ثناء المجسمة على فلاسفة اليونان

ثناء المجسمة على فلاسفة اليونان

ان التشابه الكبير بين عقائد المجسمة وعقائد اليهود و النصارى و حكماء اليونان أمر ليس غريبا، فهم عند بعض كبار أئمتهم من الموحدين، كما صرح بذلك المجسم ابن قيم الجوزية في كتابه إغاثة اللهفان، في معرض كلامه عن سقراط، حيث قال: “ومذهبه في الصفات قريب من مذهب أهل الإثبات”. انتهى

وقال:” وكذلك أفلاطون كان معروفًا بالتوحيد، وإنكار عبادة الأصنام، وإثبات حدوث العالم، وكان تلميذ سُقراط، ولما هلك سقراط قام مقامه، وجلس على كُرْسِيِّه”. انتهى

وابن القيم متبع هنا لمذهب إمامه في التجسيم أبي العباس أحمد ابن تيمية الحراني الذي كان يفرق في كتابه الرد على المنطقيين و في كتابه الجواب الصحيح بين قدماء فلاسفة اليونان والفلاسفة أتباع “أرسطو”، فإن الأوائل عنده؛ كفيثاغورس وسقراط وأفلاطون، قدموا إلى الشام واستفادوا من بني إسرائيل وأخذوا عن أتباع الأنبياء، ولهذا لم يكن فيهم من قال بقدم العالم، بخلاف أرسطو وأتباعه حيث قال عنهم: “لَكِن الَّذِي لَا ريب فِيهِ أَن هَؤُلَاءِ اصحاب التعاليم كأرسطو واتباعه كَانُوا مُشْرِكين يعْبدُونَ الْمَخْلُوقَات وَلَا يعْرفُونَ النبوات وَلَا الْمعَاد البدني، وَأَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى خير مِنْهُم فِي الإلهيات والنبوات والمعاد”. انتهى

وابن تيمية نفسه يقر بوجود فلسفة صحيحة حيث قال في منهاجه: “ثمَّ إِنَّه إِذا قدر أَنه لَيْسَ عِنْدهم من الْمَعْقُول مَا يعْرفُونَ بِهِ أحد الطَّرفَيْنِ فَيَكْفِي فِي ذَلِك إِخْبَار الرُّسُل باتفاقهم على خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وحدوث هَذَا الْعَالم، والفلسفة الصَّحِيحَة المبنية على المعقولات الْمَحْضَة توجب عَلَيْهِم تَصْدِيق الرُّسُل فِيمَا أخْبرت بِهِ، وَتبين أَنهم علمُوا ذَلِك بطرِيق يعجزون عَنْهَا، وَأَنَّهُمْ أعلم بالأمور الإلهية والمعاد وَمَا يسْعد النَّفس ويشقيها مِنْهُم.”. انتهى

وقال ابن تيمية أيضا في كتابه المسمى “الرد على الشاذلي” ما نصه: “ﻭﻟﻬﺬا ﺗﻮﺟﺪ ﻣﻘﺎﻻﺕ ﺃﺋﻤﺔ اﻟﻔﻼﺳﻔﺔ اﻟﻜﺒﺎﺭ اﻟﺬﻳﻦ ﻛﺎﻧﻮا ﻣﻦ اﻟﺼﺎﺑﺌﺔ اﻟﺤﻨﻔﺎء ﻻ ﺗﺨﺮﺝ ﻋﻦ ﺃﻗﻮاﻝ اﻷﻧﺒﻴﺎء ﻓﺈﻥ اﻟﺼﺎﺑﺌﺔ ﻓﻲ اﻷﺻﻞ ﻛﺎﻧﻮا ﻋﻠﻰ ﻫﺪﻯ ﻛﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻴﻬﻮﺩ ﻭاﻟﻨﺼﺎﺭﻯ ﻭﻟﻬﺬا ﺫﻛﺮ اﻟﻠﻪ ﺃﻥ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻟﻄﻮاﺋﻒ ﺳﻌﺪاء ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺇﻥ اﻟﺬﻳﻦ ﺁﻣﻨﻮا ﻭاﻟﺬﻳﻦ ﻫﺎﺩﻭا ﻭاﻟﻨﺼﺎﺭﻯ ﻭاﻟﺼﺎﺑﺌﻴﻦ ﻣﻦ ﺁﻣﻦ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻭاﻟﻴﻮﻡ اﻵﺧﺮ ﻭﻋﻤﻞ ﺻﺎﻟﺤﺎ ﻓﻠﻬﻢ ﺃﺟﺮﻫﻢ ﻋﻨﺪ ﺭﺑﻬﻢ ﻭﻻ ﺧﻮﻑ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻭﻻ ﻫﻢ ﻳﺤﺰﻧﻮﻥ (62) -اﻟﺒﻘﺮﺓ 62- ، ﻓﺪﻝ ﻫﺬا ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻫﺬﻩ اﻟﻤﻠﻞ اﻷﺭﺑﻌﺔ ﻛﺎﻥ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﻳﺆﻣﻦ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻭاﻟﻴﻮﻡ اﻵﺧﺮ ﻭﻳﻌﻤﻞ ﺻﺎﻟﺤﺎ ﻭﺃﻧﻬﻢ ﺳﻌﺪاء ﻓﻲ اﻵﺧﺮﺓ”.انتهى

ومع ذلك كله فقد تأثر ابن تيمية بأقوال فلاسفة اليونان المتأخرين أتباع أرسطو، فكان أول من قال بتسلسل الأحداث في ذات الله، و أن جنس العالم أزلي مع الله وأن الصفات الخبرية أعيان و أبعاض و أن النار فانية و العياذ بالله.

وقد اعترف بذلك كبار مجسمة هذا العصر كمدعي الحديث الألباني في السلسلة الصحيحة، حيث قال: ” لقد أطال ابن تيمية الكلام في رده على الفلاسفة محاولا إثبات حوادث لا أول لها ، و جاء في أثناء ذلك بما تحار فيه العقول ، و لا تقبله أكثر القلوب ، حتى اتهمه خصومه بأنه يقول بأن المخلوقات قديمة لا أول لها ، مع أنه يقول ويصرح بأن ما من مخلوق إلا و هو مسبوق بالعدم ، و لكنه مع ذلك يقول بتسلسل الحوادث إلى ما لا بداية له . كما يقول هو و غيره بتسلسل الحوادث إلى ما لا نهاية ، فذلك القول منه غير مقبول ، بل هو مرفوض بهذا الحديث وكم كنا نود أن لا يلج ابن تيمية رحمه الله هذا المولج لأن الكلام فيه شبيه بالفلسفة وعلم الكلام الذي تعلمنا منه التحذير والتنفير منه”. انتهى

والألباني نفسه لا يفرق بين علم الكلام السني وعلم الكلام المذموم الذي يشتغل به أهل البدع كالمعتزلة و القدرية لتقرير بدعهم الاعتقادية.

وجاء في سؤالات علي الحلبي لشيخه الألباني، جزء 1، صحيفة 144 ما نصه:” ابن تيمية دخل في موضوع أشبه ما يكون بالفلسفة، كلام ابن تيمية ينقسم إلى قسمين فيما أفهم قسم يمشي مع الشرع في حدود فهمنا وقسم يمشي مع الفلسفة التي لا تعقل “. انتهى

وقد انتقد دخول ابن تيمية في الفلسفة، أيضا تلميذه الذهبي ، حيث قال في بيان زغل العلم : “تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى، وقد رأيت ما آل إليه أمره… وقد كان قبل ذلك على طريق السلف، ثم صار بعد ذلك على ألوان، فعند جماعة من العلماء هو دجال أفاك كافر، وعند آخرين من عقلاء الأفاضل هو مبتدع فاضل بارع وعند آخرين هو مظلم الأمر مكسوف، وعند عوام أصحابه هو حامي حوزة الدين”. انتهى

وثناء ابن تيمية و تلميذه ابن القيم على بعض فلاسفة اليونان هو نقض لجهود علماء الاسلام لمدة قرون متتالية، ممن تصدى لتلبيسات الفلاسفة كالإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه، و الإمام الباقلاني الذي خصص بابا في كتابه التمهيد للكلام على القائلين بفعل الطبائع، و إمام الحرمين الجويني الذي خصص بدوره فصولا في كتابه «الشامل في أصول الدين» للرد على الفلاسفة القائلين بقدم المادة، و الإمام الغزالي صاحب «تهافت الفلاسفة» و «مقاصد الفلاسفة» ومؤرخ الفرق والمقالات الإمام الشهرستاني صاحب «مصارعة الفلاسفة».

ثم جاء من بعدهم علماء ٱخرين استخدموا نفس مصطلحات الفلاسفة و قواعدهم في الرد عليهم كما في كتابه “المحصل” و “المطالب العالية”، والبيضاوي في كتابه “طوالع الأنوار”، والإيجي في كتابه “المواقف في علم الكلام”، وشرح الجرجاني له.

وقد وافقت المجسمة زنادقة المتصوفة و المعتزلة في الثناء على الفلسفة و ان حاولوا في بعض الأحيان رد مقالاتهم التي خالفتهم فيها الفلاسفة.

قال الجاحظ وهو أحد شيوخ المعتزلة المتقدمين: «وليس يكون المتكلم جامعا لأقطار الكلام متمكنا في الصناعة، يصلح للرياسة، حتى يكون الذي يحسن من كلام الدين في وزن الذي يحسن من كلام الفلسفة. والعالم عندنا هو الذي يجمعهما، والمصيب هو الذي يجمع بين تحقيق التوحيد وإعطاء الطبائع حقائقها من الأعمال”. انتهى

ومع ذلك كله فقد نسبت المجسمة بعض أئمة أهل السنة للفلسفة للطعن فيهم، مثل الفخر الرازي، فقد ذكر المقريزي في كتابه “السلوك لمعرفة دول الملوك” في سياق تأريخه لسنة خمس وتسعين وخمسمائة ما نصه:

“وفيها عظمت الفتنة في عسكر غياث الدين محمد بن بهاء الدين سام ملك الغورية، وسببها أن الإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي الفقيه الشافعي المشهور، كان قد بالغ غياث الدين في إكرامه، وبنى له مدرسة بقرب جامع هراة، ومعظم أهلها كرامية. فاجمعوا على مناظرته، وتجمعوا عند غياث الدين معه، وكبيرهم القاضي مجد الدين عبد المجيد بن عمر بن القدوة. فتكلم الإمام فخر الدين مع ابن القدوة، واستطال عليه وبالغ في شتمه، وهو لا يعدو على أن يقول: لا يفعل مولانا لا أخذك الله استغفر الله. فغضب الملك ضياء الدين له، ونسب الإمام الرازي إلى الزندقة ومذهب الفلاسفة. وقام من الغد ابن عمر بن القدوة بالجامع، وقال في خطبته: {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين}. أيها الناس إنا لا نقول إلا ما صح عندنا عن رسول الله، وأما علم أرسطو، وكفريات ابن سينا، وفلسفة الفارابي، فلا نعلمها. فلأي حال يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام، يذب عن دين الله وسنة نبيه؟. وبكى وأبكى، فثار الناس من كل جانب، وامتلأت البلد فتنة، فسكتهم السلطان غياث الدين، وتقدم إلى الإمام فخر الدين بالعود إلى هراة، فخرج إليها، ثم فارق غياث الدين ملك الغورية مذهب الكرامية”. انتهى

فالرازي لما أفحم زعيم الكرامية في المناظرة، لم يجدوا ما يرمونه به الا اتهامه بالفلسفة، و دسوا في بعض رقاعه التي كان يلقي منها في خطبه، فقد ذكر التاج السبكي في طبقاته في ترجمة الإمام فخر الدين الرازي: ” وبلغ من أمر الحشوية أن كتبوا له رقاعا فيها أنواع السيئات وصاروا يضعونها على منبره فإذا جاء قرأها”. انتهى

ونقل ذلك أيضا صاحب كتاب براءة الأشعريين.

وأما قول الرازي عن أفلاطون في المطالب العالية: “وهو مذهب الإمام أفلاطون”. فلا اشكال فيه أصلا، لأنها تُحمل على المعنى اللغوي لا الشرعي، و كلمة إمام تعني أنه متبع، و مقدم على غيره، و لم يقل الفخر الرازي انه اتخذ أفلاطون إمامًا، ومنه قول الله تعالى: “وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ” -القصص:41-

قال الطبري في تفسيره: “وجعلنا فرعون وقومه أئمة يأتمّ بهم أهل العتوّ على الله والكفر به”. انتهى

فالإمام هو المقدم في مجاله الحاذق المتمكن من فنه أيا كان

كما قال تعالى: “وَإِن نَّكَثُوۤا۟ أَیۡمَـٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُوا۟ فِی دِینِكُمۡ فَقَـٰتِلُوۤا۟ أَىِٕمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَاۤ أَیۡمَـٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ یَنتَهُونَ” -سورة التوبة 12-.

وقد يُسمي احد اماما في فنه ليُستشهد براي له ان كان موافقا للشريعة. فمراد الفخر الرازي بقوله ” الإمام أفلاطون” -إن صحت عنه العبارة- بالإمامة اللغوية وليس الإمامة الإصطلاحية ، وكلمة “إمام” لغة من الأم بمعنى من يقتدي به الناس.

فكرة واحدة على ”ثناء المجسمة على فلاسفة اليونان

التعليقات مغلقة.