,

تعريف المكان عند اللغويين والفلاسفة وجمهور المتكلمين و المجسمة

66 views

الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، المُنَزَّهِ عَنِ الشَّبِيهِ وَالنَّظِيرِ، وَالمُقَدَّسِ عَنِ الحَدِّ وَالمِقدَارِ وَالمَكَانِ وَالجِهَةِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
فَإِنَّ مِنَ المَسَائِلِ الَّتِي كَثُرَ فِيهَا الخَلطُ وَالاضطِرَابُ مَسأَلَةَ المَكَانِ وَالجِهَةِ وَالحَيِّزِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِتَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَن أَحكَامِ الأَجسَامِ وَصِفَاتِ المَخلُوقَاتِ. وَقَد زَعَمَ بَعضُهُم أَنَّ المَكَانَ أَمرٌ اعتِبَارِيٌّ لَا وُجُودَ لَهُ، ثُمَّ جَعَلَ هٰذَا الزَّعمَ سَبِيلًا لِلإِنكَارِ عَلَى أَهلِ التَّنزِيهِ حِينَ قَالُوا: إِنَّ اللهَ تَعَالَى مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ. وَهٰذَا كَلَامٌ مُتَهَافِتٌ؛ لِأَنَّ مَن جَعَلَ المَكَانَ مَعدُومًا لَا وُجُودَ لَهُ، لَم يَكُن لَهُ وَجهٌ فِي الإِنكَارِ عَلَى مَن نَفَاهُ عَنِ اللهِ تَعَالَى.
وَلِذٰلِكَ كَانَ لَازِمًا أَن يُقَدَّمَ بَينَ يَدَيِ الرَّدِّ تَحرِيرُ مَعنَى المَكَانِ وَالجِهَةِ وَالحَيِّزِ عِندَ أَهلِ اللُّغَةِ وَأَهلِ النَّظَرِ، ثُمَّ يُبَيَّنَ أَنَّ هٰذِهِ المَعَانِيَ إِنَّمَا تَلِيقُ بِالمَخلُوقَاتِ ذَوَاتِ الحُدُودِ وَالمَقَادِيرِ، وَلَا تَجُوزُ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ سُبحَانَهُ خَالِقُ المَكَانِ وَالجِهَةِ، وَكَانَ وَلَا مَكَانَ، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيهِ كَانَ.

الخلاصة :

الحَيِّزُ عِندَ المُتَكَلِّمِينَ هُوَ البُعدُ المَوهُومُ الَّذِي يَشغَلُهُ الجِسمُ وَتَنفُذُ فِيهِ أَبعَادُهُ، وَإِنَّمَا سَمَّوهُ مَوهُومًا لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ وَحدَهُ مُنفَكًّا فِي الخَارِجِ، بَل يَلحَظُهُ العَقلُ عِندَ مُلَاحَظَةِ الجِسمِ وَامتِدَادِهِ.

فَالعَقلُ يُجَرِّدُ مَعنَى التَّحَيُّزِ، ثُمَّ يُرَتِّبُ عَلَيهِ أَحكَامَهُ، فَيَحكُمُ عَلَى الجِسمِ بِالمَحدُودِيَّةِ وَالافتِقَارِ مِن حَيثُ كَونُهُ مُتَحَيِّزًا، سَوَاءٌ قِيلَ فِي حَقِيقَةِ الجِسمِ إِنَّهُ مُتَأَلِّفٌ مِن جَوَاهِرَ فَردَةٍ، أَو مِن هَيُولَى وَصُورَةٍ، أَو غَيرِ ذٰلِكَ مِمَّا يَذكُرُهُ النُّظَّارُ. فَالعِبرَةُ فِي الحُكمِ هُنَا بِأَصلِ التَّحَيُّزِ، وَالتَّحَيُّزُ مُستَلزِمٌ لِلحَدِّ وَالمِقدَارِ وَالافتِقَارِ.

وَأَمَّا الجِهَةُ فَهِيَ مِنَ الأُمُورِ النِّسبِيَّةِ الإِضَافِيَّةِ، لَا تُعقَلُ إِلَّا بِمُلَاحَظَةِ أَمرَينِ: مُتَحَرِّكٍ أَو مُتَوَجِّهٍ، وَمَقصَدٍ أَو حَدٍّ يُتَوَجَّهُ إِلَيهِ. فَالمُتَحَيِّزُ يَنتَقِلُ مِن حَيِّزٍ إِلَى حَيِّزٍ، وَيَقصِدُ فِي حَرَكَتِهِ حَدًّا أَو حَيِّزًا، فَيُسَمَّى ذٰلِكَ بِالنِّسبَةِ إِلَيهِ جِهَةً.

فأصل المكان عند المتكلمين هو الحيز الخالي من الشاغل أي الجسم. ففي هذه الحالة المكان هو مجرد وهم، ولا يعدو أن يكون عدماً محضاً أو وجودا ذهنيا، من غير أن يكون موجودا في الخارج فسَمَّوهُ مَوهُومًا لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ وَحدَهُ مُنفَكًّا فِي الخَارِجِ، بَل يَلحَظُهُ العَقلُ عِندَ مُلَاحَظَةِ الجِسمِ وَامتِدَادِهِ. فَالعَقلُ يُجَرِّدُ مَعنَى التَّحَيُّزِ، ثُمَّ يُرَتِّبُ عَلَيهِ أَحكَامَهُ، فَيَحكُمُ عَلَى الجِسمِ بِالمَحدُودِيَّةِ وَالافتِقَارِ مِن حَيثُ كَونُهُ مُتَحَيِّزًا ثم إن حصل وامتلأ المكان بجوهر أو بجسم فالمكان هنا بمعنى العرض وليس جسما فالمكان عرض لازم يقوم بالجسم ولا يفتقر إلى أعراض أخرى. فالمكان بهذا المعنى ليس شيئاً قائماً بذاته، بل هو من أعراض الجسم، و هذا العرض ليس بحاجة إلى مكانٍ آخر بعد قيامه بالجسم ولا إلى غيره من الأعراض، فلا يلزم التسلسل. ويطلق المكان على المساحة فيكون جسما كالبيت و القصر.

وَلِذٰلِكَ فَالحَيِّزُ وَالجِهَةُ وَالحَدُّ وَالحَرَكَةُ أُمُورٌ مُتَلَازِمَةٌ فِي حَقِّ الأَجسَامِ وَالمُتَحَيِّزَاتِ، لَا فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، الَّذِي لَيسَ بِجِسمٍ وَلَا عَرَضٍ، وَلَا يَحُلُّ فِي مَكَانٍ، وَلَا تَجرِي عَلَيهِ أَحكَامُ المَحدُودَاتِ.

القول بأن الحيز وجودي بعد قيامه بالجرم، قد قرره الكثير من علماء أهل السنة، مثل:

– الفخر الرازي في المطالب العالية، حيث قال: “الجبل لو انتقل من مكان إلى آخر فهذا الانتقال حاصل في نفس الأمر سواء وجد العقل أو لم يوجد فثبت بأن الفضاء والخلاء أمر موجود“. انتهى

– محمد راغب باشا في سفينة الراغب، حيث قال ما نصه: “اعلم أن المكان امر موجود في نفس الامر اتفاقا“. انتهى

وقال: “أقول: وعلى هذا فكون المكان أمرا موجود لا ينافي مذهب المتكلمين”. انتهى.

– قال الجويني في الشامل: والحيز إنما هو ثابت غير متوقع”.

بيان أن المكان والزمان من الأعراض لا من الأعيان

الحمدلله وصلى الله وسلم على رسول الله. وبعد فاعلم أن المكان والزمان من الأعراض لا من الأعيان. العالم كل ما سوى الله. العالم: جوهر وعرض. العالم: أعيان وأعراض ولا ثالث لهما في العالم. والله تعالى ليس جوهرا ولا عرضا. فأما الأعيان فهي الجواهر فمنها ما يكون مركبا ومنها ما يكون بسيطا. فالجواهر المركبة هي الأجسام والجسم هو ما تركب من جوهرين فأكثر والجواهر البسيطة هي الجوهر الفرد وهو الجزء الذي لا يتجزأ لبلوغه الغاية في القلة. والأعيان ما له قيام بذاته أي تحيز بنفسه أي ليس تحيزه تابعا لتحيز شيء آخر وهذا ككل فرد من أفراد البشر والحجر والشجر لأن كل ذلك متحيز تحيزا مستقلا أي ليس تابعا لتحيز شيء آخر.

أما العرض فهو ما لا يقوم بذاته بل بغيره بأن يكون تابعا له في التحيز.

الجوهر الفرد هو أصغر جرم يعني أصغر كمية ولكن ليس له عرض ولا طول ولا عُمق لأن الشيء الذي له عرض يقبل الانقسام تقديرا وإن لم يقبل بالفعل والجوهر الفرد لا يُرى عادة لقلته. والجوهر لا ينفك عن العرض ولا يتصور من غير عرض.

العرض ما يقوم بالجوهر، العرض لا يسد فراغًا، الجوهر يسد فراغًا. الحركةُ لا تسد الفراغ. الجسم الذي تقوم به الحركة هو الذي يسد الفراغ. العرض لا يقوم إلا بحجم؛ الحركة عرض فلا توجد إلا بحجم والسكون كذلك.

الحركة والسكون لا يوجدان خارجين عن حجم متحرك أو حجم ثابت.

الخلاء: إذا أريد به تقدير فراغ مكاني لا تشغله الأجسام مطلقا فهذا لا يكون لأن المكان عرض لا يقوم بذاته. ولو أريد أنه لا تشغله الأجسام الصلبة فهذا صحيح.

والملاء: لو أريد به الأجسام الصلبة المتصلة في خط واحد فصحيح. (في الخلاء والملاء لم أتحر تعابير العلماء).

والفراغ: كما بين الأرض والسماء؛ وبين كل سماء وسماء؛ وبين السماء السابعة والعرش. الشمس والقمر والنجوم تسبح في الفراغ. الفراغ الذي تسبح فيه هو مكانها هو حيزها.

ليس من شرط المكان الاتصال بجسم صُلب. نحن متصلون بالأرض وهي جسم ولنا تحيز مستقل ولها تحيز مستقل.

قول الواحد منا: مكاني في الأرض معناه متحيز حيث تتحيز الأرض أي أنا والأرض في حيز معًا. ليس معناه أن الأرض عرض قام بوجودي ولكن المعنى مكاني متصل بمكانها أي لي حيز متصل بحيز الأرض.

وقولنا الملائكة متحيزة في السماء لا يعني أن السماء عرض بل السماء جوهر له حيز ومكان ولكن المعنى أن الملائكة لها حيز متصل بحيز السماء.

وقولنا الليل والنهار أجسام لأنهما يأخذان حيزا من الفراغ؛ فهنا الكلام في حقيقة الليل والنهار لأن الضوء جسم لطيف والظلمة جسم لطيف والجوهر الفرد لها يناسب طبيعتها.

أما لو أطلقنا الليل والنهار على معنى ما يوجد فيهما من تعاقب الحوادث فيكون الليل والنهار بهذا الإطلاق عرضا ولكنه لا يكون إطلاقا أصليا أي لا يكون إطلاقا على أصلهما على حقيقتهما الأصلية. الشمس والقمر والنجوم تسبح في فراغ تشغله الظلمة غير متصل بأجسام صُلبة فهذا الفراغ الذي تسبح فيه هو مكانها هو حيزها. والنور يكون في هذا الجزء من الأرض ثم ينتقل إلى غيره فيأتي الظلام يملأ يسبح في هذا الفراغ الذي كان يشغله النور.

المكان والحيز شيء واحد. المكان هو الفراغ الذي تشغله الأجسام. المكان هو ما يملؤه الحجم من الفراغ. كل هذا معنى واحد.

