الخلاصة :
الحَيِّزُ عِندَ المُتَكَلِّمِينَ هُوَ البُعدُ المَوهُومُ الَّذِي يَشغَلُهُ الجِسمُ وَتَنفُذُ فِيهِ أَبعَادُهُ، وَإِنَّمَا سَمَّوهُ مَوهُومًا لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ وَحدَهُ مُنفَكًّا فِي الخَارِجِ، بَل يَلحَظُهُ العَقلُ عِندَ مُلَاحَظَةِ الجِسمِ وَامتِدَادِهِ.
فَالعَقلُ يُجَرِّدُ مَعنَى التَّحَيُّزِ، ثُمَّ يُرَتِّبُ عَلَيهِ أَحكَامَهُ، فَيَحكُمُ عَلَى الجِسمِ بِالمَحدُودِيَّةِ وَالافتِقَارِ مِن حَيثُ كَونُهُ مُتَحَيِّزًا، سَوَاءٌ قِيلَ فِي حَقِيقَةِ الجِسمِ إِنَّهُ مُتَأَلِّفٌ مِن جَوَاهِرَ فَردَةٍ، أَو مِن هَيُولَى وَصُورَةٍ، أَو غَيرِ ذٰلِكَ مِمَّا يَذكُرُهُ النُّظَّارُ. فَالعِبرَةُ فِي الحُكمِ هُنَا بِأَصلِ التَّحَيُّزِ، وَالتَّحَيُّزُ مُستَلزِمٌ لِلحَدِّ وَالمِقدَارِ وَالافتِقَارِ.
وَأَمَّا الجِهَةُ فَهِيَ مِنَ الأُمُورِ النِّسبِيَّةِ الإِضَافِيَّةِ، لَا تُعقَلُ إِلَّا بِمُلَاحَظَةِ أَمرَينِ: مُتَحَرِّكٍ أَو مُتَوَجِّهٍ، وَمَقصَدٍ أَو حَدٍّ يُتَوَجَّهُ إِلَيهِ. فَالمُتَحَيِّزُ يَنتَقِلُ مِن حَيِّزٍ إِلَى حَيِّزٍ، وَيَقصِدُ فِي حَرَكَتِهِ حَدًّا أَو حَيِّزًا، فَيُسَمَّى ذٰلِكَ بِالنِّسبَةِ إِلَيهِ جِهَةً.
فأصل المكان عند المتكلمين هو الحيز الخالي من الشاغل أي الجسم. ففي هذه الحالة المكان هو مجرد وهم، ولا يعدو أن يكون عدماً محضاً أو وجودا ذهنيا، من غير أن يكون موجودا في الخارج فسَمَّوهُ مَوهُومًا لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ وَحدَهُ مُنفَكًّا فِي الخَارِجِ، بَل يَلحَظُهُ العَقلُ عِندَ مُلَاحَظَةِ الجِسمِ وَامتِدَادِهِ. فَالعَقلُ يُجَرِّدُ مَعنَى التَّحَيُّزِ، ثُمَّ يُرَتِّبُ عَلَيهِ أَحكَامَهُ، فَيَحكُمُ عَلَى الجِسمِ بِالمَحدُودِيَّةِ وَالافتِقَارِ مِن حَيثُ كَونُهُ مُتَحَيِّزًا ثم إن حصل وامتلأ المكان بجوهر أو بجسم فالمكان هنا بمعنى العرض وليس جسما فالمكان عرض لازم يقوم بالجسم ولا يفتقر إلى أعراض أخرى. فالمكان بهذا المعنى ليس شيئاً قائماً بذاته، بل هو من أعراض الجسم، و هذا العرض ليس بحاجة إلى مكانٍ آخر بعد قيامه بالجسم ولا إلى غيره من الأعراض، فلا يلزم التسلسل. ويطلق المكان على المساحة فيكون جسما كالبيت و القصر.
وَلِذٰلِكَ فَالحَيِّزُ وَالجِهَةُ وَالحَدُّ وَالحَرَكَةُ أُمُورٌ مُتَلَازِمَةٌ فِي حَقِّ الأَجسَامِ وَالمُتَحَيِّزَاتِ، لَا فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، الَّذِي لَيسَ بِجِسمٍ وَلَا عَرَضٍ، وَلَا يَحُلُّ فِي مَكَانٍ، وَلَا تَجرِي عَلَيهِ أَحكَامُ المَحدُودَاتِ.
مُقَدِّمَةُ المَقَالِ
❖ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، المُنَزَّهِ عَنِ الشَّبِيهِ وَالنَّظِيرِ، وَالمُقَدَّسِ عَنِ الحَدِّ وَالمِقدَارِ وَالمَكَانِ وَالجِهَةِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
❖ فَإِنَّ مِنَ المَسَائِلِ الَّتِي كَثُرَ فِيهَا الخَلطُ وَالاضطِرَابُ مَسأَلَةَ المَكَانِ وَالجِهَةِ وَالحَيِّزِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِتَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَن أَحكَامِ الأَجسَامِ وَصِفَاتِ المَخلُوقَاتِ. وَقَد زَعَمَ بَعضُهُم أَنَّ المَكَانَ أَمرٌ اعتِبَارِيٌّ لَا وُجُودَ لَهُ، ثُمَّ جَعَلَ هٰذَا الزَّعمَ سَبِيلًا لِلإِنكَارِ عَلَى أَهلِ التَّنزِيهِ حِينَ قَالُوا: إِنَّ اللهَ تَعَالَى مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ. وَهٰذَا كَلَامٌ مُتَهَافِتٌ؛ لِأَنَّ مَن جَعَلَ المَكَانَ مَعدُومًا لَا وُجُودَ لَهُ، لَم يَكُن لَهُ وَجهٌ فِي الإِنكَارِ عَلَى مَن نَفَاهُ عَنِ اللهِ تَعَالَى.
❖ وَلِذٰلِكَ كَانَ لَازِمًا أَن يُقَدَّمَ بَينَ يَدَيِ الرَّدِّ تَحرِيرُ مَعنَى المَكَانِ وَالجِهَةِ وَالحَيِّزِ عِندَ أَهلِ اللُّغَةِ وَأَهلِ النَّظَرِ، ثُمَّ يُبَيَّنَ أَنَّ هٰذِهِ المَعَانِيَ إِنَّمَا تَلِيقُ بِالمَخلُوقَاتِ ذَوَاتِ الحُدُودِ وَالمَقَادِيرِ، وَلَا تَجُوزُ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ سُبحَانَهُ خَالِقُ المَكَانِ وَالجِهَةِ، وَكَانَ وَلَا مَكَانَ، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيهِ كَانَ.
تَحرِيرُ مَعنَى المَكَانِ
❖ لَا بُدَّ قَبلَ الجَوَابِ عَن هٰذِهِ الدَّعوَى مِن تَحرِيرِ مَعنَى المَكَانِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الغَلَطِ فِي هٰذَا البَابِ إِنَّمَا يَنشَأُ مِنَ الخَلطِ بَينَ الأَلفَاظِ وَالمَعَانِي، أَو مِن إِطلَاقِ اللَّفظِ وَإِرَادَةِ مَعنًى، ثُمَّ إِلزَامِ الخَصمِ بِمَعنًى آخَرَ.
❖ فَالمَكَانُ عِندَ أَهلِ اللُّغَةِ وَالنَّظَرِ لَهُ مَعنًى مَعرُوفٌ يَدُورُ عَلَى المَوضِعِ وَالحَيِّزِ وَالفَرَاغِ الَّذِي يَشغَلُهُ الجِسمُ.
❖ فَقَد قَالَ اللُّغَوِيُّ أَبُو القَاسِمِ الحُسَينُ بنُ مُحَمَّدٍ، المَعرُوفُ بِالرَّاغِبِ الأَصفَهَانِيِّ، فِي كِتَابِهِ المُفرَدَاتِ فِي غَرِيبِ القُرآنِ: «المَكَانُ عِندَ أَهلِ اللُّغَةِ المَوضِعُ الحَاوِي لِلشَّيءِ».
❖ وَقَالَ اللُّغَوِيُّ مَجدُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بنُ يَعقُوبَ الفِيرُوزَآبَادِيُّ، صَاحِبُ القَامُوسِ، فِي كِتَابِهِ القَامُوسِ المُحِيطِ: «المَكَانُ: المَوضِعُ، جَمعُهُ: أَمكِنَةٌ وَأَمَاكِنُ».
❖ وَقَالَ العَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ أَحمَدُ بنُ حَسَنٍ البَيَاضِيُّ الحَنَفِيُّ فِي إِشَارَاتِ المَرَامِ: «المَكَانُ هُوَ الفَرَاغُ الَّذِي يَشغَلُهُ الجِسمُ».
❖ وَقَالَ الشَّيخُ يُوسُفُ بنُ سَعِيدٍ الصَّفتِيُّ المَالِكِيُّ: «قَالَ أَهلُ السُّنَّةِ: المَكَانُ هُوَ الفَرَاغُ الَّذِي يَحُلُّ فِيهِ الجِسمُ». [حَاشِيَةُ العَلَّامَةِ الصَّفتِيِّ المَالِكِيِّ عَلَى الجَوَاهِرِ الزَّكِيَّةِ فِي حَلِّ أَلفَاظِ العَشمَاوِيَّةِ]
❖ وَقَالَ الحَافِظُ المُحَدِّثُ الفَقِيهُ اللُّغَوِيُّ الحَنَفِيُّ السَّيِّدُ مُرتَضَى الزَّبِيدِيُّ فِي تَاجِ العَرُوسِ: «المَكَانُ: المَوضِعُ الحَاوِي لِلشَّيءِ».
❖ وَقَالَ الشَّيخُ سَلَامَةُ القُضَاعِيُّ العَزَّامِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي فُرقَانِ القُرآنِ: «المَكَانُ هُوَ المَوضِعُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الجَوهَرُ عَلَى قَدرِهِ».
❖ وَقَالَ الشَّيخُ المُحَدِّثُ الفَقِيهُ العَلَّامَةُ عَبدُ اللهِ الهَرَرِيُّ: «المَكَانُ هُوَ مَا يَأخُذُهُ الحَجمُ مِنَ الفَرَاغِ».
❖ فَهٰذِهِ النُّقُولُ تُبَيِّنُ أَنَّ المَكَانَ لَيسَ لَفظًا مُبهَمًا بِلَا مَعنًى، بَل هُوَ فِي الاستِعمَالِ اللُّغَوِيِّ وَالكَلَامِيِّ رَاجِعٌ إِلَى المَوضِعِ، أَوِ الفَرَاغِ الَّذِي يَشغَلُهُ الجِسمُ، أَو مَا يَأخُذُهُ الحَجمُ مِنَ الفَرَاغِ. وَهٰذَا كُلُّهُ مِن أَحكَامِ الأَجسَامِ وَالمُتَحَيِّزَاتِ، لَا مِن صِفَاتِ رَبِّ الأَرضِ وَالسَّمَاوَاتِ.
