- نقض دعوى القول بقدم الحرف والصوت واللفظ المنسوب للشهرستاني
- شبهة موافقة بعض الأشاعرة للمجسمة في مسألة الكلام
نقض دعوى القول بقدم الحرف والصوت واللفظ المنسوب للشهرستاني
قال الشهرستاني في نهاية الإقدام في علم الكلام: ونقول هذه الحروف التي أثبتموها هي حروف مجردة من غير أصوات أم هي حروف هي تقطيع أصوات فإن أثبتموها حروفاً من غير أصوات فهي غير مسموعة ولا هي معقولة فإن حقيقة الحرف تقطيع صوت والصوت بالنسبة إلى الحروف كالجنس بالنسبة إلى النوع والعرض بالنسبة إلى اللون فإن أثبتوا حروفاً هي أصوات مقطعة فلا بد لها من اصطكاكات أجرام حتى يتحقق الصوت فإن اصطكاك الأجرام كالنوع بالنسبة إلى الحركة والصوت كالنوع بالنسبة إلى الاصطكاك ولا بد من حركة حتى يتحقق اصطكاك أو تفكيك ولا بد من اصطكاك حتى يتحقق الصوت ولا بد من صوت حتى يتحقق حرف ولا بد من حرف حتى تتحقق كلمة ولا بد من كلمة حتى يتحقق قول تام ولا بد من قول حتى تتحقق قصة وحكاية فيلزم على ذلك أن يكون الباري جسماً متحركاً ذا اصطكاك في أجزاء جسمية ويتعالى الرب سبحانه عن ذلك علواً كبيراً”. انتهى
وقال أيضا في نهاية الاقدام: ” وقولهم إن الاختلاف والكثرة في الأخبار والأوامر لا يرجع إلى العبارات فقط إذ العبارات لا بد وأن تطابق المعنى صحيح لكن تلك المعاني المختلفة كالمعلومات المختلفة التي يحيط بها علم واحد وأن تلك المعلومات المختلفة إن فرضت في الشاهد استدعت علوما مختلفة وإن شملها اسم العلمية كذلك الإخبار المختلفة والأوامر المختلفة وإن استدعت في الشاهد كلمات ومعاني مختلفة فقد أحاط بها معنى واحد هو القول الحق الأزلي واختلاف الزمان بالماضي والمستقبل والحاضر لا يؤثر في نفس القول “ما يبدل القول لديَّ” كاختلاف الحال في المعلومات التي وجدت وستوجد لا يؤثر في نفس العلم “. انتهى
و قال أيضا: “….وقد تخطى بعض الكرامية إلى إثبات الجسمية فقال: أعني بها القيام بالنفس، وذلك تلبيس على العقلاء وإلا فمذهب أستاذهم مع اعتقاد كونه محلاً للحوادث قائلاً بالأصوات مستوياً على العرش استقراراً مختصاً بجهة فوق مكاناً واستعلاءً فليس ينجيه من هذه المخازي تزويرات ابن هيصم فليس يريد بالجسمية القائم بالنفس، ولا بالجهة الفوقية علاءً، ولا بالاستواء استيلاءً، وإنما هو إصلاح مذهب لا يقبل الإصلاح وإبرام معتقد لا يقبل الإبرام والإحكام، وكيف استوى الظل والعود أعوج، وكيف استوى المذهب وصاحب المقالة أهوج. والله الموفق”. انتهى
و قال في الملل والنحل في معرض كلامه عن المشبهة: “وزادوا على التشبيه قولهم في القرآن، إن الحروف والأصوات والرقوم المكتوبة قديمة أزلية، وقالوا: لا يعقل كلام ليس بحروف ولا كلم، واستدلوا بأخبار، منها ما رووا عن النبي عليه السلام: “ينادي الله تعالى يوم القيامة بصوت يسمعه الأولون والآخرون” ورووا أن موسى عليه السلام كان يسمع كلام الله كجر السلاسل. انتهى
فهذه النصوص وغيرها تدل صراحة أن الشهرستاني كان ينكر القول بقدم الحروف والأصوات والألفاظ.
