مقالات السلف في تنزيه الله عن الجهة والحد والمكان

مقالات السلف في تنزيه الله عن الجهة والحد والمكان

1- روى اللالكائي في كتابه شرح السنة في الجزء 3 صحيفة 441 عن أم سلمة رضي الله عنها – توفيت سنة 62 هجري – أنها قالت: ” الاستواء غير مجهول و الكيف غير معقول و الاقرار به إيمان و الجحود به كفر” انتهى

ومرادها بقولها “غير مجهول” أنه معلوم وروده في القرآن بدليل رواية أخرى عند اللالكائي و هي: ” الاستواء مذكور” أي مذكور في القرآن، و قول أم سلمة : ” و الكيف غير معقول، معناه أن الاستواء بمعنى الهيئة كالجلوس لا يُعقل في حق الله أي لا يقبله العقل لكونه من صفات الخلق لأن الجلوس لا يصح إلا من ذي أعضاء كالألية و الركبة تعالى الله عن ذلك، ووصف الله بالجلوس كفر و لو بزيادة “لا كجلوسنا”

وهذا اللفظ مروي أيضا عن الإمام مالك، رواه عنه الحافظ البيهقي في الأسماء والصفات بسند صحيح.

فالاستواء الذي يقتضي الكيف، كالجلوس والقعود والتغير لا يعقله الانسان، لان الخالق لا يوصف به.

2- قال أبو حنيفة المتوفى سنة 150 هجري في «الوصية» : «وهو حافظ العرش وغير العرش من غير احتياج، فلو كان محتاجًا لَمَا قَدرَ على إيجاد العالم وتدبيره وحفظه كالمخلوقين، ولو كان في مكان محتاجًا للجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان الله». انتهى

راجع نسبة الكتاب لأبي حنيفة:

https://www.facebook.com/share/p/nSuZkbQDgfz6gMXd/

وقال في «الفقه الأبسط» «كان الله ولا مكان، كان قبل أن يخلق الخلق كان ولم يكن أينٌ ولا خلقٌ ولا شىء وهو خالق كل شىء». انتهى

راجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/xhzxDdGDJ8BbYiiP/

3 – أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيُّ المتوفى سنة 182 هجري، ومحمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة 189 هجري

نقل الطحاوي في عقيدته المشهورة بين المسلمين و التي أولها : “هذا ذِكرُ بيانِ عقيدةِ أهلِ السنّةِ والجماعةِ على مذهبِ فُقهاءِ المِلّةِ: أبي حنيفةَ النعمانِ ابنِ ثابتٍ الكوفيّ، وأبي يوسفَ يعقوبَ بنِ إبراهيمَ الأنصاريّ، وأبي عبدِ الله محمدِ ابنِ الحسنِ الشيْبانيّ، رِضوانُ اللهِ عليهم أجمعينَ، وما يعتقدونَ من أصولِ الدينِ، ويَدينون بهِ لربِّ العالمين” ثم قال: “تعالى – أي الله- عن الحدود و الغايات و الأركان و الأعضاء و الأدوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات” . انتهى

وأبو يوسف، قال عنه ابن معين: “ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث، ولا أحفظ، ولا أصح رواية من أبي يوسف”. وروى عباس، عن ابن معين أنه قال: “أبو يوسف صاحب حديث، صاحب سنة”.

وقال النسائي في طبقات الحنفية: ” وأبو يوسف ثقة”. انتهى

4- نقل أبو العباس المبرد المتوفى سنة 285 هجري قول الإمام على أن الله لا يتحيز في مكان.