تَحرِيرُ مَعنَى الجِهَةِ
❖ وَأَمَّا الجِهَةُ فَهِيَ عِندَ أَهلِ اللُّغَةِ وَالكَلَامِ رَاجِعَةٌ إِلَى النَّاحِيَةِ أَوِ المَوضِعِ الَّذِي يُتَوَجَّهُ إِلَيهِ، أَو إِلَى المَكَانِ بِاعتِبَارِ إِضَافَتِهِ إِلَى غَيرِهِ.
❖ قَالَ اللُّغَوِيُّ مُحَمَّدُ بنُ مُكَرَّمٍ الإِفرِيقِيُّ المِصرِيُّ، المَعرُوفُ بِابنِ مَنظُورٍ، فِي لِسَانِ العَرَبِ: «الجِهَةُ وَالوِجهَةُ جَمِيعًا: المَوضِعُ الَّذِي تَتَوَجَّهُ إِلَيهِ وَتَقصِدُهُ».
❖ وَقَالَ الفِيرُوزَآبَادِيُّ فِي القَامُوسِ المُحِيطِ: «وَالجِهَةُ: النَّاحِيَةُ، جَمعُهَا: جِهَاتٌ».
❖ وَقَالَ الشَّيخُ عَبدُ الغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ في [رَائِحَةُ الجَنَّةِ شَرحُ إِضَاءَةِ الدُّجُنَّةِ فِي عَقَائِدِ أَهلِ السُّنَّةِ]: «وَالجِهَةُ عِندَ المُتَكَلِّمِينَ هِيَ نَفسُ المَكَانِ بِاعتِبَارِ إِضَافَةِ جِسمٍ آخَرَ إِلَيهِ».
❖ وَقَالَ الشَّيخُ مُصطَفَى بنُ مُحَمَّدٍ الرُّومِيُّ الحَنَفِيُّ، المَعرُوفُ بِالكَستَلِيّ: «قَد يُطلَقُ الجِهَةُ وَيُرَادُ بِهَا مُنتَهَى الإِشَارَاتِ الحِسِّيَّةِ أَوِ الحَرَكَاتِ المُستَقِيمَةِ، فَيَكُونُ عِبَارَةً عَن نِهَايَةِ البُعدِ الَّذِي هُوَ المَكَانُ، وَمَعنَى كَونِ الجِسمِ فِي جِهَةٍ أَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ فِي مَكَانٍ يَلِي تِلكَ الجِهَةَ، وَقَد يُسَمَّى المَكَانُ الَّذِي يَلِي جِهَةً مَا بِاسمِهَا، كَمَا يُقَالُ فَوقَ الأَرضِ وَتَحتَهَا، فَيَكُونُ الجِهَةُ عِبَارَةً عَن نَفسِ المَكَانِ بِاعتِبَارِ إِضَافَةٍ مَا». [حَاشِيَةُ الكَستَلِّيِّ عَلَى العَقَائِدِ النَّسَفِيَّةِ]
❖ وَقَالَ العَلَّامَةُ كَمَالُ الدِّينِ البَيَاضِيُّ في إِشَارَاتُ المَرَامِ: «وَالجِهَةُ اسمٌ لِمُنتَهَى مَأخَذِ الإِشَارَةِ وَمَقصِدِ المُتَحَرِّكِ، فَلَا يَكُونَانِ إِلَّا لِلجِسمِ وَالجِسمَانِيِّ، وَكُلُّ ذٰلِكَ مُستَحِيلٌ، أَي عَلَى اللهِ».
❖ وَقَالَ الشَّيخُ سَلَامَةُ القُضَاعِيُّ الشَّافِعِيُّ في فُرقَانِ القُرآنِ ِ: «وَاعلَم أَنَّ بَينَ المُقَدَّرَاتِ مِنَ الجَوَاهِرِ الَّتِي هِيَ الأَجسَامُ فَمَا دُونَهَا وَبَينَ المَكَانِ وَالجِهَةِ لُزُومًا بَيِّنًا، وَهُوَ مَا لَا يَحتَاجُ عِندَ العُقَلَاءِ إِلَى دَلِيلٍ، فَإِنَّ المَكَانَ هُوَ المَوضِعُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الجَوهَرُ عَلَى قَدرِهِ، وَالجِهَةُ هِيَ ذٰلِكَ المَكَانُ، لٰكِن بِقَيدِ نِسبَتِهِ إِلَى جُزءٍ خَاصٍّ مِن شَيءٍ آخَرَ».
❖ وَقَالَ الشَّيخُ عَبدُ اللهِ الهَرَرِيُّ في المَطَالِبِ الوَفِيَّة شَرح العَقِيدَةِ النَّسَفِيَّةِ: «وَإِذَا لَم يَكُنِ اللهُ فِي مَكَانٍ لَم يَكُن فِي جِهَةٍ، لَا عُلوٍ وَلَا سُفلٍ وَلَا غَيرِهِمَا؛ لِأَنَّهَا إِمَّا حُدُودٌ وَأَطرَافٌ لِلأَمكِنَةِ، أَو نَفسُ الأَمكِنَةِ بِاعتِبَارِ عُرُوضِ الإِضَافَةِ إِلَى شَيءٍ».
❖ فَثَبَتَ بِهٰذَا أَنَّ الجِهَةَ لَا تُعقَلُ إِلَّا فِي حَقِّ مَا يَقبَلُ الإِشَارَةَ الحِسِّيَّةَ وَالحَرَكَةَ وَالحَدَّ وَالمِقدَارَ، وَهٰذِهِ كُلُّهَا مِن صِفَاتِ الأَجسَامِ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن ذٰلِكَ كُلِّهِ.
1_ ماهية المكان عند المتكلمين
المكان يطلق ويراد به معنيان عند المتكلمين:
أ- الجرم المستقر عليه، وهذا له مساحة وطول وعرض.
قال الشيخ أحمد بن عيسى الأنصاري في شرحه على أم البراهين ما نصه: “وحقيقة المكان هو استقرار جرم على جرم فالمستقرّ عليه هو المكان “. انتهى
وبالتالي فالمكان إذا أريد به المساحة المعينة فهو جرم.
ب- الحيز
مَعنَى الحَيِّزِ وَعَلَاقَتُهُ بِالمَكَانِ
❖ الحَيِّزُ عِندَ المُتَكَلِّمِينَ هُوَ البُعدُ المَوهُومُ الَّذِي يَشغَلُهُ الجِسمُ وَتَنفُذُ فِيهِ أَبعَادُهُ، وَإِنَّمَا سَمَّوهُ مَوهُومًا لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ وَحدَهُ مُنفَكًّا فِي الخَارِجِ، بَل يَلحَظُهُ العَقلُ عِندَ مُلَاحَظَةِ الجِسمِ وَامتِدَادِهِ.
❖ فَالعَقلُ يُجَرِّدُ مَعنَى التَّحَيُّزِ، ثُمَّ يُرَتِّبُ عَلَيهِ أَحكَامَهُ، فَيَحكُمُ عَلَى الجِسمِ بِالمَحدُودِيَّةِ وَالافتِقَارِ مِن حَيثُ كَونُهُ مُتَحَيِّزًا، سَوَاءٌ قِيلَ فِي حَقِيقَةِ الجِسمِ إِنَّهُ مُتَأَلِّفٌ مِن جَوَاهِرَ فَردَةٍ، أَو مِن هَيُولَى وَصُورَةٍ، أَو غَيرِ ذٰلِكَ مِمَّا يَذكُرُهُ النُّظَّارُ. فَالعِبرَةُ فِي الحُكمِ هُنَا بِأَصلِ التَّحَيُّزِ، وَالتَّحَيُّزُ مُستَلزِمٌ لِلحَدِّ وَالمِقدَارِ وَالافتِقَارِ.
❖ وَأَمَّا الجِهَةُ فَهِيَ مِنَ الأُمُورِ النِّسبِيَّةِ الإِضَافِيَّةِ، لَا تُعقَلُ إِلَّا بِمُلَاحَظَةِ أَمرَينِ: مُتَحَرِّكٍ أَو مُتَوَجِّهٍ، وَمَقصَدٍ أَو حَدٍّ يُتَوَجَّهُ إِلَيهِ. فَالمُتَحَيِّزُ يَنتَقِلُ مِن حَيِّزٍ إِلَى حَيِّزٍ، وَيَقصِدُ فِي حَرَكَتِهِ حَدًّا أَو حَيِّزًا، فَيُسَمَّى ذٰلِكَ بِالنِّسبَةِ إِلَيهِ جِهَةً.
❖ وَلِذٰلِكَ فَالحَيِّزُ وَالجِهَةُ وَالحَدُّ وَالحَرَكَةُ أُمُورٌ مُتَلَازِمَةٌ فِي حَقِّ الأَجسَامِ وَالمُتَحَيِّزَاتِ، لَا فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، الَّذِي لَيسَ بِجِسمٍ وَلَا عَرَضٍ، وَلَا يَحُلُّ فِي مَكَانٍ، وَلَا تَجرِي عَلَيهِ أَحكَامُ المَحدُودَاتِ.
وتعريف الحيز عند جمهور المتكلمين هو الفراغ الذهني المتوهم الخالي عن الشاغل، وهو ذهني الوجود، أي لا وجود له متحقق في الخارج
قال الجرجاني في التعريفات: الحيز: عند المتكلمين هو الفراغ المتوهم الذي يشغله شيء ممتد، كالجسم، أو غير ممتد، كالجوهر الفرد.
وقال المناوي في التوقيف على مهمات التعاريف: المكان: عند الحكماء: السطح الباطن من الجسم الحاوي للمماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي. وعند المتكلمين: الفراغ المتوهم الذي يشغله الجسم وينفذ فيه أبعاده. انتهى
وقال عصام الدين المولوي في كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم: الحيّز والمكان واحد عند من جعل المكان السطح أو البعد المجرّد المحقّق، وكذا عند المتكلّمين. إلّا أنّه بمعنى البعد المتوهم. انتهى
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/1627rGDHix
وأما إذا شغله شاغل، فوجوده عندئذ متحقق في الخارج وليس مجرد وجود ذهني.
وهذا كتقدير حركة في الذهن من غير قيامها بجرم، فإذا قامت الحركة بالجرم فوجودها متحقق حتما وهذا لا يعني أن الحركة المتوهمة في الذهن انقلبت لحركة حقيقية.
وهذا الذي قلناه عن الحركة يصح أيضا عن الحيز لكونهما من الأعراض.