النور والظلام جسم لطيف بعتبار النور والظلام وقد يعبرعنهما بالعرض من حيثية الرجوع الى المقادير الزمنية فإنهما متجددان

والزمان مقارنة متجدد بمتجدد لتوقيت معلوم بمجهول وقال بعض اهل السنة في تعريف الزمان انه عبارة عن حركة الفلك

درس محرر للشيخ عبد الله الهرري أعطى بتاريخ الخامس من شهر صفر سنة ألف وأربعمائة وثلاث وعشرين الموافق للثامن عشر من شهر نيسان سنة ألفين واثنين ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد الهرري رحمه الله تعالى في بيان فل علم التوحيد.

قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:

والمكان هو الفراغ الذي يشغله الحجم، الحجم اللطيف والحجم الكثيف يشغل الفراغ، فهذا الفراغ الذي يشغله هو المكان، ليس المكان الحجم الصلب الذي يمس بالحجم فقط، نحن الآن نماس ما تحتنا، هذا المكان الصلب هذا مكاننا والفراغ الذي يحوينا مكان لنا، فالله تبارك وتعالى منزه عن أن يكون متحيزا بمماسة شيء صلب كالعرش وعن التحيز في الفراغ من غير مماسة شيء، الشمس والقمر والنجوم مكانهن الفراغ الذي يشغلنه، فالله تبارك وتعالى لا يجوز أن يكون متحيزا في الفراغ من دون مماسة شيء صلب ومنزه من أن يكون متحيزا في الفراغ مع مماسة شيء كالعرش، وذلك لأن الحجم هو الذي يتحيز، والله ليس حجما فلا يجوز عليه التحيز في مكان واحد كالعرش ولا في جميع الأماكن، فمن عرف لله تعالى على هذا الوجه وأفرده بالعبادة أي غاية التذلل فهو الذي عرف الله وعبده ومن لم يكن كذلك لم يعرف اللهن ولا يقال إنه يعبد الله، المجسمة وكل من يعتقد أن الله تعالى متحيز على العرش مماسا قاعدا عليه أو واقفا في الفراغ فوق العرش من غير مماسة للعرش غير عارف بالله فهو جاهل بالله ولا يعبد الله إنما يعبد شيئا تخيله في الفراغ أو متحيزا على العرش وهذا معنى هذه الآية {ليس كمثله شيء}.

لغة تعريف المكان والجهة

❖ لَا بُدَّ قَبلَ الجَوَابِ عَن هٰذِهِ الدَّعوَى مِن تَحرِيرِ مَعنَى المَكَانِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الغَلَطِ فِي هٰذَا البَابِ إِنَّمَا يَنشَأُ مِنَ الخَلطِ بَينَ الأَلفَاظِ وَالمَعَانِي، أَو مِن إِطلَاقِ اللَّفظِ وَإِرَادَةِ مَعنًى، ثُمَّ إِلزَامِ الخَصمِ بِمَعنًى آخَرَ.
❖ فَالمَكَانُ عِندَ أَهلِ اللُّغَةِ وَالنَّظَرِ لَهُ مَعنًى مَعرُوفٌ يَدُورُ عَلَى المَوضِعِ وَالحَيِّزِ وَالفَرَاغِ الَّذِي يَشغَلُهُ الجِسمُ.
❖ فَقَد قَالَ اللُّغَوِيُّ أَبُو القَاسِمِ الحُسَينُ بنُ مُحَمَّدٍ، المَعرُوفُ بِالرَّاغِبِ الأَصفَهَانِيِّ، فِي كِتَابِهِ المُفرَدَاتِ فِي غَرِيبِ القُرآنِ: «المَكَانُ عِندَ أَهلِ اللُّغَةِ المَوضِعُ الحَاوِي لِلشَّيءِ».
❖ وَقَالَ اللُّغَوِيُّ مَجدُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بنُ يَعقُوبَ الفِيرُوزَآبَادِيُّ، صَاحِبُ القَامُوسِ، فِي كِتَابِهِ القَامُوسِ المُحِيطِ: «المَكَانُ: المَوضِعُ، جَمعُهُ: أَمكِنَةٌ وَأَمَاكِنُ».
❖ وَقَالَ العَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ أَحمَدُ بنُ حَسَنٍ البَيَاضِيُّ الحَنَفِيُّ فِي إِشَارَاتِ المَرَامِ: «المَكَانُ هُوَ الفَرَاغُ الَّذِي يَشغَلُهُ الجِسمُ».
❖ وَقَالَ الشَّيخُ يُوسُفُ بنُ سَعِيدٍ الصَّفتِيُّ المَالِكِيُّ: «قَالَ أَهلُ السُّنَّةِ: المَكَانُ هُوَ الفَرَاغُ الَّذِي يَحُلُّ فِيهِ الجِسمُ». [حَاشِيَةُ العَلَّامَةِ الصَّفتِيِّ المَالِكِيِّ عَلَى الجَوَاهِرِ الزَّكِيَّةِ فِي حَلِّ أَلفَاظِ العَشمَاوِيَّةِ]
❖ وَقَالَ الحَافِظُ المُحَدِّثُ الفَقِيهُ اللُّغَوِيُّ الحَنَفِيُّ السَّيِّدُ مُرتَضَى الزَّبِيدِيُّ فِي تَاجِ العَرُوسِ: «المَكَانُ: المَوضِعُ الحَاوِي لِلشَّيءِ».
❖ وَقَالَ الشَّيخُ سَلَامَةُ القُضَاعِيُّ العَزَّامِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي فُرقَانِ القُرآنِ: «المَكَانُ هُوَ المَوضِعُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الجَوهَرُ عَلَى قَدرِهِ».
❖ وَقَالَ الشَّيخُ المُحَدِّثُ الفَقِيهُ العَلَّامَةُ عَبدُ اللهِ الهَرَرِيُّ: «المَكَانُ هُوَ مَا يَأخُذُهُ الحَجمُ مِنَ الفَرَاغِ».
❖ فَهٰذِهِ النُّقُولُ تُبَيِّنُ أَنَّ المَكَانَ لَيسَ لَفظًا مُبهَمًا بِلَا مَعنًى، بَل هُوَ فِي الاستِعمَالِ اللُّغَوِيِّ وَالكَلَامِيِّ رَاجِعٌ إِلَى المَوضِعِ، أَوِ الفَرَاغِ الَّذِي يَشغَلُهُ الجِسمُ، أَو مَا يَأخُذُهُ الحَجمُ مِنَ الفَرَاغِ. وَهٰذَا كُلُّهُ مِن أَحكَامِ الأَجسَامِ وَالمُتَحَيِّزَاتِ، لَا مِن صِفَاتِ رَبِّ الأَرضِ وَالسَّمَاوَاتِ.

فهذا النقل عن اللغويين وأهل العلم لبيان معنى المكان دليلٌ على أن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم كانوا يعتقدون أن الله تعالى موجودٌ بلا مكان، وأن الله لا يسكن العرش ولا يسكن السماء، لأن القرءان نزل بلغة العرب كما قال الله عزّ وجلّ في القرءان الكريم: {بلسان عربيّ مبين} [سورة الشعراء/195] والنبي أعلم الناس بلغة العرب، فبطل بذلك تمسك المشبهة المجسمة بظواهر بعض الآيات والأحاديث المتشابهة التي ظاهرها يوهم أن لله مكانًا، فمثل هذه النصوص لا تُحمل على الظاهر باتفاق علماء السلف والخلف لاعتقادهم بأن الله تبارك وتعالى يستحيل عليه المكان كما هو ثابت بالقرءان والحديث والإجماع وكلام اللغويين وغيرهم.
وبعد هذا البيان يتبيَّن لك أن الله تعالى ليس في مكان من الأماكن العلوية والسفلية وإلا لكان المكان حاويًا لله تعالى، ومن كان المكانُ حاويًا له كان ذا مقدار وحجم، وهذا من صفات الأجسام والمخلوقين، واتصاف الله تعالى بصفة من صفات البشر محال على الله، وما أدى إلى المحال فهو محال، فثبت صحة معتقد أهل السُّنة الذين ينـزّهون اللهَ عن المكان والجهة.

أما موضوع الجهة فإن مجسمة هذا العصر يعمدون إلى التمويه على الناس فيقولون: “الله موجود في جهة ما وراء العالم”، فلبيان الحق من الباطل نبيّن معنى الجهة من أقوال العلماء من فقهاء ومحدثين ولغويين وغيرهم.
الجِهَةُ فَهِيَ عِندَ أَهلِ اللُّغَةِ وَالكَلَامِ رَاجِعَةٌ إِلَى النَّاحِيَةِ أَوِ المَوضِعِ الَّذِي يُتَوَجَّهُ إِلَيهِ، أَو إِلَى المَكَانِ بِاعتِبَارِ إِضَافَتِهِ إِلَى غَيرِهِ.


❖ قَالَ اللُّغَوِيُّ مُحَمَّدُ بنُ مُكَرَّمٍ الإِفرِيقِيُّ المِصرِيُّ، المَعرُوفُ بِابنِ مَنظُورٍ، فِي لِسَانِ العَرَبِ: «الجِهَةُ وَالوِجهَةُ جَمِيعًا: المَوضِعُ الَّذِي تَتَوَجَّهُ إِلَيهِ وَتَقصِدُهُ».
❖ وَقَالَ الفِيرُوزَآبَادِيُّ فِي القَامُوسِ المُحِيطِ: «وَالجِهَةُ: النَّاحِيَةُ، جَمعُهَا: جِهَاتٌ».
❖ وَقَالَ الشَّيخُ عَبدُ الغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ في [رَائِحَةُ الجَنَّةِ شَرحُ إِضَاءَةِ الدُّجُنَّةِ فِي عَقَائِدِ أَهلِ السُّنَّةِ]: «وَالجِهَةُ عِندَ المُتَكَلِّمِينَ هِيَ نَفسُ المَكَانِ بِاعتِبَارِ إِضَافَةِ جِسمٍ آخَرَ إِلَيهِ».
❖ وَقَالَ الشَّيخُ مُصطَفَى بنُ مُحَمَّدٍ الرُّومِيُّ الحَنَفِيُّ، المَعرُوفُ بِالكَستَلِيّ: «قَد يُطلَقُ الجِهَةُ وَيُرَادُ بِهَا مُنتَهَى الإِشَارَاتِ الحِسِّيَّةِ أَوِ الحَرَكَاتِ المُستَقِيمَةِ، فَيَكُونُ عِبَارَةً عَن نِهَايَةِ البُعدِ الَّذِي هُوَ المَكَانُ، وَمَعنَى كَونِ الجِسمِ فِي جِهَةٍ أَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ فِي مَكَانٍ يَلِي تِلكَ الجِهَةَ، وَقَد يُسَمَّى المَكَانُ الَّذِي يَلِي جِهَةً مَا بِاسمِهَا، كَمَا يُقَالُ فَوقَ الأَرضِ وَتَحتَهَا، فَيَكُونُ الجِهَةُ عِبَارَةً عَن نَفسِ المَكَانِ بِاعتِبَارِ إِضَافَةٍ مَا». [حَاشِيَةُ الكَستَلِّيِّ عَلَى العَقَائِدِ النَّسَفِيَّةِ]
❖ وَقَالَ العَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ البَيَاضِيُّ في إِشَارَاتُ المَرَامِ: «وَالجِهَةُ اسمٌ لِمُنتَهَى مَأخَذِ الإِشَارَةِ وَمَقصِدِ المُتَحَرِّكِ، فَلَا يَكُونَانِ إِلَّا لِلجِسمِ وَالجِسمَانِيِّ، وَكُلُّ ذٰلِكَ مُستَحِيلٌ، أَي عَلَى اللهِ».
❖ وَقَالَ الشَّيخُ سَلَامَةُ القُضَاعِيُّ الشَّافِعِيُّ في فُرقَانِ القُرآنِ ِ: «وَاعلَم أَنَّ بَينَ المُقَدَّرَاتِ مِنَ الجَوَاهِرِ الَّتِي هِيَ الأَجسَامُ فَمَا دُونَهَا وَبَينَ المَكَانِ وَالجِهَةِ لُزُومًا بَيِّنًا، وَهُوَ مَا لَا يَحتَاجُ عِندَ العُقَلَاءِ إِلَى دَلِيلٍ، فَإِنَّ المَكَانَ هُوَ المَوضِعُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الجَوهَرُ عَلَى قَدرِهِ، وَالجِهَةُ هِيَ ذٰلِكَ المَكَانُ، لٰكِن بِقَيدِ نِسبَتِهِ إِلَى جُزءٍ خَاصٍّ مِن شَيءٍ آخَرَ».
❖ وَقَالَ الشَّيخُ عَبدُ اللهِ الهَرَرِيُّ في المَطَالِبِ الوَفِيَّة شَرح العَقِيدَةِ النَّسَفِيَّةِ: «وَإِذَا لَم يَكُنِ اللهُ فِي مَكَانٍ لَم يَكُن فِي جِهَةٍ، لَا عُلوٍ وَلَا سُفلٍ وَلَا غَيرِهِمَا؛ لِأَنَّهَا إِمَّا حُدُودٌ وَأَطرَافٌ لِلأَمكِنَةِ، أَو نَفسُ الأَمكِنَةِ بِاعتِبَارِ عُرُوضِ الإِضَافَةِ إِلَى شَيءٍ».
❖ فَثَبَتَ بِهٰذَا أَنَّ الجِهَةَ لَا تُعقَلُ إِلَّا فِي حَقِّ مَا يَقبَلُ الإِشَارَةَ الحِسِّيَّةَ وَالحَرَكَةَ وَالحَدَّ وَالمِقدَارَ، وَهٰذِهِ كُلُّهَا مِن صِفَاتِ الأَجسَامِ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن ذٰلِكَ كُلِّهِ.