https://www.facebook.com/share/p/g6WinEaoXdyKGfcQ/

5- قال ابن جرير الطبري المُتوفى سنة 310 هـجري في تاريخه تحت فصل:” القول في الدلالة على أن الله عز و جل القديم الأول قبل شيء وأنه هو المحدث كل شيء بقدرته تعالى ذكره” ما نصه : “فمن الدلالة على ذلك أنه لا شىء في العالم مشاهَد إلا جسم أو قائم بجسم، وأنه لا جسم إلا مفترِق أو مجتمع، وأنه لا مفترِق منه إلا وهو موهوم فيه الائتلاف إلى غيره من أشكاله،ولا مجتمع منه إلا وهو موهوم فيه الافتراق،وأنه متى عدِمَ أحدهما عدم الآخر معه، وأنه إذا اجتمع الجزءان منه بعد الافتراق، فمعلوم أن اجتماعهما حادث فيهما بعد أن لم يكن،وأن الافتراق إذا حدث فيهما بعد الاجتماع فمعلوم أن الافتراق فيهما حادث بعد أن لم يكن وإذا كان الأمر فيما في العالم من شىء كذلك، وكان حكم ما لم يُشاهد وما هو من جنس ما شاهدنا في معنى جسم أو قائم بجسم، وكان ما لم يخلُ من الحدث لا شك أنه محدَث بتأليف مؤلِّف – بكسر اللام المشددة – له إن كان مجتمعًا، وتفريق مفرِّق – بكسرالراء المشددة- له إن كان مفترِقًا؛ وكان معلومًا بذلك أن جامع ذلك إن كان مجتمعًا، ومفرّقه إن كان مفترقًا مَن لا يشبهه ومن لا يجوز عليه الاجتماع والافتراق، وهو الواحد القادر الجامع بين المختلفات الذي لا يشبهه شىء،وهو على كل شىء قدير. فبيِّنٌ بما وصفنا أن بارىء الأشياء ومحدِثها كان قبل كل شىء – أي وقبل الزمان والمكان وغيرهما من المخلوقات- وأن الليل و النهار و الزمان و الساعات محدثات, و أن محدثها الذي يدبرها و يصرفها قبلها, إذ كان من المحال أن يكون شئ يُحدث شيئا إلا و مُحدثه قبله, وأن في قوله تعالى ذكره: ” أفلا ينظرون إلى الابل كيف خُلقت -17- وإلى السماء كيف رُفعت- 18- وإلى الجبال كيف نصبت- 19 -و إلى الأرض كيف سُطحت- 20 – الغاشية- لأبلغ الحجج و أدل الدلائل لمن فكر بعقل و اعتبر بفهم على قدم بارئها وحدوث كل ما جانسها و أن لها خالقا لا يشبهها”. انتهى

وقال: ” فتبين إذا أن القديم بارىء الأشياء وصانعها هو الواحد الذي كان قبل كل شيء وهو الكائن بعد كل شيء والأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء وأنه كان ولا وقت ولا زمان ولا ليل ولا نهار ولا ظلمة ولا نور إلا نور وجهه الكريم ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا نجوم وأن كل شيء سواه محدث مدبر مصنوع انفرد بخلق جميعه بغير شريك ولا معين ولا ظهير سبحانه من قادر قاهر “. انتهى

وقال أيضا:”لا تحيط به الأوهام، ولا تحويه الأقطار، ولا تدركه الأبصار” انتهى

فقوله لا تحويه الأقطار نص صريح في نفي المكان و الجهة عن الله عز و جل.

6-قال أبو عوانة الاسفراييني في مقدمة مسنده: ” وَسَمِعتُ بعض أصحابنا يَذكُر هذا التحميد، فقال: «الحمد لله الذي ابتدأ الخلق بنعمائه، وتغمَّدهم بحُسْن بلائه، فوقف كل امري منهم في صباه على طلب ما يحتاجُ إليهِ مِن غذائه، وسَخَّر له مَنْ يكلوه إلى وقت استغنائهِ، ثم احتجَّ عَلى مَن بلغ منهم بآلائه وأعذر إليهم بأنبيائه، فشرح صدر من أحَبَّ هُداه من أوليائه وطبعَ على قلبِ مَن لم يُرِدْ إرشاده من أعدائه، الذي لم يزل بصفاته وأسمائه، الذي لا يشتمل عليه ،زمان ولا يحيط به مكان ثم خلق الأماكن والأزمان”. انتهى