جاء في الكاشف الصغير عن مواقع الغلط في كتب الفيلسوف ابن رشد، ما نصه : “فإن قولهم بالحيز لا يريدون به الحيز الوجودي، أي الفراغ الموجود، بل الفراغ المتوهم لا مع حصول جسم فيه، فلو تأمل في هذا القيد الأخير، فإنه نص صريح في أنهم يتكلمون عن الحيز المتوهم في العقول، كما لو تكلموا عن الحركة للشمس من الغرب إلى الشرق، فإن هذه الحركة في الحقيقة غير موجودة، بل متوهمة ولكنهم يجعلونها من الجائزات” . انتهى
وكلامه صريح هنا في اثبات الحيز الوجودي إذا شغله جسم، وعليه فالحيز تارة له وجود خارجي واقعي، وتارة هو مجرد تصور ذهني .
فوجود الشاغل أو انتفاءه هو قيد لاعتبار المكان وجوديا أو ذهنيا.
وهذا القيد ذكره التفتازاني في شرح المقاصد تحت المبحث الثالث في المكان، ونص عبارته: “وعند المتكلمين مفروض يمكن خلوه، وهو المعنيُّ بالفراغ المتوهم، الذي لو لم يشغله شاغل لكان خاليا “. انتهى
و قال ابن الأمير في اتحاف المريد شرح جوهرة التوحيد : ” واعلم أن التحيز للجرم واجب مقيد بوجود الجرم يصح عدمه إذا عدم الجرم، وأما وجود المولى تعالى ونحوه فواجب مطلق لا يقبل العدم”. انتهى
و جاء في كتاب الموجز في التحديات عند تعريف المكان : ” أي الفراغ المتوهم ووُصف بالمتوهم لأنه لا وجود خارجي للمكان مستقلا عن الجسم فهو ليس مباينا للجسم ومباينته له إنما هي في الوهم بعد التجريد والفصل بين المكان والمتمكن فهو مبني على نوع من التحليل الوهمي لما يحصل في الذهن فالمكان عند المتكلمين ليس مجردا بل لا يتصور ثبوته إلا بعد ثبوت الجسم“. انتهى
بل إن القول بأن الحيز وجودي بعد قيامه بالجرم، قد قرره الكثير من علماء أهل السنة، مثل:
– الفخر الرازي في المطالب العالية، حيث قال: “الجبل لو انتقل من مكان إلى آخر فهذا الانتقال حاصل في نفس الأمر سواء وجد العقل أو لم يوجد فثبت بأن الفضاء والخلاء أمر موجود”. انتهى
– محمد راغب باشا في سفينة الراغب، حيث قال ما نصه: “اعلم أن المكان امر موجود في نفس الامر اتفاقا”. انتهى
وقال: “أقول: وعلى هذا فكون المكان أمرا موجود لا ينافي مذهب المتكلمين”. انتهى.
– قال الجويني في الشامل: والحيز إنما هو ثابت غير متوقع”.
فالانسان مثلا، هو جسم متصل بالأرض والأرض جسم أيضا، و تحيز الانسان مستقل والأرض أيضا تحيزها مستقل. فقول الشخص: مكاني في الأرض معناه متحيز حيث تتحيز الأرض أي أنا والأرض حيزنا متصل ببعض. ليس معناه أن الأرض عرض قام بوجودي ولكن المعنى مكاني متصل بمكانها أي لي حيز متصل بحيز الأرض.
وقولنا الملائكة متحيزة في السماء لا يعني أن السماء عرض بل السماء جوهر له حيز ومكان ولكن المعنى أن الملائكة لها حيز متصل بحيز السماء.
تنبيه: الأمر الذهني هو مصطلح يُقصد به أمرا ليس له وجود حقيقي مادي خارجي، لكنه موجود في الذهن أو بالتوافق والاصطلاح بين الناس.
لَيسَ مِن شَرطِ المَكَانِ أَن يَكُونَ جِسمًا صُلبًا
❖ قَالَ أَهلُ الحَقِّ نَصَرَهُمُ اللهُ فِي بَيَانِ المَكَانِ: «لَيسَ مَعنَى المَكَانِ مَا يَتَّصِلُ جِسمٌ بِهِ عَلَى أَن يَكُونَ الجِسمَانِ مَحسُوسَينِ فَقَط، بَلِ الفَرَاغُ الَّذِي إِذَا حَلَّ فِيهِ الجِرمُ شَغَلَ غَيرَهُ عَن ذٰلِكَ الفَرَاغِ مَكَانٌ لَهُ، كَالشَّمسِ مَكَانُهَا الفَرَاغُ الَّذِي تَسبَحُ فِيهِ».
❖ فَلَيسَ مِن شَرطِ المَكَانِ أَن يَكُونَ جِسمًا صُلبًا مُتَّصِلًا بِالمُتَمَكِّنِ، بَلِ الفَرَاغُ الَّذِي يَشغَلُهُ الجِرمُ مَكَانٌ لَهُ وَحَيِّزٌ. فَالشَّمسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ تَسبَحُ فِي فَرَاغٍ، وَذٰلِكَ الفَرَاغُ مَكَانُهَا وَحَيِّزُهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسبَحُونَ (33)﴾.
❖ وَقَولُنَا: إِنَّ مَكَانَنَا الأَرضُ، مَعنَاهُ أَنَّنَا مُتَحَيِّزُونَ حَيثُ تَتَحَيَّزُ الأَرضُ، وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ الأَرضَ عَرَضٌ قَامَ بِنَا، بَل مَعنَاهُ أَنَّ لَنَا حَيِّزًا مُتَّصِلًا بِحَيِّزِ الأَرضِ.
❖ وَكَذٰلِكَ إِذَا قِيلَ: إِنَّ المَلَائِكَةَ مُتَحَيِّزَةٌ فِي السَّمَاءِ، فَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ السَّمَاءَ عَرَضٌ، بَلِ السَّمَاءُ جَوهَرٌ لَهُ حَيِّزٌ وَمَكَانٌ، وَالمَعنَى أَنَّ لِلمَلَائِكَةِ حَيِّزًا مُتَّصِلًا بِحَيِّزِ السَّمَاءِ.
❖ فَالمَكَانُ وَالحَيِّزُ فِي هٰذَا المَقَامِ يَرجِعَانِ إِلَى مَعنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ الفَرَاغُ الَّذِي يَشغَلُهُ الجِسمُ، أَو مَا يَملَؤُهُ الحَجمُ مِنَ الفَرَاغِ. وَقَد يُطلَقُ المَكَانُ أَيضًا عَلَى المَوضِعِ الَّذِي فِيهِ الشَّيءُ، كَمَا يُقَالُ: مَكَانُنَا الأَرضُ، وَالشَّمسُ مَكَانُهَا السَّمَاءُ، وَكُلُّ ذٰلِكَ مَخلُوقٌ.
❖ فَالمَكَانُ هُوَ الحَيِّزُ الَّذِي يَملَؤُهُ الجِسمُ مِنَ الفَرَاغِ، وَقَد يُطلَقُ المَكَانُ عَلَى غَيرِ الحَيِّزِ، فَيُرَادُ بِهِ المَوضِعُ الَّذِي فِيهِ الشَّيءُ، كَمَا يُقَالُ: مَكَانُنَا الأَرضُ، وَالشَّمسُ مَكَانُهَا السَّمَاءُ. فَيُطلَقُ المَكَانُ عَلَى هٰذَا وَعَلَى هٰذَا، وَكِلَاهُمَا مَخلُوقٌ. وَالحَيِّزُ بِهٰذَا الاعتِبَارِ هُوَ المَكَانُ، سَوَاءٌ كَانَ جِسمًا صُلبًا كَالأَرضِ، أَو كَانَ فَرَاغًا تَتَحَيَّزُ فِيهِ الأَجرَامُ؛ فَالعَرشُ وَالنُّجُومُ وَالشَّمسُ وَالقَمَرُ مُتَحَيِّزَاتٌ فِي الفَرَاغِ، وَكَذٰلِكَ السَّمَوَاتُ السَّبعُ وَالأَرضُ، فَكُلُّ ذٰلِكَ دَاخِلٌ فِي حُكمِ المَخلُوقِ المَحدُودِ الَّذِي يَقبَلُ الحَيِّزَ وَالمِقدَارَ، وَلَا يَجُوزُ أَن يُجعَلَ شَيءٌ مِن ذٰلِكَ وَصفًا لِلَّهِ تَعَالَى.
2-بَيَانُ مَعنَى الخَلَاءِ
بَيَانُ مَعنَى الخَلَاءِ وَالفَرَاغِ
❖ أَمَّا الخَلَاءُ، فَإِن أُرِيدَ بِهِ تَقدِيرُ فَرَاغٍ مَكَانِيٍّ لَا تَشغَلُهُ الأَجسَامُ مُطلَقًا عَلَى وَجهٍ يَقُومُ بِنَفسِهِ، فَهٰذَا لَا يَكُونُ؛ لِأَنَّ المَكَانَ عَرَضٌ لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ. وَإِن أُرِيدَ بِهِ فَرَاغٌ لَا تَشغَلُهُ الأَجسَامُ الصُّلبَةُ، كَمَا بَينَ الأَرضِ وَالسَّمَاءِ، وَبَينَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ، وَبَينَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالعَرشِ، فَهٰذَا مَعنًى صَحِيحٌ فِي حَقِّ المَخلُوقَاتِ.
مصطلح “الخلاء”، إن أُريد به الإشارة إلى “فراغ مكاني مطلق” لا تشغله الأجسام بأي حال، فإن جمهور المتكلمين ينكرون وجوده.
والتحقيق أن “المكان” عرض لا وجود له دون الأجسام. وبالتالي، فالخلاء المطلق بهذا المعنى هو أيضاً وهم لا حقيقة له. وأما الخلاء الذي شغله جسم فهو وجودي قطعا.
قال الغزالي في معيار العلم في المنطق، ما نصه: “الخلاء بعد يمكن أن يفرض في أبعاد ثلاثة قوائم، لا في مادة، من شأنه أن يملأه جسم وأن يخلو عنه”. انتهى
والخلاء أثبته الامام أبو الحسن الأشعري وان استعمل عبارات مثل الجو، والهواء.
جاء في كتاب “فلسفة الجوهر الفرد في علم الكلام الإسلامي” ما نصه: ” المقالات ورد فيها إشارة إلى الخلاء نجدها في قـول الأشعري: ” هل يجوز أن يرتفع الهواء من حيز الأجسام ؟ أجاز ذلك مجيزون وأنكره منكرون وقالوا: لو ارتفع ما بين الحائطين من الجوّ لالتقت الحيطان وتلاصقت” وهذا على ما نفهم تصريح بضرورة الخلاء أو كما ورد في المقالات “الهواء ” أو “الجو “. فلماذا الإصرار على استعمال عبارة الخلاء بذاتها دون غيرها من عبارات تؤدي نفس المعنى “. انتهى
فيلاحظ أن رأي الغزالي واثباته للخلاء، و أنه يجوز أن يملأه جسم قد أشار إليه الأشعري في مقالاته بعبارات الهواء أو الجو.