وأما ما قاله ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل، و نصه: ” والشهرستاني، لما كان أعلم بالمقالات من إخوانه، ذكر في مسألة الكلام قولا سادسا، وظن أنه قول السلف، فقال في ” نهاية الإقدام ” بعد أن ذكر قول الفلاسفة، والمعتزلة، والأشعرية، والكرامية، وأن المعتزلة لما قالت: “أجمع المسلمون قبل ظهور هذا الخلاف على أن القرآن كلام الله، واتفقوا على أنه سور وآيات وحروف منظومة وكلمات مجموعة، وهي مقروءة مسموعة على التحقيق، لها مفتتح ومختتم، وأنه معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم دالة على صدقه، وأن الأشعرية تفرق بين اللفظ والمعنى، وتثبت معنى هو مدلول اللفظ” – ثم قال: “قال السلف والحنابلة: قد تقرر الاتفاق على أن ما بين الدفتين كلام الله، وأن ما نقرؤه ونكتبه ونسمعه عين كلام الله، فيجب أن تكون تلك الكلمات والحروف هي بعينها كلام الله، ولما تقرر الاتفاق على أن كلام الله غير مخلوق فيجب أن تكون تلك الكلمات أزلية غير مخلوقة. ولقد كان الأمر في أول الزمان على قولين: أحدهما القدم، والثاني الحدوث، والقولان مقصوران على الكلمات المكتوبة والآيات المقروءة بالألسن، فصار الآن قول ثالث، وهو حدوث الحروف والكلمات وقدم الكلام والأمر الذي تدل عليه العبارات، وقد حتم قدحا ليس منها وهو خلاف القولين. فكانت السلف على إثبات القدم والأزلية لهذه الكلمات، دون التعرض لمعنى وراءها، فأبدع الأشعري قولا، وقضى بحدوث الحروف وهو خرق الإجماع، وحكم بأن ما نقرأه كلام الله مجازا لا حقيقة، وهو عين الابتداع، فهلا قال: ورد السمع بأن ما نقرأه ونكتبه كلام الله، دون أن يتعرض لكيفيته وحقيقته؟ كما ورد السمع بإثبات كثير من الصفات من الوجه واليدين، إلى غير ذلك من الصفات الخبرية”. انتهى
وهذا الذي نقله ابن تيمية، ليس نقلا منضبطا ولا ثابت عن الشهرستاني بلفظه، وبالرجوع لكتاب نهاية الاقدام، نجد أن الشهرستاني قد قاله تحت “القاعدة الثالثة عشر في أن كلام البارئ واحد”.
وهذا يدل ان الشهرستاني لا يقول بقدم الحروف والألفاظ وانما يعتبر كلام الله واحد.
ثم نقل الشهرستاني قول المعتزلة، فقال: “قالت المعتزلة: ” أجمع المسلمون قبل ظهور هذا الخلاف على أن القرآن كلام الله، واتفقوا على أنه سور وآيات وحروف منتظمة وكلمات مجموعة، وهي مقروءة مسموعة على التحقيق، و لها مفتتح ومختتم، وأنه معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم دالة على صدقه، و لا تكون المعجزات الا فعلا خارقا للعادة. وكان السلف يقولون: يا رب القرٱن العظيم، يا رب طه، يا رب يس، وإنما سمي القرآن قرآنا للجمع من قولهم: قرأت الناقة لبنها في ضرعها، والجمع إنما يتحقق في المفترق، والكلام الأزلي لا يوصف بمثل هذه الأوصاف….”. انتهى
