التحسين والتقبيح بين العقل والشرع

التحسين والتقبيح بين العقل والشرع

تعدّ مسألة التحسين والتقبيح من القضايا المحورية في علم الكلام وأصول الفقه، لما يتفرع عنها من أحكام تتعلق بمصدر التشريع وحدود دور العقل.

وقد كان للأشاعرة موقف متميز في هذا الباب، حيث قرروا أنّ إدراك العقل لحسن الأشياء أو قبحها لا يستتبع بالضرورة إيجاباً وثواباً أو تحريماً وعقاباً عند الله تعالى إلا بعد ورود الشرع بالأمر أو النهي.

فالعقل قد يستنكر، من حيث طبيعته المجردة، كثيراً من الأحكام الشرعية التي ثبتت بالنص، كتحريم الربا والخمر، وإقامة الحد على الزاني أو القاتل أو المرتد، وتحريم الذهب والحرير على الرجال، وتفضيل الرجل على المرأة في القوامة ووجوب طاعتها له، وكذلك إباحة التعدد، أو مشروعية ذبح الأضاحي. فهذه القضايا قد يُدركها بعض الناس من منظور عقلي محض على أنها غير حسنة، بينما الشرع قد أباحها أو أمر بها. ومن هنا يؤكد الأشاعرة أن مثل هذه الاستقباحات لا وزن لها، إذ المعيار النهائي هو حكم الشرع لا أهواء النفوس.

وبناءً على ذلك، كان الحكم عندهم أن العقول ينبغي أن تُذعن لأوامر الله ورسوله، وألا تُلوى أعناق النصوص لتتوافق مع الأهواء. وهذا أمر انعقد عليه الإجماع عندهم.

– قال التفتازاني في المقاصد: “لا حكم للعقل بالحسن والقبح، بمعنى استحقاق المدح والذم عند الله تعالى. فعندنا الحسن بالأمر، والقبح بالنهي، بل عينهما”. انتهى.

-قال ابن الحاجب الأشعري في بيان ما يجب الإيمان به: “وَأَنَّ العَقْلَ لاَ يَسْتَقِلُّ بِإِدْرَاكِ كَوْنِ الفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ مُتَعَلَّق المُؤَاخَذَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلاَ تَحْسِينَ وَلاَ تَقْبِيحَ عَقْلاً”. انتهى.

وشرح البكي الكومي هذا القول قائلاً: “أقول: يريد أنّ مما يجب الإيمان به أنّ العقل لا يستقل بإدراك المؤاخذة الشرعية المتعلِّقة بالفعل أو الترك، فلا تحسين ولا تقبيح بالعقل. وهذا المطلب الملقب في الاصطلاح بالتحسين والتقبيح العقليين”. انتهى.

وقال أبو منصور البغدادي في أصول الدين: “اعلموا أن العقول تدل على صحة الصحيح واستحالة المحال”.

ثم قال:

“فأما الأحكام الشرعية في الوجوب والحظر والإباحة فطريق معرفتها ورود الخبر والأمر من الله تعالى”. انتهى

وقال إمام الحرمين الجويني في الإرشاد: “العقل لا يدل على حسن شيء ولا قبحه في حكم التكليف، وإنما يُتلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع ومُوجب السمع”. انتهى

وقال تاج الدين السبكي في جمع الجوامع: “والحسن والقبح بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته وصفة الكمال والنقص: عقلي، وبمعنى ترتب الذم عاجلاً والعقاب آجلاً: شرعي، خلافاً للمعتزلة”. انتهى.

وقال الإمام الشاطبي في الموافقات: “العقل لا يحسّن ولا يقبح”. انتهى.

وقال الشهرستاني في نهاية الإقدام: “مذهب أهل الحق أن العقل لا يدل على حسن الشيء وقبحه في حكم التكليف من الله شرعاً”.