7- قال اللغوي أبو اسحاق إبراهيم بن محمد الزجاج السري الحنبلي المتوفى سنة 311 هجري – من تلاميذ الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل- ، في تفسير أسماء الله الحسنى ما نصه: ” العلي: هو فعيل في معنى فاعل، فالله تعالى عال على خلقه وهو عليٌّ عليهم بقدرته، ولا يجب أن يذهب بالعلو ارتفاع مكاني، إذ قد بينا أن ذلك لا يجوز في صفاته تقدست، ولا يجوز أن يكون على أن يتصور بذهن، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا” انتهة.

وقال أيضا : “والله تعالى عال على كل شىء، وليس المراد بالعلو: ارتفاع المحلِّ، لأن الله تعالى يجل عن المحل والمكان، وإنما العلو علو الشأن وارتفاع السلطان ” انتهى

8- ابن عبد ربه القرطبي الكتوفى سنة 328 هجري

https://www.facebook.com/share/p/1FEFnH8rVa/

9- قال ابن حبان المتوفى سنة 354 هجري في كتابه الثقات ما نصه: “الحمد لله الذي ليس له حد محدود فيحتوى، ولا له أجل معدود فيفنى، ولا يحيط به جوامع المكان ولا يشتمل عليه تواتر الزمان”. انتهى

و قال رحمه الله في صحيحه: “صِفَاتُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلا لا تُكَيَّفُ ، وَلا تُقَاسُ إِلَى صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ”. انتهى

وقال عن الله: ” وهم في هذه اللفظة حماد بن سلمة من حيث ” في غمام ” إنما هو ” في عماء ” ، يريد به أن الخلق لا يعرفون خالقهم من حيث هم ، إذ كان ولا زمان ولا مكان ، ومن لم يعرف له زمان ، ولا مكان ولا شيء معه ، لأنه خالقها ، كان معرفة الخلق إياه كأنه كان في عماء عن علم الخلق ، لا أن الله كان في عماء إذ هذا الوصف شبيه بأوصاف المخلوقين .” انتهى

ومجمل اعتقاد السلف ان العلو الحسي والتحيز والمكان والجلوس منفي عن الله. قال ابن كثير في تفسيره عند قول الله تعالى: “ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ” ما نصه: “فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله فإن الله لا يشبهه شئ من خلقه و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ”. انتهى

فانظر لقوله: ” من غير تكييف” وقوله “والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله”، معناه أن السلف كانوا ينفون الكيف والظاهر المتبادر عن الله، جملة وتفصيلا.

ثم إن نفي المكان عن الله، وما اشتهر بين أهل السنة من قولهم: “كان ولا مكان ، ولم يتغير عما كان” لم ينكرها قبل ابن تيمية الا اثنين:

– هشام بن الحكم الرافضي لتجسيمه.

قال الصفدي في الوافي بالوفيات: ” رئيس الهشامية هشام بن الحكم الكوفي الرافضي رئيس الطائفة الهشامية كان خزازا وكان ضالا ومشبها: وقال ‌كان ‌الله ‌ولا ‌مكان ثم تحرك فحدث مكانه”. انتهى

– أبو العلاء المعري لإلحاده. وقد أورد له الذهبي بعض أشعاره الإلحادية منها قوله :

قلتم لنا خالق قديم … صدقتم هكذا نقول

زعمتموه بلا زمان … ‌ولا ‌مكان ألا فقولوا

هذا كلام له خبيء … معناه ليست لكم عقول

فسلف المجسمة في انكار تنزيه الله عن المكان هم الرافضة والملاحدة.

وحتى عبدُ الغني المقدسي زعيم المجسمة، كان قد أقر بنفي المكان عن الله، لكنه نسب له التغير، فقد قال سبط ابن الجوزي في ترجمته: فصار الحافظ يقعد بعد العصر، فذكر عقيدته على الكرسي، فاتفق محيي الدين بن زكي الدين، والخطيب الدولعي وجماعة من الدماشقة… فقالوا: هذا قد أضل الناس، ويقول بالتشبيه. فعقدوا له مجلسا، وأحضروه، فناظرهم، فأخذوا عليه مواضع؛ منها قوله: كان الله ولا مكان، وليس هو اليوم على ما كان. ومنها: ولا أنزهه تنزيها ينفي حقيقة النزول. ومنها: مسألة الصوت والحرف. فقالوا له: إذا لم يكن على ما كان، فقد أثبت له المكان، وإذا لم تنزهه تنزيها ينفي حقيقة النزول فقد أجزت عليه الانتقال. وأما الحرف والصوت، فإنه لم يصح عن إمامك الذي تنتمي إليه فيه شيء، وإنما المنقول عنه أنه كلام الله لا غير. وارتفعت الأصوات، فقال له صارم الدين: كل هؤلاء على ضلالة وأنت على الحق؟ ! فقال: نعم. فأمر الأسارى، فنزلوا إلى جامع دمشق، فكسروا منبر الحافظ”. انتهى

وهذا نقله أيضا الذهبي في سيره وتاريخه.

فعبد الغني سلّم بالقول: “كان الله ولا مكان”، ولم يسلم بالقول “وهو الآن على ما عليه كان”، لأنه حمل حديثَ النزول على ظاهره وهو الانتقال من مكان عال إلى سُفل، فجعل معبوده يتغير من حال إلى حال.

لكن عبد الغني المقدسي لم يخض في خلو الله من العرش وقت النزول كما خاض فيه ابن تيمية، بل هو بدع من تكلم في ذلك، فقد قال عبد الرزاق البدر في تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي ما نصه: “ثم قال الحافظ عبد الغني”ـ رحمه الله ـ: ” ومن قال يخلو العرش عند النزول أو لا يخلو، فقد أتى بقول مبتدع ورأي مخترع ” يشير المصنف ـ رحمه الله ـ إلى مسألة تتعلق بنزول الله عز وجل إلى سماء الدنيا، وهي: حينما ينزل هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟ ” والأقوال التي ذكرت في هذه المسألة ثلاثة، لخصها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:”منهم من ينكر أن يقال: يخلو أو لا يخلو، كما يقول ذلك الحافظ عبد الغني وغيره. ومنهم من يقول: بل يخلو منه العرش، وقد صنف عبد الرحمن بن منده مصنفا في الإنكار على من قال: لا يخلو منه العرش … والقول الثالث، وهو الصواب، وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها: أنه لا يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه، مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه”. انتهى

فعلم بذلك ان عبد الغني المقدسي مخالف لابن تيمية في هذه المسألة.

وحاصل ما تقدم أن عبارة “كان ولا مكان ، ولم يتغير عما كان” ، عبارة مشهورة بين العلماء سواء كانوا مفسرين أم محدثين أم فقهاء أم من غيرهم، وسواء كانوا أشاعرة أم غير أشاعرة حتى ممن يرتضيهم ابن تيمية كالسجزي وابن موهب والعمراني وغيرهم.

بل ان ابن تيمية نفسه نقل في ثنايا ردِّه على الإمام الفخر الرازي في تلبيس الجهمية: “وقال الإمامُ أحمد: إذا أردت أن تَعلَم أنَّ الجهميَّ كاذبٌ على الله حين زعمَ أنَّ اللهَ في كلِّ مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، فقُل: ألَيس الله كان ولا شيء معه؟ فيقول: نعم…”. انتهى

وفي مواضع أخرى نقل الحرانيُّ عن إمامه أحمد بن حنبل أنه قال: ” أليس الله كان ولا شيء معه؟”. انتهى

التنقل بين المقالات

المقال السابق:

اترك رد

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading