعَ الخُضُوعِ الَّذِي يَبلُغُ مَبلَغَ التَّأَلُّهِ، عَلِمنَا أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَبلُغُ هٰذَا الحَدَّ، لَا يَصِحُّ تَسمِيَتُهُ عِبَادَةً.

*الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ مِن حَدِيثِ الأَعمَى*

❖ مِن أَقوَى الأَدِلَّةِ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ الحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَّمَ الأَعمَى أَن يَتَوَسَّلَ بِهِ، فَذَهَبَ فَتَوَسَّلَ بِهِ فِي حَالِ غَيبَتِهِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مَجلِسِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَد أَبصَرَ. وَكَانَ مِمَّا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَن يَقُولَ: *«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحمَةِ، يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي، لِتُقضَى لِي»*. فَهٰذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي جَوَازِ التَّوَسُّلِ، لَا سِيَّمَا وَأَنَّ المُعَلِّمَ لَهُ هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَفسُهُ.

❖ فالحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِغَيرِ الحَيِّ الحَاضِرِ فالتَّوَسُّلُ بِالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ جَائِزٌ فِي حَالِ حَضرَتِهِم وَفِي حَالِ غَيبَتِهِم، وَمُنَادَاتُهُم جَائِزَةٌ فِي الحَالَينِ، كَمَا دَلَّت عَلَى ذٰلِكَ الأَدِلَّةُ الشَّرعِيَّةُ. وَمِنهَا هٰذَا الحَدِيثُ نَفسُهُ؛ فَإِنَّ الأَعمَى لَم يَكُن حَاضِرًا فِي المَجلِسِ حِينَ تَوَسَّلَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ؛ لِأَنَّ رَاوِيَ الحَدِيثِ، عُثمَانَ بنَ حُنَيفٍ، قَالَ: *«فَوَاللهِ مَا تَفَرَّقنَا، وَلَا طَالَ بِنَا المَجلِسُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَينَا الرَّجُلُ وَقَد أَبصَرَ»*. فَمِن قَولِهِ: *«حَتَّى دَخَلَ عَلَينَا»*، عَلِمنَا أَنَّ الرَّجُلَ لَم يَكُن حَاضِرًا فِي المَجلِسِ حِينَ قَالَ الدُّعَاءَ، فَبَطَلَ بِذٰلِكَ زَعمُ مَن قَالَ: لَا يَجُوزُ التَّوَسُّلُ إِلَّا بِالحَيِّ الحَاضِرِ.

❖ وأَخرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي «مُعجَمَيهِ» الكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، عَن عُثمَانَ بنِ حُنَيفٍ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَختَلِفُ إِلَى عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ، فَكَانَ عُثمَانُ لَا يَلتَفِتُ إِلَيهِ، وَلَا يَنظُرُ فِي حَاجَتِهِ، فَلَقِيَ عُثمَانَ بنَ حُنَيفٍ، فَشَكَا إِلَيهِ ذٰلِكَ، فَقَالَ: اذهَب إِلَى المِيضَأَةِ، فَتَوَضَّأ، ثُمَّ صَلِّ رَكعَتَينِ، ثُمَّ قُل: *«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ، وَأَتَوَجَّهُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحمَةِ، يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي لِتُقضَى لِي»*، ثُمَّ اذهَب حَتَّى أَرُوحَ مَعَكَ. فَانطَلَقَ الرَّجُلُ، فَفَعَلَ مَا قَالَ، ثُمَّ أَتَى بَابَ عُثمَانَ، فَجَاءَ البَوَّابُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَأَدخَلَهُ عَلَى عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ، فَأَجلَسَهُ عَلَى طِنفِسَتِهِ، فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ؟ فَذَكَرَ لَهُ حَاجَتَهُ، فَقَضَى لَهُ حَاجَتَهُ، وَقَالَ: مَا ذَكَرتُ حَاجَتَكَ حَتَّى كَانَت هٰذِهِ السَّاعَةُ. ثُمَّ خَرَجَ مِن عِندِهِ، فَلَقِيَ عُثمَانَ بنَ حُنَيفٍ، فَقَالَ: جَزَاكَ اللهُ خَيرًا، مَا كَانَ يَنظُرُ فِي حَاجَتِي، وَلَا يَلتَفِتُ إِلَيَّ، حَتَّى كَلَّمتَهُ فِيَّ. فَقَالَ عُثمَانُ بنُ حُنَيفٍ: وَاللهِ مَا كَلَّمتُهُ، وَلٰكِن شَهِدتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَد أَتَاهُ ضَرِيرٌ، فَشَكَا إِلَيهِ ذَهَابَ بَصَرِهِ، فَقَالَ: *«إِن شِئتَ صَبَرتَ، وَإِن شِئتَ دَعَوتُ لَكَ»*. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ شَقَّ عَلَيَّ ذَهَابُ بَصَرِي، وَإِنَّهُ لَيسَ لِي قَائِدٌ. فَقَالَ لَهُ: اذهَب إِلَى المِيضَأَةِ، فَتَوَضَّأ، وَصَلِّ رَكعَتَينِ، ثُمَّ قُل هٰؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ. فَفَعَلَ الرَّجُلُ مَا قَالَ، فَوَاللهِ مَا تَفَرَّقنَا، وَلَا طَالَ بِنَا المَجلِسُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَينَا الرَّجُلُ، وَقَد أَبصَرَ، كَأَنَّهُ لَم يَكُن بِهِ ضُرٌّ قَطُّ. ثُمَّ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعجَمِهِ: الحَدِيثُ صَحِيحٌ. وَالطَّبَرَانِيُّ مِن عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يُصَحِّحُ حَدِيثًا عَلَى هٰذَا النَّحوِ إِلَّا عَن عِلمٍ وَتَثَبُّتٍ. فَفِي هٰذَا دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّ التَّوَسُّلَ بِالنَّبِيِّ ﷺ جَائِزٌ فِي حَيَاتِهِ، وَبَعدَ وَفَاتِهِ، فِي حَضرَتِهِ، وَفِي غَيرِ حَضرَتِهِ، وَبِهِ يَبطُلُ ذٰلِكَ القَيدُ المُحدَثُ الَّذِي لَا أَصلَ لَهُ.

❖ وهذا الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ بَعدَ وَفَاتِهِ فيُؤخَذُ هٰذَا أَيضًا مِن حَدِيثِ عُثمَانَ بنِ حُنَيفٍ الَّذِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ؛ وَفِيهِ أَنَّ عُثمَانَ بنَ حُنَيفٍ عَلَّمَ رَجُلًا هٰذَا الدُّعَاءَ الَّذِي فِيهِ تَوَسُّلٌ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ ذٰلِكَ بَعدَ وَفَاتِهِ ﷺ، لِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَت لَهُ حَاجَةٌ عِندَ سَيِّدِنَا عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ لَمَّا كَانَ خَلِيفَةً، وَمَا كَانَ يَتَيَسَّرُ لَهُ الِاجتِمَاعُ بِهِ، فَلَمَّا قَرَأَ هٰذَا الدُّعَاءَ تَيَسَّرَ أَمرُهُ بِسُرعَةٍ، وَقَضَى لَهُ سَيِّدُنَا عُثمَانُ حَاجَتَهُ. فَلَو كَانَ التَّوَسُّلُ بَعدَ الوَفَاةِ غَيرَ جَائِزٍ، لَمَا عَلَّمَهُ الصَّحَابِيُّ هٰذَا الدُّعَاءَ، وَهُوَ أَعلَمُ بِمَعَانِي السُّنَّةِ وَمَقَاصِدِهَا.