تعريف المكان عند اللغويين والفلاسفة وجمهور المتكلمين والمجسمة

يُعدّ مفهوم “المكان” من الموضوعات التي حظيت باهتمام واسع عند الفلاسفة و اللغويين والمتكلمين، لما له من ارتباط وثيق بمسائل عقدية ومفاهيم الوجود، والخلق، والتجسيم، والعلاقة بين الخالق والمخلوق.

1- دلالة النصوص الشرعية على ثبوت المكان

ورد في القرآن الكريم ما يثبت أن للمكان حقيقة خارجية، كما في قوله تعالى: “فَتَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ”، أي موضع بعيد، وهذا يدل على إمكانية وصف المكان وتحديده. وكذلك في قوله تعالى: “وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ”، أي هيأناه له ليراه ويحدده.

2- تعريف المكان عند اللغويين

ورد في القاموس المحيط لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، تحت مادة: “م.ك.ن” أن المكان هو “الموضع”، وجمعه “أمكنة” و”أماكن” .

و قال اللغوي أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني المتوفى سنة 502 هـ جريما نصه “المكان عند أهل اللغة الموضع الحاوي للشىء”. انتهـى

وقد ارتبطت بعض التعريفات اللغوية للمكان بمفهوم “الحيّز”، وهو الفراغ الذي يشغله الجسم، في خين ارتبطت بعض التعريفات الأخرى للمكان بالسطح الحاوي بمعنى أن الغرفة مثلا مكان لما في داخلها، وبهذه التعريفات يكون المكان شيئا موجودا في الخارج لارتباطه بمفهوم الوجود المادي.

3- تعريف المكان عند الفلاسفة

يزعم الفلاسفة المشائون كأرسطو (أرسطاطاليس) وأتباعه مثل أبي نصر الفارابي وأبي علي الحسين بن سينا، أن المكان او الحيز هو “السطح الباطن من الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي”. وبعبارة أخرى هو “سطح الجسم الحاوي المماس للسطح المحاط”. فالمكان عندهم كالحاوية، وهو شئ مادي موجود، و ليس مجرد فراغ بل هو سطح مرتبط بوجود الجسم ذاته.

وأما أفلاطون والحكماء الإشراقيون الذين يزعمون أنهم اكتسبوا العلم بإشراق الباطن بالرياضات، فالمكان عندهم عبارة عن شئ موجود غير مادي – أي جسم لطيف – قائم بذاته. وسموه بُعدا مفطورا بالفاء للفطرة على معرفته بالبداهة. كما هو مذكور في شرح السّيد على المواقف.

وهذا الادعاء ردّه السعد في شرح المقاصد بأنه لو كان كذا لاحتاج لمحل يحل فيه ويتسلسل.

4- تعريف المكان عند جمهور المتكلمين

ذهب جمهور المتكلمين إلى اعتبار أن المكان هو فراغ أو خلاء متوهم لا يقوم بذاته استقلالا. و الفراغ عندهم هو أمر عدمي لا وجود له إلا في الذهن. فإذا قام المكان بعين من الأعيان فوجوده عندها متحقق وليس مجرد أمر ذهني.

قال الشريف الجرجاني في التعريفات: الحيز: عند المتكلمين هو ‌الفراغ ‌المتوهم الذي يشغله شيء ممتد، كالجسم، أو غير ممتد، كالجوهر الفرد.

وقال المناوي في التوقيف على مهمات التعاريف: المكان: عند الحكماء: السطح الباطن من الجسم الحاوي للمماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي. وعند المتكلمين: ‌الفراغ ‌المتوهم الذي يشغله الجسم وينفذ فيه أبعاده. انتهى

وقال عصام الدين المولوي في كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم: الحيّز والمكان واحد عند من جعل المكان السطح أو البعد المجرّد المحقّق، وكذا عند المتكلّمين. إلّا أنّه بمعنى البعد المتوهم. انتهى

وعليه فأصل المكان عند المتكلمين هو الحيز الخالي من الشاغل -أي الجسم- . ففي هذه الحالة المكان هو مجرد وهم، ولا يعدو أن يكون “عدماً محضاً” أو وجودا ذهنيا، من غير أن يكون موجودا في الخارج.

وبالتالي، فإن القول بوجود “فراغ” مستقل يُعد في نظرهم وهماً لا واقع له.

ثم إن حصل وامتلأ المكان بجوهر أو بجسم، فهو في تلك الحالة ليس خاليًا عن الشاغل. فلا يعتبر المكان في تلك الحالة مجرد فراغ أو وهم، بل هو موجود في الواقع حقيقة، سواء كان بين جسمين يتلامسان أو بين جسمين لا يتلامسان، مثل الهواء يملأ الفضاء بينهما.

وهذا قول إمام الحرمين في الشامل – راجع الصور المرفقة-

وقد استغنى بعض المتكلمين عن ذكر عبارة “الفراغ المتوهم” في تعريف المكان لأجل كونه تارة متوهما، وكونه تارة وجوديا،

كالبَياضي الحنفي، في إشارات المرام في علم الكلام، حيث قال عن المكان هو “الفراغ الذي يشغله الجسم”. انتهى

وقال الشيخ يوسف بن سعيد الصفتي المالكي ما نصه: ” قال أهل السُّنة المكان هو الفراغ الذي يحُلُّ فيه الجسم”. انتهى

وقال الشيخ الدسوقي في شرحه على أم البراهين عند تعريف الحيّز بأنه: ” ما شغل الجسم قدر ذاته من الفراغ”

https://www.facebook.com/share/p/18N2XY7nD7/

5- بيان اختلاف تعريف المكان بين المتكلمين والفلاسفة ذكره الكثير من متأخري الأشعرية

أ- قال التفتازاني في شرحه على العقائد النسفية ما نصه: ” (ولا يتمكن فى مكان) لان التمكن عبارة عن نفوذ بعد فی بعد آخر متوهم او متحقق يسمونه المكان “. انتهى

وهذا معناه أن التمكن هو نفوذ بعد متحقق سواء كان جسما أو جوهرا في بعد متوهم – أي أن العقل توهم وجوده قبل نفاذ الجسم فيه، فإذا نفذ فيه تحقق وجوده عندئذ – أو متحقق عند الفلاسفة القائلين بالسطح

ب- قال الكستلي في حاشيته على شرح العقائد للتفتازاني ما نصه: ( قوله فى بعد آخر متوهم ) كما ذهب اليه المتكلمونَ او متحقق على ما اختاره افلاطون ( قوله و البعد عبارة عن امتداد ) موهوم عند المتكلمين محقق عند الفلاسفة، قائم بالجسم البتة عند المشائين او قائم بنفسه ايضا عند القائلين بان المكان عبارة عن بعد موجود مجرد. فمنهم من أحال خلوه عن الشاغل ومنهم من جوز ذلك وهم القائلون بوجود الخلاء “. انتهى

ج- قال البيجوري في حاشيته على جوهرة التوحيد: ” والمراد بالمكان، الفراغ الموهوم على رأي المتكلمين، والمحقق في راي الحكماء، ومعنى كونه موهوماً عند المتكلمين أنه يُتوهم أنه أمر وجودي وليس كذلك، بل هو أمر عدمي. وقيل معنى كونه موهوما أنه يتوهم أنه فراغ وليس كذلك، بل هو مملوء بالهواء فليس فراغا محققا”. انتهى

وكلام البيجوري هو في تعريف ماهية المكان، والا فهو لا ينفي كونه موجودا في الخارج بل هو واجب للجسم، حيث قال: والواجب قسمان، ضروري كتحيز الجرم أي أخذه قدرا من الحيز، وهو المكان، فإنه مادام الجرم موجودا، يجب أن يتحيز، فهو واجب مقيد بدوام الجرم”. انتهى

7- تنبيهات هامة:

– أولا : من زعم أن لله مكاناً أزلياً غير مخلوق كالخلاء أو الهواء، فقد جعل لله شريكاً في الأزل، وهذا شرك وكفر صريح، ولو ادّعى أن ذلك المكان ليس من هذا العالم.

– ثانيا: قالَ الإِمامُ ابنُ حَبَّانٍ في كَلامِهِ على حَديثِ: “أَيْنَ كانَ رَبُّنا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ؟ قالَ: في عَمَاءٍ، ما فَوْقَهُ هَوَاءٌ وَما تَحْتَهُ هَوَاءٌ”، “قالَ أبو حاتمٍ رضيَ اللهُ تعالى عَنْهُ: وَهِمَ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ مِنْ حَيْثُ “في غَمَامِ”، إِنَّما هُوَ “في عَمَاءِ” يُرِيدُ بِهِ: أَنَّ الخَلْقَ لا يَعْرِفُونَ خَالِقَهُمْ مِنْ حَيْثُ هُمْ، إِذْ كانَ لا زَمَانٌ وَلا مَكَانٌ، وَمَنْ لا يُعْرَفُ لَهُ زَمَانٌ، وَلَا مَكَانٌ، وَلَا شَيْءٌ مَعَهُ، لِأَنَّهُ خَالِقُهَا، كانَ مَعْرِفَةُ الخَلْقِ إِيَّاهُ، كَأَنَّهُ كانَ في عَمَاءٍ عَنْ عِلْمِ الخَلْقِ، لا أَنَّ اللَّهَ كانَ في عَمَاءِ، إِذْ هذا الوَصْفُ شَبيِهٌ بأوصافِ المَخلوقين”. انتهى

راجع كتاب الإحسانُ في تقريبِ صَحِيحِ ابنِ حَبَّانِ

– ثالثا: أثر شريك في ” الإسراء و المعراج ” المروي في صحيح البخاري : “فَعَلاَ بِهِ إِلَى الْجَبَّارِ، فَقَالَ وَهْوَ مَكَانَهُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَنَّا….”.

فلا يوجد في الرواية تصريح بإضافة المكان إلى الله، والا فالضمير في قوله: “وهو مكانه” عائد إلى الرسول صلى الله عليه و سلم أي: وهو في مكانه الذي أوحى الله إليه فيه قبل نزوله إلى موسى

قال الحافظ ابن حجر في الفتح: “وليس في السياق تصريح بإضافة المكان إلى الله تعالى”. انتهى

– رابعا: لا معارضة بين قول الله تعالى: الرحمان على العرش استوى ، وبين قول أهل السنة والسلف الصالح أن الله موجود بلا مكان، فإثبات علو الله عز وجل لا يستلزم تحيزاً كما يتوهم الحشوية، فالعلو في الشريعة ثابت، ولكن من غير أن يُفهم بمقاييس المخلوقين أو بحدود المكان المخلوق.