وقد أخطأ بعض المتكلمين في اطلاق عدم وجود الخلاء إذا شغله جسم مثل الكستلي حيث قال في حاشيته على شرح العقائد للتفتازاني: “والمتكلمون وان جوزوا الخلاء لكنهم لا يقولون وجوده بل يجعلونه عدما محضا محصورا بين حاضرين ولهذا يفسرونه بكون الجسمين لا يتلاقيان ولا يكون بينهما مالا فيهما “. انتهى
فالخلاء يعبر عنه بأنه وهمي إذا لم يشغله الجرم وإلا فهو وجودي إذا شغله جرم وهو أيضا ما يمنع تداخل الأجسام.
3- الفراغ
وَهٰذَا الفَرَاغُ عِندَ أَهلِ الحَقِّ مُتَنَاهٍ، فَلَيسَ وَرَاءَ العَالَمِ فَرَاغٌ لَا نِهَايَةَ لَهُ، كَمَا لَيسَ وَرَاءَهُ أَجرَامٌ مُتَوَاصِلَةٌ بِلَا نِهَايَةٍ، بَل حَيثُ يَنتَهِي حَدُّ العَالَمِ تَنتَهِي الأَجسَامُ وَالأَعرَاضُ وَالمَلَاءُ وَالخَلَاءُ.
الفراغ هو أمر اعتباري ذهني إذا لم يشغله جسم، سواء كان لطيفا أو كثيفا.
فإذا شغله جسم فهو عرض وجودي.
قال ابن الأمير في اتحاف المريد شرح جوهرة التوحيد، في معرض الكلام عن التحيز: ” هو أخذ الحيز، وهو المكان. ومذهب المتكلمين أنه فراغ موهوم اذ ليس لنا فراغ محقق بل هو مملوء بالجواهر ولو الهواء”. انتهى
ومعناه أن المكان يعبر عنه في الأصل بأنه فراغ موهوم غير متحقق، ووجوده في تلك الحال هو وجود وهمي او ذهني، وإلا فهو مملوء إما بالجواهر أو الهواء فيكون متحققا في الواقع.
وليس من شرط المكان الاتصال بجسم صُلب.
فالفراغ هو كما بين الأرض والسماء؛ وبين كل سماء وسماء؛ وبين السماء السابعة والعرش. الشمس والقمر والنجوم تسبح في الفراغ.
الفراغ الذي تسبح فيه هو مكانها هو حيزها.
4- الدليل على أن الحيز الذي شغله جسم؛ وجودي وليس اعتباريا
نَقضُ دَعوَى أَنَّ المَكَانَ اعتِبَارِيٌّ لَا وُجُودَ لَهُ
❖ إِذَا تَقَرَّرَ هٰذَا، قِيلَ لِمَن يَزعُمُ أَنَّ المَكَانَ أَمرٌ اعتِبَارِيٌّ لَا وُجُودَ لَهُ أَصلًا: إِنَّ كَلَامَكُم هٰذَا لَا يَستَقِيمُ، بَل هُوَ نَقضٌ لِمَا تَدَّعُونَهُ؛ فَإِن كَانَ المَكَانُ عِندَكُم شَيئًا اعتِبَارِيًّا لَا وُجُودَ لَهُ، فَلِمَاذَا تُنكِرُونَ عَلَى مَن يَنفِي المَكَانَ عَنِ اللهِ تَعَالَى؟
❖ إِذ نَفيُ مَا لَا وُجُودَ لَهُ لَيسَ مَحَلًّا لِلإِنكَارِ أَصلًا، بَل يَكُونُ كَلَامُكُم مُؤَدِّيًا إِلَى أَنَّ المَكَانَ مَنفِيٌّ عَنِ اللهِ وَعَنِ المَخلُوقَاتِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ مَا لَا وُجُودَ لَهُ لَا يُوصَفُ بِهِ شَيءٌ عَلَى الحَقِيقَةِ.
❖ ثُمَّ إِنَّ قَولَكُم: «المَكَانُ أَمرٌ اعتِبَارِيٌّ» إِن أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ أَصلًا، لَزِمَكُم أَن تَقُولُوا: إِنَّ المَخلُوقَ أَيضًا لَيسَ فِي مَكَانٍ، وَهٰذَا بَاطِلٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الأَجسَامَ المَخلُوقَةَ لَهَا حُدُودٌ وَغَايَاتٌ وَجِهَاتٌ، فَيُقَالُ فِي حَقِّهَا: هٰذَا فَوقَ كَذَا، وَهٰذَا تَحتَ كَذَا، وَهٰذَا عَن يَمِينِ كَذَا، وَهٰذَا عَن شِمَالِ كَذَا، بِحَسَبِ مَا لَهَا مِنَ الحُدُودِ وَالأَقدَارِ وَالنِّسَبِ.
❖ فَإِذَا نَفَيتُمُ المَكَانَ بِهٰذَا المَعنَى عَنِ المَخلُوقَاتِ، كَانَ هٰذَا مُكَابَرَةً لِلمَحسُوسِ، وَإِن أَثبَتُّمُوهُ لَهَا، فَقَد أَقرَرتُم بِأَنَّ المَكَانَ لَهُ اعتِبَارٌ فِي حَقِّ ذَوَاتِ الحُدُودِ وَالأَجرَامِ، لَا فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى
ولزيادة الفلائدة نقول : ذكر علماء الكلام أن العالم هو كل ما سوى الله. والعالم بأسره مخلوق، وهو إما جواهر أو أعراض باجماع المتكلمين.
ولا شك أن الحيز من جملة العالم، فوجوده متحقق كما بينه الفخر الرازي وغيره.
قال التفتازاني في شرح المقاصد: لو كان هو البعد فإما أن يكون متوهما مفروضا، على ما هو رأي المتكلمين، وهو باطل لأن المكان موجود ضرورة واستدلالاً بأنه يقبل التساوي والتفاوت وحيث يقال مكان هذا مساو لمكان ذاك، أو زائد عليه، أو ناقص عنه، نصف له، أو ثلث أو ربع، أو غير ذلك، وبأنه يقبل الإشارة الحسية، وانتقال الجسم منه وإليه، حيث يقال : انتقل الجسم من هذا المكان إلى ذلك والاتصاف بالصغر والكبر، والطول والقصر، والقرب والبعد والاتصال والانفصال إلى غير ذلك، ولا شيء من العدم المحض والنفي الصرف كذلك. انتهى
وإذا ثبت أن الحيز وجودي فهو إما جوهر أو عرضا، ولا ثالث لهما:
أ – لو كان الحيز جوهرا لاحتاج لحيز آخر يقوم به، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى الدَّوْرِ أَوِ التَّسَلْسُلِ المُسْتَحِيلَيْنِ.
ب – لو كان الحيز عرضا قائم بجسم فلا يطلب جسما آخر يقوم به، ولا يستلزم عرضا آخر مثله، وَهَذَا لا يُؤَدِّي قطعا إِلَى الدَّوْرِ أَوِ التَّسَلْسُلِ المُسْتَحِيلَيْنِ كما يظن البعض.
فما يزعمه بعضهم أن المكان لو كان عرضا فهو يُؤدي إلى اسْتِحالَةِ تَعاقُبِ الجَواهِرِ عَلَى مَكانٍ وَاحِدٍ، فهو خطأ ، لأن المكان لو أريد به الجرم المستَقَر عليه، فلا يمنع ذلك تَعاقُبِ الجَواهِرِ عَلَى مَكانٍ وَاحِدٍ، وإن كان المراد بالمكان ما قام بالجوهر بحيث يمنع اللانهائية عنه وتداخله مع بقية الأجسام، فهذا لا شك حق وصواب.
وعليه فماهية المكان والحيز : هو الفراغ المتوهم في الذهن، الخالي من الشاغل كجوهر أو نحوه، لأن المكان من الأعراض التي لا تقوم بذاتها. فليس لها وجود مستقل في الخارج.
فخلو المكان من الشاغل قيد في الوجود المتوهم أو الوجود الذهني.
وأما المكان المتحقق في الخارج فهو الفراغ الذي شغله شاغل،
فمع وجود الشاغل يكون وجود الحيز حقيقيا. وهو بهذا الاعتبار عرض لازم للجسم قائم به، مانع له من اللانهائية والامتزاج مع بقية الأجسام، إذ لا يمكن للجسم أن يكون غير متناهٍ.
فوجود المكان في الخارج هو تبع لقيامه بالجسم، أي أن المكان يوجد في الخارج بوجود الجسم ملازمة.
وقولنا أن المكان عرض لازم للجسم، معناه أنه يوجد بوجود الجسم وينعدم بعدمه، وفي المقابل أيضا فإن انتفاء العرض يُفضي إلى انتفاء الجسم ذاته في الخارج، لأن الجسم لا يكون الا في مكان.
فاطلاق القول بان المكان هو مفهوم ذهني محض أو اصطلاحي مجرد من غير تقييد خلوه من الشاغل فيه مجاوزة. ولو كان المكان ذهنيا فكيف نفسر قداسة بعض الأمكنة في الخارج؟ فمن زعم مثلا أن بركة الأمكنة القريبة من المسجد الأقصى ذهنية أو عدمية فهذا يخبط خبط عشواء.
فمن هنا علم أن الحيز الوجودي هو عرض، وبالتالي فهو غير قائم بذاته استقلالا، بل قائم بالجسم، وهو القول المعتمد عند الأشعرية.
جاء في الكاشف الصغير عن مواقع الغلط في كتب الفيلسوف ابن رشد، ما نصه : ” ولذلك يقول البعض منهم: إن الحيز هو من المعقولات الثانية أي التي لا يلاحظها العقل وحدها في الخارج مباشرة، بل إنه يجردها مما هو ملاحظ لذاته وهو الجسم . فالحيز بناءاً على هذا التفسير وهو التفسير المعتمد عند الأشاعرة، هو من الأعراض الذاتية، وهو غير موجود في نفسه “. انتهى
5- الفرق بين المُتحيّز والحَيّز والتَّحيّز
– المُتحيز هو الجوهر
– الحيز هو العرض
-التحيز هو التّمكن ويأتي بمعنى انحلال الجوهر في حيزه ونفوذه واستقراره في مكانه، أو بمعنى قيام الحيز بالجوهر
6- بيان أن الحيز عرض لازم للجوهر، وأنه من الصفات الثبوتية المعنوية
الجوهر اصطلاحا، هو ما يقوم بذاته وهذا كاف لتعقله في الذهن، وإلا فوجوده لا يصح في الخارج إلا بقيام الحيز به. فالحيز عرض لازم للجرم، لا لمجرد تعقله في الذهن، بل لأجل أن يوجد في الواقع.
ثم ان المتكلمين لا يجعلون التحيز من الصفات النفسية الثبوتية للجوهر. والصفات النفسية هي ما تدل على الذات دون معنى زائد، ككونها جوهرا أو موجودة أو ذاتا. بل إن التحيز عندهم من الصفات المعنوية الثبوتية، أي التي تدل على معنى زائد على الذات.
راجع حواشي الشيخ حسن العطار على مقولات البليدي
فإن قيل: لو كان الحيز عرضا لكان له ضدٌ من جنسه، يتواردان على محل واحد على البدل كالعلم والجهل، و كالحركة والسكون و كالقدرة والعجز.
وجواب ذلك مختصرا أن التحيز في السماء ضده التحيز في الأرض، و تحيز الجسم الكبير ضده تحيز الجسم الصغير، و التحيز في مكان أول ضده التحيز في مكان ثاني.
7- تقديم مثال أول على تحيز الجسم
المثال الأول: زيد فوق الكرسي:
لما كان للمكان اطلاقان:
الأول الجرم الذي يستقر عليه الجرم الثاني
الثاني: الحيز وهو العرض القائم بالجسم.
– فعلى الاطلاق الأول: زيد متحيز، وكرسيه حيز له، والتحيز هو استقرار زيد على الكرسي وتمكنه فيه. فالكرسي لا يسمى مكان زيد إلا بعد تمكنه فيه. ثم ان المكان الذي شغله زيد وهو الكرسي، يصح أن يشغله غيره فيصير مكانا له لا مكانا لزيد.
– و على الاطلاق الثاني: زيد متحيز، والفراغ الذي شغله جسم زيد هو عرض لازم لزيد. والتحيز هو قيام الحيز بجسم زيد. وليس شرطا أن يقال أن حيزه هو الكرسي، بل هو الفراغ الذي شغله جسمه. ثم إن الحيز الذي قام بجسم زيد هو لازم له، ولا يتعقل وجود زيد الا في مكان، فاذا انعدم حيزه فلا يشغله غيره.
7- تقديم مثال ثاني عن انتقال جرم من مكان لآخر
المثال الثاني: كوز فيه الماء، ثم تم افراغ ذلك الماء في قارورة:
انتقال الجرم من مكان لآخر تفسيره باعتبارين:
– الاعتبار الأول: إذا كان المكان هو الجسم المستقر عليه فانتقال الجرم – وهو الماء في مثالنا- ، معناه أنه ترك الجسم المستقر عليه وهو الكوز وحلّ في جسم آخر وهو القارورة.
فلا يشترط هنا انعدام الحيز الأول لكونه جرما قائما بذاته.
– الاعتبار الثاني: إذا أريد بالمكان الحيز أو الفراغ الذي شغله الماء فهو عرض قائم بالماء فانتقال الماء عنه، يعني أن الماء لم يعد شاغلا لذلك الحيز، فصار فراغا متوهما لا وجود له. وهذا معناه أن الحيز الأول انعدم لكونه عرضا. فلما استقر الماء في القارورة قام به عرض ثاني وجودي وهو مكانه وحيزه داخل القارورة.
ثم إن بين سكب الماء من الكوز ودخول الهواء في الكوز لابد أن نقدر فراغا لا هو مشغول بالهواء ولا هو مشغول بالماء كي لايؤدي إلى تداخل الأجسام. ولا يقال أن فراغا قد شغل الكوز لما أفرغنا الماء، بل الذي شغل الكوز هو جسم لطيف وهو الهواء. فالهواء قام به عرض لازم له وهو مكانه داخل الكوز.
وأما القول بأن المكان الذي كان مشغولا بالماء هو نفس المكان الذي شغله الهواء قول باطل بهذا الاعتبار لأن حيز الجوهر الصلب غير حيز الجوهر الغازي، و ماهية الحيز باعتباره ما يمنع امتداد الجسم في الفضاء هو غير الجسم المادي الذي يستقر عليه الماء. فماهية حيز الماء لازمة له، وهي غير ماهية حيز الهواء، وان جوزنا عليهما التعاقب في نفس المكان المادي، لأن المكان المادي – وهو الكوز في مثالنا- ليس لازما لهما من أصله. وهذا التفصيل يغفل عنه الكثيرون.
الفَرقُ بَينَ جِهَاتِ المَخلُوقِ وَتَنزِيهِ الخَالِقِ و الفَرقُ بَينَ الخَالِقِ وَالمَخلُوقِ
❖ مِن هُنَا يُعلَمُ أَنَّ مَا يُقَالُ مِن فَوقٍ وَتَحتٍ وَيَمِينٍ وَشِمَالٍ وَأَمَامٍ وَخَلفٍ إِنَّمَا يَصِحُّ فِي حَقِّ مَا لَهُ حَدٌّ وَجِرمٌ وَقَدرٌ وَإِمكَانُ إِشَارَةٍ حِسِّيَّةٍ.
❖ فَالحَيَوَانُ لَمَّا أَمكَنَهُ أَن يَتَحَرَّكَ إِلَى سِتِّ جِهَاتٍ، صَارَ يُقَالُ فِي حَقِّهِ: لَهُ سِتُّ جِهَاتٍ وَالأَجسَامُ غَيرُ المُتَحَرِّكَةِ بِالإِرَادَةِ، كَالحَجَرِ وَالنَّارِ وَالهَوَاءِ وَالتُّرَابِ وَالمَعَادِنِ، يُقَالُ فِيهَا بِاعتِبَارِ طَبِيعَتِهَا وَمَا يَعرِضُ لَهَا مِنَ الحَرَكَةِ: إِنَّهَا تَتَوَجَّهُ إِلَى عُلوٍ أَو سُفلٍ، وَكُلُّ ذٰلِكَ إِضَافِيٌّ مَرجِعُهُ إِلَى أَحكَامِ الأَجسَامِ.
❖ فَمَن زَعَمَ أَنَّ كُلَّ مَوجُودٍ لَا بُدَّ أَن يَكُونَ فِي جِهَةٍ، فَقَد قَاسَ الحقَّ عَلَى الشَّاهِدِ، وَجَعَلَ حُكمَ الخَالِقِ كَحُكمِ المَخلُوقِ، وَهٰذَا أَصلُ التَّشبِيهِ.
مَنشَأُ الخَبطِ فِي إِعطَاءِ الغَائِبِ حُكمَ الشَّاهِدِ
❖ وَمَنشَأُ الخَبطِ هٰهُنَا إِنَّمَا هُوَ مِنَ الوَهمِ، حَيثُ يُعطِي الغَائِبَ حُكمَ الشَّاهِدِ، وَيَحكُمُ عَلَى غَيرِ المَحسُوسِ بِمَا حَكَمَ بِهِ عَلَى المَحسُوسِ، وَهٰذَا حُكمٌ كَاذِبٌ غَيرُ صَادِقٍ؛ فَإِنَّ الوَهمَ قَد يَرتَمِي إِلَى أَنَّهُ لَا جِسمَ إِلَّا فِي مَكَانٍ بِنَاءً عَلَى الشَّاهِدِ، مَعَ أَنَّ العَقلَ يَشهَدُ بِأَنَّ العَالَمَ لَيسَ فِي مَكَانٍ؛ لِأَنَّ البُرهَانَ قَد دَلَّ عَلَى نِهَايَتِهِ.
❖ وَقَد يَشتَدُّ الوَهمُ بِبَعضِ النَّاسِ حَتَّى يَقضِيَ بِهِ عَلَى العَقلِ، وَذٰلِكَ كَمَن يَنفِرُ مِنَ المَبِيتِ فِي بَيتٍ فِيهِ مَيِّتٌ؛ لِتَوَهُّمِهِ أَنَّهُ يَتَحَرَّكُ أَو يَقُومُ، مَعَ أَنَّ عَقلَهُ يَقضِي بِانتِفَاءِ ذٰلِكَ. فَإِذًا اللَّبِيبُ مَن تَرَكَ الوَهمَ جَانِبًا، وَلَم يَتَّخِذ غَيرَ البُرهَانِ وَالدَّلِيلِ صَاحِبًا.
❖ وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ مُستَنَدَ هٰذَا الحُكمِ لَيسَ إِلَّا مُجَرَّدَ الوَهمِ، فَطَرِيقُ كَشفِ الخَيَالِ إِنَّمَا هُوَ النَّظَرُ فِي البُرهَانِ؛ فَإِنَّا قَد بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِن مَوجُودٍ هُوَ مُبدِئُ الكَائِنَاتِ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَن يَكُونَ لَهُ مِثلٌ مِنَ المَوجُودَاتِ، لَا شَاهِدًا وَلَا غَائِبًا، وَمَعَ تَسلِيمِ هَاتَينِ القَاعِدَتَينِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَا يَقضِي بِهِ الوَهمُ لَا حَاصِلَ لَهُ.
❖ ثُمَّ إِنَّهُ لَو لَزِمَ أَن يَكُونَ اللهُ تَعَالَى جِسمًا كَمَا فِي الشَّاهِدِ، لَلَزِمَ أَن يَكُونَ حَادِثًا كَمَا فِي الشَّاهِدِ، وَهٰذَا مُمتَنِعٌ؛ لِمَا تَقَرَّرَ مِن أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ، خَالِقُ الأَجسَامِ وَالأَمكِنَةِ وَالجِهَاتِ، فَلَا يَجُوزُ أَن يُحكَمَ عَلَيهِ بِأَحكَامِ مَا خَلَقَ.
نَقضُ دَعوَى أَنَّ المَكَانَ اعتِبَارِيٌّ لَا وُجُودَ لَهُ
❖ إِذَا تَقَرَّرَ هٰذَا، قِيلَ لِمَن يَزعُمُ أَنَّ المَكَانَ أَمرٌ اعتِبَارِيٌّ لَا وُجُودَ لَهُ أَصلًا: إِنَّ كَلَامَكُم هٰذَا لَا يَستَقِيمُ، بَل هُوَ نَقضٌ لِمَا تَدَّعُونَهُ؛ فَإِن كَانَ المَكَانُ عِندَكُم شَيئًا اعتِبَارِيًّا لَا وُجُودَ لَهُ، فَلِمَاذَا تُنكِرُونَ عَلَى مَن يَنفِي المَكَانَ عَنِ اللهِ تَعَالَى؟
❖ إِذ نَفيُ مَا لَا وُجُودَ لَهُ لَيسَ مَحَلًّا لِلإِنكَارِ أَصلًا، بَل يَكُونُ كَلَامُكُم مُؤَدِّيًا إِلَى أَنَّ المَكَانَ مَنفِيٌّ عَنِ اللهِ وَعَنِ المَخلُوقَاتِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ مَا لَا وُجُودَ لَهُ لَا يُوصَفُ بِهِ شَيءٌ عَلَى الحَقِيقَةِ.
❖ ثُمَّ إِنَّ قَولَكُم: «المَكَانُ أَمرٌ اعتِبَارِيٌّ» إِن أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ أَصلًا، لَزِمَكُم أَن تَقُولُوا: إِنَّ المَخلُوقَ أَيضًا لَيسَ فِي مَكَانٍ، وَهٰذَا بَاطِلٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الأَجسَامَ المَخلُوقَةَ لَهَا حُدُودٌ وَغَايَاتٌ وَجِهَاتٌ، فَيُقَالُ فِي حَقِّهَا: هٰذَا فَوقَ كَذَا، وَهٰذَا تَحتَ كَذَا، وَهٰذَا عَن يَمِينِ كَذَا، وَهٰذَا عَن شِمَالِ كَذَا، بِحَسَبِ مَا لَهَا مِنَ الحُدُودِ وَالأَقدَارِ وَالنِّسَبِ.