❖ أَمَّا القَولُ: إِنَّ التَّوَسُّلَ الوَارِدَ فِي حَدِيثِ الأَعمَى إِنَّمَا هُوَ تَوَسُّلٌ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَا بِذَاتِهِ، فَهُوَ دَعوَى بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ التَّوَسُّلَ نَوعٌ مِن أَنوَاعِ التَّبَرُّكِ، وَذَاتُ الرَّسُولِ ﷺ مُبَارَكَةٌ، وَآثَارُهُ أَيضًا مُبَارَكَةٌ، مِن شَعرِهِ، وَقُلَامَةِ ظُفرِهِ، وَالمَاءِ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ، وَنُخَامَتِهِ، وَرِيقِهِ، وَقَد وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِذٰلِكَ. فَكَأَنَّ هٰذَا القَولَ يُفضِي إِلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ مَا كَانُوا يَعرِفُونَ الحَقِيقَةَ، بَل كَانُوا جُهَّالًا، وَهٰذَا بَاطِلٌ. ثُمَّ إِنَّ هٰذَا التَّأوِيلَ مُخَالِفٌ لِقَوَاعِدِ الأُصُولِ؛ لِأَنَّ عُلَمَاءَ الأُصُولِ لَا يُسَوِّغُونَ التَّأوِيلَ إِلَّا لِدَلِيلٍ عَقلِيٍّ قَاطِعٍ، أَو سَمعِيٍّ ثَابِتٍ. وَكَلامُهُم يَقتَضِي أَنَّهُ يَلزَمُ عَلَى هٰذَا التَّأوِيلِ تَقدِيرُ مَحذُوفٍ، فَيَكُونُ المَعنَى: اللهمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيكَ بِدُعَاءِ نَبِيِّكَ. وَالأَصلُ فِي النُّصُوصِ عَدَمُ التَّقدِيرِ، وَلَا يُصَارُ إِلَى التَّقدِيرِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَا دَلِيلَ هُنَا.

*الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ زِيَارَةِ قُبُورِ الأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ، وَبُطلَانِ دَعوَى مَن زَعَمَ أَنَّهَا شِركِيَّةٌ*

❖ إِنَّ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ الشَّخصَ لِأَنَّهُ قَصَدَ قَبرَ الرَّسُولِ ﷺ، أَو غَيرِهِ مِنَ الأَولِيَاءِ، لِلتَّبَرُّكِ، قَد جَهِلُوا مَعنَى العِبَادَةِ، وَخَالَفُوا مَا عَلَيهِ المُسلِمُونَ سَلَفًا وَخَلَفًا؛ فَإِنَّ المُسلِمِينَ لَم يَزَالُوا يَزُورُونَ قَبرَ النَّبِيِّ ﷺ. وَلَيسَ مَعنَى الزِّيَارَةِ لِلتَّبَرُّكِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَخلُقُ لَهُم البَرَكَةَ، بَلِ المَعنَى أَنَّهُم يَرجُونَ أَن يَخلُقَ اللهُ لَهُمُ البَرَكَةَ بِزِيَارَتِهِم لِقَبرِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذٰلِكَ مَا رَوَاهُ البَيهَقِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن مَالِكِ الدَّارِ، وَكَانَ خَازِنَ عُمَرَ، قَالَ: أَصَابَ النَّاسَ قَحطٌ فِي زَمَانِ عُمَرَ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَبرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، استَسقِ لِأُمَّتِكَ، فَإِنَّهُم قَد هَلَكُوا. فَأُتِيَ الرَّجُلُ فِي المَنَامِ، فَقِيلَ لَهُ: أَقرِئ عُمَرَ السَّلَامَ، وَأَخبِرهُ أَنَّهُم يُسقَونَ، وَقُل لَهُ: عَلَيكَ الكَيسَ الكَيسَ. فَأَتَى الرَّجُلُ عُمَرَ، فَأَخبَرَهُ، فَبَكَى عُمَرُ، وَقَالَ: يَا رَبِّ، مَا آلُو إِلَّا مَا عَجَزتُ. وَقَد جَاءَ فِي تَفسِيرِ هٰذَا الرَّجُلِ أَنَّهُ بِلَالُ بنُ الحَارِثِ المُزَنِيُّ الصَّحَابِيُّ. فَهٰذَا الصَّحَابِيُّ قَصَدَ قَبرَ الرَّسُولِ ﷺ لِلتَّبَرُّكِ، وَلَم يُنكِر عَلَيهِ عُمَرُ، وَلَا غَيرُهُ، فَبَطَلَت دَعوَى مَن قَالَ: إِنَّ هٰذِهِ الزِّيَارَةَ شِركِيَّةٌ.

❖ ومَعنَى قَولِ الصَّحَابِيِّ: يَا رَسُولَ اللهِ، استَسقِ لِأُمَّتِكَ، مَعنَاهُ: اطلُب مِنَ اللهِ المَطَرَ لِأُمَّتِكَ؛ فَإِنَّهُم قَد هَلَكُوا مِنَ القَحطِ وَالجَدبِ. فَلَيسَ فِيهِ نِسبَةُ خَلقِ المَطَرِ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ، وَإِنَّمَا فِيهِ طَلَبُ الدُّعَاءِ وَالتَّسَبُّبِ.

❖ مَعنَى قَولِهِ فِي الحَدِيثِ: أَقرِئ عُمَرَ السَّلَامَ، وَأَخبِرهُ أَنَّهُم يُسقَونَ، أَي: سَلِّم لِي عَلَى عُمَرَ، وَأَخبِرهُ أَنَّ المَطَرَ سَيَأتِيهِم، وَقَد سَقَاهُمُ اللهُ تَعَالَى حَتَّى سُمِّيَ ذٰلِكَ العَامُ عَامَ الفَتقِ، مِن شِدَّةِ مَا ظَهَرَ مِنَ الأَعشَابِ، وَمِن سِمَنِ المَوَاشِي حَتَّى تَفَتَّقَت بِالشَّحمِ.

❖ مَعنَى قَولِهِ ﷺ: عَلَيكَ الكَيسَ الكَيسَ، أَي: عَلَيكَ بِالِاجتِهَادِ، وَبِحُسنِ السَّعيِ فِي خِدمَةِ الأُمَّةِ، وَإِصلَاحِ شُؤُونِهَا، وَبَذلِ الوُسعِ فِي مَصَالِحِهَا.

❖ ومَعنَى قَولِ عُمَرَ: يَا رَبِّ، مَا آلُو إِلَّا مَا عَجَزتُ، أَي: لَا أُقَصِّرُ فِي خِدمَةِ الأُمَّةِ إِلَّا فِيمَا عَجَزتُ عَنهُ، وَأَنَا أَفعَلُ مَا فِي وُسعِي وَطَاقَتِي.

❖ والرَّدُّ عَلَى قَولِ بَعضِهِم: إِنَّ مَالِكَ الدَّارِ مَجهُولٌ، يُرَدُّ عَلَى هٰذَا بِأَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ لَا يَتَّخِذُ خَازِنًا إِلَّا مَن يَكُونُ ثِقَةً، فَجَعلُهُ خَازِنًا لَهُ يَدُلُّ عَلَى مَكَانَتِهِ وَاعتِمَادِهِ عَلَيهِ.