ثم نقل الشهرستاني، جواب الأشعرية على المعتزلة، فقال: قالت الأشعرية: “أنتم من خالف هذا الاجماع، فان عندكم كلام الله تبارك وتعالى حروف وكلمات أحدثها في محل، وكما وجدت فنيت، والذي كتبناه بأيدينا فعلنا، والذي قرأناه بألسنتنا كسبنا..”. انتهى
ثم نقل الشهرستاني كلام بعض الحنابلة فقال: “قال السلف والحنابلة: قد تقرر الاتفاق على أن ما بين الدفتين كلام الله، وأن ما نقرؤه ونكتبه ونسمعه عين كلام الله، فيجب أن يكون الكلمات والحروف هي بعينها كلام الله، ولما تقرر الاتفاق على أن كلام الله غير مخلوق فيجب أن تكون الكلمات أزلية غير مخلوقة. ولقد كان الأمر في أول الزمان على قولين: أحدهما القدم، والثاني الحدوث، والقولان مقصوران على الكلمات المكتوبة والآيات المقروءة بالألسن، فصار الآن قول ثالث، وهو حدوث الحروف والكلمات وقدم الكلام والأمر الذي تدل عليه العبارات، وقد حسن قول ليس منهما على خلاف القولين. فكانت السلف على إثبات القدم والأزلية لهذه الكلمات، دون التعرض لصفة أخرى وراءها. وكانت المعتزلة على اثبات الحدوث والخلقية لهذه الحروف والأصوات، دون التعرض لأمر وراءها، فأبدع الأشعري قولا ثالثا، وقضى بحدوث الحروف وهو خرق الإجماع، وحكم بأن ما نقرأه كلام الله مجازا لا حقيقة، وهو عين الابتداع، فهلا قال: ورد السمع بأن ما نقرأه ونكتبه كلام الله، دون أن يتعرض لكيفيته وحقيقته؟ كما ورد السمع بإثبات كثير من الصفات من الوجه واليدين، إلى غير ذلك من الصفات الخبرية”. انتهى
فهذا كله كلام فئة من المنتسبين للحنابلة، وأما قوله “قال السلف والحنابلة” فالأظهر أن كلمة “السلف” مقحمة في العبارة لسببين:
– أن المفكر المصري أحمد أمين نقل نفس عبارة الشهرستاني في كتابه ضحى الاسلام، ونسبها لبعض الحنابلة، ولم يذكر السلف من أصله.
– خرق الاجماع المذكور، هو اجماع الكرامية مع المعتزلة.
– أن الشهرستاني نقل بعد ذلك كلام السلف وهو مناقض لما تقدم، فقال : “قالت السلف: لا يظن الظان أنا نثبت القدم للحروف والأصوات التي قامت بألسنتنا وصارت صفات لنا، فإنا على قطع نعلم افتتاحها واختتامها، وقد بذلت السلف أرواحهم، وصبروا على ألوان البلايا والمحن من معتزلة الزمان دون ان يقولوا: القرآن مخلوق، ولم يكن ذلك على حروف وأصوات هي أفعالنا وأكسابنا، بل هم عرفوا يقينا ان لله تعالى قولا وكلاما وأمرا، وإن أمره غير خلقه بل هو أزلي قديم بقدمه كما ورد ذلك في قوله “ألا له الخلق والأمر” وقوله “لله الأمر من قبل ومن بعد” وفي قوله سبحانه “إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون” فالكائنات كلها إنما تتكون بقوله وأمره وقوله إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون وقوله: وإذ قال ربك، وإذ قلنا؛ قال الله، هذا كله قول قد ورد في السمع مضافاً إلى الله تعالى أخص إضافة من الخلق فإن المخلوق لا ينسب إلى الله تعالى إلا من جهة واحدة وهو الخلق والإبداع والأمر بنسب إليه لا على تلك النسبة وإلا فيرتفع الفرق بين الأمر والخلق والخلقيات والأمريات”. انتهى.