وقال الأصبهاني : “أَخْبَرَنَا أَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ – رَحمَه اللَّه – قَالَ: اعْلَم أَن مَذْهَب أهل السّنة أَن الْعقل لَا يُوجب شَيْئا عَلَى أحد، وَلَا يدْفع شَيْئا عَنهُ، وَلَا حَظّ لَهُ فِي تَحْلِيل أَو تَحْرِيم، وَلَا تَحْسِين وَلَا تقبيح، وَلَو لم يرد السّمع مَا وَجب عَلَى أحد شَيْء، وَلَا دخلُوا فِي ثَوَاب وَلَا عِقَاب”. انتهى.

وقال أبو إسحاق الشيرازي في مقدمة شرحه للمعتمد: “العقل عند أهل الحق لا يوجب ولا يحسن ولا يقبح”. انتهى.

وقال الإمام المتولي في الغنية: “فصل لا واجب عند أهل الحق إلا من جهة الشرع والسمع، ولولا ورود الرسل لما وُجِبَ على العباد شيء، والعقل طريق المعرفة. وذهبت المعتزلة إلى أن العقل موجب حتى إنّا لو قدرنا أن الله تعالى لم يبعث إلينا رسولاً لكان يجب علينا أن نعرف الله تعالى ونشكره”. انتهى.

وقال الحافظ أبو زرعة ولي الدين العراقي في الغيث الهامع: “والحسن والقبح بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته، وصفة الكمال والنقص عقلي، وبمعنى ترتب الذم عاجلاً، والعقاب آجلاً شرعي، خلافا للمعتزلة”. انتهى

ومن اللافت أن هذا المذهب لم يكن مقتصراً على الأشاعرة، بل شاركهم فيه الحنابلة والظاهرية. فقد قال القاضي أبو يعلى في المعتمد: “ولا مجال للعقل في تحسين شيء من المحسّنات ولا تقبيح شيء من المقبحات، وإنما يعلم ذلك من جهة الرسل الصادقين من قبل الله تعالى”. انتهى.

وقال المرداوي الحنبلي في التحبير: “ذهب الحنابلة والأشعرية إلى أن التحسين والتقبيح شرعيان، وذهب الشيخ – يعني ابن تيمية – والمعتزلة إلى أنهما عقليان”. انتهى.

وليس معنى قول الأشاعرة إنكاراً مطلقاً لدور العقل في إدراك الحسن والقبح، بل إنهم فرّقوا بين ثلاثة اعتبارات:

– ملاءمة الطبع أو منافراته: كحسن إنقاذ الغريق وقبح اتهام البريء. وأن القتل أشد وأقبح من النميمة.

قال فخر الدين الرازي في الأربعين: “”لا نزاع في أنا نعرف بعقولنا كون بعض الأشياء ملائماً لطباعنا وبعضها منافراً لطباعنا”. انتهى

– الكمال والنقص: كحسن العلم وقبح الجهل.

وهذان الاعتباران عقليان باتفاق.

– ما يترتب عليه مدح أو ذم شرعي وثواب أو عقاب: وهذا هو محل الخلاف، حيث قالت المعتزلة إنه عقلي، بينما ذهب الأشاعرة وأهل السنة إلى أنه شرعي محض.

كما وضّح المحلي في شرحه على جمع الجوامع هذا التفصيل بدقة، وجمع أقوال العلماء في المسألة، ومنها قوله: ” (الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ) لِلشَّيْءِ (بِمَعْنَى: مُلَاءَمَةِ الطَّبْعِ وَمُنَافَرَتِهِ) كَحُسْنِ الْحُلْوِ وَقُبْحِ الْمُرِّ(وَ) بِمَعْنَى (صِفَةِ الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ) كَحُسْنِ الْعِلْمِ وَقُبْحِ الْجَهْلِ (عَقْلِيٌّ) أَيْ يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ اتِّفَاقًا (وَبِمَعْنَى تَرَتُّبِ الْمَدْحِ) وَ(الذَّمِّ عَاجِلًا) وَالثَّوَابِ (وَالْعِقَابِ آجِلًا) كَحُسْنِ الطَّاعَةِ وَقُبْحِ الْمَعْصِيَةِ (شَرْعِيٌّ) أَيْ لَا يَحْكُمُ بِهِ إلَّا الشَّرْعُ الْمَبْعُوثُ بِهِ الرُّسُلُ أَيْ لَا يُؤْخَذُ إلَّا مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُدْرَكُ إلَّا بِهِ (خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ) فِي قَوْلِهِمْ إنَّهُ عَقْلِيٌّ أَيْ يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ لِمَا فِي الْفِعْلِ مِنْ مَصْلَحَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ يَتْبَعُهَا حُسْنُهُ أَوْ قُبْحُهُ عِنْدَ اللَّهِ أَيْ يُدْرِكُ الْعَقْلُ ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ كَحُسْنِ الصِّدْقِ النَّافِعِ وَقُبْحِ الْكَذِبِ الضَّارِّ أَوْ بِالنَّظَرِ كَحُسْنِ الْكَذِبِ النَّافِعِ وَقُبْحِ الصِّدْقِ الضَّارِّ”. انتهى