❖ والرَّدُّ عَلَى مَن حَاوَلَ تَضعِيفَ حَدِيثِ مَالِكِ الدَّارِ، أنَّ هٰذَا الحَدِيثِ بَعدَ أَن صَحَّحَهُ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ لَغوٌ لَا يُلتَفَتُ إِلَيهِ. وَيُقَالُ لِهٰذَا المُدَّعِي: لَا كَلَامَ لَكَ بَعدَ تَصحِيحِ أَهلِ الحِفظِ. فَأَنتَ لَيسَ لَكَ فِي اصطِلَاحِ أَهلِ الحَدِيثِ حَقٌّ، عَلَى أَنَّ التَّصحِيحَ وَالتَّضعِيفَ خَاصَّانِ بِالحُفَّاظِ، وَأَنتَ تَعرِفُ مِن نَفسِكَ أَنَّكَ بَعِيدٌ عَن هٰذِهِ المَرتَبَةِ بُعدَ الأَرضِ مِنَ السَّمَاءِ.

❖ والرَّدُّ عَلَى قَولِهِم: إِنَّ الِاستِغَاثَةَ بِالرَّسُولِ ﷺ بَعدَ وَفَاتِهِ شِركٌ فالجَوَابُ عَن ذٰلِكَ هُوَ هٰذَا الأَثَرُ نَفسُهُ الَّذِي رَوَاهُ البَيهَقِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن مَالِكِ الدَّارِ؛ فَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، استَسقِ لِأُمَّتِكَ. فَمَا حَصَلَ مِنهُ استِغَاثَةٌ وَتَوَسُّلٌ، وَلَم يَكُن شِركًا، وَلَا أَنكَرَهُ عُمَرُ، وَلَا غَيرُهُ. فَبِهٰذَا الأَثَرِ يَبطُلُ قَولُهُم: إِنَّ الِاستِغَاثَةَ بِالرَّسُولِ ﷺ بَعدَ وَفَاتِهِ شِركٌ.

*مَاذَا قَالَ الحَافِظُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبكِيُّ فِي التَّوَسُّلِ وَالِاستِغَاثَةِ وَالتَّوَجُّهِ وَالتَّجَوُّهِ؟*

❖ قَالَ الحَافِظُ الفَقِيهُ اللُّغَوِيُّ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبكِيُّ: إِنَّ التَّوَسُّلَ وَالِاستِغَاثَةَ وَالتَّوَجُّهَ وَالتَّجَوُّهَ بِمَعنًى وَاحِدٍ. وَذَكَرَ ذٰلِكَ فِي كِتَابِهِ «شِفَاءُ السَّقَامِ»، الَّذِي أَلَّفَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى ابنِ تَيمِيَّةَ بِإِنكَارِهِ سُنِّيَّةَ السَّفَرِ لِزِيَارَةِ قَبرِ الرَّسُولِ ﷺ، وَتَحرِيمِهِ قَصرَ الصَّلَاةِ فِي ذٰلِكَ السَّفَرِ.

*الدَّلِيلُ عَلَى استِحبَابِ مَعرِفَةِ قُبُورِ الصَّالِحِينَ لِزِيَارَتِهَا وَالقِيَامِ بِحَقِّهَا*

❖ قَالَ الحَافِظُ وَلِيُّ الدِّينِ العِرَاقِيُّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ مُوسَى قَالَ: *«رَبِّ أَدنِنِي مِنَ الأَرضِ المُقَدَّسَةِ رَميَةً بِحَجَرٍ»*، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: *«وَاللهِ لَو أَنِّي عِندَهُ، لَأَرَيتُكُم قَبرَهُ إِلَى جَنبِ الطَّرِيقِ عِندَ الكَثِيبِ الأَحمَرِ»*. ثُمَّ قَالَ العِرَاقِيُّ: فِيهِ استِحبَابُ مَعرِفَةِ قُبُورِ الصَّالِحِينَ لِزِيَارَتِهَا وَالقِيَامِ بِحَقِّهَا. وَيُفهَمُ مِن قَولِ النَّبِيِّ ﷺ عَن قَبرِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، وَهُوَ قُربَ أَرِيحَا، الإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ زِيَارَةَ قُبُورِ الأَنبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لِلتَّبَرُّكِ بِهِم مَطلُوبَةٌ، وَعَلَى هٰذَا كَانَ الأَكَابِرُ، وَبِهِ نَطَقُوا.

❖ ويُستَحَبُّ أَن يُقَالَ عِندَ زِيَارَةِ قَبرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ما ذَكَرَه الإِمَامُ أَبُو الوَفَاءِ ابنُ عَقِيلٍ الحَنبَلِيُّ، وَهُوَ مِن أَعمِدَةِ المَذهَبِ الحَنبَلِيِّ، أَنَّهُ مِمَّا يُستَحَبُّ قَولُهُ عِندَ زِيَارَةِ قَبرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: *«اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلتَ فِي كِتَابِكَ لِنَبِيِّكَ ﷺ: ﴿وَلَو أَنَّهُم إِذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم جَاءُوكَ فَاستَغفَرُوا اللهَ وَاستَغفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64)﴾، وَإِنِّي قَد أَتَيتُ نَبِيَّكَ تَائِبًا مُستَغفِرًا، فَأَسأَلُكَ أَن تُوجِبَ لِيَ المَغفِرَةَ كَمَا أَوجَبتَهَا لِمَن أَتَاهُ فِي حَيَاتِهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَوَجَّهُ إِلَيكَ بِنَبِيِّكَ ﷺ نَبِيِّ الرَّحمَةِ، يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي لِيَغفِرَ لِي ذُنُوبِي»*. فَبَعدَ هٰذَا كَيفَ يَقُولُ بَعضُهُم: إِنَّ زِيَارَةَ قَبرِ النَّبِيِّ ﷺ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ وَالتَّوَسُّلِ بِهِ زِيَارَةٌ شِركِيَّةٌ؟! فَمَا أَبعَدَ هٰؤُلَاءِ عَنِ الحَقِّ.

❖ وذَكَرَ الحَافِظُ سِرَاجُ الدِّينِ ابنُ المُلَقِّنِ، وَهُوَ مِن حُفَّاظِ الحَدِيثِ، وَمِن فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ، فِي كِتَابِهِ «طَبَقَاتِ الأَولِيَاءِ»، وَهُوَ كِتَابٌ يَذكُرُ فِيهِ تَرَاجِمَ أَولِيَاءَ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ، أَنَّهُ قَالَ عَن نَفسِهِ: *«ذَهَبتُ إِلَى قَبرِ مَعرُوفٍ الكَرخِيِّ، وَقَفتُ وَدَعَوتُ اللهَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ، فَالأَمرُ الَّذِي كَانَ يَصعُبُ عَلَيَّ يَنقَضِي لَمَّا أَدعُو اللهَ هُنَاكَ عِندَ قَبرِهِ»*. وَمَعرُوفٌ الكَرخِيُّ مِنَ الأَولِيَاءِ البَارِزِينَ المَشهُورِينَ فِي بَغدَادَ، مَعرُوفٌ عِندَ العَامَّةِ وَالخَاصَّةِ، يَقصِدُونَ قَبرَهُ لِلتَّبَرُّكِ.

وجَاءَ عَنِ الحَسَنِ بنِ إِبرَاهِيمَ الخَلَّالِ فِي أَمرِ التَّوَسُّلِ وَالزِّيَارَةِ ما ذَكَرَه الحَافِظُ الخَطِيبُ البَغدَادِيُّ فِي «تَارِيخِ بَغدَادَ» عَنِ الحَسَنِ بنِ إِبرَاهِيمَ الخَلَّالِ أَنَّهُ قَالَ: *«مَا هَمَّنِي أَمرٌ، فَقَصَدتُ قَبرَ مُوسَى بنِ جَعفَرٍ، فَتَوَسَّلتُ بِهِ، إِلَّا سَهَّلَ اللهُ تَعَالَى لِي مَا أُحِبُّ»*.

❖ وذَكَرَ الحَافِظُ الخَطِيبُ البَغدَادِيُّ عَن بَعضِ أَكَابِرِ السَّلَفِ، مِمَّن كَانَ فِي زَمَنِ الإِمَامِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ، وَاسمُهُ إِبرَاهِيمُ الحَربِيُّ أَبُو إِسحَاقَ، وَكَانَ حَافِظًا فَقِيهًا مُجتَهِدًا يُشَبَّهُ بِأَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ، وَكَانَ الإِمَامُ أَحمَدُ يُرسِلُ ابنَهُ لِيَتَعَلَّمَ عِندَهُ الحَدِيثَ، أَنَّهُ قَالَ: *«قَبرُ مَعرُوفٍ التِّريَاقُ المُجَرَّبُ»*. وَالتِّريَاقُ هُوَ دَوَاءٌ مُرَكَّبٌ مِن أَجزَاءٍ، وَهُوَ مَعرُوفٌ عِندَ الأَطِبَّاءِ القُدَمَاءِ بِكَثرَةِ مَنَافِعِهِ، وَهُوَ عِندَهُم أَنوَاعٌ. فَشَبَّهَ الحَربِيُّ قَبرَ مَعرُوفٍ بِالتِّريَاقِ فِي كَثرَةِ الِانتِفَاعِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اقصِدُوا قَبرَ مَعرُوفٍ تَبَرُّكًا بِهِ لِكَثرَةِ مَنَافِعِهِ.

❖ وذَكَرَ الحَافِظُ الخَطِيبُ البَغدَادِيُّ عَن عُبَيدِ اللهِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ مُحَمَّدٍ الزُّهرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعتُ أَبِي يَقُولُ: *«قَبرُ مَعرُوفٍ الكَرخِيِّ مُجَرَّبٌ لِقَضَاءِ الحَوَائِجِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ مَن قَرَأَ عِندَهُ مِائَةَ مَرَّةٍ: ﴿قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1)﴾، وَسَأَلَ اللهَ تَعَالَى مَا يُرِيدُ، قَضَى اللهُ لَهُ حَاجَتَهُ».

❖ وذَكَرَ الحَافِظُ الخَطِيبُ البَغدَادِيُّ عَن أَبِي عَبدِ اللهِ المُحَامِلِيِّ أَنَّهُ قَالَ: *«أَعرِفُ قَبرَ مَعرُوفٍ الكَرخِيِّ مُنذُ سَبعِينَ سَنَةً، مَا قَصَدَهُ مَهمُومٌ إِلَّا فَرَّجَ اللهُ هَمَّهُ»*.

❖ ورُوِيَ عَنِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: *«إِنِّي لَأَتَبَرَّكُ بِأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَجِيءُ إِلَى قَبرِهِ فِي كُلِّ يَومٍ ـ يَعنِي زَائِرًا ـ فَإِذَا عَرَضَت لِي حَاجَةٌ، صَلَّيتُ رَكعَتَينِ، وَجِئتُ إِلَى قَبرِهِ، وَسَأَلتُ اللهَ تَعَالَى الحَاجَةَ عِندَهُ، فَمَا تَبعُدُ عَنِّي حَتَّى تُقضَى»*.

❖ وذَكَرَ الحَافِظُ الجَزَرِيُّ، وَهُوَ شَيخُ القُرَّاءِ، وَكَانَ مِن حُفَّاظِ الحَدِيثِ، فِي كِتَابٍ لَهُ يُسَمَّى «الحِصنُ الحَصِينُ»، وَكَذٰلِكَ ذَكَرَ فِي مُختَصَرِهِ، أَنَّهُ قَالَ: *«مِن مَوَاضِعِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ قُبُورُ الصَّالِحِينَ»*. وَهٰذَا الحَافِظُ جَاءَ بَعدَ ابنِ تَيمِيَّةَ بِنَحوِ مِائَةِ سَنَةٍ، وَلَم يُنكِر عَلَيهِ العُلَمَاءُ، إِلَّا أَن يَكُونَ بَعضُ الشَّاذِّينَ الَّذِينَ لَحِقُوا بِنُفَاةِ التَّوَسُّلِ مِن أَتبَاعِ ابنِ تَيمِيَّةَ.

❖ ونُختِمُ هٰذَا الجَانِبَ بِقَولِ الإِمَامِ مَالِكٍ لِلخَلِيفَةِ المَنصُورِ، لَمَّا حَجَّ فَزَارَ قَبرَ النَّبِيِّ ﷺ، وَسَأَلَ مَالِكًا قَائِلًا: *«يَا أَبَا عَبدِ اللهِ، أَستَقبِلُ القِبلَةَ وَأَدعُو، أَم أَستَقبِلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ؟»* فَقَالَ: *«وَلِمَ تَصرِفُ وَجهَكَ عَنهُ، وَهُوَ وَسِيلَتُكَ وَوَسِيلَةُ أَبِيكَ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ إِلَى اللهِ تَعَالَى؟! بَلِ استَقبِلهُ وَاستَشفِع بِهِ، فَيُشَفِّعَهُ اللهُ»*. ذَكَرَهُ القَاضِي عِيَاضٌ فِي «الشِّفَا».

*دَلِيلُ أَنَّ إِثمَ تَكفِيرِ المُسلِمِينَ لِمُجَرَّدِ قَصدِ قُبُورِ الأَنبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ يَرجِعُ إِلَى مَن سَنَّ هٰذَا البَابَ*

❖ كَيفَ تَجَرَّأَ مَن حَرَّمَ ذٰلِكَ عَلَى تَكفِيرِ مَن يَفعَلُهُ، وَالحُكمِ عَلَيهِ بِالشِّركِ؟! وَكَيفَ تَجَرَّأَ عَلَى دَعوَى أَنَّ هٰذَا مُتَّفَقٌ عَلَيهِ بَينَ العُلَمَاءِ؟! وأَوهَمَ أَنَّ هٰذَا الَّذِي يَرَاهُ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ عِندَ عُلَمَاءِ الإِسلَامِ، تَلبِيسًا عَلَى النَّاسِ، وَهُوَ يَعلَمُ أَنَّ الأَمرَ لَيسَ كَذٰلِكَ. فَمَا أَعظَمَ مَا تَرَتَّبَ عَلَى هٰذَا الكَلَامِ مِن تَكفِيرِ أَتبَاعِهِ لِلمُسلِمِينَ، لِمُجَرَّدِ قَصدِ قُبُورِ الأَنبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَهُم يَعتَقِدُونَ أَنَّ الأَنبِيَاءَ وَالأَولِيَاءَ أَسبَابٌ فَقَط، لَا يَخلُقُونَ مَنفَعَةً وَلَا مَضَرَّةً. فَكُلُّ إِثمِ تَكفِيرِ هٰؤُلَاءِ المُسلِمِينَ يَكُونُ فِي صَحَائِفِ مَن سَنَّ هٰذَا البَابَ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: *«وَمَن سَنَّ فِي الإِسلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعَلَيهِ وِزرُهَا، وَوِزرُ مَن عَمِلَ بِهَا مِن بَعدِهِ، لَا يَنقُصُ مِن أَوزَارِهِم شَيءٌ»*، وَهُوَ حَدِيثٌ مَشهُورٌ رَوَاهُ مُسلِمٌ وَغَيرُهُ.

❖ ومِن عَجَائِبِ تَكفِيرِ المُسلِمِينَ مَا حَدَّثَ بِهِ الشَّيخُ أَحمَدُ ذَاكِرٍ، قَالَ: كُنتُ فِي نَاحِيَةِ بَنِي غَامِدٍ فِي الحِجَازِ، جَالِسًا تَحتَ شَجَرَةٍ، أَدعُو اللهَ رَافِعًا يَدَيَّ، فَأَقبَلَ إِلَيَّ وَاحِدٌ، وَقَالَ بِصَوتٍ عَالٍ: لِمَ تَعبُدُ الشَّجَرَةَ؟! وَهٰذَا الإِنكَارُ مِنهُ، وَتَكفِيرُهُ لَهُ، نَاشِئٌ مِن مُجَرَّدِ سُوءِ الظَّنِّ بِالرَّجُلِ؛ كَفَّرَهُ مِن غَيرِ أَن يَسمَعَ مِنهُ مَا يَقُولُ. وَلَم يَكُن هٰذَا فِي بَلَدٍ مِن بِلَادِ المُسلِمِينَ قَبلَ ظُهُورِ هٰذَا المَنهَجِ، ثُمَّ ازدَادَ أَتبَاعُهُ غُلُوًّا، وَلَا يَزَالُونَ يَزدَادُونَ غُلُوًّا إِلَى يَومِنَا هٰذَا.

*الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الِاستِعَاذَةَ بِغَيرِ اللهِ لَيسَت شِركًا*

❖ أَخرَجَ الإِمَامُ أَحمَدُ فِي «المُسنَدِ» بِإِسنَادٍ حَسَنٍ، كَمَا قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ، أَنَّ الحَارِثَ بنَ حَسَّانٍ البَكرِيَّ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: *«أَعُوذُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ أَن أَكُونَ كَوَافِدِ عَادٍ»*. فَهٰذَا الحَدِيثُ بِطُولِهِ دَلِيلٌ يُبطِلُ قَولَ مَن يَزعُمُ أَنَّ الِاستِعَاذَةَ بِغَيرِ اللهِ شِركٌ عَلَى الإِطلَاقِ.

❖ وقِصَّةُ الحَارِثِ بنِ حَسَّانٍ البَكرِيِّ كما قَالَ الحَارِثُ بنُ حَسَّانٍ البَكرِيُّ: *«خَرَجتُ أَشكُو العَلَاءَ بنَ الحَضرَمِيِّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَمَرَرتُ بِالرَّبَذَةِ، فَإِذَا عَجُوزٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ مُنقَطَعٌ بِهَا، فَقَالَت لِي: يَا عَبدَ اللهِ، إِنَّ لِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَاجَةً، فَهَلَّا أَنتَ مُبَلِّغِي إِلَيهِ؟»* قَالَ: فَحَمَلتُهَا، فَأَتَيتُ المَدِينَةَ، فَإِذَا المَسجِدُ غَاصٌّ بِأَهلِهِ، وَإِذَا رَايَةٌ سَودَاءُ تَخفِقُ، وَبِلَالٌ مُتَقَلِّدٌ السَّيفَ بَينَ يَدَي رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُلتُ: مَا شَأنُ النَّاسِ؟ قَالُوا: يُرِيدُ أَن يَبعَثَ عَمرَو بنَ العَاصِ وَجهًا. قَالَ: فَجَلَستُ، ثُمَّ دَخَلَ مَنزِلَهُ، أَو قَالَ: رَحلَهُ. قَالَ: فَاستَأذَنتُ عَلَيهِ، فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلتُ فَسَلَّمتُ، فَقَالَ: *«هَل كَانَ بَينَكُم وَبَينَ بَنِي تَمِيمٍ شَيءٌ؟»* قَالَ: فَقُلتُ: نَعَم، وَكَانَت لَنَا الدَّبرَةُ عَلَيهِم، وَمَرَرتُ بِعَجُوزٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ مُنقَطَعٍ بِهَا، فَسَأَلَتنِي أَن أَحمِلَهَا إِلَيكَ، وَهَا هِيَ بِالبَابِ. فَأَذِنَ لَهَا، فَدَخَلَت. فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِن رَأَيتَ أَن تَجعَلَ بَينَنَا وَبَينَ بَنِي تَمِيمٍ حَاجِزًا، فَاجعَلِ الدَّهنَاءَ. فَحَمِيَتِ العَجُوزُ، وَاستَوفَزَت، وَقَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِلَى أَينَ تُضطَرُّ مُضَرُكَ؟ قَالَ: فَقُلتُ: إِنَّمَا مَثَلِي مَا قَالَ الأَوَّلُ: مَعزَاءُ حَمَلَت حَتفَهَا، حَمَلتُ هٰذِهِ وَلَا أَشعُرُ أَنَّهَا كَانَت لِي خَصمًا. أَعُوذُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ أَن أَكُونَ كَوَافِدِ عَادٍ». فَقَالَ ﷺ: *«هَيه، وَمَا وَافِدُ عَادٍ؟»* وَهُوَ أَعلَمُ بِالحَدِيثِ مِنهُ، وَلٰكِنَّهُ يَستَطعِمُهُ. فَقُلتُ: إِنَّ عَادًا قَحَطُوا، فَبَعَثُوا وَافِدًا لَهُم يُقَالُ لَهُ قَيلٌ، فَمَرَّ بِمُعَاوِيَةَ بنِ بَكرٍ، فَأَقَامَ عِندَهُ شَهرًا، يَسقِيهِ خَمرًا، وَتُغَنِّيهِ جَارِيَتَانِ يُقَالُ لَهُمَا الجَرَادَتَانِ. فَلَمَّا مَضَى الشَّهرُ، خَرَجَ إِلَى جِبَالِ تِهَامَةَ يَطلُبُ المَطَرَ مِنَ اللهِ؛ لِأَنَّ هٰؤُلَاءِ كَانُوا مَعَ شِركِهِم يُعَظِّمُونَ مَكَّةَ. فَنَادَى: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعلَمُ أَنِّي لَم أَجِئ إِلَى مَرِيضٍ فَأُدَاوِيَهُ، وَلَا إِلَى أَسِيرٍ فَأُفَادِيَهُ، اللَّهُمَّ اسقِ عَادًا مَا كُنتَ تَسقِيهِ. فَمَرَّت بِهِ سَحَابَاتٌ سُودٌ، فَفَرِحَ، وَقَالَ: الآنَ يَنزِلُ المَطَرُ. فَنُودِيَ مِنهَا: اختَر. فَأَومَأَ إِلَى سَحَابَةٍ مِنهَا سَودَاءَ، فَنُودِيَ مِنهَا: خُذهَا رَمَادًا رَمدَدًا، لَا تُبقِي مِن عَادٍ أَحَدًا». قَالَ: فَمَا بَلَغَنِي أَنَّهُ بُعِثَ عَلَيهِم مِنَ الرِّيحِ إِلَّا قَدرَ مَا يَجرِي فِي خَاتَمِي هٰذَا، حَتَّى هَلَكُوا. قَالَ أَبُو وَائِلٍ: وَصَدَقَ. قَالَ: فَكَانَتِ المَرأَةُ وَالرَّجُلُ إِذَا بَعَثُوا وَافِدًا لَهُم، قَالُوا: لَا تَكُن كَوَافِدِ عَادٍ».

❖ ووَجهُ الدَّلِيلِ فِي قَولِ الحَارِثِ: «أَعُوذُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ»، فوَجهُ الدَّلِيلِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَم يَقُل لِلحَارِثِ: أَشرَكتَ، لِأَنَّهُ قَالَ: *«وَرَسُولِهِ»*، مَعَ أَنَّهُ جَمَعَ الِاستِعَاذَةَ بِالرَّسُولِ مَعَ الِاستِعَاذَةِ بِاللهِ. وَذٰلِكَ لِأَنَّ اللهَ هُوَ المُستَعَاذُ بِهِ عَلَى الحَقِيقَةِ، وَأَمَّا الرَّسُولُ ﷺ فَمُستَعَاذٌ بِهِ عَلَى مَعنَى أَنَّهُ سَبَبٌ. وَقَد تَبَيَّنَ لِلحَارِثِ أَنَّ حَاجَةَ العَجُوزِ مِثلُ حَاجَتِهِ، وَأَنَّهَا قَد تَسبِقُهُ إِلَى مَا جَاءَ يَطلُبُهُ، فَقَالَ هٰذِهِ الكَلِمَةَ عَلَى مَعنَى طَلَبِ العَوذِ مِنَ الخَيبَةِ وَالفَوتِ، لَا عَلَى مَعنَى تَألِيهِ الرَّسُولِ ﷺ.

❖ فالرَّدُّ عَلَى مَن قَالَ: «نَحنُ لَا نُنكِرُ الِاستِعَاذَةَ بِالرَّسُولِ ﷺ فِي حَيَاتِهِ وَحَضرَتِهِ، وَإِنَّمَا نُنكِرُهَا بَعدَ مَوتِهِ» أنَّ الِاستِعَاذَةَ مَعنًى وَاحِدٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ طَلَبُهَا مِن حَيٍّ حَاضِرٍ أَم مِن غَائِبٍ أَو مَيِّتٍ. فَكَيفَ يَكُونُ طَلَبُهَا مِنَ الحَاضِرِ جَائِزًا، وَمِنَ الغَائِبِ شِركًا؟! هٰذَا غَيرُ مَعقُولٍ. فَإِنَّ المُؤمِنَ، إِنِ استَعَاذَ بِحَيٍّ أَو مَيِّتٍ، فَإِنَّهُ يَرَى المُستَعَاذَ بِهِ سَبَبًا، أَي: يَنفَعُ المُستَعِيذَ بِهِ إِن شَاءَ اللهُ، أَي إِن كَتَبَ اللهُ أَن يَنفَعَهُ. وَهٰذَا المَعنَى لَا فَرقَ فِيهِ بَينَ أَن يَكُونَ المُستَعَاذُ بِهِ حَيًّا حَاضِرًا، أَو مَيِّتًا غَائِبًا. فَلَا الحَيُّ الحَاضِرُ خَالِقٌ لِلإِعَاذَةِ، وَلَا المَيِّتُ. وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: *﴿هَل مِن خَالِقٍ غَيرُ اللهِ﴾*. فَأَينَ مَعنَى عِبَادَةِ غَيرِ اللهِ فِي هٰذَا؟! أَلَيسَ مَعنَى العِبَادَةِ لُغَةً وَشَرعًا نِهَايَةَ التَّذَلُّلِ؟! فَليَفهَمِ المُتَكَلِّمُونَ مَعنَى العِبَادَةِ ثُمَّ يَتَكَلَّمُوا.

*دَلِيلٌ مِنَ الحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ الِاستِغَاثَةِ بِغَيرِ اللهِ*

❖ عَن ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: *«إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً فِي الأَرضِ سِوَى الحَفَظَةِ، يَكتُبُونَ مَا يَسقُطُ مِن وَرَقِ الشَّجَرِ، فَإِذَا أَصَابَ أَحَدَكُم عَرجَةٌ بِأَرضِ فَلَاةٍ، فَليُنَادِ: أَعِينُوا عِبَادَ اللهِ»*. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَقَالَ الحَافِظُ الهَيثَمِيُّ: رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَهٰذَا الحَدِيثُ فِيهِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى جَوَازِ الِاستِغَاثَةِ بِغَيرِ اللهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَنَا أَن نَقُولَ إِذَا أَصَابَ أَحَدَنَا مُشكِلَةٌ فِي البَرِّيَّةِ: «يَا عِبَادَ اللهِ، أَعِينُوا». وَهٰذَا يَنفَعُهُ. وَقَد حَسَّنَهُ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ أَيضًا. وَفِي لَفظٍ عَنهُ: *«إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سِوَى الحَفَظَةِ، سَيَّاحِينَ فِي الفَلَاةِ، يَكتُبُونَ مَا يَسقُطُ مِن وَرَقِ الشَّجَرِ، فَإِذَا أَصَابَ أَحَدَكُم عَرجَةٌ فِي فَلَاةٍ، فَليُنَادِ: يَا عِبَادَ اللهِ، أَعِينُوا»*. وَاللهُ تَعَالَى يُسمِعُ هٰؤُلَاءِ المَلَائِكَةَ نِدَاءَ هٰذَا الشَّخصِ، وَلَو كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ مِنهُم. وَإِذَا جَازَ أَن يُستَغَاثَ بِالمَلَائِكَةِ عَلَى أَنَّهُم أَسبَابٌ، جَازَ أَن يُستَغَاثَ بِالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ عَلَى المَعنَى نَفسِهِ، أَي: أَنَّهُم لَا يُغِيثُونَ إِلَّا بِإِذنِ اللهِ.

*الرَّدُّ عَلَى مَن يَقُولُ: لِمَ تَستَغِيثُ بِغَيرِ اللهِ، وَاللهُ لَا يَحتَاجُ إِلَى وَاسِطَةٍ؟*

❖ يُقَالُ لَهُ: نَعَم، اللهُ تَعَالَى لَا يَحتَاجُ إِلَى وَاسِطَةٍ، وَلَكِنَّكَ أَنتَ الَّذِي تَأخُذُ بِالأَسبَابِ؛ فَتَشرَبُ الدَّوَاءَ، وَتَذهَبُ إِلَى الطَّبِيبِ، وَتَطلُبُ النُّصرَةَ مِنَ المَلِكِ، مَعَ أَنَّ اللهَ لَا يَحتَاجُ إِلَى شَيءٍ مِن ذٰلِكَ. فَكَمَا لَا يَكُونُ اتِّخَاذُ الدَّوَاءِ شِركًا، وَلَا الِاستِعَانَةُ بِالمَخلُوقِ فِيمَا جَعَلَهُ اللهُ سَبَبًا شِركًا، فَكَذٰلِكَ لَا يَكُونُ التَّوَسُّلُ وَالِاستِغَاثَةُ بِالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ شِركًا، مَا دَامَ المُؤمِنُ يَرَاهُم أَسبَابًا فَقَط. وَالعَجَبُ أَنَّهُ ثَبَتَ عَن مَن مَنَعَ ذٰلِكَ أَمرَانِ مُتَنَاقِضَانِ: فَالمَشهُورُ عَنهُ تَحرِيمُ الِاستِغَاثَةِ بِغَيرِ الحَيِّ الحَاضِرِ، ثُمَّ صَرَّحَ فِي كِتَابِهِ «الكَلِمُ الطَّيِّبُ» بِاستِحسَانِ أَن يَقُولَ مَن أَصَابَهُ خَدَرٌ فِي رِجلِهِ: «يَا مُحَمَّدُ». وَكِتَابُهُ هٰذَا ثَابِتٌ أَنَّهُ مِن تَألِيفِهِ، فَمَا أَثبَتَهُ فِيهِ هُوَ المُوَافِقُ لِعَمَلِ المُسلِمِينَ سَلَفًا وَخَلَفًا، وَأَمَّا المُغَالُونَ مِن بَعدِهِ فَقَد جَعَلُوا قَولَ «يَا مُحَمَّدُ» شِركًا وَكُفرًا.