ثم نقل الشهرستاني عن بعض مجسمة الحنابلة قولهم: “ثم لما أجمعت السلف على أن هذا القرآن هو كلام الله تعالى لم يرد مناهج إجماعهم ولم يبحث أنهم أرادوا القراءة أو المقروء والكتابة أو المكتوب كما أنهم إذا وصلوا إلى تربة الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيوا وصلوا وسلموا تسليماً من غير تصرف في أن المشار إليه شخصه أم روحه، وحققوا زيادة تحقيق فقالوا قد ورد في التنزيل أظهر مما ذكرناه من الأمر وهو التعرض لإثبات كلمات الله تعالى حيث قال عز من قائل “وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته” ثم قال “ولولا كلمة سبقت من ربك” وقال “قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي” وقال ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله” وقال “ولكن حق القول مني لأملأن جهنم وكذلك حقت كلمة العذاب” فتارة يجي الكلام بلفظ الأمر وتثبت له الوحدة الخالصية التي لا كثرة فيها “وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر” وتارة يجي بلفظ الكلمات وتثبت لها الكثرة البالغة التي لا وحدة فيها ولا نهاية لها “ما نفدت كلمات الله” فله إذاً أمر واحد وكلمات كثيرة ولا يتصور إلا بحروف فعن هذا قلنا أمره قديم وكلماته كثيرة أزلية والكلمات مظاهر الأمر للأمر والروحانيات مظاهر الكلمات والأجسام مظاهر الروحانيات والإبداع والخلق إنما يبتدئ من الأرواح والأجسام أما الكلمات والحروف فأزلية قديمة فكما أن أمره لا يشبه أمرنا وكلماته وحروفه لا تشبه كلماتنا وهي حروف قدسية وعلوية وكما أن الحروف بسائط الكلمات والكلمات أسباب الروحانيات والروحانيات مدبرات الجسمانيات وكل الكون قائم بكلمة الله محفوظ بأمر الله تعالى، ولا يغفل عاقل عن مذهب السلف وظهور القول في حدوث الحروف فإن له شأناً وهم يسلمون الفرق بين القراءة والمقروء والكتابة والمكتوب ويحكمون بأن القراءة التي هي صفتنا وفعلنا غير المقروء والذي ليس هو صفة لنا ولا فعلنا غير أن المقروء بالقراءة قصص وأخبار وأحكام وأوامر وليس المقروء من قصة آدم وإبليس هو بعينه المقروء من قصة موسى وفرعون وليس أحكام الشرائع الماضية هي بعينها أحكام الشرائع الخاتمة فلا بد إذاً من كلمات تصدر من كلمة وترد على كلمة ولا بد من حروف تتركب منها الكلمات وتلك الحروف لا تشبه حروفنا وتلك الكلمات لا تشبه كلامنا كما ورد في حق موسى عليه السلام سمع كلام الله كجر السلاسل وكما قال المصطفى صلوات الله عليه في الوحي أحياناً يأتيني كصلصلة الجرس وهو أشد علي ثم يفصم عني وقد وعيت ما قال والله أعلم”. انتهى
فمن يقف على كلام الشهرستاني في نهاية الاقدام يجد فيه شيئا من التناقض، بسبب اسقاط بعض النساخ لأداة الحكاية، او عدم ذكر قائلها، فوقع الخلط بين المقالات، حتى ظن بعضهم أن الشهرستاني يقول بقدم الحرف والصوت واللفظ، مثل محمد بن صالح الغرسي، حيث قال في كتابه “منهج الأشاعرة بين الحقيقة والأوهام” ما نصه: ” وممن ذهب إلى هذا الرأي – أي القول بقدم الألفاظ- الإمام عبد الكريم الشهرستاني في كتابه نهاية الإقدام ، والقاضي عضد الدين الإيجي في مقالة له أوردها السيد الشريف في شرح المواقف ، والسعد التفتازاني ، والسيد الشريف الجرجاني” . انتهى
والذي نسب هذا القول إلى الشهرستانيِّ أولا، هو السيد الشريف الجرجانيُّ، وتبعه العلامة ابن كمال باشا، ولا يوجد من كلام الشهرستاني ما يفيد هذا، بل يوجد ما يناقضه، كما تقدم، في أول هذا المبحث. فما في كتاب “الملل والنحل” و”نهاية الاقدام” من نصوص تدل على أنَّ الشهرستانيَّ ليس على قول العضد الايجي، ولا على قول مشبه الحنابلة.
والعجيب أيضا أن محمد بن صالح الغرسي قال في كتابه “منهج الأشاعرة بين الحقيقة والأوهام” في معرض تعليقه عن المقالة التي نسبها للشهرستاني: “و استحسن رأيه كثير ممن أتى من بعده من المحققين، منهم القاضي عضد الدين الإيجي في مقالة مفردة له أوردها السيد الشريف في شرح المواقف”. انتهى
والصحيح أنه لا يوجد نص واحد قاله العضد نسب فيه تلك المقالة للشهرستانيِّ. فرسالة العضد متنها صغير ليس فيه إشارة إلى أنَّ هذا هو قول الشهرستانيِّ من أصله.