والا فإن المجسمة لا يفهمون من لفظ الاستواء الا الجلوس والقعود والاستقرار والاستلقاء، ومن العلو الا التخيز فوق العرش.

مَعنَى الحَيِّزِ وَعَلَاقَتُهُ بِالمَكَانِ


❖ الحَيِّزُ عِندَ المُتَكَلِّمِينَ هُوَ البُعدُ المَوهُومُ الَّذِي يَشغَلُهُ الجِسمُ وَتَنفُذُ فِيهِ أَبعَادُهُ، وَإِنَّمَا سَمَّوهُ مَوهُومًا لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ وَحدَهُ مُنفَكًّا فِي الخَارِجِ، بَل يَلحَظُهُ العَقلُ عِندَ مُلَاحَظَةِ الجِسمِ وَامتِدَادِهِ.
❖ فَالعَقلُ يُجَرِّدُ مَعنَى التَّحَيُّزِ، ثُمَّ يُرَتِّبُ عَلَيهِ أَحكَامَهُ، فَيَحكُمُ عَلَى الجِسمِ بِالمَحدُودِيَّةِ وَالافتِقَارِ مِن حَيثُ كَونُهُ مُتَحَيِّزًا، سَوَاءٌ قِيلَ فِي حَقِيقَةِ الجِسمِ إِنَّهُ مُتَأَلِّفٌ مِن جَوَاهِرَ فَردَةٍ، أَو مِن هَيُولَى وَصُورَةٍ، أَو غَيرِ ذٰلِكَ مِمَّا يَذكُرُهُ النُّظَّارُ. فَالعِبرَةُ فِي الحُكمِ هُنَا بِأَصلِ التَّحَيُّزِ، وَالتَّحَيُّزُ مُستَلزِمٌ لِلحَدِّ وَالمِقدَارِ وَالافتِقَارِ.
❖ وَأَمَّا الجِهَةُ فَهِيَ مِنَ الأُمُورِ النِّسبِيَّةِ الإِضَافِيَّةِ، لَا تُعقَلُ إِلَّا بِمُلَاحَظَةِ أَمرَينِ: مُتَحَرِّكٍ أَو مُتَوَجِّهٍ، وَمَقصَدٍ أَو حَدٍّ يُتَوَجَّهُ إِلَيهِ. فَالمُتَحَيِّزُ يَنتَقِلُ مِن حَيِّزٍ إِلَى حَيِّزٍ، وَيَقصِدُ فِي حَرَكَتِهِ حَدًّا أَو حَيِّزًا، فَيُسَمَّى ذٰلِكَ بِالنِّسبَةِ إِلَيهِ جِهَةً.
❖ وَلِذٰلِكَ فَالحَيِّزُ وَالجِهَةُ وَالحَدُّ وَالحَرَكَةُ أُمُورٌ مُتَلَازِمَةٌ فِي حَقِّ الأَجسَامِ وَالمُتَحَيِّزَاتِ، لَا فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، الَّذِي لَيسَ بِجِسمٍ وَلَا عَرَضٍ، وَلَا يَحُلُّ فِي مَكَانٍ، وَلَا تَجرِي عَلَيهِ أَحكَامُ المَحدُودَاتِ.

لَيسَ مِن شَرطِ المَكَانِ أَن يَكُونَ جِسمًا صُلبًا


❖ قَالَ أَهلُ الحَقِّ نَصَرَهُمُ اللهُ فِي بَيَانِ المَكَانِ: «لَيسَ مَعنَى المَكَانِ مَا يَتَّصِلُ جِسمٌ بِهِ عَلَى أَن يَكُونَ الجِسمَانِ مَحسُوسَينِ فَقَط، بَلِ الفَرَاغُ الَّذِي إِذَا حَلَّ فِيهِ الجِرمُ شَغَلَ غَيرَهُ عَن ذٰلِكَ الفَرَاغِ مَكَانٌ لَهُ، كَالشَّمسِ مَكَانُهَا الفَرَاغُ الَّذِي تَسبَحُ فِيهِ».
❖ فَلَيسَ مِن شَرطِ المَكَانِ أَن يَكُونَ جِسمًا صُلبًا مُتَّصِلًا بِالمُتَمَكِّنِ، بَلِ الفَرَاغُ الَّذِي يَشغَلُهُ الجِرمُ مَكَانٌ لَهُ وَحَيِّزٌ. فَالشَّمسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ تَسبَحُ فِي فَرَاغٍ، وَذٰلِكَ الفَرَاغُ مَكَانُهَا وَحَيِّزُهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسبَحُونَ (33)﴾.
❖ وَقَولُنَا: إِنَّ مَكَانَنَا الأَرضُ، مَعنَاهُ أَنَّنَا مُتَحَيِّزُونَ حَيثُ تَتَحَيَّزُ الأَرضُ، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ الأَرضَ عَرَضٌ قَامَ بِنَا، بَل مَعنَاهُ أَنَّ لَنَا حَيِّزًا مُتَّصِلًا بِحَيِّزِ الأَرضِ.
❖ وَكَذٰلِكَ إِذَا قِيلَ: إِنَّ المَلَائِكَةَ مُتَحَيِّزَةٌ فِي السَّمَاءِ، فَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ السَّمَاءَ عَرَضٌ، بَلِ السَّمَاءُ جَوهَرٌ لَهُ حَيِّزٌ وَمَكَانٌ، وَالمَعنَى أَنَّ لِلمَلَائِكَةِ حَيِّزًا مُتَّصِلًا بِحَيِّزِ السَّمَاءِ.
❖ فَالمَكَانُ وَالحَيِّزُ فِي هٰذَا المَقَامِ يَرجِعَانِ إِلَى مَعنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ الفَرَاغُ الَّذِي يَشغَلُهُ الجِسمُ، أَو مَا يَملَؤُهُ الحَجمُ مِنَ الفَرَاغِ. وَقَد يُطلَقُ المَكَانُ أَيضًا عَلَى المَوضِعِ الَّذِي فِيهِ الشَّيءُ، كَمَا يُقَالُ: مَكَانُنَا الأَرضُ، وَالشَّمسُ مَكَانُهَا السَّمَاءُ، وَكُلُّ ذٰلِكَ مَخلُوقٌ.
❖ فَالمَكَانُ هُوَ الحَيِّزُ الَّذِي يَملَؤُهُ الجِسمُ مِنَ الفَرَاغِ، وَقَد يُطلَقُ المَكَانُ عَلَى غَيرِ الحَيِّزِ، فَيُرَادُ بِهِ المَوضِعُ الَّذِي فِيهِ الشَّيءُ، كَمَا يُقَالُ: مَكَانُنَا الأَرضُ، وَالشَّمسُ مَكَانُهَا السَّمَاءُ. فَيُطلَقُ المَكَانُ عَلَى هٰذَا وَعَلَى هٰذَا، وَكِلَاهُمَا مَخلُوقٌ. وَالحَيِّزُ بِهٰذَا الاعتِبَارِ هُوَ المَكَانُ، سَوَاءٌ كَانَ جِسمًا صُلبًا كَالأَرضِ، أَو كَانَ فَرَاغًا تَتَحَيَّزُ فِيهِ الأَجرَامُ؛ فَالعَرشُ وَالنُّجُومُ وَالشَّمسُ وَالقَمَرُ مُتَحَيِّزَاتٌ فِي الفَرَاغِ، وَكَذٰلِكَ السَّمَوَاتُ السَّبعُ وَالأَرضُ، فَكُلُّ ذٰلِكَ دَاخِلٌ فِي حُكمِ المَخلُوقِ المَحدُودِ الَّذِي يَقبَلُ الحَيِّزَ وَالمِقدَارَ، وَلَا يَجُوزُ أَن يُجعَلَ شَيءٌ مِن ذٰلِكَ وَصفًا لِلَّهِ تَعَالَى.

بَيَانُ مَعنَى الخَلَاءِ وَالفَرَاغِ


❖ أَمَّا الخَلَاءُ، فَإِن أُرِيدَ بِهِ تَقدِيرُ فَرَاغٍ مَكَانِيٍّ لَا تَشغَلُهُ الأَجسَامُ مُطلَقًا عَلَى وَجهٍ يَقُومُ بِنَفسِهِ، فَهٰذَا لَا يَكُونُ؛ لِأَنَّ المَكَانَ عَرَضٌ لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ. وَإِن أُرِيدَ بِهِ فَرَاغٌ لَا تَشغَلُهُ الأَجسَامُ الصُّلبَةُ، كَمَا بَينَ الأَرضِ وَالسَّمَاءِ، وَبَينَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ، وَبَينَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالعَرشِ، فَهٰذَا مَعنًى صَحِيحٌ فِي حَقِّ المَخلُوقَاتِ.
❖ وَهٰذَا الفَرَاغُ عِندَ أَهلِ الحَقِّ مُتَنَاهٍ، فَلَيسَ وَرَاءَ العَالَمِ فَرَاغٌ لَا نِهَايَةَ لَهُ، كَمَا لَيسَ وَرَاءَهُ أَجرَامٌ مُتَوَاصِلَةٌ بِلَا نِهَايَةٍ، بَل حَيثُ يَنتَهِي حَدُّ العَالَمِ تَنتَهِي الأَجسَامُ وَالأَعرَاضُ وَالمَلَاءُ وَالخَلَاءُ.

نَقضُ دَعوَى أَنَّ المَكَانَ اعتِبَارِيٌّ لَا وُجُودَ لَهُ


❖ إِذَا تَقَرَّرَ هٰذَا، قِيلَ لِمَن يَزعُمُ أَنَّ المَكَانَ أَمرٌ اعتِبَارِيٌّ لَا وُجُودَ لَهُ أَصلًا: إِنَّ كَلَامَكُم هٰذَا لَا يَستَقِيمُ، بَل هُوَ نَقضٌ لِمَا تَدَّعُونَهُ؛ فَإِن كَانَ المَكَانُ عِندَكُم شَيئًا اعتِبَارِيًّا لَا وُجُودَ لَهُ، فَلِمَاذَا تُنكِرُونَ عَلَى مَن يَنفِي المَكَانَ عَنِ اللهِ تَعَالَى؟
❖ إِذ نَفيُ مَا لَا وُجُودَ لَهُ لَيسَ مَحَلًّا لِلإِنكَارِ أَصلًا، بَل يَكُونُ كَلَامُكُم مُؤَدِّيًا إِلَى أَنَّ المَكَانَ مَنفِيٌّ عَنِ اللهِ وَعَنِ المَخلُوقَاتِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ مَا لَا وُجُودَ لَهُ لَا يُوصَفُ بِهِ شَيءٌ عَلَى الحَقِيقَةِ.
❖ ثُمَّ إِنَّ قَولَكُم: «المَكَانُ أَمرٌ اعتِبَارِيٌّ» إِن أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ أَصلًا، لَزِمَكُم أَن تَقُولُوا: إِنَّ المَخلُوقَ أَيضًا لَيسَ فِي مَكَانٍ، وَهٰذَا بَاطِلٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الأَجسَامَ المَخلُوقَةَ لَهَا حُدُودٌ وَغَايَاتٌ وَجِهَاتٌ، فَيُقَالُ فِي حَقِّهَا: هٰذَا فَوقَ كَذَا، وَهٰذَا تَحتَ كَذَا، وَهٰذَا عَن يَمِينِ كَذَا، وَهٰذَا عَن شِمَالِ كَذَا، بِحَسَبِ مَا لَهَا مِنَ الحُدُودِ وَالأَقدَارِ وَالنِّسَبِ.
❖ فَإِذَا نَفَيتُمُ المَكَانَ بِهٰذَا المَعنَى عَنِ المَخلُوقَاتِ، كَانَ هٰذَا مُكَابَرَةً لِلمَحسُوسِ، وَإِن أَثبَتُّمُوهُ لَهَا، فَقَد أَقرَرتُم بِأَنَّ المَكَانَ لَهُ اعتِبَارٌ فِي حَقِّ ذَوَاتِ الحُدُودِ وَالأَجرَامِ، لَا فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى.

