في بيان نجاة والدي النبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة
من المقرر عند جمهور أهل السنة والجماعة أن من لم تبلغه أصل الدعوة فهو غير مكلف، والأدلة على ذلك كثيرة منها قوله تعالى : ” وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا “
وقوله تعالى : “وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ”
وقوله عز وجل : ” رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا “.
فلا تقوم الحجة على الخلق إلا بإرسال الرسل. ومن هنا نعلم أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم ناجيان يوم القيامة، لأنهما من جملة أهل الفترة.
فإن قيل: لعل أبوي النبي صلي الله عليه وسلم أرسل إليهم نذير، وهم أشركوا بعد بلوغ الحجة، فهذا لا يسعفه نقل، بل جاءت النصوص تنفيه، وتؤكد عكس ذلك كما قال تعالى : ” وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ “،
وقال سبحانه : ” لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ”
وقال عز وجل : ” وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ”.
وهذا ما أقره العلماء أيضا:
قال الشاطبي في الموافقات : “جرت سنته سبحانه في خلقه : أنه لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل ، فإذا قامت الحجة عليهم؛ فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، ولكل جزاء مثله”. انتهى
وقال القاسمي في محاسن التأويل في تفسيره لقوله تعالى : ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ ما نصه : « وما صحَّ ، وما استقام منا، بل استحال في سنَّتنا المبنية على الحِكم البالغة، أن نعذِّب قومًا حتى نبعث إليهم رسولًا يهديهم إلى الحق، ويردعهم عن الضلال؛ لإقامة الحجة، وقطعًا للعذر ». انتهى
وقد تمسك المخالفون بحديثين في مسلم يعارضان ما ذكر من الآيات القاطعة:
– الأول : حديث “إن الرسولَ مكثَ عند قبر أمّه فأطال وبكى فقيل له يا رسول الله رأيناك أطلْتَ عند قبرِ أمّكَ وبكَيْتَ فقال إنّي استأذَنتُ ربّي في زيارتها فأذِن لي وطلَبتُ أن أستغفر لها فمنعني”.
هذا الحديث مؤوّل بأن يقالَ إنّما منَعَه من أن يستغفرَ لها حتى لا يلتبس الأمر على الناس الذينَ مات ءاباؤهم وأمّهاتُهم على عبادة الوَثن فيستغفروا لآبائِهم وأمّهاتِهمُ المشركينَ لا لأنّ أمَّ الرسولِ كانت كافرةً.
وأما حديث ابن بريدة عن ابيه قال: “كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا من ألف راكب، فنزل بنا وصلى بنا ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر ففداء بالأم والأب، يقول: ما لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: إني استأذنت ربي في الاستغفار لأمي فلم يأذن لي، فدمع عيناي رحمة لها، واستأذنت ربي في زيارتها فأذن لي واني كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، وليزدكم زيارتها خيرا”. انتهى
فقد رواه الحاكم في المستدرك وقال: “هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه”. انتهى
وهذا الحديث ليس فيه تصريح بأن أمه صلى الله عليه وسلم في النار.
وكذلك ما رواه أبو عوانة في مستخرجه،: ” حدثنا أبو داود الحراني، وأبو أمية، قالا: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، قال: حدثنا زهير بن معاوية، قال: حدثنا زبيد، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: «كنّا مع النبيّ –صلى الله عليه وسلم– في سفر، ونحن قريب من ألف راكب، فصلى بنا ركعتين، ثمّ أقبل بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر ففدّاه بالأب والأم، يقول: مالك يا رسول الله، فقال: إنّي استأذنت ربي في الاستغفار لأمّي، فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار”. انتهى
فقد يُحمل معناه، على تقدير صحته، أن الله لم يأذن لنبيه لأن يستغفر لأمه سدًّا لذريعة اقتداء بعض الصحابة به في الاستغفار لأمهاتهم المشركات. وفي المقابل، أوحى الله إليه بأنها ليست من أهل النار، فكانت دموع النبي ﷺ حينئذ تعبيرًا عن شكره لله تعالى واغتباطه برحمته التي شملت أمه.
ومن جملة الأدلة على أنّ أمَّ النبي كانت مؤمنةً أنها لما ولدته أضاء نورٌ حتى أبْصَرت قصورَ الشام وبين المدينة والشام مسافةٌ بعيدةٌ، رأت قصورَ بُصرَى وبُصْرى هذه من مدُن الشام القديمةِ وهي تُعَدّ من أرضِ حَوران مما يلي الأردن، فأمّه عليه السلام رأت بهذا النّور الذي خرجَ منها لما ولدتهُ قصورَ بُصرَى وهذا الحديثُ ثابتٌ رواه الحافظ ابنُ حجرٍ في الأماليّ وحسّنه، ورؤيةُ ءامنة لقصور بُصرَى يُعَدُّ كرامةً لها لأن هذا خارق للعادة.
– والثاني : «أن رجلا قال : يا رسول الله، أين أبي ؟ قال: في النار. فلما قضى دعاه. فقال : إن أبي وأباك في النار».
وهذا حديثٌ معلولٌ وإن أخرجه مسلم.
مسلمٌ لما قَدَّم كتابَه لبَعض الحفّاظ خَالفُوه في أربعةِ أحَاديثَ قالوا لهُ صَحِيحٌ إلا هذه الأربعَة، والسّيوطيّ في مؤلَّف لهُ سَمّاه إتحافُ الحُنَفاء في نَجاةِ أبَوَي المصطفى ردَّ فيهِ حديثَ مُسلِم (إنّ أبي وأباكَ في النّار).
في مسلم أحاديثُ انتقدَها بعض المحدّثين وهذا الحديث منها.
ثم إن مدار هذا الحديث على حماد بن سلمة، وهو مختلف في توثيقه:
https://www.facebook.com/share/p/17pDjoP7zd/
قال السيوطي : “فَإِنَّ حَمَّادًا تُكُلِّمَ فِي حِفْظه وَوَقَعَ فِي أَحَادِيثه مَنَاكِير وَلَمْ يُخَرِّج لَهُ الْبُخَارِيّ وَلَا خَرَّجَ لَهُ مُسْلِم فِي الْأُصُول إِلَّا مِنْ رِوَايَته عَنْ ثَابِت وَأَمَّا مَعْمَر فَلَمْ يُتَكَلَّم فِي حِفْظه وَلَا اُسْتُنْكِرَ شَيْء مِنْ حَدِيثه وَاتَّفَقَ عَلَى التَّخْرِيج لَهُ الشَّيْخَانِ فَكَانَ لَفْظه أَثْبُت”. انتهى
ومن المقرر عند الأصوليين أن الحديث إذا تعارض مع الآيات القاطعة الصريحة ولم يقبل التأويل فإنه يرد.
قال الحافظ الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه: « وإذا روى الثقة المأمون خبرا متصل الإسناد رد بأمور : أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة فيعلم أنه لا أصل له أو منسوخ» انتهى.
وبهذه القاعدة، رد المحدثون كالبخاري والمديني حديث « خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل». أخرجه مسلم في صحيحه.
وقد ردّوه لمعارضته نصّ القرآن، كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: “إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ “. انتهى
وقد صرّح كبار العلماء بنجاة والدي الرسول، منهم الإمام الأعظم أبو حنيفة في كتابه “الفقه الأكبر”، حيث قال ما نصه: “ووالدا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما ماتا على الكفر”. انتهى
لكن بعضُ النُّسَّاخ حرّفوا فكتبوا “ماتا كافِرين” وهذا غلط شنيع.
قال الإمام الكوثري رحمه الله تعالى في مقدمته لكتاب العالم والمتعلم، ما نصه: “وفي مكتبة شيخ الإسلام العلامة عارف حكمت بالمدينة المنورة نسختان من الفقه الأكبر رواية حماد قديمتان وصحيحتان فيا ليت بعض الطابعين قام بإعادة طبع الفقه الأكبر من هاتين النسختين مع المقابلة بنسخ دار الكتب المصرية، ففي بعض تلك النسخ وأبوا النبي صلى الله عليه وسلم ماتا على الفطرة و(الفطرة) سهلة التحريف إلى (الكفر) في الخط الكوفي، وفي أكثرها (ما ماتا على الكفر)، كأن الإمام الأعظم يريد به الرد على من يروي حديث (أبي وأبوك في النار) ويرى كونهما من أهل النار لأن إنزال المرء في النار لا يكون إلا بدليل يقيني وهذا الموضوع ليس بموضوع عملي حتى يكتفى فيه بالدليل الظني”. انتهى
وقال الحافظ محمد المرتضى الزبيدي شارح الإحياء والقاموس في رسالته الإنتصار لوالدي النبي المختار، ما نصه: “وكنت رأيتها بخطه عند شيخنا أحمد بن مصطفى العمري الحلبي مفتي العسكر العالم المعمر ما معناه إن الناسخ لما رأى تكرر (ما) في (ما ماتا) ظن أن إحداهما زائدة فحذفها فذاعت نسخته الخاطئة، ومن الدليل على ذلك سياق الخبر لأن أبا طالب والأبوين لو كانوا جميعاً على حالة واحدة لجمع الثلاثة في الحكم بجملة واحدة لا بجملتين مع عدم التخالف بينهم في الحكم”. انتهى
وعلق الإمام الكوثري: ” وهذا رأي وجيه من الحافظ الزبيدي إلا أنه لم يكن رأى النسخة التي فيها (ما ماتا) وإنما حكى ذلك عمن رآها، وإني بحمد الله رأيت لفظ (ما ماتا) في نسختين بدار الكتب المصرية قديمتين كما رأى بعض أصدقائي لفظي (ما ماتا) و (على الفطرة) في نسختين قديمتين بمكتبة شيخ الإسلام المذكورة”. انتهى
ونقل السيوطي في الدرج المنيفة في الآباء الشريفة، ما نصه: ” نقلت بخط الشيخ كمال الدين الشمني والد شيخنا الإمام تقي الدين رحمهما الله تعالى ما نصه: سئل القاضي أبو بكر بن العربي عن رجل قال إن أبا النبي صلى الله عليه وسلم في النار فأجاب بأنه ملعون لأن الله تعالى قال “إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا”، قال “لا أذى أعظم من أن يقال عن أبيه إنه في النار”. انتهى
وقال الزرقاني في شرحه على المواهب اللدنية، مل نصه: “وقد بينا لك أيها المالكي حكم الأبوين، فإذا سئلت عنهما فقل إنهما ناجيان في الجنة، إما لأنهما أحييا حتى آمنا كما جزم به الحافظ السهيلي والقرطبي وناصر الدين بن المنير وإن كان الحديث ضعيفا ،كما جزم به أولهم ووافقه جماعة من الحفاظ لأنه في منقبة وهي يعمل فيها بالحديث الضعيف، وإما لأنهما ماتا في الفترة قبل البعثة ولا تعذيب قبلها، كما جزم به الأبي وإما لأنهما كانا على الحنيفية والتوحيد ولم يتقدم لهما شرك كما قطع به الإمام السنوسي والتلمساني المتأخر محشي الشفاء، فهذا ما وقفنا عليه من نصوص علمائنا ولم نر لغيرهم ما يخالفه إلا ما يشم من نفس ابن دحية، وقد تكفل برده القرطبي” انتهى