والرَّسُولُ ﷺ هُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ القَائِل:

وَأَبيَضَ يُستَسقَى الغَمَامُ بِوَجهِهِ ~ ثِمَالُ اليَتَامَى عِصمَةٌ لِلأَرَامِلِ

وَقَد أَورَدَهُ البُخَارِيُّ. فَكَيفَ يُنفَى بَعدَ ذٰلِكَ التَّبَرُّكُ بِذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ، وَقَد ثَبَتَ عِندَ الأَئِمَّةِ وَالحُفَّاظِ؟

❖ ومِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى جَوَازِ قَولِ «يَا مُحَمَّدُ»، مَعَ الِاعتِقَادِ أَنَّهُ لَا ضَارَّ وَلَا نَافِعَ عَلَى الحَقِيقَةِ إِلَّا اللهُ، مَا رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي «الأَدَبِ المُفرَدِ»، تَحتَ بَابِ: مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا خَدِرَت رِجلُهُ، قَالَ: خَدِرَت رِجلُ ابنِ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: اذكُر أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيكَ، فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ». فَلَم يُنكَر هٰذَا عَنهُ، وَلَا عُدَّ شِركًا، وَلَا كُفرًا.

❖ وقَالَ الفَقِيهُ المُجتَهِدُ عَلِيُّ السُّبكِيُّ فِي كِتَابِهِ «شِفَاءُ السَّقَامِ»: *«اعلَم أَنَّهُ يَجُوزُ التَّوَسُّلُ وَالِاستِعَانَةُ وَالتَّشَفُّعُ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى رَبِّهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَجَوَازُ ذٰلِكَ وَحُسنُهُ مِنَ الأُمُورِ المَعلُومَةِ لِكُلِّ ذِي دِينٍ، المَعرُوفَةِ مِن فِعلِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ، وَسِيَرِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ، وَالعُلَمَاءِ، وَالعَوَامِّ مِنَ المُسلِمِينَ، وَلَم يُنكِر أَحَدٌ ذٰلِكَ»*، أَي: مِنَ العُلَمَاءِ المُعتَبَرِينَ.

*الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ المَيِّتَ يَنفَعُ بَعدَ مَوتِهِ*

❖ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: *«حَيَاتِي خَيرٌ لَكُم، وَمَمَاتِي خَيرٌ لَكُم، تُحدِثُونَ وَيُحدَثُ لَكُم، وَوَفَاتِي خَيرٌ لَكُم، تُعرَضُ عَلَيَّ أَعمَالُكُم، فَمَا رَأَيتُ مِن خَيرٍ حَمِدتُ اللهَ عَلَيهِ، وَمَا رَأَيتُ مِن شَرٍّ استَغفَرتُ لَكُم»* رَوَاهُ البَزَّارُ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. فَهٰذَا الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَنفَعُ بَعدَ مَوتِهِ، خِلَافًا لِمَن زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَنفَعُ أَحَدٌ بَعدَ مَوتِهِ. فَقَولُهُ ﷺ: *«وَمَمَاتِي خَيرٌ لَكُم»* يُفهِمُنَا أَنَّ نَفعَهُ مُستَمِرٌّ بَعدَ وَفَاتِهِ، بِإِذنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَمِن أَوضَحِ الأَمثِلَةِ عَلَى نَفعِ المَيِّتِ بَعدَ مَوتِهِ مَا كَانَ مِن أَمرِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ لَيلَةَ المِعرَاجِ، حِينَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ارجِع وَاسأَلِ التَّخفِيفَ، حَتَّى صَارَتِ الصَّلَوَاتُ خَمسًا بِأَجرِ خَمسِينَ، وَكَانَ مُوسَى قَد تُوُفِّيَ قَبلَ ذٰلِكَ بِأَكثَرَ مِن أَلفِ سَنَةٍ. فَهٰذَا نَفعٌ عَظِيمٌ وَقَعَ مِن مَيِّتٍ بَعدَ مَوتِهِ، وَهُوَ نَبِيٌّ كَرِيمٌ. وَأَمَّا قَولُهُ ﷺ: *«تُحدِثُونَ وَيُحدَثُ لَكُم»*، فَمَعنَاهُ: يَحصُلُ مِنكُم أُمُورٌ، ثُمَّ يَأتِي الحُكمُ بِطَرِيقِ الوَحيِ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ.

*إِقرَارُ المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ بِمَشرُوعِيَّةِ التَّوَسُّلِ*

❖ أَقوَالُ العُلَمَاءِ مِنَ المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ دَالَّةٌ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّهُ لَيسَ شِركًا، وَلَا مَحظُورًا.

*المَذهَبُ الحَنَفِيُّ*

❖ قَالَ الشَّيخُ نِظَامُ الدِّينِ الحَنَفِيُّ فِي «الفَتَاوَى الهِندِيَّةِ» مِن كِتَابِ المَنَاسِكِ، بَعدَ أَن ذَكَرَ كَيفِيَّةَ وَآدَابَ زِيَارَةِ قَبرِ الرَّسُولِ ﷺ، وَذَكَرَ الأَدعِيَةَ الَّتِي يَقُولُهَا الزَّائِرُ: *«ثُمَّ يَقِفُ عِندَ رَأسِهِ ﷺ كَالأَوَّلِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلتَ، وَقَولُكَ الحَقُّ: ﴿وَلَو أَنَّهُم إِذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم جَاءُوكَ﴾، وَقَد جِئنَاكَ سَامِعِينَ قَولَكَ، طَائِعِينَ أَمرَكَ، مُستَشفِعِينَ بِنَبِيِّكَ إِلَيكَ»*.

*المَذهَبُ المَالِكِيُّ*

❖ قَالَ الشَّيخُ ابنُ الحَاجِّ المَالِكِيُّ، المَعرُوفُ بِإِنكَارِهِ لِلبِدَعِ، فِي كِتَابِهِ «المَدخَلِ»: *«فَالتَّوَسُّلُ بِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ مَحَلُّ حَطِّ أَحمَالِ الأَوزَارِ وَأَثقَالِ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا؛ لِأَنَّ بَرَكَةَ شَفَاعَتِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَعِظَمَهَا عِندَ رَبِّهِ، لَا يَتَعَاظَمُهَا ذَنبٌ، إِذ هِيَ أَعظَمُ مِنَ الجَمِيعِ، فَليَستَبشِر مَن زَارَهُ، وَليَلجَأ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِشَفَاعَةِ نَبِيِّهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَمَن اعتَقَدَ خِلَافَ هٰذَا فَهُوَ المَحرُومُ»*.

*المَذهَبُ الشَّافِعِيُّ*

❖ قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي «المَجمُوعِ»، مِن كِتَابِ صِفَةِ الحَجِّ، بَابِ زِيَارَةِ قَبرِ الرَّسُولِ ﷺ: *«ثُمَّ يَرجِعُ إِلَى مَوقِفِهِ الأَوَّلِ قُبَالَةَ وَجهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيَتَوَسَّلُ بِهِ فِي حَقِّ نَفسِهِ، وَيَستَشفِعُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ»*.

*المَذهَبُ الحَنبَلِيُّ*

❖ أَجَازَ صَاحِبُ المَذهَبِ، أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ، التَّوَسُّلَ، كَمَا نَقَلَ عَنهُ الإِمَامُ المَردَاوِيُّ الحَنبَلِيُّ فِي «الإِنصَافِ»، مِن كِتَابِ صَلَاةِ الِاستِسقَاءِ، أَنَّهُ قَالَ: *«وَمِنهَا: يَجُوزُ التَّوَسُّلُ بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ المَذهَبِ، وَقِيلَ: يُستَحَبُّ، قَالَ الإِمَامُ أَحمَدُ لِلمَروَذِيِّ: يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي دُعَائِهِ»*.

*خُلَاصَةُ مَوقِفِ المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ*

❖ هٰذِهِ أَربَعَةُ نُقُولٍ صَرِيحَةٍ مِنَ المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ، كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَتُبَيِّنُ أَنَّ المَذَاهِبَ الأَربَعَةَ فِي هٰذِهِ المَسأَلَةِ يَدٌ وَاحِدَةٌ، كَمَا هِيَ يَدٌ وَاحِدَةٌ فِي زِيَارَةِ قَبرِ النَّبِيِّ ﷺ. فَالمُوَفَّقُ هُوَ مَنِ اقتَدَى بِهٰؤُلَاءِ العُلَمَاءِ، الَّذِينَ قُدوَتُهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَلَا ضَيَّعَ عَلَى نَفسِهِ ثَوَابَ التَّوَسُّلِ بِالحَبِيبِ المُصطَفَى ﷺ. وَيَنبَغِي أَلَّا يُلتَفَتَ إِلَى مَن يَرمُونَ النَّاسَ بِالشِّركِ لِأَنَّهُم تَوَسَّلُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ؛ فَهٰؤُلَاءِ كَأَنَّهُم يَرمُونَ الصَّحَابِيَّ عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ، وَالإِمَامَ أَحمَدَ بنَ حَنبَلٍ، وَالإِمَامَ النَّوَوِيَّ، وَغَيرَهُم، بِالشِّركِ. فَليَكُنِ المُسلِمُ مَعَ مَن ذَكَرنَا مِنَ العُلَمَاءِ، فَإِنَّهُم وَرَثَةُ الأَنبِيَاءِ، وَليَدَع مَن شَذَّ وَخَالَفَ الجَمَاعَةَ.

❖ فَقَد جَعَلَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مِنَ الأَسبَابِ المُعِينَةِ لَنَا عَلَى تَحقِيقِ مَا نَرغَبُ، التَّوَسُّلَ بِالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ فِي حَالِ حَيَاتِهِم وَبَعدَ مَمَاتِهِم. فَالتَّوَسُّلُ هُوَ طَلَبُ حُصُولِ مَنفَعَةٍ، أَوِ اندِفَاعِ مَضَرَّةٍ، مِنَ اللهِ، بِذِكرِ اسمِ نَبِيٍّ أَو وَلِيٍّ، إِكرَامًا لِلمُتَوَسَّلِ بِهِ. وَالطَّلَبُ مِنَ اللهِ؛ لِأَنَّ الأَنبِيَاءَ وَالأَولِيَاءَ لَا يَخلُقُونَ مَضَرَّةً وَلَا مَنفَعَةً، وَلَكِنَّنَا نَسأَلُ اللهَ بِهِم وَبِجَاهِهِم، رَجَاءَ تَحقِيقِ مَطَالِبِنَا. فَنَقُولُ: اللهمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ بِجَاهِ رَسُولِ اللهِ، أَو بِحُرمَةِ رَسُولِ اللهِ، أَن تَقضِيَ حَاجَتِي وَتُفَرِّجَ كَربِي. وَالتَّوَسُّلُ بِالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ جَائِزٌ فِي حَالِ حَضرَتِهِم وَفِي حَالِ غَيبَتِهِم، وَمُنَادَاتُهُم جَائِزَةٌ فِي الحَالَينِ، كَمَا دَلَّت عَلَى ذٰلِكَ الأَدِلَّةُ الشَّرعِيَّةُ.

*خَاتِمَةٌ*

❖ وَبَعدُ، فَهٰذَا بَيَانٌ مُفَصَّلٌ لِجَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ، وَأَنَّهُ لَيسَ شِركًا، وَلَا خُرُوجًا عَن حَدِّ التَّوحِيدِ، بَل هُوَ مِن بَابِ الأَخذِ بِالأَسبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَمِن بَابِ التَّأَدُّبِ مَعَ مَقَامَاتِ الأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ بِمَحَبَّتِهِم وَذِكرِهِم وَالتَّشَرُّفِ بِالِانتِسَابِ إِلَيهِم. وَقَد تَبَيَّنَ مِنَ النُّصُوصِ، وَمِن أَقوَالِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَمِن أَفعَالِ الصَّحَابَةِ، وَمِن نُقُولِ الحُفَّاظِ وَالفُقَهَاءِ، أَنَّ هٰذَا البَابَ بَابٌ مَعرُوفٌ عِندَ أَهلِ الإِسلَامِ، لَم يَزَلِ السَّلَفُ وَالخَلَفُ يَعمَلُونَ بِهِ، وَيَنطِقُونَ بِجَوَازِهِ، وَيَرَونَهُ مِنَ القُرُبَاتِ إِذَا صَحَّ الِاعتِقَادُ، وَاستَقَامَ التَّوَجُّهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى.

❖ فَاللهمَّ ثَبِّتنَا عَلَى الحَقِّ، وَارزُقنَا فَهمَ دِينِكَ، وَاجعَلنَا مِنَ المُحِبِّينَ لِنَبِيِّكَ ﷺ، المُتَأَدِّبِينَ مَعَهُ، المُتَوَسِّلِينَ بِهِ إِلَيكَ عَلَى الوَجهِ الَّذِي يُرضِيكَ، وَاحفَظ أَلسِنَتَنَا مِنَ الزَّلَلِ، وَقُلُوبَنَا مِنَ الزَّيغِ، وَأَعمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ وَالفَسَادِ، وَاللهُ أَعلَمُ وَأَحكَمُ، وَهُوَ حَسبُنَا وَنِعمَ الوَكِيلُ.

وَكَتَبَهُ الرَّاجِي رَحمَةَ رَبِّهِ

✍ د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ

📚✨ فِي هٰذِهِ القَنَاةِ تَجِدُونَ سِلْسِلَةً مِنَ الرُّدُودِ وَالمَقَالَاتِ المُتَمَيِّزَةِ، الَّتِي قَدْ لَا تَجِدُونَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ؛ كُتِبَتْ بِأُسْلُوبٍ عِلْمِيٍّ رَصِينٍ، وَمَنْهَجٍ مُحْكَمٍ، يَهْدِفُ إِلَى بَيَانِ الحَقِّ، وَنَشْرِ العِلْمِ النَّافِعِ. 🖋️📖

🔗✨ نَرْجُو مِنْكُمُ الآَنَ الِانْضِمَامَ إِلَى قَنَاتِنَا الرَّسْمِيَّةِ عَبْرَ هٰذَا الرَّابِطِ:

👇

https://whatsapp.com/channel/0029VaagsWbCHDyknkp1Ht2a

أضف تعليق