الفَرقُ بَينَ الخَالِقِ وَالمَخلُوقِ


❖ الفَرقُ بَيِّنٌ بَينَ الخَالِقِ وَالمَخلُوقِ؛ فَالمَخلُوقُ جِسمٌ أَو قَائِمٌ بِجِسمٍ، لَهُ حَدٌّ وَمِقدَارٌ وَنِهَايَةٌ، فَتَصِحُّ عَلَيهِ النِّسَبُ المَكَانِيَّةُ مِن فَوقٍ وَتَحتٍ وَيَمِينٍ وَشِمَالٍ وَدُخُولٍ وَخُرُوجٍ وَقُربٍ وَبُعدٍ حِسِّيٍّ.
❖ أَمَّا اللهُ تَعَالَى فَلَيسَ جِسمًا، وَلَا تَحُدُّهُ الحُدُودُ، وَلَا تُدرِكُهُ الغَايَاتُ، وَلَا يَحِلُّ فِي شَيءٍ، وَلَا يَحتَاجُ إِلَى شَيءٍ، وَلَا تَجرِي عَلَيهِ أَحكَامُ الأَجسَامِ. فَكَيفَ يُوصَفُ بِأَنَّهُ فِي جِهَةٍ حِسِّيَّةٍ، أَو أَنَّهُ عَن يَمِينِ شَيءٍ أَو شِمَالِهِ، أَو فَوقَهُ فَوقِيَّةً مَكَانِيَّةً، مَعَ أَنَّ هٰذِهِ كُلَّهَا مِن لَوَازِمِ ذَوَاتِ الحُدُودِ وَالمَقَادِيرِ؟
❖ وَمَن قَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى فَوقَ العَالَمِ بِذَاتِهِ فَوقِيَّةً مَكَانِيَّةً، لَزِمَهُ أَن يَجعَلَ اللهَ تَعَالَى مُقَابِلًا لِلعَالَمِ، وَأَن يَجعَلَ بَينَهُ وَبَينَ خَلقِهِ نِسبَةً مَكَانِيَّةً، وَهٰذَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِمَا لَهُ حَدٌّ وَغَايَةٌ.
❖ وَإِن قَالَ: لَا أَعنِي مَكَانًا وَلَا جِهَةً وَلَا حَدًّا، فَقَد رَجَعَ إِلَى تَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَنِ المَكَانِ وَالجِهَةِ، وَسَقَطَ إِنكَارُهُ عَلَى أَهلِ التَّنزِيهِ. فَإِنَّ الفَوقِيَّةَ المَكَانِيَّةَ لَا تُعقَلُ إِلَّا بِحَدٍّ وَمُقَابَلَةٍ وَنِسبَةٍ، وَأَمَّا عُلُوُّ اللهِ تَعَالَى فَهُوَ عُلُوُّ القَدرِ وَالقَهرِ، لَا عُلُوُّ مَكَانٍ وَمَسَافَةٍ.

6- تعريف المكان عند المجسمة و رد بعض شبه المجسمة حول المكان

مذهب المجسّمة أن الله في مكان دون مكان ، أي هو في العلو الحسي، لا أن المكان يحيط به عز وجل، لأن الله لا يحيط به شيء من مخلوقاته. ، وهذا المعتقد الفاسد يُفضي إلى القول بأن الله عز وجل جسم متحيز قطعا، وإن أنكروا لوازم قولهم.

وقد ناقش المتكلمون هذا الإشكال من خلال الاستدلال العقلي والنقلي، مؤكدين أن المكان لا يمكن أن يُنسب إلى الله، لأنه من لوازم الأجسام الحادثة. وهذا ما كان عليه سلف الأمة.

راجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/1FeAQDRNMo/

فاذا قال المجسم: إذا كان العرش في مكان، فالمكان الذي حوى العرش أين مكانه؟ يريد التسلسل، فالجواب القاطع له أن المكان عرض لازم يقوم بالجسم ولا يفتقر إلى أعراض أخرى. فالمكان هنا ليس شيئاً قائماً بذاته، بل هو من أعراض العرش، و هذا العرض ليس بحاجة إلى مكانٍ آخر بعد قيامه بالعرش ولا إلى غيره من الأعراض، فلا يلزم التسلسل.

وإذا قال المجسم أيضا: قولكم أن الله موجود بلا مكان أي أن الله موجود بلا فراغ متوهم، أي أن وجوده ذهني وهذا انكار لوجود الله.

وجواب ذلك أن المكان له معنيان:

الأول: المكان هو الجرم الذي استقر عليه جرم آخر.

ومعنى قول أهل السنة أن الله موجود بلا مكان معناه أنه موجود ليس كالموجودات، فليس هو جسما ولا يحتاج لجسم آخر حتى يستقر عليه.

الثاني: المكان هو العرض الذي قام بجسم. و معنى قول أهل السنة أن الله موجود بلا مكان، هو أنه ليس جرما تقوم به الأعراض الحادثة.

و على القول بأن المكان هو الحيز المتوهم، فمعنى ذلك عند أهل السنة أنه متوهم إذا خلى من جرم، وأما إذا شغله جرم فهو وجودي قطعا. وبما أن الله ليس جسما فمعنى قول المسلمين: الله موجود بلا مكان، أي لا مناسبة بينه وبين الفراغ المتوهم أو الخلاء او العدم أو حتى الأمكنة الوجودية.

فالعرش له مكان وهو العلو على سائر الخلق، وهذا أمر ثابت في الشرع، فهو مكان وجودي، وليس مجرد أمر ذهني. والا فانكار مكان العرش وهو العلو، تكذيب للشرع.

وزعم شيخ المجسمة ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية أن الحيز/ المكان هو أمر عدمي في الخارج و الواقع، و لا وجود له في غير الذهن، ونسب ذلك للجمهور بزعمه. ثم أتى بقول ما سبقه به أحد من العالمين وهو قوله أن الله في مكان عدمي غير مخلوق.

وهذا محض افتراء، فالجمهور فصّلوا و قالوا أن المكان هو أمر عدمي إذا لم يقم بجسم فيمكن توهمه في الذهن أو تقديره فقط من غير أن يكون موجودا في الخارج، و أما إذا قام بجسم فهو موجود في الواقع، حقيقة. وهذا قول الفخر الرازي في المطالب العالية و إمام الحرمين في الشامل.

وقد رد محققو الأشاعرة وغيرهم من أهل السنّة على هذا التصور، مؤكدين أن المكان لازم للأجسام المخلوقة، وأنه لا ينفك عنها من حيث الوجود، مما يجعله عرضاً مخلوقاً، وليس مجرد اصطلاح ذهني.

ويُستدل على هذا المعنى بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “كان الله ولا شيء معه”، وهو نصّ صريح في إثبات أن الله كان موجودًا في الأزل من غير وجود جواهر و لا أعراض، وبالتالي من غير وجود مكان لأن المكان كما أسلفنا هو عرض و أيضا شىء من الأشياء.

وأما على أصول المجسمة فإن الله في الأزل كان في مكان وبالتالي فهو جسم لأن المكان من لوازم الأجسام.

ولا معنى لقول ابن تيمية أيضا أن الله في مكان عدمي.

قال الفخر الرازي أيضا في مفاتيح الغيب عند تفسيره لسورة الأعراف: ” العدم نفي محض ، وعدم صرف ، وما كان كذلك امتنع كونه ظرفا لغيره وجهة لغيره”. انتهى

وكلام ابن تيمية مآله أيضا القول بأن الله نفسه معدوم والعياذ بالله، فكيف يصح القول بأن العدم ظرف لشىء موجود؟

و كيف يصح القول بوجود مكان عدمي فوق العرش ؟

هذا تناقض، إذ لا يصح وجود ما هو عدمي.

وزيادة على ذلك فإنه يوجد فوق العرش – الذي يزعم ابن تيمية أنه المكان العدمي- كتاب خلقه الله كُتب فيه: ان رحمتي سبقت غضبي. وهذا يدل أن فوق العرش مكان.

العجيب أن ابن تيمية نفسه صرح في تفسيره لسورة الأعلى بأن العرش ليس محلا ولا ظرفا لله عز وجل حيث قال: “والسلف والأئمة وسائر علماء السنة إذا قالوا ” إنه فوق العرش وإنه في السماء فوق كل شيء ” لا يقولون إن هناك شيئا يحويه أو يحصره أو يكون محلا له أو ظرفا ووعاء سبحانه وتعالى عن ذلك بل هو فوق كل شيء وهو مستغن عن كل شيء وكل شيء مفتقر إليه . وهو عال على كل شيء وهو الحامل للعرش ولحملة العرش بقوته وقدرته . وكل مخلوق مفتقر إليه وهو غني عن العرش وعن كل مخلوق “. انتهى

راجع المقالات التالي:

https://www.facebook.com/share/p/1587LDmZgY/

الفَرقُ بَينَ جِهَاتِ المَخلُوقِ وَتَنزِيهِ الخَالِقِ


❖ مِن هُنَا يُعلَمُ أَنَّ مَا يُقَالُ مِن فَوقٍ وَتَحتٍ وَيَمِينٍ وَشِمَالٍ وَأَمَامٍ وَخَلفٍ إِنَّمَا يَصِحُّ فِي حَقِّ مَا لَهُ حَدٌّ وَجِرمٌ وَقَدرٌ وَإِمكَانُ إِشَارَةٍ حِسِّيَّةٍ.
❖ فَالحَيَوَانُ لَمَّا أَمكَنَهُ أَن يَتَحَرَّكَ إِلَى سِتِّ جِهَاتٍ، صَارَ يُقَالُ فِي حَقِّهِ: لَهُ سِتُّ جِهَاتٍ وَالأَجسَامُ غَيرُ المُتَحَرِّكَةِ بِالإِرَادَةِ، كَالحَجَرِ وَالنَّارِ وَالهَوَاءِ وَالتُّرَابِ وَالمَعَادِنِ، يُقَالُ فِيهَا بِاعتِبَارِ طَبِيعَتِهَا وَمَا يَعرِضُ لَهَا مِنَ الحَرَكَةِ: إِنَّهَا تَتَوَجَّهُ إِلَى عُلوٍ أَو سُفلٍ، وَكُلُّ ذٰلِكَ إِضَافِيٌّ مَرجِعُهُ إِلَى أَحكَامِ الأَجسَامِ.
❖ فَمَن زَعَمَ أَنَّ كُلَّ مَوجُودٍ لَا بُدَّ أَن يَكُونَ فِي جِهَةٍ، فَقَد قَاسَ الحقَّ عَلَى الشَّاهِدِ، وَجَعَلَ حُكمَ الخَالِقِ كَحُكمِ المَخلُوقِ، وَهٰذَا أَصلُ التَّشبِيهِ.