❖ فَإِذَا نَفَيتُمُ المَكَانَ بِهٰذَا المَعنَى عَنِ المَخلُوقَاتِ، كَانَ هٰذَا مُكَابَرَةً لِلمَحسُوسِ، وَإِن أَثبَتُّمُوهُ لَهَا، فَقَد أَقرَرتُم بِأَنَّ المَكَانَ لَهُ اعتِبَارٌ فِي حَقِّ ذَوَاتِ الحُدُودِ وَالأَجرَامِ، لَا فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى.
الفَرقُ بَينَ الخَالِقِ وَالمَخلُوقِ
❖ الفَرقُ بَيِّنٌ بَينَ الخَالِقِ وَالمَخلُوقِ؛ فَالمَخلُوقُ جِسمٌ أَو قَائِمٌ بِجِسمٍ، لَهُ حَدٌّ وَمِقدَارٌ وَنِهَايَةٌ، فَتَصِحُّ عَلَيهِ النِّسَبُ المَكَانِيَّةُ مِن فَوقٍ وَتَحتٍ وَيَمِينٍ وَشِمَالٍ وَدُخُولٍ وَخُرُوجٍ وَقُربٍ وَبُعدٍ حِسِّيٍّ.
❖ أَمَّا اللهُ تَعَالَى فَلَيسَ جِسمًا، وَلَا تَحُدُّهُ الحُدُودُ، وَلَا تُدرِكُهُ الغَايَاتُ، وَلَا يَحِلُّ فِي شَيءٍ، وَلَا يَحتَاجُ إِلَى شَيءٍ، وَلَا تَجرِي عَلَيهِ أَحكَامُ الأَجسَامِ. فَكَيفَ يُوصَفُ بِأَنَّهُ فِي جِهَةٍ حِسِّيَّةٍ، أَو أَنَّهُ عَن يَمِينِ شَيءٍ أَو شِمَالِهِ، أَو فَوقَهُ فَوقِيَّةً مَكَانِيَّةً، مَعَ أَنَّ هٰذِهِ كُلَّهَا مِن لَوَازِمِ ذَوَاتِ الحُدُودِ وَالمَقَادِيرِ؟
❖ وَمَن قَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى فَوقَ العَالَمِ بِذَاتِهِ فَوقِيَّةً مَكَانِيَّةً، لَزِمَهُ أَن يَجعَلَ اللهَ تَعَالَى مُقَابِلًا لِلعَالَمِ، وَأَن يَجعَلَ بَينَهُ وَبَينَ خَلقِهِ نِسبَةً مَكَانِيَّةً، وَهٰذَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِمَا لَهُ حَدٌّ وَغَايَةٌ.
❖ وَإِن قَالَ: لَا أَعنِي مَكَانًا وَلَا جِهَةً وَلَا حَدًّا، فَقَد رَجَعَ إِلَى تَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَنِ المَكَانِ وَالجِهَةِ، وَسَقَطَ إِنكَارُهُ عَلَى أَهلِ التَّنزِيهِ. فَإِنَّ الفَوقِيَّةَ المَكَانِيَّةَ لَا تُعقَلُ إِلَّا بِحَدٍّ وَمُقَابَلَةٍ وَنِسبَةٍ، وَأَمَّا عُلُوُّ اللهِ تَعَالَى فَهُوَ عُلُوُّ القَدرِ وَالقَهرِ، لَا عُلُوُّ مَكَانٍ وَمَسَافَةٍ.
بُطلَانُ قَولِ مَن يَزعُمُ جِهَةً عَدَمِيَّةً أو دَعوَى الفَضَاءِ أَوِ المَكَانِ العَدَمِيِّ فَوقَ العَرشِ
❖ وَمِن شُؤمِ بِدعَةِ المُجَسِّمَةِ أَنَّهُم لَمَّا أُلزِمُوا بِبُطلَانِ قَولِهِم: إِنَّ اللهَ فِي السَّمَاءِ بِمَعنَى أَنَّهُ مُتَحَيِّزٌ فِيهَا، وَقِيلَ لَهُم: مَاذَا تَقُولُونَ فِي السَّمَاءِ، أَهِيَ اللهُ أَم غَيرُ اللهِ؟ وَلَا بُدَّ لَهُم أَن يَقُولُوا: إِنَّهَا غَيرُ اللهِ؛ اضطَرَبُوا فِي الجَوَابِ اضطِرَابًا شَدِيدًا، فَقَالَ بَعضُهُم: أَرَدنَا السَّمَاءَ الَّتِي هِيَ غَيرُ مَخلُوقَةٍ، فَجَعَلُوا غَيرَ اللهِ أَزَلِيًّا، وَهٰذَا كُفرٌ وَضَلَالٌ.
❖ وَقَالَ بَعضُهُم: بَل هُوَ فِي جِهَةٍ عَدَمِيَّةٍ، فَيُقَالُ لَهُم: مَعنَى كَلَامِكُم أَنَّ اللهَ مَوجُودٌ فِي العَدَمِ، وَهٰذَا بَاطِلٌ بِلَا شَكٍّ؛ لِأَنَّ العَدَمَ لَيسَ شَيئًا يُحَلُّ فِيهِ، وَلَا مَوضِعًا يُنسَبُ إِلَيهِ مَوجُودٌ. وَالَّذِي جَاءَ بِهِ الشَّرعُ وَأَيَّدَهُ دَلِيلُ العَقلِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ، فَمَن قَالَ بِخِلَافِ ذٰلِكَ فَقَد وَصَفَ اللهَ بِمَا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَشَبَّهَهُ بِمَخلُوقَاتِهِ، وَخَالَفَ دِينَ التَّنزِيهِ الَّذِي جَاءَت بِهِ الرُّسُلُ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
❖ وَأَمَّا زَعمُهُم أَنَّ اللهَ تَعَالَى فِي الفَضَاءِ الَّذِي وَرَاءَ العَرشِ، أَو فِي جِهَةٍ عَدَمِيَّةٍ، أَو مَكَانٍ عَدَمِيٍّ كَمَا يُعَبِّرُ بَعضُهُم، فَهٰذَا مِن أَظهَرِ التَّنَاقُضِ وَأَبعَدِهِ عَنِ البُرهَانِ الشَّرعِيِّ وَالعَقلِيِّ؛ إِذ يُقَالُ لَهُم: عَلَى أَيِّ دَلِيلٍ مِن كِتَابِ اللهِ أَو سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ أَثبَتُّم وُجُودَ هٰذَا الفَرَاغِ وَرَاءَ العَرشِ؟ وَأَيُّ آيَةٍ أَو حَدِيثٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ وَرَاءَ العَالَمِ فَضَاءً يَحُلُّ فِيهِ الخَالِقُ سُبحَانَهُ؟ فَإِن لَم يَأتُوا بِدَلِيلٍ، عُلِمَ أَنَّ قَولَهُم تَخَرُّصٌ وَتَوَهُّمٌ، لَا يَستَنِدُ إِلَى نَقلٍ صَحِيحٍ وَلَا عَقلٍ صَرِيحٍ.
❖ ثُمَّ يُقَالُ لَهُم: هٰذَا الفَضَاءُ الَّذِي زَعَمتُمُوهُ وَرَاءَ العَرشِ، أَهُوَ أَمرٌ وُجُودِيٌّ أَم أَمرٌ عَدَمِيٌّ؟ فَإِن قَالُوا: هُوَ أَمرٌ وُجُودِيٌّ، قِيلَ لَهُم: أَمَخلُوقٌ هُوَ أَم غَيرُ مَخلُوقٍ؟ فَإِن قَالُوا: مَخلُوقٌ، قِيلَ لَهُم: أَينَ كَانَ اللهُ تَعَالَى قَبلَ أَن يَخلُقَهُ؟ وَإِن قَالُوا: هُوَ أَمرٌ وُجُودِيٌّ لَم يَخلُقهُ اللهُ، قِيلَ لَهُم: هٰذَا تَصرِيحٌ بِإِثبَاتِ مَوجُودٍ غَيرِ اللهِ لَيسَ مَخلُوقًا لَهُ، وَفِيهِ نَقضٌ لِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾، وَهُوَ بَاطِلٌ لَا يَصدُرُ عَمَّن عَرَفَ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللهِ مَخلُوقٌ.
❖ وَإِن قَالُوا: بَل هُوَ فَرَاغٌ عَدَمِيٌّ، قِيلَ لَهُم: فَكَيفَ جَعَلتُمُ العَدَمَ مَكَانًا يُشَارُ إِلَيهِ وَيُعَيَّنُ فَوقَ العَالَمِ؟ وَكَيفَ صَحَّ عِندَكُم أَن تَقُولُوا: مَكَانٌ عَدَمِيٌّ، مَعَ أَنَّ أَوَّلَ العِبَارَةِ يَهدِمُ آخِرَهَا، وَآخِرَهَا يُبطِلُ أَوَّلَهَا؟ فَإِنَّ المَكَانَ مَا يُنسَبُ إِلَيهِ المُتَمَكِّنُ وَيُشَارُ إِلَيهِ، وَالعَدَمُ لَا وُجُودَ لَهُ وَلَا يُشَارُ إِلَيهِ، فَكَيفَ جَمَعتُم بَينَ كَونِهِ مَكَانًا وَكَونِهِ عَدَمًا؟ وَهَل يُشَارُ إِلَى العَدَمِ؟ وَهَل يَصِحُّ أَن يُقَالَ: فَوقَ العَالَمِ مَوضِعٌ عَدَمِيٌّ، ثُمَّ يُجعَلُ ذٰلِكَ المَوضِعُ مَحَلًّا لِنِسبَةِ الخَالِقِ إِلَيهِ؟
❖ وَهٰذَا مِن عَجَائِبِ تَنَاقُضِهِم؛ فَإِنَّهُم لَمَّا ضَاقَ عَلَيهِم إِثبَاتُ المَكَانِ الوُجُودِيِّ، لِأَنَّهُ إِن كَانَ مَوجُودًا فَهُوَ مَخلُوقٌ، وَإِن كَانَ غَيرَ مَخلُوقٍ لَزِمَ إِثبَاتُ قَدِيمٍ مَعَ اللهِ، فَرُّوا إِلَى قَولِهِم: إِنَّهُ مَكَانٌ عَدَمِيٌّ، فَوَقَعُوا فِي تَنَاقُضٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ العَدَمَ لَا يَكُونُ مَكَانًا، وَلَا جِهَةً، وَلَا مَحَلًّا، وَلَا مَقصِدًا لِلإِشَارَةِ. فَإِن جَعَلُوهُ مَكَانًا فَقَد أَثبَتُوا لَهُ حُكمَ الوُجُودِ، وَإِن جَعَلُوهُ عَدَمًا فَقَد نَقَضُوا قَولَهُم بِالمَكَانِ وَالجِهَةِ.