ملاحظة:
قال الشهرستاني في مقدمة كتابه نهاية الاقدام: فقد أشار إليّ من إشارته غنم و طاعته حتم أن أجمع له مشكلات الأصول و أحل له ما انعقد من غوامضها على أرباب العقول لحسن ظنه بي أني وقفت على نهايات النظر و فزت بغايات مطارح الفكر و لعله استسمن ذا ورم و نفخ في غير ضرم لعمري:
لقد طفت في تلك المعاهد كلها و سيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر على ذقن أو قارعا سن نادم”. انتهى
والبيتين التي قالها الشهرستاني تنسب لابن الصائغ الأندلسي او ابن سينا. وقد ذكرها في سياق تواضعه لما سئل عن جمع مشكلات الأصول و حل ما انعقد من غوامض المسائل، وليس فيه أي ذم لعلم الكلام أو أن الشهرستاني كان في حيرة من أمره كما زعم ابن تيمية وأتباعه من المشبهة، وكيف يقال ذلك من أصله، والشهرستاني قد ذكر البيتين في مقدمة كتاب صنفه في علم الكلام، وجعل فيه قواعد عقدية.
روابط ذات علاقة:
*****************************
شبهة موافقة بعض الأشاعرة للمجسمة في مسألة الكلام
أثبت الأشاعرة لله عز وجل كلاما قائما بذاته وهو عندهم صفة أزلية أبدية ليس حرفا ولا لغة ولا صوتا، لا يبتدأ ولا يختتم ولا يتخلله سكوت. وهذا الكلام القديم يسمى عندهم أيضا الكلام النفسي.
كما أثبتوا أيضا الكلام اللفظي، وهو المحدث بدون كسب لأحد فيه، و الذي أنزله الله على بعض أنبياءه عن طريق الوحي.
وعليه فالقرٱن عندهم له اطلاقان:
-الأول: هو كلام الله الأزلي الذي ليس حرفا ولا لغة وهو غير مخلوق ولا يحل في المخلوقات.
-الثاني: هو اللفظ المنزل بلغة العرب المركب من حروف وكلمات والذي يُحفظ في الصدور ويكتب في المصاحف، وهو لا شك مخلوق، لكن لا يُطلق القول بخلق القرٱن منعا للمعنى الباطل، وحتى لا يتوهم العوام ان كلام الله الذي هو صفة ذاته مخلوق.
وهذا ما عليه الأشاعرة قولا واحدا، لكن ذكر بعض المتأخرين منهم العضد الايجي والجلال الدواني قولين ٱخرين، حاولا من خلالهما تقريب مذهب مجسمة الحنابلة، دون القول بمقالتهم الفاسدة المتضمنة للقول بقدم الحروف.
قال محمد بن صالح الغرسي في كتابه “منهج الأشاعرة بين الحقيقة والأوهام” ما نصه: ” وبه يتبين أنهم أثبتوا لله تعالى نوعين من الكلام. الأول : الكلام المعنوي النفسي ، وقد اتفقوا على قدمه وقيامه بالله تعالى. والثاني : الكلام اللفظي ، وقد اختلفوا فيه ، فذهب فريق من المحققين منهم إلى قدمه أيضا وقالوا : إن كلام الله تعالى عبارة عن اللفظ والمعنى القديمين القائمين بالله تعالى ، وذهب جمهورهم إلى حدوث الكلام اللفظي بمعنى أن الله تعالى تفرد بخلقه بدون كسب لأحد فيه وهو كلام الله على الحقيقة دون المجاز ، ولم يذهب أحد منهم إلى ما ذهب إليه جمهور الحنابلة من أن كلام الله تعالى عبارة عن الحروف والأصوات ، قالوا : لأنه من البديهي أن ذلك يقتضي الترتيب والتعاقب المقتضي للحدوث ، وكلام الله تعالى منزه عن الحدوث باتفاق منا ومنهم”. انتهى
1- مقالة العضد الإيجي المتعلقة بكلام الله عز وجل
قرر العضد الإيجي في كتابه المواقف قول الأشاعرة عامة حول مسألة كلام الله عز وجل، فقال: ” قال الحنابلة كلامه حرف وصوت يقومان بذاته وأنه قديم وقد بالغوا فيه حتى قال بعضهم جهلا الجلد والغلاف قديمان فضلا عن المصحف فهؤلاء صححوا القياس الأول ومنعوا كبرى القياس الثاني، وهذا باطل بالضرورة فإن حصول كل حرف من الحروف التي تركب منها كلامه على زعمهم مشروط بانقضاء الآخر منها فيكون له أي للحرف المشروط أول فلا يكون قديما وكذا يكون للحرف الآخر انقضاء فلا يكون هو أيضا قديما بل حادثا فكذا المجموع المركب منها أي من الحروف التي لها أول زمان وجود وآخره أو اجتمعا معا فيها فيكون حادثا لا قديما والكرامية وافقوا الحنابلة في أن كلامه حروف وأصوات وسلموا أنها حادثة لكنهم زعموا أنها قائمة بذاته تعالى لتجويزهم قيام الحوادث به”. انتهى
وقال في المواقف أيضا: “نثبت أمرا وراء ذلك وهو المعنى القائم بالنفس ونزعم أنه غير العبارات إذ قد تختلف العبارات بالأزمنة والأمكنة والأقوام “. انتهى
فقد نصّ العضد هنا على أنَّ كلام الله ليس هو نفس العبارات، وأن الكلام النفسي عنده هو المعبَّر عنه بالعبارات.
ولعضد الدين الإيجي أيضا رسالة مفردة في مسألة الكلام شرحها العلامة ابن كمال باشا، و غاية أمر الإيجي فيها أنه كان يحقق مباحث تلك المسألة، فلذلك أفردها دون كتبه الكلاميَّة المعتبرة.
ومن تلك المباحث رده على خصوم الأشاعرة ممن نسب لهم القول ان ما في المصحف ليس كلام الله و أنه مجاز عن صفة الكلام، فأتى بمبحث قرر فيه أن الذي بين الدفتين هو كلام الله تعالى، ولا يعبر عنه بأنه مجاز ولا يقال عنه أنه ليس كلام الله، و أنه لا يصح اطلاق القول بحدوثه، حتى لا يتوهم الشخص ان كلام الله حادث. كما حاول أيضا تقريب مذهب مجسمة الحنابلة وتصحيح مقالتهم الفاسدة. فنازع في مبحثه حقيقة الصوت وكونه من الأعراض السيالة، فزعم أن الصوت القديم قائم بذات الله تعالى، ولا يتخلله ترتيب بخلاف المجسمة.
فالعضد الإيجي لم يقل بقدم الأصوات والحروف، كما زعم بعض المدعين، ولا وافق مجسمة الحنابلة في قولهم، بدليل
ما قاله ابن كمال باشا في شرحه لمقالة العضد، ونص عبارته : ” و هو قديم لا كما زعمت الحنابلة من قدم النظم المؤلف المرتب الأجزاء ، فإنه بديهي الاستحالة ، للقطع بأنه لا يمكن التلفظ بالسين من ” باسم الله” إلا بعد التلفظ بالباء”. انتهى
و أيضا ما قاله الكلنبوي في حاشيته على ” شرح العقائد العضدية، ونصه ” من أنه لا يمكن حمل مذهب الحنابلة على مذهب المصنف “. انتهى
وأيضا ما قاله التفتازني في شرحه على العضدية: “ومرادهم أن القرآن اسم للنظم والمعنى شامل لهما، وهو قديم لا كما زعمت الحنابلة من قدم النظم المؤلف المرتب الأجزاء، فإنه بديهي الاستحالة، للقطع بأنه لا يمكن التلفظ بالسين من ” بسم الله ” إلا بعد التلفظ بالباء، بل معنى أن اللفظ القائم بالنفس ليس مرتب الأجزاء في نفسه”. انتهى
وعليه فما ادعاه الشمس السفاريني من ان صاحب المواقف نسب لله الكلام بحرف وصوت، فهو باطل، ونص عبارته:” ممن ذهب إلى مذهب السلف و الحنابلة من قدم كلامه تعالى و أنه بحرف و صوت من متأخري محققي الأشاعرة : صاحب المواقف ، و إن رد عليه جمع منهم من متحذلق و مجازف” . انتهى
وهذا راجع لقصور فهمه وقلة اطلاعه على مباحث الإيجي. ثم ان القول بقدم الصوت دون الحروف هو مذهب بعض العلماء، وهو مع كونه مذهبا مغلوطا، إلا أنه لا يقتضي تضليلا ولا تكفيرا.
وقد حاول التفتازني في شرح النسفيَّة، تبسيط كلام العضد بقوله: “وذهب بعض المحققين -يعني شيخه العضد- إلى أن المعنى في قول مشايخنا: كلام الله تعالى معنى قديم، ليس في مقابلة اللفظ حتى يراد به مدلول اللفظ ومفهومه، بل في مقابلة العين، والمراد به ما لا يقوم بذاته كسائر الصفات”. انتهى
أي أن المعنى القديم هو ما لا يقوم بذاته كسائر الصفات، خلافا للأعيان القائمة بذاتها، وهو اطلاق ليس في مقابلة اللفظ، بل هو شامل للفظ والمعنى. واللفظ في الاصطلاح، هو الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية.
قال الشيخ حسن العطار في حاشيته على الجلال المحلي ما نصه: ” وَمِنْ ثَمَّ اُشْتُهِرَ أَنَّ الْأَلْفَاظَ أَعْرَاضٌ سَيَّالَةٌ تَنْقَضِي بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهَا وَاللَّفْظُ نَوْعٌ مِنْ الصَّوْتِ”. انتهى
ولما كان تعاقب الحروف وترتيبها يتعارض عند العضد مع القول بقدم الكلام النفسي، عُلم أن اللفظ عنده هو الصوت القديم، دون الحروف.
جاء في حاشية الكلنبوي على شرح الجلال الدواني على العقائد العضدية لإسماعيل بن مصطفى، المعروف بشيخ زاده الكلنبوي، ما نصه: “وعلى ما هو ظاهر كلام متقدمي الأشاعرة من أن الألفاظ والحروف ليست كلام الله تعالى، بل معانيها، وعلى ما أوّل به المصنف كلام الشيخ – أي العضد- من أن الأصوات مع كونها من الأعراض السيالة، قائمة بذاته تعالى من غير ترتيب”. انتهى
فالعضد كما قال شراح عقيدته، يثبت كلاما نفسيا شاملا للمعنى واللفظ بمعنى الصوت القديم الذي لا يتخلله تعاقب الحروف، خلافا لمذهب المجسمة.
وهذا الذي قاله الإيجي، وافقه عليه بعض الأشعرية ورده ٱخرون.
ومن الذين وافقوه:
– الشريف الجرجاني حيث قال: “وهذا البحث، وإن كان ظاهره، خلاف ما عليه متأخرو القوم لكن بعد التَّأمُّل يُعرف حقيقته”. انتهى
– الشيخ محمد العربكندي. قال محمد بن صالح الغرسي في كتابه “منهج الأشاعرة بين الحقيقة والأوهام” ما نصه: “وقد كان شيخنا المحقق الكبير الشيخ محمد العربكندي يؤيد هذا المذهب ويذهب إليه وهو المختار عندنا”. انتهى
ومن الذين ردوا كلامه:
-السعد التفتازاني، فرغم أنه أقر بأن المبحث الذي ذكره العضد أحسن من مذهب مجسمة الحنابلة، فقد أشار في المقابل لضعفه. فقد جاء في شرح الطيب بن كيران على توحيد الإمام بن عاشر ما نصه: ” قال السعد، وهذا أحسن لمن يتعقل لفظا قائما بالنفس غير مؤلف من الحروف المنطوقة والمتخيلة المشروط وجود بعضها بعدم البعض، ونحن لا نتعقله”. انتهى
و قال السعد التفتازانِيّ في شرح المقاصد: “وبالجملة لا خلاف لأرباب الملل والمذاهب فِي كون البارِي تعالى متكلمًا، وإنّما الخلاف في معنى كلامه وفي قدمه وحدوثه، فعند أهل الحق كلامه ليس من جنس الأصوات والحروف بل صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى منافية للسكوت والآفة كما في الخرس والطفولية، هو بها آمِرٌ ناهٍ مخبرٌ وغير ذلك، يُدَلُّ عليها بالعبارة أو الكتابة أو الإشارة”. انتهى
– الشيخ زكريا الأنصاري، قال في حاشيته :” قوله: “وهو جيد لمن يتعقل لفظا قائما بالنفس غير مؤلف” لا استحالة في ذلك وقياس الغائب على الشاهد غير مفيد”. انتهى
-الخادمي، قال في برقية محمودية: “قيل هو سفسطة”
وفي الاجمال فالذي نازع فيه العضد الجمهورَ هو إثباته شيئاً سمَّاه اللفظ، وهو عنده الصوت القديم دون الحروف، والنزاع معه هو في إثبات هذا المسمى لله تعالى، فمن جهة لا دليل عليه، ومن جهة أخرى أنَّه غير متعقل، كما قال السعد التفتازني.
2- مقالة جلال الدين الدواني المتعلقة بكلام الله عز وجل
قال جلال الدين الدواني المتوفى سنة 918 هـجري في شرح العقائد العضدية، ما نصه: “فالحنابلة ذهبوا إلى أن كلام الله تعالى ؛ حروف وأصوات وهي قديمة. ومنعوا أن كل ما هو مؤلف من حروف وأصوات مرتبة فهو حادث. بل قال بعضهم : بقدم الجلد والغلاف. قلت : فما بالهم لم يقولوا بقدم الكاتب والمجلِّد وصانع الغلاف ؟”. انتهى
ثم تعرض الدواني لقول العضد الإيجي بقدم اللفظ فقال: “كلام الله تعالى هو الكلمات التي رتبها الله تعالى في علمه الأزلي بصفة الأزلية التي هي مبدأ تأليفها وترتيبها، وهذه الصفة قديمة وتلك الكلمات المرتبة أيضا بحسب وجودها العلمي أزلية بل الكلمات و الكلام مطلقا كسائر الممكنات أزلية بحسب وجودها العلمي، وليس كلام الله تعالى إلا ما رتبه الله تعالى بنفسه من غير واسطة والكلمات لا تعاقب بينها فى الوجود العلمي حتى يلزم حدوثها وإنما التعاقب بينها فى الوجود الخارجي، وهو بحسب هذا الوجود كلام لفظي”. انتهى
وقال الخادمي في برقية محمودية ما نصه: “قال المحقق الدواني؛ الكلام ليس كل ما ذكر من المذاهب بل هو كلمات رتبها الله في علمه الازلي بصفته الازلية التي هي مبدأ التأليف والترتيب، فالكلمات لا تعاقب لها في الوجود العلمي بل التعاقب انما هو في الخارج الذي هو كلام لفظي، ثم قال هذا الوجه سالم مما لزم على المذاهب المنقولة”. انتهى
وتفسير الدواني فيه تكلف، ومخالفة لقواعد الأشعرية لأن علم الله أزلي شامل لجميع الممكنات قبل وجودها، و علمه بها ليس فيه اثبات لوجودها لأن العلم كاشف للممكنات وليس موجدا لها.
فإطلاقه لمصطلح الوجود العلمي، غير دقيق، ويلزم منه اعتبار التعلقات قديمة بإعتبار وجودها فى العلم الأزلي القديم، و أما باعتبار وجودها فى الخارج فهي عنده حادثة.
وهذا مع أنه قول لا اعتبار له من أصله، فهو مخالف لقول المجسمة بقدم الصوت والحرف.
وعليه فلا يوجد أشعري واحد وافق المجسمة و المشبهة في عقائدهم حول كلام الله عز وجل، أو قال بقدم الحروف.