مَنشَأُ الخَبطِ فِي إِعطَاءِ الغَائِبِ حُكمَ الشَّاهِدِ


❖ وَمَنشَأُ الخَبطِ هٰهُنَا إِنَّمَا هُوَ مِنَ الوَهمِ، حَيثُ يُعطِي الغَائِبَ حُكمَ الشَّاهِدِ، وَيَحكُمُ عَلَى غَيرِ المَحسُوسِ بِمَا حَكَمَ بِهِ عَلَى المَحسُوسِ، وَهٰذَا حُكمٌ كَاذِبٌ غَيرُ صَادِقٍ؛ فَإِنَّ الوَهمَ قَد يَرتَمِي إِلَى أَنَّهُ لَا جِسمَ إِلَّا فِي مَكَانٍ بِنَاءً عَلَى الشَّاهِدِ، مَعَ أَنَّ العَقلَ يَشهَدُ بِأَنَّ العَالَمَ لَيسَ فِي مَكَانٍ؛ لِأَنَّ البُرهَانَ قَد دَلَّ عَلَى نِهَايَتِهِ.
❖ وَقَد يَشتَدُّ الوَهمُ بِبَعضِ النَّاسِ حَتَّى يَقضِيَ بِهِ عَلَى العَقلِ، وَذٰلِكَ كَمَن يَنفِرُ مِنَ المَبِيتِ فِي بَيتٍ فِيهِ مَيِّتٌ؛ لِتَوَهُّمِهِ أَنَّهُ يَتَحَرَّكُ أَو يَقُومُ، مَعَ أَنَّ عَقلَهُ يَقضِي بِانتِفَاءِ ذٰلِكَ. فَإِذًا اللَّبِيبُ مَن تَرَكَ الوَهمَ جَانِبًا، وَلَم يَتَّخِذ غَيرَ البُرهَانِ وَالدَّلِيلِ صَاحِبًا.
❖ وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ مُستَنَدَ هٰذَا الحُكمِ لَيسَ إِلَّا مُجَرَّدَ الوَهمِ، فَطَرِيقُ كَشفِ الخَيَالِ إِنَّمَا هُوَ النَّظَرُ فِي البُرهَانِ؛ فَإِنَّا قَد بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِن مَوجُودٍ هُوَ مُبدِئُ الكَائِنَاتِ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَن يَكُونَ لَهُ مِثلٌ مِنَ المَوجُودَاتِ، لَا شَاهِدًا وَلَا غَائِبًا، وَمَعَ تَسلِيمِ هَاتَينِ القَاعِدَتَينِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَا يَقضِي بِهِ الوَهمُ لَا حَاصِلَ لَهُ.
❖ ثُمَّ إِنَّهُ لَو لَزِمَ أَن يَكُونَ اللهُ تَعَالَى جِسمًا كَمَا فِي الشَّاهِدِ، لَلَزِمَ أَن يَكُونَ حَادِثًا كَمَا فِي الشَّاهِدِ، وَهٰذَا مُمتَنِعٌ؛ لِمَا تَقَرَّرَ مِن أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ، خَالِقُ الأَجسَامِ وَالأَمكِنَةِ وَالجِهَاتِ، فَلَا يَجُوزُ أَن يُحكَمَ عَلَيهِ بِأَحكَامِ مَا خَلَقَ.

الأصول الفلسفية لدعوى المكان العدمي إشكالية المكان العدمي في العقيدة الحشوية

يزعم بعض المنتسبين إلى التجسيم وجود نوعٍ من الأمكنة يسمّى “الحيز العدمي”. وهو ليس شيئًا موجودًا، بل “عدم ممتدّ”، أي خلاء خالٍ من المادة. ثم يبنون على هذا التصوّر المبتدع القول بأن الله تعالى فوق العالم في “مكان عدمي” لا يندرج تحت المخلوقات، لينفصلوا بذلك عن القول بأن الله تعالى في مكان موجود مخلوق.

وهذا التصوّر من حيث البناء المنطقي والعقلي والشرعي باطل، لأن الامتداد خاصّ بالوجود لا بالعدم. فالممتدّ هو ما كان ذا طول وعرض وعمق، وهذه كلّها صفات وجودية لا يتّصف بها العدم، لأن العدم لا شيء، واللاشيء لا يُعقل أن يحمل صفات الموجودات.

إذن، القول بــ“عدمٍ ممتدّ” جمعٌ بين النقيضين، وهو من قبيل قول القائل: “جسم بلا حجم لكنه عظيم الحجم”.

فهو تركيب لغوي يُظَنّ أنه مفهوم، لكنه في الحقيقة محال منطقيًا، لأن تصور “الامتداد” يستلزم تصور “الوجود”، ولا يمكن فرض امتداد لشيء لا وجود له أصلًا.

ثم إن كل ممتدّ مركّب من أبعاد، وكل ما له أبعاد فهو حادث.

فإن سلّم الحشوي بأن “العدم ممتدّ”، فقد جعله جسمًا ذا أبعاد، أي شيئًا موجودًا، وبالتالي يصبح “المكان العدمي” عنده مخلوقًا محدودًا، وهو بالضبط ما كان يحاول نفيه.

فالمحاولة إذن تناقض ذاتها، ولا تنتج إلا مزيدًا من الإلزام بالتجسيم.

وأما محاولة بعضهم تفسير “العدم الممتدّ” بأنه خلاء، فهذا خلط بيّن بين مفهومين متضادين:

– العدم: لا وجود له أصلًا، ولا يُتصوّر فيه امتداد، ولا يُنسب إليه فوق أو تحت.

– الخلاء: مكان موجود، حقيقي، مخلوق، لكنّه خالٍ من الأجسام.

فالخلاء يتصف بالوجود ، والعدم لا وجود، وبالتالي فجعْل العدم خلاء أو الخلاء عدمًا مغالطة مفهومية، لأنهما لا يشتركان في أي خاصية بنيوية تسمح بتوحيدهما في مفهوم واحد.

وأما محاولة بعضهم الآخر تفسير “المكان العدمي” بأنه العَمَاء، فهو باطل، لأن العماء في لغة العرب، سحاب كثيف مظلم.، وهو شيء موجود ، وليس عدمًا. وتسوية الشيء بالعدم خطأ عقلي ولغوي.

فلما كان العَمَاء “سحابًا” أو “ضبابًا لطيفًا”، فهذا جسم له حجم وامتداد. والجسم الحادث مخلوق. فإذا جعلوا الله في “عماء”، فقد جعلوا الله في مخلوق. وهذا عندهم كفر. فكيف ينسبونه لله؟

وزيادة على ذلك فإن العَمَاء شيء مرئي أو متخيّل. والعدم لا يُرى ولا يُتخيَّل. فخلطهما تناقض بيّن.

وزيادة على كل ما تقدم، فإن الإضافة لا تصح إلا بين موجودين.

فلا يقال: “فوق العدم”، أو “إلى جانب العدم”، أو “في العدم”، لأن هذه التراكيب تفترض طرفًا يمكن الإشارة إليه، بينما العدم لا يقبل الإشارة .

وعليه فقول القائل: “الله فوق العدم” مجرد سفسطة، ولا يختلف منطقيًا عن قول آخر: “الله فوق اللاشيء”، وهو كلام لا معنى له، ولا يفيد في نفي الحدّ أو الجهة، بل يزيد الطرح إشكالًا.

بل إن هذا الاصطلاح مجرد مصطلح فلسفي روّج له ابن رشد الحفيد، وهو تركيب وُضع لأجل التخلص من لازم القول بالتجسيم، فمحاولة اختراع “مكان ليس بمكان” هي في حقيقتها محاولة لإخفاء التجسيم بعبارات متلونة.

فمن يثبت لله تعالى جهة فوق، ثم يقول إن هذه الجهة ليست مخلوقة ولا موجودة بل هي “عدمية ممتدة”، لم ينفِ المكان عن الله، بل أثبت له مكانًا لكنه سمّاه عدمًا.

والنتيجة واحدة:

إثبات التحيّز والحدّ والجهة لله تعالى، وهو قول مخالف لصريح الكتاب، وأصول التنزيه.

بُطلَانُ قَولِ مَن يَزعُمُ جِهَةً عَدَمِيَّةً أو دَعوَى الفَضَاءِ أَوِ المَكَانِ العَدَمِيِّ فَوقَ العَرشِ


❖ وَمِن شُؤمِ بِدعَةِ المُجَسِّمَةِ أَنَّهُم لَمَّا أُلزِمُوا بِبُطلَانِ قَولِهِم: إِنَّ اللهَ فِي السَّمَاءِ بِمَعنَى أَنَّهُ مُتَحَيِّزٌ فِيهَا، وَقِيلَ لَهُم: مَاذَا تَقُولُونَ فِي السَّمَاءِ، أَهِيَ اللهُ أَم غَيرُ اللهِ؟ وَلَا بُدَّ لَهُم أَن يَقُولُوا: إِنَّهَا غَيرُ اللهِ؛ اضطَرَبُوا فِي الجَوَابِ اضطِرَابًا شَدِيدًا، فَقَالَ بَعضُهُم: أَرَدنَا السَّمَاءَ الَّتِي هِيَ غَيرُ مَخلُوقَةٍ، فَجَعَلُوا غَيرَ اللهِ أَزَلِيًّا، وَهٰذَا كُفرٌ وَضَلَالٌ.
❖ وَقَالَ بَعضُهُم: بَل هُوَ فِي جِهَةٍ عَدَمِيَّةٍ، فَيُقَالُ لَهُم: مَعنَى كَلَامِكُم أَنَّ اللهَ مَوجُودٌ فِي العَدَمِ، وَهٰذَا بَاطِلٌ بِلَا شَكٍّ؛ لِأَنَّ العَدَمَ لَيسَ شَيئًا يُحَلُّ فِيهِ، وَلَا مَوضِعًا يُنسَبُ إِلَيهِ مَوجُودٌ. وَالَّذِي جَاءَ بِهِ الشَّرعُ وَأَيَّدَهُ دَلِيلُ العَقلِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ، فَمَن قَالَ بِخِلَافِ ذٰلِكَ فَقَد وَصَفَ اللهَ بِمَا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَشَبَّهَهُ بِمَخلُوقَاتِهِ، وَخَالَفَ دِينَ التَّنزِيهِ الَّذِي جَاءَت بِهِ الرُّسُلُ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
❖ وَأَمَّا زَعمُهُم أَنَّ اللهَ تَعَالَى فِي الفَضَاءِ الَّذِي وَرَاءَ العَرشِ، أَو فِي جِهَةٍ عَدَمِيَّةٍ، أَو مَكَانٍ عَدَمِيٍّ كَمَا يُعَبِّرُ بَعضُهُم، فَهٰذَا مِن أَظهَرِ التَّنَاقُضِ وَأَبعَدِهِ عَنِ البُرهَانِ الشَّرعِيِّ وَالعَقلِيِّ؛ إِذ يُقَالُ لَهُم: عَلَى أَيِّ دَلِيلٍ مِن كِتَابِ اللهِ أَو سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ أَثبَتُّم وُجُودَ هٰذَا الفَرَاغِ وَرَاءَ العَرشِ؟ وَأَيُّ آيَةٍ أَو حَدِيثٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ وَرَاءَ العَالَمِ فَضَاءً يَحُلُّ فِيهِ الخَالِقُ سُبحَانَهُ؟ فَإِن لَم يَأتُوا بِدَلِيلٍ، عُلِمَ أَنَّ قَولَهُم تَخَرُّصٌ وَتَوَهُّمٌ، لَا يَستَنِدُ إِلَى نَقلٍ صَحِيحٍ وَلَا عَقلٍ صَرِيحٍ.
❖ ثُمَّ يُقَالُ لَهُم: هٰذَا الفَضَاءُ الَّذِي زَعَمتُمُوهُ وَرَاءَ العَرشِ، أَهُوَ أَمرٌ وُجُودِيٌّ أَم أَمرٌ عَدَمِيٌّ؟ فَإِن قَالُوا: هُوَ أَمرٌ وُجُودِيٌّ، قِيلَ لَهُم: أَمَخلُوقٌ هُوَ أَم غَيرُ مَخلُوقٍ؟ فَإِن قَالُوا: مَخلُوقٌ، قِيلَ لَهُم: أَينَ كَانَ اللهُ تَعَالَى قَبلَ أَن يَخلُقَهُ؟ وَإِن قَالُوا: هُوَ أَمرٌ وُجُودِيٌّ لَم يَخلُقهُ اللهُ، قِيلَ لَهُم: هٰذَا تَصرِيحٌ بِإِثبَاتِ مَوجُودٍ غَيرِ اللهِ لَيسَ مَخلُوقًا لَهُ، وَفِيهِ نَقضٌ لِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾، وَهُوَ بَاطِلٌ لَا يَصدُرُ عَمَّن عَرَفَ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللهِ مَخلُوقٌ.
❖ وَإِن قَالُوا: بَل هُوَ فَرَاغٌ عَدَمِيٌّ، قِيلَ لَهُم: فَكَيفَ جَعَلتُمُ العَدَمَ مَكَانًا يُشَارُ إِلَيهِ وَيُعَيَّنُ فَوقَ العَالَمِ؟ وَكَيفَ صَحَّ عِندَكُم أَن تَقُولُوا: مَكَانٌ عَدَمِيٌّ، مَعَ أَنَّ أَوَّلَ العِبَارَةِ يَهدِمُ آخِرَهَا، وَآخِرَهَا يُبطِلُ أَوَّلَهَا؟ فَإِنَّ المَكَانَ مَا يُنسَبُ إِلَيهِ المُتَمَكِّنُ وَيُشَارُ إِلَيهِ، وَالعَدَمُ لَا وُجُودَ لَهُ وَلَا يُشَارُ إِلَيهِ، فَكَيفَ جَمَعتُم بَينَ كَونِهِ مَكَانًا وَكَونِهِ عَدَمًا؟ وَهَل يُشَارُ إِلَى العَدَمِ؟ وَهَل يَصِحُّ أَن يُقَالَ: فَوقَ العَالَمِ مَوضِعٌ عَدَمِيٌّ، ثُمَّ يُجعَلُ ذٰلِكَ المَوضِعُ مَحَلًّا لِنِسبَةِ الخَالِقِ إِلَيهِ؟
❖ وَهٰذَا مِن عَجَائِبِ تَنَاقُضِهِم؛ فَإِنَّهُم لَمَّا ضَاقَ عَلَيهِم إِثبَاتُ المَكَانِ الوُجُودِيِّ، لِأَنَّهُ إِن كَانَ مَوجُودًا فَهُوَ مَخلُوقٌ، وَإِن كَانَ غَيرَ مَخلُوقٍ لَزِمَ إِثبَاتُ قَدِيمٍ مَعَ اللهِ، فَرُّوا إِلَى قَولِهِم: إِنَّهُ مَكَانٌ عَدَمِيٌّ، فَوَقَعُوا فِي تَنَاقُضٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ العَدَمَ لَا يَكُونُ مَكَانًا، وَلَا جِهَةً، وَلَا مَحَلًّا، وَلَا مَقصِدًا لِلإِشَارَةِ. فَإِن جَعَلُوهُ مَكَانًا فَقَد أَثبَتُوا لَهُ حُكمَ الوُجُودِ، وَإِن جَعَلُوهُ عَدَمًا فَقَد نَقَضُوا قَولَهُم بِالمَكَانِ وَالجِهَةِ.
❖ وَمِن هٰهُنَا يُعلَمُ أَنَّ قَولَهُم: «اللهُ فَوقَ العَرشِ حَيثُ لَا مَكَانَ»، أَو «فَوقَ العَرشِ فِي مَكَانٍ عَدَمِيٍّ»، لَيسَ هُوَ تَنزِيهًا، بَل هُوَ تَحَيُّزٌ مُغَلَّفٌ بِعِبَارَةٍ مُتَنَاقِضَةٍ؛ لِأَنَّ العِبرَةَ بِالمَعَانِي لَا بِالأَلفَاظِ. فَمَن أَثبَتَ جِهَةً يُشَارُ إِلَيهَا، وَنِسبَةً مَكَانِيَّةً إِلَى العَرشِ، وَفَوقِيَّةً حِسِّيَّةً تَقتَضِي المُقَابَلَةَ، فَقَد أَثبَتَ حُكمَ المَكَانِ وَالحَيِّزِ، وَإِن زَعَمَ بِلِسَانِهِ أَنَّهُ لَا يُثبِتُ مَكَانًا.
❖ وَيُقَالُ لِمَن زَعَمَ أَنَّ المُرَادَ بِالجِهَةِ هُنَا أَمرٌ عَدَمِيٌّ: مَاذَا تَعنِي بِالعَدَمِ؟ فَإِن كُنتَ تَعنِي أَمرًا لَا وُجُودَ لَهُ فِي الخَارِجِ، وَلَا يَثبُتُ فِي المَحسُوسِ، فَهٰذَا عَينُ نَفيِ المَكَانِ وَالجِهَةِ، فَمَا الفَرقُ حِينَئِذٍ بَينَ قَولِكَ: «اللهُ فِي جِهَةٍ عَدَمِيَّةٍ»، وَبَينَ قَولِ أَهلِ التَّنزِيهِ: «اللهُ مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ»؟ بَل قَولُ أَهلِ التَّنزِيهِ أَسلَمُ وَأَوضَحُ؛ لِأَنَّهُم نَفَوا عَنِ اللهِ تَعَالَى المَكَانَ وَالجِهَةَ نَفيًا صَرِيحًا ومَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِن أَحكَامِ الأَجسَامِ، وَلَم يُوهِمُوا ثُبُوتَ جِهَةٍ ثُمَّ يَصِفُوهَا بِالعَدَمِ، وَلَم يَنسبُوهُ إِلَى العَدَمِ، وَلَم يَجعَلُوا العَدَمَ جِهَةً لَهُ. وَإِن كُنتَ تَعنِي بِالعَدَمِ أَمرًا لَهُ تَحَقُّقٌ يُشَارُ إِلَيهِ، فَهٰذَا لَيسَ عَدَمًا، بَل هُوَ أَمرٌ وُجُودِيٌّ، فَيَعُودُ الإِلزَامُ السَّابِقُ: أَمَخلُوقٌ هُوَ أَم غَيرُ مَخلُوقٍ؟
❖ وَيُقَالُ لَهُم أَيضًا: إِذَا أَشَارَ المُشِيرُ بِإِصبَعِهِ إِلَى فَوقُ، أَيُشِيرُ إِلَى جِهَةٍ عَدَمِيَّةٍ؟ فَإِن قَالُوا: نَعَم، قِيلَ لَهُم: هَل تَجُوزُ الإِشَارَةُ إِلَى المَعدُومِ؟ وَهَل العَدَمُ شَيءٌ يُعَيَّنُ وَيُقَالُ عَنهُ: هُنَا أَو هُنَاكَ؟ وَإِن قَالُوا: بَل يُشِيرُ إِلَى جِهَةٍ مَوجُودَةٍ، قِيلَ لَهُم: فَقَد رَجَعتُم إِلَى إِثبَاتِ جِهَةٍ وُجُودِيَّةٍ، فَإِن كَانَت مَخلُوقَةً لَزِمَكُم أَن تَجعَلُوا اللهَ فِي مَخلُوقٍ، وَإِن قُلتُم غَيرُ مَخلُوقَةٍ، فَقَد أَثبَتُّم قَدِيمًا مَعَ اللهِ، وَكِلَا الأَمرَينِ بَاطِلٌ.
❖ وَأَمَّا قَولُ بَعضِهِم: إِنَّهُ لَا مَكَانَ فَوقَ العَرشِ، وَإِنَّ المَكَانَ تَحتَ العَرشِ فَقَط، فَهٰذَا أَيضًا دَعوَى بِلَا دَلِيلٍ، بَل يَنقُضُهَا مَا ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَمَّا قَضَى اللهُ الخَلقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِندَهُ فَوقَ العَرشِ: إِنَّ رَحمَتِي غَلَبَت غَضَبِي». وَفِي رِوَايَةٍ: «وَهُوَ وَضعٌ عِندَهُ عَلَى العَرشِ: إِنَّ رَحمَتِي تَغلِبُ غَضَبِي». وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ فِي فَتحِ البَارِي: «وَضعٌ: بِفَتحٍ فَسُكُونٍ، أَي مَوضُوعٌ، وَوَقَعَ كَذٰلِكَ فِي الجَمعِ لِلحُمَيدِيِّ بِلَفظِ: مَوضُوعٌ، وَهِيَ رِوَايَةُ الإِسمَاعِيلِيِّ». وَفِي رِوَايَةٍ عِندَ ابنِ حِبَّانَ: «وَهُوَ مَرفُوعٌ فَوقَ العَرشِ». فَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دَعوَى نَفيِ كُلِّ مَكَانٍ فَوقَ العَرشِ دَعوَى مُجرَّدَةٌ، وَلَيسَ فِيهِ إِثبَاتُ مَكَانٍ لِلَّهِ تَعَالَى، بَل فِيهِ بَيَانُ أَنَّ المَخلُوقَاتِ قَد تُنسَبُ إِلَى فَوقِ العَرشِ، وَأَمَّا اللهُ تَعَالَى فَمُنَزَّهٌ عَن أَن يَحُلَّ فِي مَكَانٍ أَو يَختَصَّ بِحَيِّزٍ.
❖ وَمِن تَخَبُّطِهِم أَنَّهُم يَعتَرِضُونَ عَلَى قَولِ أَهلِ الحَقِّ: «لَا يُقَالُ إِنَّ اللهَ دَاخِلَ العَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ»، وَيَزعُمُونَ أَنَّ مَن لَم يَكُن دَاخِلَ العَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ فَهُوَ عَدَمٌ، وَهٰذَا إِنَّمَا صَدَرَ عَن قِيَاسِ الخَالِقِ عَلَى الأَجسَامِ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ وَالخُرُوجَ مِن أَحكَامِ الأَجسَامِ وَالمُتَحَيِّزَاتِ، فَمَا لَم يَكُن جِسمًا لَا يَصِحُّ أَن يُقَالَ فِيهِ: دَاخِلٌ أَو خَارِجٌ بِالمَعنَى الحِسِّيِّ المَكَانِيِّ. فَمَن أَلزَمَ أَهلَ التَّنزِيهِ بِالعَدَمِ لِأَنَّهُم نَفَوا عَنِ اللهِ الدُّخُولَ وَالخُرُوجَ، فَقَد جَعَلَ اللهَ كَالأَجسَامِ، وَحَكَمَ عَلَيهِ بِأَحكَامِ المَخلُوقَاتِ.
❖ بَل الإِلزَامُ يَرجِعُ عَلَى القَائِلِ بِالمَكَانِ العَدَمِيِّ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِلَفظِ العَدَمِ، وَجَعَلَ اللهَ فِي مَا سَمَّاهُ مَكَانًا عَدَمِيًّا، وَمَعلُومٌ أَنَّ مَن قَالَ: إِنَّ شَيئًا فِي العَدَمِ، فَقَد أَتَى بِعِبَارَةٍ فَاسِدَةٍ خَطِيرَةٍ، لِأَنَّ العَدَمَ لَا يَكُونُ مَحَلًّا وَلَا وِعَاءً وَلَا جِهَةً وهي نَفيٌ لوُجُودِهِ. أَمَّا قَولُ أَهلِ التَّنزِيهِ: «اللهُ لَا دَاخِلَ العَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ»، فَمَعناهُ نَفيُ أَحكَامِ الأَجسَامِ عَنِ اللهِ تَعَالَى، لَا نَفيُ وُجُودِهِ؛ فَهُم يُثبِتُونَ وُجُودَ اللهِ تَعَالَى، وَيَنفُونَ عَنهُ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الحُدُودِ وَالأَقطَارِ وَالأَحكَامِ المَكَانِيَّةِ.
❖ فإِن قِيلَ: إِنَّ اللهَ فِي جِهَةٍ عَدَمِيَّةٍ، قِيلَ: هٰذَا مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ مَوجُودٌ فِي العَدَمِ وهي نَفيٌ لوُجُودِهِ، وَهٰذَا بَاطِلٌ لَا يَلِيقُ بِاللهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّ العَدَمَ لَيسَ شَيئًا يُحَلُّ فِيهِ، وَلَا مَوضِعًا يُتَمَكَّنُ فِيهِ، وَلَا جِهَةً يُنسَبُ إِلَيهَا مَوجُودٌ، وَإِن قِيلَ: إِنَّهُ فِي سَمَاءٍ غَيرِ مَخلُوقَةٍ، قِيلَ: هٰذَا جَعلٌ لِغَيرِ اللهِ أَزَلِيًّا، وَهُوَ بَاطِلٌ صَرِيحٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللهِ مَخلُوقٌ، وَالَّذِي جَاءَ بِهِ الشَّرعُ وَأَيَّدَهُ دَلِيلُ العَقلِ أَنَّ اللهَ مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ، وَمَن وَصَفَهُ بِالمَكَانِ أَوِ الجِهَةِ الحِسِّيَّةِ فَقَد وَصَفَهُ بِمَا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَشَبَّهَهُ بِمَخلُوقَاتِهِ.
❖ وَالخُلَاصَةُ أَنَّ أَهلَ السُّنَّةِ أَجمَعُوا عَلَى إِثبَاتِ العُلُوِّ المَعنَوِيِّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ عُلُوُّ القَهرِ وَالغَلَبَةِ وَالقَدرِ وَالمَنزِلَةِ، وَأَمَّا العُلُوُّ الحِسِّيُّ المَكَانِيُّ، مِن جُلُوسٍ أَوِ استِقرَارٍ أَو تَمَكُّنٍ أَو مُقَابَلَةٍ أَو تَحَيُّزٍ، فَهُوَ مِن مَعَانِي المُجَسِّمَةِ الَّتِي عَارَضَهَا أَهلُ التَّنزِيهِ، سَوَاءٌ سَمَّاهُ أَصحَابُهُ مَكَانًا وُجُودِيًّا أَو مَكَانًا عَدَمِيًّا؛ فَالعِبرَةُ بِالمَعَانِي لَا بِالأَسمَاءِ، وَمَن أَثبَتَ لِلَّهِ حَدًّا أَو جِهَةً أَو حَيِّزًا فَقَد شَبَّهَهُ بِخَلقِهِ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن ذٰلِكَ كُلِّهِ.