❖ وَمِن هٰهُنَا يُعلَمُ أَنَّ قَولَهُم: «اللهُ فَوقَ العَرشِ حَيثُ لَا مَكَانَ»، أَو «فَوقَ العَرشِ فِي مَكَانٍ عَدَمِيٍّ»، لَيسَ هُوَ تَنزِيهًا، بَل هُوَ تَحَيُّزٌ مُغَلَّفٌ بِعِبَارَةٍ مُتَنَاقِضَةٍ؛ لِأَنَّ العِبرَةَ بِالمَعَانِي لَا بِالأَلفَاظِ. فَمَن أَثبَتَ جِهَةً يُشَارُ إِلَيهَا، وَنِسبَةً مَكَانِيَّةً إِلَى العَرشِ، وَفَوقِيَّةً حِسِّيَّةً تَقتَضِي المُقَابَلَةَ، فَقَد أَثبَتَ حُكمَ المَكَانِ وَالحَيِّزِ، وَإِن زَعَمَ بِلِسَانِهِ أَنَّهُ لَا يُثبِتُ مَكَانًا.
❖ وَيُقَالُ لِمَن زَعَمَ أَنَّ المُرَادَ بِالجِهَةِ هُنَا أَمرٌ عَدَمِيٌّ: مَاذَا تَعنِي بِالعَدَمِ؟ فَإِن كُنتَ تَعنِي أَمرًا لَا وُجُودَ لَهُ فِي الخَارِجِ، وَلَا يَثبُتُ فِي المَحسُوسِ، فَهٰذَا عَينُ نَفيِ المَكَانِ وَالجِهَةِ، فَمَا الفَرقُ حِينَئِذٍ بَينَ قَولِكَ: «اللهُ فِي جِهَةٍ عَدَمِيَّةٍ»، وَبَينَ قَولِ أَهلِ التَّنزِيهِ: «اللهُ مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ»؟ بَل قَولُ أَهلِ التَّنزِيهِ أَسلَمُ وَأَوضَحُ؛ لِأَنَّهُم نَفَوا عَنِ اللهِ تَعَالَى المَكَانَ وَالجِهَةَ نَفيًا صَرِيحًا ومَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِن أَحكَامِ الأَجسَامِ، وَلَم يُوهِمُوا ثُبُوتَ جِهَةٍ ثُمَّ يَصِفُوهَا بِالعَدَمِ، وَلَم يَنسبُوهُ إِلَى العَدَمِ، وَلَم يَجعَلُوا العَدَمَ جِهَةً لَهُ. وَإِن كُنتَ تَعنِي بِالعَدَمِ أَمرًا لَهُ تَحَقُّقٌ يُشَارُ إِلَيهِ، فَهٰذَا لَيسَ عَدَمًا، بَل هُوَ أَمرٌ وُجُودِيٌّ، فَيَعُودُ الإِلزَامُ السَّابِقُ: أَمَخلُوقٌ هُوَ أَم غَيرُ مَخلُوقٍ؟
❖ وَيُقَالُ لَهُم أَيضًا: إِذَا أَشَارَ المُشِيرُ بِإِصبَعِهِ إِلَى فَوقُ، أَيُشِيرُ إِلَى جِهَةٍ عَدَمِيَّةٍ؟ فَإِن قَالُوا: نَعَم، قِيلَ لَهُم: هَل تَجُوزُ الإِشَارَةُ إِلَى المَعدُومِ؟ وَهَل العَدَمُ شَيءٌ يُعَيَّنُ وَيُقَالُ عَنهُ: هُنَا أَو هُنَاكَ؟ وَإِن قَالُوا: بَل يُشِيرُ إِلَى جِهَةٍ مَوجُودَةٍ، قِيلَ لَهُم: فَقَد رَجَعتُم إِلَى إِثبَاتِ جِهَةٍ وُجُودِيَّةٍ، فَإِن كَانَت مَخلُوقَةً لَزِمَكُم أَن تَجعَلُوا اللهَ فِي مَخلُوقٍ، وَإِن قُلتُم غَيرُ مَخلُوقَةٍ، فَقَد أَثبَتُّم قَدِيمًا مَعَ اللهِ، وَكِلَا الأَمرَينِ بَاطِلٌ.
❖ وَأَمَّا قَولُ بَعضِهِم: إِنَّهُ لَا مَكَانَ فَوقَ العَرشِ، وَإِنَّ المَكَانَ تَحتَ العَرشِ فَقَط، فَهٰذَا أَيضًا دَعوَى بِلَا دَلِيلٍ، بَل يَنقُضُهَا مَا ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَمَّا قَضَى اللهُ الخَلقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِندَهُ فَوقَ العَرشِ: إِنَّ رَحمَتِي غَلَبَت غَضَبِي». وَفِي رِوَايَةٍ: «وَهُوَ وَضعٌ عِندَهُ عَلَى العَرشِ: إِنَّ رَحمَتِي تَغلِبُ غَضَبِي». وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ فِي فَتحِ البَارِي: «وَضعٌ: بِفَتحٍ فَسُكُونٍ، أَي مَوضُوعٌ، وَوَقَعَ كَذٰلِكَ فِي الجَمعِ لِلحُمَيدِيِّ بِلَفظِ: مَوضُوعٌ، وَهِيَ رِوَايَةُ الإِسمَاعِيلِيِّ». وَفِي رِوَايَةٍ عِندَ ابنِ حِبَّانَ: «وَهُوَ مَرفُوعٌ فَوقَ العَرشِ». فَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دَعوَى نَفيِ كُلِّ مَكَانٍ فَوقَ العَرشِ دَعوَى مُجرَّدَةٌ، وَلَيسَ فِيهِ إِثبَاتُ مَكَانٍ لِلَّهِ تَعَالَى، بَل فِيهِ بَيَانُ أَنَّ المَخلُوقَاتِ قَد تُنسَبُ إِلَى فَوقِ العَرشِ، وَأَمَّا اللهُ تَعَالَى فَمُنَزَّهٌ عَن أَن يَحُلَّ فِي مَكَانٍ أَو يَختَصَّ بِحَيِّزٍ.
❖ وَمِن تَخَبُّطِهِم أَنَّهُم يَعتَرِضُونَ عَلَى قَولِ أَهلِ الحَقِّ: «لَا يُقَالُ إِنَّ اللهَ دَاخِلَ العَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ»، وَيَزعُمُونَ أَنَّ مَن لَم يَكُن دَاخِلَ العَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ فَهُوَ عَدَمٌ، وَهٰذَا إِنَّمَا صَدَرَ عَن قِيَاسِ الخَالِقِ عَلَى الأَجسَامِ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ وَالخُرُوجَ مِن أَحكَامِ الأَجسَامِ وَالمُتَحَيِّزَاتِ، فَمَا لَم يَكُن جِسمًا لَا يَصِحُّ أَن يُقَالَ فِيهِ: دَاخِلٌ أَو خَارِجٌ بِالمَعنَى الحِسِّيِّ المَكَانِيِّ. فَمَن أَلزَمَ أَهلَ التَّنزِيهِ بِالعَدَمِ لِأَنَّهُم نَفَوا عَنِ اللهِ الدُّخُولَ وَالخُرُوجَ، فَقَد جَعَلَ اللهَ كَالأَجسَامِ، وَحَكَمَ عَلَيهِ بِأَحكَامِ المَخلُوقَاتِ.
❖ بَل الإِلزَامُ يَرجِعُ عَلَى القَائِلِ بِالمَكَانِ العَدَمِيِّ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِلَفظِ العَدَمِ، وَجَعَلَ اللهَ فِي مَا سَمَّاهُ مَكَانًا عَدَمِيًّا، وَمَعلُومٌ أَنَّ مَن قَالَ: إِنَّ شَيئًا فِي العَدَمِ، فَقَد أَتَى بِعِبَارَةٍ فَاسِدَةٍ خَطِيرَةٍ، لِأَنَّ العَدَمَ لَا يَكُونُ مَحَلًّا وَلَا وِعَاءً وَلَا جِهَةً وهي نَفيٌ لوُجُودِهِ. أَمَّا قَولُ أَهلِ التَّنزِيهِ: «اللهُ لَا دَاخِلَ العَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ»، فَمَعناهُ نَفيُ أَحكَامِ الأَجسَامِ عَنِ اللهِ تَعَالَى، لَا نَفيُ وُجُودِهِ؛ فَهُم يُثبِتُونَ وُجُودَ اللهِ تَعَالَى، وَيَنفُونَ عَنهُ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الحُدُودِ وَالأَقطَارِ وَالأَحكَامِ المَكَانِيَّةِ.
❖ فإِن قِيلَ: إِنَّ اللهَ فِي جِهَةٍ عَدَمِيَّةٍ، قِيلَ: هٰذَا مَعنَاهُ أَنَّ اللهَ مَوجُودٌ فِي العَدَمِ وهي نَفيٌ لوُجُودِهِ، وَهٰذَا بَاطِلٌ لَا يَلِيقُ بِاللهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّ العَدَمَ لَيسَ شَيئًا يُحَلُّ فِيهِ، وَلَا مَوضِعًا يُتَمَكَّنُ فِيهِ، وَلَا جِهَةً يُنسَبُ إِلَيهَا مَوجُودٌ، وَإِن قِيلَ: إِنَّهُ فِي سَمَاءٍ غَيرِ مَخلُوقَةٍ، قِيلَ: هٰذَا جَعلٌ لِغَيرِ اللهِ أَزَلِيًّا، وَهُوَ بَاطِلٌ صَرِيحٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللهِ مَخلُوقٌ، وَالَّذِي جَاءَ بِهِ الشَّرعُ وَأَيَّدَهُ دَلِيلُ العَقلِ أَنَّ اللهَ مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ، وَمَن وَصَفَهُ بِالمَكَانِ أَوِ الجِهَةِ الحِسِّيَّةِ فَقَد وَصَفَهُ بِمَا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَشَبَّهَهُ بِمَخلُوقَاتِهِ.
❖ وَالخُلَاصَةُ أَنَّ أَهلَ السُّنَّةِ أَجمَعُوا عَلَى إِثبَاتِ العُلُوِّ المَعنَوِيِّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ عُلُوُّ القَهرِ وَالغَلَبَةِ وَالقَدرِ وَالمَنزِلَةِ، وَأَمَّا العُلُوُّ الحِسِّيُّ المَكَانِيُّ، مِن جُلُوسٍ أَوِ استِقرَارٍ أَو تَمَكُّنٍ أَو مُقَابَلَةٍ أَو تَحَيُّزٍ، فَهُوَ مِن مَعَانِي المُجَسِّمَةِ الَّتِي عَارَضَهَا أَهلُ التَّنزِيهِ، سَوَاءٌ سَمَّاهُ أَصحَابُهُ مَكَانًا وُجُودِيًّا أَو مَكَانًا عَدَمِيًّا؛ فَالعِبرَةُ بِالمَعَانِي لَا بِالأَسمَاءِ، وَمَن أَثبَتَ لِلَّهِ حَدًّا أَو جِهَةً أَو حَيِّزًا فَقَد شَبَّهَهُ بِخَلقِهِ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن ذٰلِكَ كُلِّهِ.
أَصلُ أَهلِ السُّنَّةِ فِي قَولِهِم: كَانَ اللهُ وَلَا مَكَانَ
❖ الأَصلُ الجَامِعُ فِي هٰذَا البَابِ مَا رَوَاهُ البَيهَقِيُّ فِي الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ بِالإِسنَادِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «كَانَ اللهُ وَلَم يَكُن شَيءٌ غَيرُهُ».
❖ فَالمَكَانُ غَيرُ اللهِ قَطعًا، فَيَدخُلُ فِي عُمُومِ قَولِهِ ﷺ: «وَلَم يَكُن شَيءٌ غَيرُهُ». وَمَعنَى ذٰلِكَ أَنَّ اللهَ لَم يَزَل مَوجُودًا فِي الأَزَلِ لَيسَ مَعَهُ غَيرُهُ؛ لَا مَاءٌ، وَلَا هَوَاءٌ، وَلَا أَرضٌ، وَلَا سَمَاءٌ، وَلَا كُرسِيٌّ، وَلَا عَرشٌ، وَلَا إِنسٌ، وَلَا جِنٌّ، وَلَا مَلَائِكَةٌ، وَلَا زَمَانٌ، وَلَا مَكَانٌ، وَلَا جِهَاتٌ، وَلَا مَلَاءٌ، وَلَا فَرَاغٌ.
❖ وَالمَلَاءُ هُوَ الحَيِّزُ الَّذِي يَشغَلُهُ حَجمٌ مِنَ الأَحجَامِ، وَالفَرَاغُ هُوَ الحَيِّزُ الَّذِي لَا يَشغَلُهُ حَجمٌ مِنَ الأَحجَامِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ مَلَاءٌ وَلَا فَرَاغٌ قَبلَ وُجُودِ الأَحجَامِ.
❖ فَهُوَ تَعَالَى مَوجُودٌ قَبلَ المَكَانِ بِلَا مَكَانٍ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ المَكَانَ، فَلَيسَ بِحَاجَةٍ إِلَيهِ بَعدَ خَلقِهِ.
استِحَالَةُ التَّمَكُّنِ وَالتَّحَيُّزِ عَلَى اللهِ تَعَالَى
❖ فَليُعلَم أَنَّ مُعتَقَدَ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ أَنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّمَكُّنِ فِي مَكَانٍ؛ لِأَنَّ التَّمَكُّنَ عِبَارَةٌ عَن نُفُوذِ بُعدٍ فِي بُعدٍ آخَرَ مُتَوَهَّمٍ أَو مُتَحَقَّقٍ يُسَمَّى مَكَانًا، وَالبُعدُ عِبَارَةٌ عَن امتِدَادٍ قَائِمٍ بِالجِسمِ، أَو قَائِمٍ بِنَفسِهِ عِندَ القَائِلِينَ بِوُجُودِ الخَلَاءِ، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الامتِدَادِ وَالمِقدَارِ؛ لِمَا فِي ذٰلِكَ مِنِ استِلزَامِ التَّجزِئَةِ.
❖ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذٰلِكَ أَنَّهُ لَو تَحَيَّزَ، فَإِمَّا أَن يَكُونَ تَحَيُّزُهُ فِي الأَزَلِ، فَيَلزَمُ قِدَمُ الحَيِّزِ، وَإِمَّا أَلَّا يَكُونَ فِي الأَزَلِ ثُمَّ يَصِيرَ مُتَحَيِّزًا، فَيَكُونَ مَحَلًّا لِلحَوَادِثِ، وَكِلَا ذٰلِكَ مُستَحِيلٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى.
❖ وَأَيضًا فَلَو كَانَ فِي حَيِّزٍ، فَإِمَّا أَن يُسَاوِيَ الحَيِّزَ أَو يَنقُصَ عَنهُ، فَيَكُونَ مُتَنَاهِيًا، أَو يَزِيدَ عَلَيهِ، فَيَكُونَ مُتَجَزِّئًا، وَكُلُّ ذٰلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى.
❖ وَإِذَا لَم يَكُنِ اللهُ فِي مَكَانٍ، لَم يَكُن فِي جِهَةٍ، لَا عُلوٍ وَلَا سُفلٍ وَلَا غَيرِهِمَا؛ لِأَنَّ الجِهَاتِ إِمَّا حُدُودٌ وَأَطرَافٌ لِلأَمكِنَةِ، وَإِمَّا نَفسُ الأَمكِنَةِ بِاعتِبَارِ عُرُوضِ الإِضَافَةِ إِلَى شَيءٍ.
غَايَةُ المَعرِفَةِ بِاللهِ تَعَالَى
❖ غَايَةُ مَعرِفَةِ العَبدِ بِرَبِّهِ الإِيقَانُ بِوُجُودِهِ تَعَالَى بِلَا كَيفٍ وَلَا مَكَانٍ؛ أَي مِن غَيرِ اتِّصَافٍ بِصِفَةٍ مِن صِفَاتِ المَخلُوقِينَ، وَمِن غَيرِ أَن يَكُونَ حَجمًا لَهُ طُولٌ وَعَرضٌ وَعُمقٌ؛ فَالجِسمُ لَهُ أَبعَادٌ ثَلَاثَةٌ: الطُّولُ، وَالعَرضُ، وَالعُمقُ، وَالمَكَانُ هُوَ الحَيِّزُ الَّذِي يَشغَلُهُ الحَجمُ مِنَ الفَرَاغِ. فَمَن أَيقَنَ أَنَّ اللهَ مَوجُودٌ بِلَا كَيفٍ وَلَا مَكَانٍ فَقَد سَلِمَ مِنَ التَّشبِيهِ وَالتَّجسِيمِ، وَعَرَفَ رَبَّهُ بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ.
❖ فَقَولُ أَهلِ السُّنَّةِ: «بِلَا كَيفٍ» صَرِيحٌ فِي نَفيِ الجِسمِ وَالحَيِّزِ وَالشَّكلِ وَالحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالاتِّصَالِ وَالانفِصَالِ وَالقُعُودِ، إِذ كُلُّ ذٰلِكَ شَيءٌ غَيرُهُ، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنهُ.
إِلزَامُ القَائِلِ بِأَنَّ المَكَانَ لَا وُجُودَ لَهُ
❖ وَتَبسِيطُ المَعنى أَنَّهُ يُقَالُ لِمَن يَزعُمُ أَنَّ المَكَانَ لَا وُجُودَ لَهُ أَصلًا: إِن كَانَ المَكَانُ عِندَكَ شَيئًا مَعدُومًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَلِمَاذَا تُنكِرُ عَلَى مَن يَنفِي المَكَانَ عَنِ اللهِ تَعَالَى؟ فَإِنَّ نَفيَ الشَّيءِ المَعدُومِ عَنِ اللهِ لَا يَكُونُ مَحلًّا لِلإِنكَارِ، بَل هُوَ أَولَى بِالقَبُولِ؛ لِأَنَّ مَا لَا وُجُودَ لَهُ لَا يَصِحُّ أَن يُجعَلَ وَصفًا لِلخَالِقِ سُبحَانَهُ.
❖ فَإِذَا قَالَ أَهلُ التَّنزِيهِ: «كَانَ اللهُ تَعَالَى وَلَا مَكَانَ، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيهِ كَانَ»، فَهُم لَا يَنفُونَ وُجُودَ اللهِ تَعَالَى، بَل يَنفُونَ عَنهُ أَن يَكُونَ مُحتَاجًا إِلَى مَكَانٍ أَو حَالًّا فِيهِ. وَهٰذَا يَنسَجِمُ مَعَ قَولِكَ أَنتَ إِن كُنتَ تَزعُمُ أَنَّ المَكَانَ أَمرٌ لَا وُجُودَ لَهُ؛ لِأَنَّ الشَّيءَ الَّذِي لَا وُجُودَ لَهُ لَا يَجُوزُ أَن يُنسَبَ إِلَى اللهِ وَلَا أَن يُجعَلَ مِن صِفَاتِهِ.
❖ وَبِعِبَارَةٍ أَوضَحَ: إِن كَانَ المَكَانُ مَعدُومًا، فَنَفيُهُ عَنِ اللهِ حَقٌّ، وَإِن كَانَ المَكَانُ مَخلُوقًا، فَاللهُ تَعَالَى كَانَ قَبلَهُ بِلَا مَكَانٍ، وَلَا يَحتَاجُ إِلَيهِ بَعدَ خَلقِهِ؛ فَفِي الحَالَينِ يَثبُتُ أَنَّ اللهَ مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ.
❖ فَالمُنَزِّهُ إِذَا قَالَ: «اللهُ مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ»، فَهُوَ يَنفِي عَنهُ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِن صِفَاتِ الأَجسَامِ وَالمَحدُودَاتِ، وَلَا يَنفِي وُجُودَ اللهِ، وَلَا يَنفِي عُلُوَّهُ فِي القَدرِ وَالقَهرِ.
خَاتِمَةُ المَقَالِ
❖ الحَاصِلُ أَنَّ نِسَبَ الفَوقِ وَالتَّحتِ وَاليَمِينِ وَالشِّمَالِ وَالدُّخُولِ وَالخُرُوجِ وَالحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ إِنَّمَا تَصِحُّ فِي حَقِّ مَا لَهُ حَدٌّ وَمِقدَارٌ وَغَايَةٌ، أَمَّا اللهُ تَعَالَى فَمُنَزَّهٌ عَنِ الحُدُودِ وَالغَايَاتِ وَالأَمكِنَةِ وَالجِهَاتِ؛ لِأَنَّهُ خَالِقُ المَكَانِ وَالجِهَةِ، وَكَانَ سُبحَانَهُ قَبلَ أَن يَخلُقَ المَكَانَ، فَلَا يَحتَاجُ إِلَيهِ بَعدَ خَلقِهِ.
❖ فَمَن أَثبَتَ لِلَّهِ حَدًّا أَو جِهَةً حِسِّيَّةً أَو مَكَانًا، فَقَد شَبَّهَهُ بِخَلقِهِ، وَاللهُ سُبحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَن ذٰلِكَ كُلِّهِ. وَمَن قَالَ: إِنَّ اللهَ مَوجُودٌ بِلَا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ، فَقَد نَزَّهَ رَبَّهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَوَقَفَ عِندَ مَا دَلَّ عَلَيهِ العَقلُ الصَّرِيحُ وَالنَّقلُ الصَّحِيحُ.