وقد أورد الزركشي في البحر المحيط أقوال الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم، و نصه: “وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ: ذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْبَرَاهِمَةُ إلَى أَنَّ الْعُقُولَ طَرِيقٌ إلَى مَعْرِفَةِ الْحَسَنِ، وَالْقَبِيحِ وَالْوَاجِبِ، وَالْمَحْظُورِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ عَلَى الْعَقْلِ. فَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: هُوَخَاطِرٌ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ يَدْعُوهُ إلَى النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ. وَشَرَعَ الرُّسُلُ مَا قَبُحَ فِي الْعَقْلِ كَذَبْحِ الْبَهَائِمِ وَتَسْخِيرِ الْحَيَوَانِ وَإِتْلَافِهِ. قَالُوا: وَإِنَّمَا حَسُنَ وُرُودُ الشَّرْعِ بِهِ لِلْغَرَضِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ، وَخَالَفَهُمْ أَبُو هَاشِمٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ لَوْلَا وُرُودُ الشَّرْعِ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا جَوَازُ حُسْنِهِ….قَالَ: وَذَهَبَ أَهْلُ الْحَقِّ إلَى أَنَّ طَرِيقَ الْعِلْمِ بِوُجُوبِ النَّظَرِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَالسَّمْعِيَّاتِ، السَّمْعُ دُونَ الْعَقْلِ، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ صِحَّةُ مَا يَصِحُّ كَوْنُهُ، وَوُجُوبُ وُجُودِ مَا يَجِبُ وُجُودُهُ، وَاسْتِحَالَةُ كَوْنِ مَا يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ، وَصِحَّةُ مَا يَصِحُّ وُرُودُ الشَّرْعِ بِهِ جَوَازًا بِكُلِّ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ مِنْ وَاجِبٍ وَمَحْظُورٍ، وَمُبَاحٍ وَمَكْرُوهٍ وَمَسْنُونٍ. فَقَدْ كَانَ فِي الْعَقْلِ جَوَازُ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَرَدَ بِهِ، وَكَانَ فِيهِ أَيْضًا جَوَازُ وُرُودِ الشَّرْعِ بِتَحْرِيمِ مَا أَوْجَبَهُ وَإِيجَابِ مَا حَرَّمَهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ فِعْلٍ، وَلَا عَلَى تَحْرِيمِهِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَقَالُوا أَيْضًا: لَوْ تَوَهَّمْنَا خَلْقَ الْعَاقِلِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ عَلَيْهِ، وَاسْتَدَلَّ ذَلِكَ الْعَاقِلُ عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَوَصَلَ إلَيْهَا لَمْ يَسْتَحِقَّ بِذَلِكَ ثَوَابًا، وَلَوْ جَحَدَهُ بِهِ وَكَوْنُهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ عِقَابًا، وَلَوْ عَذَّبَهُ اللَّهُ أَبَدًا فِي النَّارِ لَكَانَ عَدْلًا. وَإِنَّمَا كَانَ كَإِيلَامِ الطِّفْلِ فِي الدُّنْيَا، وَالْعِقَابُ لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا مَنْ تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ خِطَابًا أَوْ بِوَاسِطَةِ الرِّسَالَةِ ثُمَّ عَصَاهُ. هَذَا قَوْلُ شَيْخِنَا أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ كَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَتَمَعْزَلْ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ ” التَّحْصِيلِ “: إنَّهُ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي ” تَلْخِيصِ كِتَابِ الْقَاضِي “: بَحْثُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ يَرْجِعُ إلَى مَا يَحْسُنُ وَيَقْبُحُ فِي التَّكْلِيفِ، وَهُمَا رَاجِعَانِ إلَى حُكْمِ الرَّبِّ شَرْعًا لَا إلَى وَصْفِ الْعَقْلِ، وَصَارَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّ قُبْحَ الْقَبِيحِ يَرْجِعُ إلَى ذَاتِهِ، وَالْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ صَارُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْحُسْنِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْحَقِّ فَقَالُوا: لَا يُدْرَكُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ حُسْنٌ وَلَا قُبْحٌ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَعْظِيمِهِ، وَالْقَبِيحَ مَا وَرَدَ بِذَمِّهِ، فَالْحُسْنُ وَالْقُبْحُ عَلَى التَّحْقِيقِ هُوَعَيْنُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الشَّرْعِيَّيْنِ… وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي ” الْمُرْشِدِ “: الشَّيْءُ عِنْدَنَا لَا يَحْسُنُ وَلَا يَقْبُحُ لِنَفْسِهِ بَلْ إنَّمَا تَرْجِعُ الْأَحْكَامُ إلَى قَوْلِ الشَّارِعِ، وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: لَا يَتَوَقَّفُ إدْرَاكُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ عَلَى السَّمْعِ بَلْ يُدْرَكَانِ بِالْعَقْلِ، ثُمَّ مِنْهَا مَا يُدْرَكُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ كَالْكُفْرِ، وَالضَّرَرِ الْمَحْضِ، وَمِنْهَا مَا يُدْرَكُ بِنَظَرِهِ كَوُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ. قَالَ: وَمَنْ قَالَ مِنْ أَئِمَّتِنَا: لَا يُدْرَكُ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ إلَّا بِالشَّرْعِ فَهُوَمُتَجَوِّزٌ؛ لِأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ الْحُسْنَ زَائِدٌ عَلَى الشَّرْعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْحَسَنَ عِبَارَةٌ عَنْ نَفْسِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ وَكَذَا الْقَبِيحُ. …. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ لِلْعَقْلِ مَدْخَلًا فِي التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ وَالْقَبِيحَ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ عُلِمَ بِالْعَقْلِ، وَضَرْبٌ عُلِمَ بِالسَّمْعِ. فَأَمَّا الْمَعْلُومُ حُسْنُهُ بِالْعَقْلِ فَهُوَالْعَدْلُ، وَالْإِنْصَافُ، وَالصِّدْقُ وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمَعْلُومُ حُسْنُهُ بِالشَّرْعِ فَنَحْوُ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا الْمَعْلُومُ قُبْحُهُ بِالشَّرْعِ فَكَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ. قَالُوا: وَسَبِيلُ السَّمْعِ إذَا وَرَدَ بِمُوجِبِ الْعَقْلِ يَكُونُ وُرُودُهُ مُؤَكِّدًا لِمَا فِي الْعَقْلِ إيجَابِهِ وَقَضِيَّتِهِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى مَعْرِفَةِ الصَّانِعِ وَاجِبٌ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ بِهِ وَدُعَاءِ الشَّرْعِ إلَيْهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَسْرِهِمْ، وَذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَالْحَلِيمِيُّ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ خُصُوصًا الْعِرَاقِيِّينَ مِنْهُمْ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَبَّخَ الْكُفَّارَ عَلَى تَرْكِهِمْ الِاسْتِدْلَالَ بِعُقُولِهِمْ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ بِمَا يُشَاهِدُونَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ وَغَيْرِهِمْ…” . انتهى