أَصلُ أَهلِ السُّنَّةِ فِي قَولِهِم: كَانَ اللهُ وَلَا مَكَانَ


❖ الأَصلُ الجَامِعُ فِي هٰذَا البَابِ مَا رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ بِالإِسنَادِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «كَانَ اللهُ وَلَم يَكُن شَيءٌ غَيرُهُ».
❖ فَالمَكَانُ غَيرُ اللهِ قَطعًا، فَيَدخُلُ فِي عُمُومِ قَولِهِ ﷺ: «وَلَم يَكُن شَيءٌ غَيرُهُ». وَمَعنَى ذٰلِكَ أَنَّ اللهَ لَم يَزَل مَوجُودًا فِي الأَزَلِ لَيسَ مَعَهُ غَيرُهُ؛ لَا مَاءٌ، وَلَا هَوَاءٌ، وَلَا أَرضٌ، وَلَا سَمَاءٌ، وَلَا كُرسِيٌّ، وَلَا عَرشٌ، وَلَا إِنسٌ، وَلَا جِنٌّ، وَلَا مَلَائِكَةٌ، وَلَا زَمَانٌ، وَلَا مَكَانٌ، وَلَا جِهَاتٌ، وَلَا مَلَاءٌ، وَلَا فَرَاغٌ.
❖ وَالمَلَاءُ هُوَ الحَيِّزُ الَّذِي يَشغَلُهُ حَجمٌ مِنَ الأَحجَامِ، وَالفَرَاغُ هُوَ الحَيِّزُ الَّذِي لَا يَشغَلُهُ حَجمٌ مِنَ الأَحجَامِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ مَلَاءٌ وَلَا فَرَاغٌ قَبلَ وُجُودِ الأَحجَامِ.
❖ فَهُوَ تَعَالَى مَوجُودٌ قَبلَ المَكَانِ بِلَا مَكَانٍ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ المَكَانَ، فَلَيسَ بِحَاجَةٍ إِلَيهِ بَعدَ خَلقِهِ.

استِحَالَةُ التَّمَكُّنِ وَالتَّحَيُّزِ عَلَى اللهِ تَعَالَى


❖ فَليُعلَم أَنَّ مُعتَقَدَ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ أَنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّمَكُّنِ فِي مَكَانٍ؛ لِأَنَّ التَّمَكُّنَ عِبَارَةٌ عَن نُفُوذِ بُعدٍ فِي بُعدٍ آخَرَ مُتَوَهَّمٍ أَو مُتَحَقَّقٍ يُسَمَّى مَكَانًا، وَالبُعدُ عِبَارَةٌ عَن امتِدَادٍ قَائِمٍ بِالجِسمِ، أَو قَائِمٍ بِنَفسِهِ عِندَ القَائِلِينَ بِوُجُودِ الخَلَاءِ، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الامتِدَادِ وَالمِقدَارِ؛ لِمَا فِي ذٰلِكَ مِنِ استِلزَامِ التَّجزِئَةِ.
❖ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذٰلِكَ أَنَّهُ لَو تَحَيَّزَ، فَإِمَّا أَن يَكُونَ تَحَيُّزُهُ فِي الأَزَلِ، فَيَلزَمُ قِدَمُ الحَيِّزِ، وَإِمَّا أَلَّا يَكُونَ فِي الأَزَلِ ثُمَّ يَصِيرَ مُتَحَيِّزًا، فَيَكُونَ مَحَلًّا لِلحَوَادِثِ، وَكِلَا ذٰلِكَ مُستَحِيلٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى.
❖ وَأَيضًا فَلَو كَانَ فِي حَيِّزٍ، فَإِمَّا أَن يُسَاوِيَ الحَيِّزَ أَو يَنقُصَ عَنهُ، فَيَكُونَ مُتَنَاهِيًا، أَو يَزِيدَ عَلَيهِ، فَيَكُونَ مُتَجَزِّئًا، وَكُلُّ ذٰلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى.
❖ وَإِذَا لَم يَكُنِ اللهُ فِي مَكَانٍ، لَم يَكُن فِي جِهَةٍ، لَا عُلوٍ وَلَا سُفلٍ وَلَا غَيرِهِمَا؛ لِأَنَّ الجِهَاتِ إِمَّا حُدُودٌ وَأَطرَافٌ لِلأَمكِنَةِ، وَإِمَّا نَفسُ الأَمكِنَةِ بِاعتِبَارِ عُرُوضِ الإِضَافَةِ إِلَى شَيءٍ.

غَايَةُ المَعرِفَةِ بِاللهِ تَعَالَى


❖ غَايَةُ مَعرِفَةِ العَبدِ بِرَبِّهِ الإِيقَانُ بِوُجُودِهِ تَعَالَى بِلَا كَيفٍ وَلَا مَكَانٍ؛ أَي مِن غَيرِ اتِّصَافٍ بِصِفَةٍ مِن صِفَاتِ المَخلُوقِينَ، وَمِن غَيرِ أَن يَكُونَ حَجمًا لَهُ طُولٌ وَعَرضٌ وَعُمقٌ؛ فَالجِسمُ لَهُ أَبعَادٌ ثَلَاثَةٌ: الطُّولُ، وَالعَرضُ، وَالعُمقُ، وَالمَكَانُ هُوَ الحَيِّزُ الَّذِي يَشغَلُهُ الحَجمُ مِنَ الفَرَاغِ. فَمَن أَيقَنَ أَنَّ اللهَ مَوجُودٌ بِلَا كَيفٍ وَلَا مَكَانٍ فَقَد سَلِمَ مِنَ التَّشبِيهِ وَالتَّجسِيمِ، وَعَرَفَ رَبَّهُ بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ.
❖ فَقَولُ أَهلِ السُّنَّةِ: «بِلَا كَيفٍ» صَرِيحٌ فِي نَفيِ الجِسمِ وَالحَيِّزِ وَالشَّكلِ وَالحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالاتِّصَالِ وَالانفِصَالِ وَالقُعُودِ، إِذ كُلُّ ذٰلِكَ شَيءٌ غَيرُهُ، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنهُ.

إِلزَامُ القَائِلِ بِأَنَّ المَكَانَ لَا وُجُودَ لَهُ


❖ وَتَبسِيطُ المَعنى أَنَّهُ يُقَالُ لِمَن يَزعُمُ أَنَّ المَكَانَ لَا وُجُودَ لَهُ أَصلًا: إِن كَانَ المَكَانُ عِندَكَ شَيئًا مَعدُومًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَلِمَاذَا تُنكِرُ عَلَى مَن يَنفِي المَكَانَ عَنِ اللهِ تَعَالَى؟ فَإِنَّ نَفيَ الشَّيءِ المَعدُومِ عَنِ اللهِ لَا يَكُونُ مَحلًّا لِلإِنكَارِ، بَل هُوَ أَولَى بِالقَبُولِ؛ لِأَنَّ مَا لَا وُجُودَ لَهُ لَا يَصِحُّ أَن يُجعَلَ وَصفًا لِلخَالِقِ سُبحَانَهُ.
❖ فَإِذَا قَالَ أَهلُ التَّنزِيهِ: «كَانَ اللهُ تَعَالَى وَلَا مَكَانَ، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيهِ كَانَ»، فَهُم لَا يَنفُونَ وُجُودَ اللهِ تَعَالَى، بَل يَنفُونَ عَنهُ أَن يَكُونَ مُحتَاجًا إِلَى مَكَانٍ أَو حَالًّا فِيهِ. وَهٰذَا يَنسَجِمُ مَعَ قَولِكَ أَنتَ إِن كُنتَ تَزعُمُ أَنَّ المَكَانَ أَمرٌ لَا وُجُودَ لَهُ؛ لِأَنَّ الشَّيءَ الَّذِي لَا وُجُودَ لَهُ لَا يَجُوزُ أَن يُنسَبَ إِلَى اللهِ وَلَا أَن يُجعَلَ مِن صِفَاتِهِ.
❖ وَبِعِبَارَةٍ أَوضَحَ: إِن كَانَ المَكَانُ مَعدُومًا، فَنَفيُهُ عَنِ اللهِ حَقٌّ، وَإِن كَانَ المَكَانُ مَخلُوقًا، فَاللهُ تَعَالَى كَانَ قَبلَهُ بِلَا مَكَانٍ، وَلَا يَحتَاجُ إِلَيهِ بَعدَ خَلقِهِ؛ فَفِي الحَالَينِ يَثبُتُ أَنَّ اللهَ مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ.
❖ فَالمُنَزِّهُ إِذَا قَالَ: «اللهُ مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ»، فَهُوَ يَنفِي عَنهُ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِن صِفَاتِ الأَجسَامِ وَالمَحدُودَاتِ، وَلَا يَنفِي وُجُودَ اللهِ، وَلَا يَنفِي عُلُوَّهُ فِي القَدرِ وَالقَهرِ.

خَاتِمَةُ المَقَالِ


❖ الحَاصِلُ أَنَّ نِسَبَ الفَوقِ وَالتَّحتِ وَاليَمِينِ وَالشِّمَالِ وَالدُّخُولِ وَالخُرُوجِ وَالحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ إِنَّمَا تَصِحُّ فِي حَقِّ مَا لَهُ حَدٌّ وَمِقدَارٌ وَغَايَةٌ، أَمَّا اللهُ تَعَالَى فَمُنَزَّهٌ عَنِ الحُدُودِ وَالغَايَاتِ وَالأَمكِنَةِ وَالجِهَاتِ؛ لِأَنَّهُ خَالِقُ المَكَانِ وَالجِهَةِ، وَكَانَ سُبحَانَهُ قَبلَ أَن يَخلُقَ المَكَانَ، فَلَا يَحتَاجُ إِلَيهِ بَعدَ خَلقِهِ.
❖ فَمَن أَثبَتَ لِلَّهِ حَدًّا أَو جِهَةً حِسِّيَّةً أَو مَكَانًا، فَقَد شَبَّهَهُ بِخَلقِهِ، وَاللهُ سُبحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَن ذٰلِكَ كُلِّهِ. وَمَن قَالَ: إِنَّ اللهَ مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ، فَقَد نَزَّهَ رَبَّهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَوَقَفَ عِندَ مَا دَلَّ عَلَيهِ العَقلُ الصَّرِيحُ وَالنَّقلُ الصَّحِيحُ.

قائمة في الأعراض :

مصورات وروابط :

وَكَتَبَهُ الرَّاجِي رَحمَةَ رَبِّهِ


د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ.

أبو عمر التونسي

أبو فتح التونسي

Share this page to Telegram

التنقل بين المقالات

المقال السابق:
المقال التالي:

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة