كتاب العقيدة والردة – بغية المحتاج في العقيدة والأحكام – lataef.blog

كتاب العقيدة والردة

بسم الله الرحمٰن الرحيم

     الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ رسول الله.

  1. (1) ما معنى بسم الله الرحمٰن الرحيم
    1. بيان أن رحمة الله شاملة في الدنيا للمؤمنين والكافرين خاصة بالمؤمنين في الآخرة
    2. ما الدليل على أن الكافر محروم من رحمة الله فى الآخرة ولا يخفف عنه العذاب فى جهنم
    3. رحمة الله واسعة
    4. رحمة رسول الله ﷺ
    5. اللهم استرهم من النار كستري إياهم بملاءتي هذه
  2. (2) اذكر بعض المواضع التى يستحب فيها البسملة.
    1. كلُّ سورِ القرآن الكريم تبدأُ بالبسملة إلا واحدة ما هي؟
    2. ما هي السورة التي ذُكرَت فيها البسملة مرتين؟
    3. باب في فضل البسملة والقراءة بها
  3. (3) ما معنى الحمد لله.
    1. باب من سمع العطسة يقول: الحمد لله
    2. ما معنى قول »الحمد لله الذى أذهب عنى الأذى وعافانى«
    3. كم سورة من سور القرآن الكريم افتُتِحَت ب “الحمدُ لله”؟
  4. (4) اذكر بعض المواضع التى يستحب فيها حمد الله.
    1. باب من حمد الله عز وجل عند الولادة إذا كان سويا ولم يبال ذكرا كان أو أنثى
    2. باب من قال: يرحمك الله إن كنت حمدت الله
    3. ما معنى حديث فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
  5. (5) ما معنى الصلاة والسلام على رسول الله
    1. قال الله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} [الأحزاب: 56].
    2.  باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
    3. ما الدليل على جواز قول اللهم صل على سيدنا محمد
    4. فائدة مهمة عند قول أو كتابة اللهم صل على محمد
    5. التحذير من قول بعض الناس (اللهم صل عليك يا محمد)
    6. يجب الحذر من قول بعض الناس (اللهم سل على محمد) بالسين
    7. الصلاة الإبراهيمية:
    8. ما هو أكمل الصلاة على الـنبـى ﷺ.
    9. ما هو أقل الصلاة على النبى ﷺ في الصلاة
  6. (6) اذكر بعض فضائل الصلاة على النبى   
    1. باب الصلاة والسلام على رسول الله 
    2. فضل الصلاة على النبي ومدح النبي عليه الصلاة والسلام
    3.  التحذيرُ من عبارات فاسدة يقولها بعض المدّاحين في مناسبة ذكرى المولد
    4. بين حكم مدح رسول الله عليه الصلاة والسلام.
  7. فصل في تبرئة النبي ﷺ من طعن الطاعنين فيه
    1. نكاح علي من فاطمة رضي الله عنهما
    2. ذكر أحداث السنة الثالثة للهجرة
  8. فصل في عصمة النبي ﷺ عن الخطإ في التشريع
    1. عظته الناس وإنذاره إياهم ﷺ
    2. ظهور أمارات السرور في وجهه ﷺ
    3. تخليته ظهره ﷺ للملائكة إذا مشى
    4. جميل صفحه ﷺ وعفوه
    5. حبه ﷺ للفأل وكراهيته للطيرة
    6. الله عظم قدر النبي محمد صلى الله عليه وسلم
    7. من قال إن الرسول صلى على منافق مع معرفته بأنه مات على النفاق فقد افترى على رسول الله ﷺ
  9. (7) ما هو خير ما يتزود به المسلم لآخرته.
    1. التقوى
    2.  العبرة بالتقوى
    3. فضل التقوى والعلم
    4.  التقوى هى الحاجز بين الإنسان وبين معاصى الله تعالى
    5. توبوا إلى الله
    6. قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «واعتصم بالتقوى».
    7. قال تعالى: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون} [الأعراف: 26].
    8. بيان التقوى وأنواع الصبر
    9. تبشير التقي برضوان الله عند الاحتضار وأن التقوى تكون بتعلم ما افترض الله تعلمه والعمل به
    10. سبيل التقوى هو العلم
    11. من أحب الصلاة إلى الله
  10. (8) من هو المكلف.
    1. بيان ما يجب من علم التوحيد على كل مكلفٍ وما يجب على بعض المكلفين
    2. حكم الشرع المتعلق بأفعال المكلفين
    3. 1. قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286].
  11. (9) ما هو الفرض العينى من علم الدين.
  12. (10) بين أهمية تعلم علم الدين.
  13. (11) ما هى عاقبة من أهمل تعلم علم الدين.
  14. (12) ما هو الفرض الكفائى من علم الدين.
  15. (13) ما هو أفضل العلوم.12
  16. (14) ما معنى التوحيد.
  17. (15) ما هى أعلى الواجبات وأفضلها عند الله تعالى.
  18. (16) ما هو الدين المقبول عند الله.
    1. لا دين صحيح إلا الإسلام
    2. ما الدليل من القرءان على أن الأنبياء كلهم كانوا على الإسلام.
    3. بيان أن العمل المقبول ما كان خالصا لله وموافقا لما جاء به رسول الله ﷺ
    4. التحذير من قول الدين المعاملة
    5. كيف أدعو الكافر إلى الإسلام
  19. (17) تكلم عن الإيمان بالله.
    1. علامة محبة الله اتباع رسوله ﷺ
  20. (18) اذكر دليلا من القرءان على أن الله ليس جسما كثيفا ولا لطيفا.
    1. تعريف الجسم لغة
    2. تعريف الجسم اصطلاحا
    3. تحرير مسألة المنع من تسمية الله بالجسم أو إطلاق الجهة في حقه سبحانه
    4. تذكير بماهية الجسم والمكان والجهة
    5. في تقدير الدلائل السمعية على أنه تعالى منزه عن الجسمية والحيز والجهة[(186)]:
    6. الرد على الوهابية أدعياء السلفية القائلين بأن الله جسم:
    7. استدلالات عقلية لأئمة أهل السنة على تنـزيه الله تعالى عن الجسمية
    8. من استعمالات الأئمة «الكيف» بمعنى الجسمية والتشخص
    9. أقوال أئمة السلف في تنـزيه الله عن الجسمية
    10. أقوال بعض أئمة الخلف في تنـزيه الله عن الجسمية
    11. مباحث في أدلة أهل السنة والجماعة على تنزيه الله عن الجسمية وصفات الأجسام من النقل
    12. آيات قرآنية كريمة تدل على تنـزيه الله تعالى عن الجسمية زيادة على ما ذكره الفخر الرازي رحمه الله
    13. حكم التجسيم والمجسمة
    14. حكم التجسيم والمجسمة عند الحنابلة خصوصا:
    15. حكم التجسيم والمجسمة عند الشافعية:
    16. حكم التجسيم والمجسمة عند المالكية:
    17. حكم التجسيم والمجسمة عند الحنفية:
    18. مدار الحكم على من وصف الله بالجسمية أو الجهة
    19. تكفير المجسم
    20. بيان أن الإجماع قائم على تكفير المجسم والجهوي
    21. التمايز بين المسلم المنـزه والمشبه المجسم الجهوي
  21. (19) ما معنى قوله تعالى فى سورة النور ﴿الله نور السموات والأرض﴾.

(1) ما معنى بسم الله الرحمٰن الرحيم

     أى أبتدئ بقول بسم الله الرحمٰن الرحيم. ولفظ الجلالة الله اسم يدل على ذات الله المستحق لنهاية التعظيم وغاية الخضوع وهى العبادة ومعناه من له الإلهية أى من له القدرة على إبراز الأحجام وصفات الأحجام من العدم إلى الوجود. والرحمٰن معناه الكثير الرحمة للمؤمنين والكافرين فى الدنيا وللمؤمنين خاصة فى الآخرة أما الرحيم فمعناه الكثير الرحمة للمؤمنين فى الآخرة قال تعالى فى سورة الأعراف ﴿ورحمتى وسعت كل شىءٍ﴾ أى أن رحمة الله وسعت فى الدنيا كل مؤمنٍ وكافرٍ ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾ أى أخصها فى الآخرة للذين يجتنبون الشرك وسائر أنواع الكفر.

بيان أن رحمة الله شاملة في الدنيا للمؤمنين والكافرين خاصة بالمؤمنين في الآخرة

   والله تعالى يرحم المؤمنين والكافرين في الدنيا وسعت رحمته كلا، أما في الآخرة فرحمته خاصة للمؤمنين، قال الله تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شىء فسأكتبها للذين يتقون﴾ [سورة الأعراف/156].

أي وسعت في الدنيا كل مسلم وكافر، قال: ﴿فسأكتبها﴾ أي في الآخرة، ﴿للذين يتقون﴾ أي أخصها لمن اتقى الشرك وسائر أنواع الكفر.

    هذه الآية دليل على أن الله تعالى يرحم المؤمنين والكافرين في الدنيا وذلك بأن يعطيهم الصحة والرزق والهواء العليل والماء البارد وما أشبه ذلك، أما في الآخرة يخصها للمؤمنين.

   قال المؤلف رحمه الله: وقال تعالى: ﴿ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين﴾ [سورة الأعراف/50].

   أهل النار ينادون أهل الجنة، إما يرونهم عيانا مع بعد المسافة بين الجنة والنار في وقت من الأوقات هؤلاء في النار وهؤلاء في الجنة وإما يسمعون صوتهم، فيطلبون من الضيق الذي هم فيه ﴿أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله﴾ فيكون جواب أهل الجنة لهم: ﴿إن الله حرمهما على الكافرين﴾، فيسكت أهل النار.

   أي أن الله حرم على الكافرين الرزق النافع والماء المروي في الآخرة.

    أي لا يجدون ماء باردا مرويا إلا ذاك الماء الذي هو بمنتهى الحرارة فيقطع أمعاءهم، والغسلين الذي هو عصارة أهل النار أي ما يسيل من جلودهم.

   وذلك لأنهم أضاعوا أعظم حقوق الله الذي لا بديل له وهو الإيـمان بالله ورسوله.

    الكفار لا حظ لهم في الآخرة من نعم الله لأنهم أضاعوا أعظم حقوق الله عليهم، فإذا قال قائل لماذا يعذبهم الله ذلك العذاب الشديد الذي لا نهاية له، يقال: لأنهم أضاعوا أعظم حقوق الله، لذلك جعل جزاءهم أن يتأبدوا في ذلك العذاب الذي لا ينقطع، وهم كانت نياتهم أن يبقوا على كفرهم فكان جزاؤهم وفاقا عذابا لا ينقطع.

ما الدليل على أن الكافر محروم من رحمة الله فى الآخرة ولا يخفف عنه العذاب فى جهنم

اعلم أن الكافر محروم من رحمة الله فى الآخرة لقوله تعالى ﴿ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة﴾ أى أهل النار ينادون أهل الجنة إما يرونهم عيانا مع بعد المسافة بين الجنة والنار فى وقت من الأوقات وإما يسمعون صوتهم فيطلبون من الضيق الذى هم فيه ﴿أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين﴾ أى حرم على الكافرين الرزق النافع والماء المروى فى الآخرة فلا يجدون ماء باردا مرويا إنما يشربون الحميم وهو الماء المتناهى فى الحرارة وما يسيل من جلود أهل النار بعد أن تحترق لأنهم أعرضوا عن الإيمان بالله ورسوله فكفروا وقصدوا البقاء على الكفر فكان جزاؤهم عذابا لا ينقطع. وقال تعالى ﴿ورحمتى وسعت كل شىء﴾ أى أن رحمة الله وسعت فى الدنيا كل مؤمن وكافر ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾ أى أخصها فى الآخرة للذين يجتنبون الشرك وسائر أنواع الكفر. ولا يخفف العذاب عن الكفار فى جهنم لقوله تعالى ﴿خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب﴾ وقوله تعالى ﴿ولا يخفف عنهم من عذابها﴾ وقد ورد أن الكفار فى جهنم يستغيثون بمالك خازن النار فيجيبهم بعد ألف سنة إذلالا لهم واستغاثتهم به ليست للخروج من النار بل يطلبون الموت من شدة العذاب قال تعالى ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون﴾. أما ما يدعيه خالد الجندى أن الله يرحم الكافرين فى الآخرة وأن الكفار يخفف عنهم العذاب فى جهنم فهو تكذيب للقرءان ورد للنصوص الشرعية ورد النصوص كفر كما قال النسفى رحمه الله.

رحمة الله واسعة

     قال الإمام الهررى رضى الله عنه الحمد لله رب العالمين له الفضل وله الثناء الحسن وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الطاهرين.

     من أراد سلامة دينه فليقلل الكلام، المصائب للمؤمن فائدة كبيرة أما للكافر فليس له فيها فائدة، الكافر مهما تعذب فى الدنيا فلا يخفف من ذنوبه بهذه المصيبة من مرض وغيره ولا فى الآخرة، أما المسلم على حسب ما يكثر بلاؤه يعظم أجره عند الله، أما المسلم الذى إذا أصابته مصائب يسخط على ربه فهذا خسر الدنيا والآخرة. بعض الناس لما تنزل بهم ءالام شديدة يكفرون، هؤلاء خسروا الدنيا والآخرة، فى الدنيا كفرهم هذا لا يدفع عنهم البلاء والمصائب، لا يدفع عنهم. كمثل رجل كان فى العرب القدماء قبل الرسول بآلاف من السنين، كان مسلما عاش فى الإسلام أربعين سنة ثم الله تعالى ابتلاه بمصيبة كبيرة، أولاده ذهبوا للصيد فنزلت صاعقة قتلتهم فغضب على الله قال لا أعبده إنه قتل أبنائى، ثم استماد على كفره وصار يقول للناس الذين يأتون إلى بلده اكفروا بالله وإلا قتلتكم. ما مضت أيام طويلة حتى أرسل الله النار على ناحيته فأكلت النار الأشياء والناس والبهائم من كان فى ذلك الوادى كلهم بما فيه هو، تلك الناحية والبهائم والأشياء كل أكلتهم النار، هذا خسر الدنيا والآخرة، كفره ما نفعه، ماذا نفعه، هذا سببه أنه ما تحمل هذه المصيبة أن أولاده كلهم ماتوا فجأة بالصاعقة فكفر كفرا شنيعا. بعض الناس إما أن يكفروا عند المصيبة أو يتركوا الفرائض، بعض الناس إذا مرضوا يتركون الصلوات، هذه خسارة كبيرة ومنهم من يكفر يقول لم الله تعالى يبتلينى بهذا، يسخط على الله. هذا الرجل من عاد من قوم عاد يقال له حمار بن مالك، بعض العرب كانوا يسمون أبنائهم بـحمار وما أشبه ذلك، حتى من الصحابة يوجد رجل أبوه اسمه حمار. امرأة كانت اسمها عاصية لما كانت كافرة أهلها سموها عاصية، الرسول سماها جميلة. العرب كانوا يسمون بالحمار والجحش والكلب، هذا الذى كفر هذه الكفرية اسمه حمار بن مالك.

     عليكم بحفظ اللسان والصبر على المصائب. يا صاحب الحجا معناه يا عاقل يا ذا العقل يا من له عقل، احفظ لسانك أطل السكوت، السكوت تقليل الكلام فيه حفظ للدين. الذى يكثر الكلام يقع فى شىء محرم أو كفر أو مكروه لا بد، كثير من الناس يقعون فى الكفر بسبب كثرة الكلام. الكلام فيه ما هو حرام، والنظر واللمس، الرسول عليه السلام قال «زنى العين النظر وزنى اليد اللمس وزنى الرجلين الخطى وزنى اللسان المنطق» الكلام الذى يكلم به الأجنبية للذة هذا زنى، زنى اللسان من الصغائر ليس من الكبائر، وقال عليه السلام «وزنى الفم القبل» القبلة زنى الفم، لكن كل هذه الأشياء من الصغائر، كذلك وزنى النفس التمنى «وزنى النفس أن تتمنى وتشتهى» هكذا قال الرسول، زنى القلب أن يتصور أنه يعانق ويلتزم، تصور مع التلذذ هذا حرام هذا يسمى زنى النفس، لكن أكثرهم وقوعا زنى العين لذلك الرسول عليه السلام قال «وكل عين زانية» معناه أكثر البشر ينظرون بشهوة فيكون عليهم معصية.

     لكن هذه الصغائر كلها، هذه وغيرها الصغائر تذهب بأية حسنة، إذا واحد قال لا إله إلا الله ذهبت، بنية حسنة    وإذا قال سبحان الله ذهبت، إذا قال الله أكبر أو قال الحمد لله بمعنى على وجه الشكر لله من أجل تعظيم الله تذهب، وإن توضأ تذهب لما يتوضأ وضوءا شرعيا بنية صحيحة تقربا إلى الله، لما يغسل وجهه تنزل صغائر الذنوب التى فعلها بفمه وعينه مع الماء، وإذا غسل يديه كذلك تذهب خطايا يديه مع الماء وإذا غسل رجليه. كذلك تذهب مع الماء الذى ينزل من الرجل، رحمة الله واسعة.

     وسبحان الله والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الأمين وءاله وأصحابه الطيبين.

رحمة رسول الله 

لقد بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين. وقد اتسعت رحمته العظيمة لتشمل البهائم والحيوانات. فأمر بالرفق بها ونهى مالكها أن يجيعها أو أن يعذبها.

روى الإمام أحمد عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بستانا لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حن الجمل وذرفت عيناه فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح ذفراه (أي موضع الأذنين من مؤخر الرأس) فسكت الجمل، ثم قال لصاحب الجمل “أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكى لي أنك تجيعه وتدئبه”، (أي تتعبه من كثرة العمل عليه).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال  رسول الله صلى الله عليه وسلم “دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض”، وخشاش الأرض أي حشرات الأرض وهوامها.

كما أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن تسليط الحيوانات بعضها على بعض بالأذى. فقد روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التحريش بين البهائم.

اللهم صل وسلم على سيدنا محمد الذي أرسلته رحمة للعالمين وسراجا للمهتدين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين والحمد لله رب العالمين.

كان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يعطف على الأطفال ويرق لهم، يقبلهم ويضمهم ويلاعبهم ويحنكهم بالتمر كما فعل بعبد الله بن الزبير رضي الله عنه عند ولادته.

فقد روى البخاري أنه عليه الصلاة والسلام قبل حفيده الحسن بن علي رضي الله عنهما، فقال له رجل “إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا”، فقال عليه الصلاة والسلام: “من لا يرحم لا يرحم”.

وكان صلوات ربي وسلامه عليه إذا دخل في الصلاة فسمع بكاء الصبي، أسرع في أدائها وخففها.

فقد روى الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه”.

وكان صلوات ربي وسلامه عليه يحزن لفقد الأطفال مع كامل الرضا والتسليم والصبر والاحتساب.

فقد روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم رأى أحد أحفاده يحتضر فبكى، فقال سعد بن عبادة رضي الله عنه يا رسول الله ما هذا؟ فقال “هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء”.

اللهم صل وسلم على نبيك محمد الرؤوف الرحيم وعلى آله وأصحابه الطاهرين، والحمد لله رب العالمين.

هو نبي الرحمة كله رحمة وقلبه مملوء بالرحمة، رحم البهائم ورحم البشر رحم أهله ورحم غير أهله رحم الصغار ورحم الكبار، لكن كلامنا اليوم عن رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بالأولاد الصغار قلب النبي عليه الصلاة والسلام كان مملوء بالرحمة بدليل أن رجلا قال يا رسول الله أتقبل الصبيان فإنا لا نقبل صبياننا أي نحن لا نقبل الأولاد أنت تقبل فقال النبي عليه الصلاة والسلام أوأملك إن نزع الله من قلبكم الرحمة، أي إن كان الله تعالى قد نزع الرحمة من قلبكم ماذا أفعل أنا كيف أجعل الرحمة في قلوبكم، وقد أخبر الله تبارك وتعالى عن نبينا محمد عليه الصلاة والسلام أنه رحمة مهداة لنا ومما يدل على ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام دمعت عينه لوفاة ابنه إبراهيم فقال النبي عليه الصلاة والسلام إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا إنا لله وإنا إليه راجعون، وقد سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن دمعته تلك حتى أنت يا رسول الله يعني سئل عن دموعه وأنت تبكي يا رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام إنها رحمة فدل ذلك على أن فعله هذا نادر من الرحمة التي في قلبه عليه الصلاة والسلام ومما يدل على رحمته بالأولاد الصغار ما ورد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي ذات يوم فجاء حفيده وجلس على ظهر الرسول عليه الصلاة والسلام فكان من لطف النبي ورحمته أن أطال في السجود حتى لا يثقل على هذا الولد كما وكان من رحمة النبي عليه الصلاة والسلام أن حمل أمامة وأمامة هي بنت زينب وزينب ابنة النبي عليه الصلاة والسلام حملها الرسول ﷺ في صلاته كان إذا قام أمسكها وإذا سجد وضعها وهذا يدل على رحمته بحفيدته حيث فعل ذلك عند ممات أمها زينب رضي الله عنها وكذلك ما يدل على رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بالأولاد أنه كان يصغر أسماءهم فكان يقول مثلا يا أونيس لأنس بن مالك وهذا ما نسميه نحن بالدلع كما وقال يا زوينب لزينب فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يلاطفهم وكانت الأولاد تأتي إليه وكانت تحبه وكان يكرمهم وكان يهتم بهم يحنك هذا ويبتسم لذاك يصافح هذا ويقبل الآخر يكلم هذا وكان الرسول عليه الصلاة والسلام شفوقا رحيمًا فيروى عن عبد الله بن جعفر وهو ابن عم الرسول عليه الصلاة والسلام جعفر بن أبي طالب أخو الإمام علي ابن عم رسول الله ﷺ كان له ولد اسمه عبد الله هذا الرجل لما كان صغيرا أخبر أنه ذات يوم جاء النبي ﷺ إلى المدينة قال عبد الله فتسابق الأولاد إلى رسول الله ﷺ فسبقتهم إليه فجلعني النبي عليه الصلاة والسلام أمامه وجاء ولد لعلي بن أبي طالب وهو حفيد للنبي عليه الصلاة والسلام فأردفه الرسول خلفه أي جعله خلفه قال عبد الله بن جعفر فدخلنا المدينة ونحن ثلاثة على دابة واحدة، ومما يدل على رحمة النبي أن بعض الصحابة قال كان رسول الله ﷺ أرحم الناس بالعيال وكان النبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم على المنبر وما أدرانا ما معنى كون الرسول على المنبر فدخل الحسن والحسين وكانا يتعثران في مشيهما لصغرهما فنزل رسول الله ﷺ عن المنبر حتى يلتزمهما كما وورد عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال من لا يرحم لا يرحم، وكل هذا دليل على رحمة الرسول عليه الصلاة والسلام وكذلك مما يدل على هذا الأمر ما فعله رسول الله ﷺ عندما ولدت فاطمة أولادها فرسول الله ﷺ مع كثرة انشغالته واهتمامه بأمر الدعوة وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وإرساله الرسل وتبينه الحق وتبين الأحكام وإظهارها سمّى رسول الله ﷺ أولادها بنفسه ويخبرنا بذلك الإمام علي رضي الله عنه وأرضاه حيث إنه يخبر أنه يحب كان أن يسمي حربا فلما جاء رسول الله ﷺ وقد ولدت فاطمة مولودها الأول، قال النبي ماذا أسميتموه قال علي قلت حربا فقال النبي وهو حسن أي أسماه الحسن فلما ولدت ولدها الثاني قال النبي عليه الصلاة والسلام ماذا أسميتموه قال علي فقلت حربا فقال النبي هو الحسين فلما ولدت ولدها الثالث قال النبي ماذا أسميتموه فقال علي حربا فقال النبي عليه الصلاة والسلام هو محسن إلا أن هذا لم يعش طويلا، كل هذا يدلنا على رحمة الرسول عليه الصلاة والسلام وشفقته وكيف كان يهتم بالصغار فقد ورد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أوتي بشىء من الثمار يسأل عن بعض الصبيان حتى يرسل هذه الثمار إليهم ومما يدل على ذلك أيضا أن النبي عليه الصلاة والسلام لاعب صبيا ذات يوم وكان يلعب بطير صغير يقال له النُغير فقال له النبي عليه الصلاة والسلام لما مات هذا الطير وقد حزن عليه هذا الولد يا أبا عمير ما فعل النُغير من باب الملاطفة ومن باب حسن المعشر فالنبي عليه الصلاة والسلام كان هذا من سيرته في بيته وفي خارج بيته تعلمنا من النبي عليه الصلاة والسلام كيف نكون مع أولادنا وكيف نكون مع غير أولادنا فهذا أنس ابن مالك خادم رسول الله ﷺ خدم الرسول تسع سنين وكان قد ابتدأ الخدمة وهو ابن تسع أي كان صغيرا يقول أنس ابن مالك ما قال لي رسول الله أف قط ما ضربني وما كهرني وهذا من لطف النبي عليه الصلاة والسلام مع من تطوع لخدمته ومن لطيف ما يذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل أنس بن مالك ذات يوم في طلب فذهب أنس بن مالك ووجد في طريقه صبيانًا يلعبون فوقف ينظر إليهم يقول أنس فأحسست برسول الله ﷺ وقد أمسك بالقفا أي بمؤخر العنق يلاطفه ويقول له يا أونيس هل ذهبت أي لما أمرتك به فقال أنس نعم ذهبت يا رسول الله أي شرعت في الذهاب فهذا رسول الله ﷺ يعلم الصغير والكبير بمقاله وبحاله وبأفعاله فالصغار إذا رأوا رسول الله تعلموا وإذا تكلم تعلموا فيروى أن النبي عليه الصلاة والسلام كانت تأخذ بيده الجارية الصغيرة فتمشي به أينما أرادت إلى السوق أو إلى غير ذلك فكان النبي عليه الصلاة والسلام يماشيها تواضعا منه لم يكن متكبرا لم يقل فليماشها أحد لم يقل فليكلمها أحد فلينظر في أمرها أحد أنا رسول الله أنا مشغول هناك أمور أهم هناك أمور الدعوة بل كان النبي عليه الصلاة والسلام شفوقا لطيفا روؤفا رحيما فما أحوجنا في هذه الأيام لمن يشفق علينا ولمن يرحمنا ورسول الله ﷺ بنا رحيم في حياته وبعد مماته فهو القائل حياتي خير لكم ومماتي خير لكم ثم بين ذلك فقال قال إن وجدت من خير حمدت الله وإن وجدت من شر استغفرت لكم فما أجمل استغفار نبينا محمد عليه الصلاة والسلام لنا بعد مماته، نسأل الله تبارك وتعالى أن ننال رحمة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وأن نحشر معه وتحت لوائه وأن نكون في زمرته يوم القيامة والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد أشرف النبيين والمرسلين.

اللهم استرهم من النار كستري إياهم بملاءتي هذه

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الثناء الحسن، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى ءاله وشرف وكرم. أما بعد: فإذا أراد الله تعالى إظهار معجزة لنبيه ﷺ ينطق الشجر والحجر، هذه حالات خاصة ينطق الله تعالى الجماد فيها. يخلق في الجماد الإدراك لكن من دون روح، ليس الروح شرطا عقليا ولا شرعيا للإحساس والإدراك والنطق.

ففي عمل اليوم والليلة لابن السني عن أبي أسيد البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ للعباس بن عبد المطلب بعدما جاء الرسول ذات يوم إليه: «لا ترم من منزلك أنت وبنوك حتى آتيكم» معناه: أنت وأبناؤك لا تفارقوا المنزل حتى أعود إليكم.

وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق أنه قال للعباس بن عبد المطلب عم الرسول ﷺ: «يا أبا الفضل لا ترم منزلك غدا أنت وبنوك فإن لي فيكم حاجة» فانتظروه فأتاهم بعدما أضحى، فقال: «السلام عليكم، كيف أصبحتم»؟ قالوا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا رسول الله بخير، بأبينا وأمنا أنت يا رسول الله كيف أصبحت؟ قال: «بخير، أحمد الله».

قال: «ادنوا» أي: تقاربوا، ليقترب بعضكم من بعض. فتدانوا يزحف بعضهم إلى بعض، فاشتمل عليهم بملاءته، أي: وضع عليهم ملاءة وهي ثوب من قطعة واحدة عريضة، مده عليهم وقال: «هذا عمي وصنو أبي – شقيق أبي -، وهؤلاء أهل بيتي، اللهم استرهم من النار كستري إياهم بملاءتي هذه». فأمنت أسكفة الباب والجدران والأسكفة هي العتبة. قالت أسكفة الباب: ءامين ثلاثا، ءامين ءامين ءامين. وقال جدران البيت، ءامين.

الله تعالى بقدرته خلق صوتا في الأسكفة والجدران، جدران البيت الذي كانوا فيه. العباس رضي الله عنه كان أفضل أعمام الرسول بعد حمزة فيما نعتقد، كان له أولاد عشرة ذكور أولهم الفضل وءاخرهم تمام لما رزقه الله العشرة قال: تموا بتمام فصاروا عشرة… يا رب فاجعلهم كراما بررة.

الله تعالى استجاب دعاءه فكانوا كلهم من خيار الناس، يكفي أن منهم عبد الله بن عباس ترجمان القرءان رضي الله عنه.

ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم قنا شر ما نتخوف ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ءامنوا

والحمد لله رب العالـمين وصلى الله على النبي وءاله

(2) اذكر بعض المواضع التى يستحب فيها البسملة.

     البسملة مستحبة عند النوم والجماع وعند البدء بالوضوء والغسل والتيمم وتلاوة القرءان وتأليف كتابٍ وعند الذبح والأكل والشرب والاستياك والاكتحال وعند ركوب دابةٍ وسفينةٍ ودخول بيتٍ ومسجدٍ والخروج منهما وعند صعود الخطيب منبرا وعند دخول الخلاء ولبس ثوبٍ ونزعه وغلق بابٍ وإطفاء مصباحٍ وعند تغميض عين ميتٍ وعند وضعه فى قبره. وينفع لتيسير الرزق أن تكتب البسملة بخط المصحف خمسا وثلاثين مرة وتعلق فى البيت أو الدكان، نفعها عظيم.

كلُّ سورِ القرآن الكريم تبدأُ بالبسملة إلا واحدة ما هي؟

ج: سورة التوبة.

ما هي السورة التي ذُكرَت فيها البسملة مرتين؟

 ج: سورة النمل.

باب في فضل البسملة والقراءة بها

  • عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: «أغفل الناس ءاية من كتاب الله لم تنزل على أحدٍ سوى النبي r إلا أن يكون سليمان بن داود عليهما السلام: {بسم الله الرحمـٰـن الرحيم}([1])». هذا حديث حسن أخرجه ابن مردويه.
  • عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من الـمثاني([2]) وإلى براءة([3]) وهي من الـمئين([4]) فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر {بسم الله الرحمـٰـن الرحيم} ووضعتموها في السبع الطوال؟ ما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: كان رسول الله r مما يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد([5])، وكان إذا نزل عليه شيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: «ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا»، وتنزلث عليه الآية فيقول: «ضعوا هذه الآية في السورة التي فيها كذا وكذا»، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت برءة من ءاخر القرءان نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها، فقبض رسول الله r ولم يبين لنا أنها منها، فلذلك قرنت بينهما ولم أكتب سطر {بسم الله الرحمـٰـن الرحيم} ووضعتها في السبع الطوال. هذا حديث حسن أخرجه أبو داود والترمذي.
  • عن عبد الله يعني ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: «جردوا القرءان ولا تخلطوه بشيءٍ»، يعني في كتابته. هذا حديث حسن موقوف أخرجه ابن أبي داود.
  • عن عمر بن ذر عن أبيه عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: «استرق الشيطان من الناس أعظم ءايةٍ في القرءان {بسم الله الرحمـٰـن الرحيم}». أخرجه ابن خزيمة والبيهقي ورجاله ثقات لكنه منقطع.
  • عن أبي بكرٍ جعفر بن عمر عن أنسٍ بن مالكٍ رضي الله عنه أخبره قال: صلى معاوية رضي الله عنه([6]) صلاة جهر فيها بالقراءة فلم يقرأ {بسم الله الرحمـٰـن الرحيم} لأم القرءان ولا للسورة التي بعدها ولم يكبر حين يهوي، فلما قضى الصلاة ناداه من حضر ذلك من الـمهاجرين والأنصار من كل مكانٍ: يا معاوية، أسرقت الصلاة([7]) أم نسيت؟ قال: فما صلى بعد ذلك صلاة إلا جهر فيها بـ{بسم الله الرحمـٰـن الرحيم} لأم القرءان وللسورة التي بعدها وكبر حين يهوي ساجدا([8])». هذا حديث حسن أخرجه الحاكم.
  • وجاء عن أنسٍ رضي الله عنه في البسملة في الصلاة روايات مختلفة؛ فجاء عنه نفي القراءة مطلقا، وجاء عنه نفي الجهر، فيمكن رد الأول إليه لمجيء التصريح بالإسرار عنه، وجاء عنه أيضا التصريح بالجهر، وجاء عنه التردد في ذلك، فأما رواية الترك الـمطلق فاشتهرت من رواية قتادة عنه ثم من رواية الأوزاعي عن قتادة؛ فعن الوليد بن مسلمٍ حدثنا الأوزاعي قال: كتب إلي قتادة عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: «صليت خلف النبي r وأبي بكرٍ وعمر فكانوا يفتتحون القراءة بـ{الحمد لله رب العالمين} لا يذكرون {بسم الله الرحمـٰـن الرحيم} في أول القراءة ولا في ءاخرها». أخرجه مسلم عن محمد بن مهران عن الوليد بن مسلم.

وأعله بعضهم بعلتين:

الأولى: تدليس الوليد وتسويته، وليست بواردةٍ لأنه صرح بالتحديث فانتفى التدليس، وبين أن رواية الأوزاعي عن قـادة مكاتبة فانتفت التسوية، وقد صرح قتادة بالتحديث عن أنسٍ لهذا الحديث وسماعه له منه كما سيأتي فانتفت التسوية.

العلة الثانية: إبهام من كتب إلى الأوزاعي بإذن قتادة لأن قتادة ولد أكمه فتعين أن يكون أملى على من كتب عنه إلى الأوزاعي، فيحتمل أن يكون مجروحا أو غير ضابطٍ فلا تقوم به الحجة.

وقد روى هذا الحديث جماعة من أصحاب الأوزاعي عنه؛ فمنهم: من عنعنه، ومنهم: من أفصح بصورة الحال([9]) كما أفصح الوليد، وأخرجه أحمد عن أبي الـمغيرة عبد القدوس بن الحجاج وهو من شيوخ البخاري مثل رواية الوليد سواء في سياق الإسناد والـمتن لكنه قال قتادة: حدثني أنس. وهكذا أخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريق بشر بن بكرٍ عن الأوزاعي، وكل ذلك مما يقوي رواية الوليد، وكنت أظن العلة الثانية واردة حتى وقفت على روايةٍ أخرى عن قتادة أصح من رواية الأوزاعي؛ فقد روى محمد بن إسماعيل بن أبي الفتح سماعا عن فاطمة بنت سعد الخير أنه سمعها قالت: أخبرنا أبو القاسم الشحامي أخبرنا أبو سعيدٍ الأديب أخبرنا أبو عمرو بن حمدان حدثنا أبو يعلى حدثنا محمد هو أبو موسى بن الـمثنى حدثنا محمد بن جعفرٍ حدثنا شعبة عن قتادة عن أنسٍ قال: صليت خلف النبي r وخلف أبي بكرٍ وخلف عثمان رضي الله عنهما فلم يكونوا يستفتحون القراءة بـ{بسم الله الرحمـٰـن الرحيم}. قال شعبة: قلت لقتادة: أسمعته من أنسٍ؟ قال: نعم نحن سألناه عنه. أخرجه أحمد والإسماعيلي.

وأما رواية ترك الجهر فهي من طريق علي بن الجعد قال حدثنا شعبة وشيبان قالا حدثنا قتادة عن أنسٍ قال: صليت خلف النبي r وأبي بكرٍ وخلف عثمان رضي الله عنهما فلم أسمع أحدا منهم يجهر بـ{بسم الله الرحمـٰـن الرحيم}. أخرجه الدارقطني وابن حبان، وجاء ذلك من غير رواية قـادة عن أنسٍ.

وبالسند إلى سفيان الثوري قال حدثنا خالد هو الحذاء عن أبي نعامة عن أنسٍ رضي الله عنه قال: كان النبي r وأبو بكرٍ وعمر لا يجهرون بـ{بسم الله الرحمـٰـن الرحيم}. أخرجه أحمد وابن حبان.

وبالسند إلى عمران القصير عن الحسن عن أنسٍ رضي الله عنه «أن النبي r كان يسر بـ{بسم الله الرحمـٰـن الرحيم} وأبو بكرٍ وعمر». هذا حديث غريب من حديث عمران أخرجه ابن خزيمة عن أحمد بن رجاءٍ عن سويدٍ، وسويد فيه ضعف([10])، لكن جاء من طريقٍ أخرى عن الحسن؛ فقد أخرج الطبراني من حديث معتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن، فذكر مثله.

وأما التصريح بالجهر فتقدم من وجهٍ ءاخر عن أنسٍ إنكار الـمهاجرين والأنصار على معاوية حين ترك الجهر بها، وفيه: «ثم عاد فجهر بها»، أي: الفاتحة والسورة التي تليها.

أما الجواب عما أخرجه البخاري من طريق جرير بن حازمٍ وهمامٍ عن قتادة قال: «سئل أنس عن قراءة النبي r فقال: كانت مدا([11])، ثم قرأ {بسم الله الرحمـٰـن الرحيم} يمد {بسم الله} ويمد {الرحمـٰـن} ويمد {الرحيم}» فلا دلالة فيه لاحتمال أن يكون قصد المثل إذ لم يقيد بالصلاة ولا بأول السورة ثم جاء التقييد بأول السورة من وجهٍ ءاخر عن أنسٍ أيضا.

وبالسند إلى محمد بن فضيلٍ عن الـمختار بن فلفلٍ عن أنسٍ رضي الله عنه قال: أغفى رسول الله r إغفاءة([12]) فرفع رأسه متبسما، فإما قال لهم وإما قالوا له: مم ضحكت يا رسول الله؟ قال: «أنزلت علي ءانفا سورة» ثم قرأ: «{بسم الله الرحمـٰـن الرحيم} {إنا أعطيناك الكوثر}([13])» حتى ختمها ثم قال: «أتدرون ما الكوثر؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «هو نهر في الجنة عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي، ءانيته عدد الكواكب» هذا حديث صحيح أخرجه أحمد وأبو داود، وأخرجه مسلم عن أبي كريبٍ عن محمد بن فضيلٍ، وأخرجه هو والنسائي من وجهٍ ءاخر عن الـمختار.

وأما رواية الترديد فأخرجها أحمد من رواية أبي مسلمة سعيد بن يزيد قال: سألت أنس بن مالكٍ: أكان رسول الله r يفتتح الصلاة بـ{بسم الله الرحمـٰـن الرحيم} أو بـ{الحمد لله رب العالمين}؟ فقال: إنك لتسألني عن شيءٍ ما أحفظه وما سألني عنه أحد قبلك. وهو حديث صحيح على شرط الشيخين وصححه ابن خزيمة والدارقطني وغيرهما.

وقد جاء عن أنسٍ الجزم بأحد الأمرين؛ أخرج البخاري عن الحوضي عن شعبة عن قـادة عن أنسٍ «أن النبي r وأبا بكرٍ وعمر كانوا يفتتحون القراءة بـ{الحمد لله رب العالمين}»، وقد رجح الشافعي هذه الرواية على غيرها وحمل اللفظ على إرادة السورة، ويؤيده ثبوت تسمية الفاتحة بـ{الحمد لله رب العالمين}، وهو عند البخاري في حديث أبي سعيد بن الـمعلى.

وورد الجهر بالتسمية من وجهٍ صحيحٍ من غير حديث أنسٍ؛ فعن نعيمٍ الـمجمر([14]) قال: صلى بنا أبو هريرة فقرأ: {بسم الله الرحمـٰـن الرحيم} حتى بلغ {ولا الضالين} فقال: ءامين، ويكبر إذا ركع وإذا سجد، فلما سلم قال: «والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله r». هذا حديث صحيح أخرجه النسائي وغيره.

وثبت عن أبي هريرة أنه كن يتبع في الإعلان والإسرار؛ فعن ابن جريجٍ أنه سمع عطاء يحدث أن أبا هريرة حدثه قال: «في كل صلاةٍ قراءة، فما أعلن رسول الله r أعلنا لكم، وما أخفى علينا أخفينا عنكم». هذا حديث صحيح أخرجه أحمد.

[1])) قال شيخنا رحمه الله: «باسم الله أي أبتدئ باسم الله، ولفظ الجلالة «الله» علم للذات الـمقدس الـمستحق لنهاية التعظيم وغاية الخضوع، ومعناه من له الإلهية وهي القدرة على الاختراع، أي: إخراج الـمعدوم من العدم إلى الوجود، والرحمن معناه الكثير الرحمة بالـمؤمنين والكافرين في الدنيا وبالـمؤمنين في الآخرة، أما الرحيم، فمعناه الكثير الرحمة بالـمؤمنين».

وقال أيضا: «قراءة البسملة ألف مرةٍ ينفع لقضاء الحاجة على نيةٍ مخصوصةٍ، وكذلك لو قرئت البسملة 876 مرة كما هو الرقم على حساب الجمل. وكتابتها أيضا خمسا وثلاثين مرة ينفع لتيسير الرزق، يوضع على باب الدكان لرواج البضاعة أو تحمل».

[2])) الـمثاني ما ولي المئين، سميت بذلك لأنها ثنتها، أي: وليتها. وقال الفراء: هي السورة التي ءايها أقل من مائةٍ لأنها تثنى (أي: تكرر) أكثر مما يثنى الطوال والـمئون، وقيل: لتثنية الأمثال فيها بالعبر والخبر، قاله السيوطي في «الإتقان» (1/220)..

[3])) قال شيخنا رحمه الله: «سورة براءة لا يجوز قراءة البسملة أولها لأن براءة نزلت بالسيف، أي: بقتال الكفار، للتحريض الشديد فيها أكثر مما في غيرها، وكان عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما يسميها الفاضحة لأنها تفضحث الـمنافقين».

[4])) الـمئون ما ولي السبع الطوال، سميت بذلك لأن كل سورةٍ منها تزيد على مائة ءايةٍ أو تقاربها.

[5])) أي: الكثيرة.

[6])) هكذا في الأصل.

[7])) قال المجد بن الأثير في الشافي (1/553): «(أسرقت الصلاة)، أي: أخذت بعضها فكتمته».

[8])) قال النووي في المجموع (3/349): «هو ما اعتمده الإمام الشافعي من إجماع أهل المدينة في عصر الصحابة رضي الله عنهم».

[9])) أي: بأن يبين أنه أخذه بلا سندٍ، قاله زكريا الأنصاري في «فتح الباقي» (2/89).

[10])) قال شيخنا رحمه الله: «يعني: أن سويد بن عبد العزيز الراوي عن عمران ضعيف».

[11])) قال شيخنا رحمه الله: «معناه: الترسل مع تبيان الـمدود وإظهارها».

[12])) قال شيخنا رحمه الله: «هذه الإغفاءة ليست الإغفاءة التي تحصل لعوام الناس ولا هي نوم، إنما هي حالة تشبه النوم، لأن القرءان كله قراه عليه جبريل يقظة، هذا الذي لا يجوز اعتقاد خلافه».

[13])) قال شيخنا رحمه الله: «الكوثر يقول بعض العلماء: معناه: الخير الكثير، ومن الخير الكثير الذي أعطاه الله لسيدنا محمدٍ r نهر الكضوثر الذي في الجنة. هذا الكوثر هو نهر في الجنة على حافتيه قباب اللؤلؤ، هو أصله في الجنة لكن يصب في مكانٍ يسمى الحوض خارج الجنة ليشرب منه الـمؤمنون قبل دخولهم الجنة فيكونون دخلوا الجنة وهم لا يشكون عطشا، لا يظمأ من شرب منه أبدا إنما يشربون بعد دخول الجنة تلذذا».

[14])) بضم الـميم الأولى وإسكان الجيم وكسر الـميم الثانية. ويقال: الـمجمر بفتح الجيم وتشديد الـميم الثانية المكسورة.

(3) ما معنى الحمد لله.

     الحمد لله أى الثناء باللسان على الجميل الاختيارى على وجه التعظيم مستحق لله أى أن الله تعالى يستحق أن يثنى عليه على نعمه التى أنعم بها على عباده من غير وجوبٍ عليه.

باب من سمع العطسة يقول: الحمد لله

حدثنا طلق([1]) بن غنام([2]) قال: حدثنا شيبان، عن أبي إسحاق، عن خيثمة، عن علي عليه السلام([3]) قال: من قال عند عطسة سمعها: الحمد لله رب العالمين على كل حال ما كان، لم يجد وجع الضرس والأذن([4]) أبدا([5]).

([1]) بفتح الطاء وسكون اللام وفي ءاخره قاف.

([2]) بفتح الغين المعجمة وتشديد النون.

([3]) كذا في (أ، هـ). اهـ.

([4]) كذا في (ب، ح، ط): لم يجد وجع الضرس والأذن أبدا. اهـ قال في الفتح: في الأدب المفرد عن علي قال: من قال عند عطسة سمعها الحمد لله رب العالمين على كل حال ما كان لم يجد وجع الضرس ولا الأذن أبدا. اهـ وكذا ف يشرح الحجوجي: ولا الأذن أبدا. اهـ وأما في البقية: ولا أذن. اهـ.

([5]) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن طلق به، وأخرجه الحاكم من طريق المصنف والطبراني في الدعاء من طريق محمد بن الليث كلاهما عن طلق به نحوه، وقال الكل: (عن حبة عن علي)، قال الحافظ في الفتح: وهذا موقوف رجاله ثقات، ومثله لا يقال من قبل الرأي فله حكم الرفع، وقد أخرجه الطبراني من وجه ءاخر عن علي مرفوعا. اهـ.

ما معنى قول »الحمد لله الذى أذهب عنى الأذى وعافانى«

هذا الخروج الذى لو بقى فى الجوف يؤذينى، أحمده على أنه أخرج منى ما لو بقى فى جوفى يؤذينى وأبقى على العافية.

كم سورة من سور القرآن الكريم افتُتِحَت ب “الحمدُ لله”؟

ج: خمسُ سور: الفاتحة، الأنعام، الكهف، سبأ وفاطر.

(4) اذكر بعض المواضع التى يستحب فيها حمد الله.

     قال الإمام الهررى رضى الله عنه الله تعالى يحمد على السراء والضراء أى على النعمة والمصائب والفرح والترح إن أصابنا نعمة نحمده وإن أصابنا مصيبة نحمده فى بعض كتب الأنبياء الأولين، أمة محمد يسمون الحمادين لأنهم يحمدون الله على السراء والضراء.

     يسن للمسلم أن يحمد الله عند النوم ثلاثا وثلاثين وأن يقول إذا استيقظ الحمد لله الذى أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور معناه نحمد الله أن جعلنا نستيقظ من نومنا ونعيش ولم يمتنا ونحن نائمون وهو الذى يحيينا بعد موتنا للبعث. ويسن أن يقول إذا عطس أو أراد الدعاء الحمد لله وأن يقول عند الدخول والخروج من المسجد الحمد لله وأن يقول إذا رأى ما يسره الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات أى نحمد الله الذى بفضله أدام علينا الأعمال الصالحة وأن يقول إذا رأى ما يسوؤه الحمد لله على كل حالٍ أى أحمد الله فى حال الشدة والرخاء وأن يقول عند الانتهاء من الطعام والشراب الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين وأن يقول إذا خرج من الخلاء غفرانك الحمد لله الذى أذهب عنى الأذى وعافانى أى أحمد الله الذى أخرج منى ما لو بقى فى جوفى يؤذينى وأبقى على العافية وأن يقول إذا رأى وجهه فى المرءاة الحمد لله اللهم كما حسنت خلقى فحسن خلقى أى كما أنك لم تجعل فى خلقتى عاهة فجملنى بالأخلاق الحسنة ويسن أن يقول إذا رأى مبتلى فى جسده أو دينه الحمد لله الذى عافانى مما ابتلاك به وفضلنى على كثيرٍ ممن خلق تفضيلا أى أحمد الله الذى عافانى من البلاء الذى ابتلاك به وفضلنى بالنعم التى أنعم بها على ولم يبتلنى بما ابتلى به خلقا كثيرا.

باب من حمد الله عز وجل عند الولادة إذا كان سويا ولم يبال ذكرا كان أو أنثى

  • حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن دكين([3])، سمع كثير بن عبيد([4]) قال: كانت عائشة إذا ولد فيهم مولود، يعني: في أهلها، لا تسأل: غلاما ولا جارية([5])، تقول: خلق سويا([6])؟ فإذا قيل: نعم، قالت: الحمد لله رب العالمين([7]).

([1]) وفي (د): وإذا كان سويا لم يبال ذكرا أو أنثى. اهـ.

([2]) كذا في (أ، هـ، ح، ط) زيادة: كان. اهـ دون بقية النسخ. اهـ.

([3]) أبو عمر الكوفي.

([4]) أبو سعيد القرشي التيمي الكوفي.

([5]) في تهذيب الكمال بالرفع: لا تسأل غلام، ولا جارية. اهـ.

([6]) في تهذيب الكمال: خلق سوي. اهـ (على المصدر).

([7]) لم أجد من أخرجه.

باب من قال: يرحمك الله إن كنت حمدت الله

حدثنا عارم قال: حدثنا عمارة بن زاذان قال: حدثني مكحول الأزدي قال: كنت إلى جنب ابن عمر، فعطس رجل من ناحية المسجد، فقال ابن عمر: يرحمك الله إن كنت حمدت الله عز

وجل([1]).

([1]) لم أجد من أخرجه، ذكره الحافظ في الفتح بعد عزوه للمصنف هنا وسكت عليه.

ما معنى حديث فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

        روى مسلم من حديث أبى ذر عن النبى ﷺ عن الله عز وجل فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. فمن وجد خيرا فليحمد الله أى من عمل الطاعات وتجنب المعاصى فليحمد الله الذى وفقه لذلك، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه أى من وجد شرا فلأنه تعالى أظهر بقدرته الأزلية ما كان من ميل العبد السيئ أى أن الله علم بعلمه الأزلى ما يميل إليه الإنسان من شر فأظهر بقدرته ما كان العبد مستعدا له فمن أضله الله فبعدله ولا يلومن إلا نفسه.

(5) ما معنى الصلاة والسلام على رسول الله

     أى اللهم زد سيدنا محمدا شرفا وتعظيما وقدرا وأمنه مما يخافه على أمته أى سلم أمته مما يكره قال الله تعالى فى سورة الأحزاب ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ فالصلاة من الله على النبى تعظيم ورفعة قدرٍ والصلاة من الملائكة دعاء فهم يصلون على النبى كما نحن نصلى عليه. وقال تعالى فى سورة الأحزاب ﴿هو الذى يصلى عليكم وملائكته﴾ أى يرحمكم وملائكته يستغفرون لكم. والصلاة على النبى حتى يكون فيها أجر لا بد من النطق بها بلفظٍ صحيحٍ مع إخلاص النية لله تعالى فيعلم من ذلك أن من قال اللهم صل على النبى بالتخفيف بدون تشديد الياء فلا ثواب له.

قال الله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} [الأحزاب: 56].

معنى الصلاة على النبي والسلام عليه، الدعاء بأن يزيد الله تعالى النبي تعظيما وأن يؤمنه الله مما يخاف على أمته، فالله تعالى أمر المؤمنين بأن يعتنوا بإظهار شرفه وتعظيم شأنه، وقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه في يوم الجمعة فقال: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي»، قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ (أي بليت) قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء». رواه أبو داود.

ومعنى الحديث أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة فيها نمو للثواب لشرف الزمان وكونها معروضة عليه يعرضها عليه ملائكة موكلون بذلك فيمن يصلي عليه من بعد وأما من صلى عند قبره الشريف فيسمعه صلى الله عليه وسلم لأن الأنبياء حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم فهم أحياء في قبورهم يصلون.

وحكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أنها سنة إذا ذكر عليه الصلاة والسلام إلا في الصلاة المفروضة فإنها ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة بدونها، وموضع وجوبها في الصلاة في الجلوس الأخير بعد التشهد.

قال الإمام المفسر محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي في تفسيره «الجامع لأحكام القرءان» في شرحه لهذه الآية ما نصه([1]): «هذه الآية شرف الله بها رسوله عليه السلام حياته وموته، وذكر منزلته منه، وظهر بها سوء فعل من استصحب في جهته فكرة سوء، أو في أمر زوجاته ونحو ذلك. والصلاة من الله رحمته ورضوانه، ومن الملائكة الدعاء والاستغفار، ومن الأمة الدعاء والتعظيم لأمره». اهـ.

فمعنى اللهم صل على محمد اللهم زده شرفا وتعظيما والنبي صلى الله عليه وسلم هو أعلى خلق الله وأفضل العالمين رتبة ومنزلة ومع ذلك يزداد رفعة بصلاة المصلين عليه وليس معناها الله يصلي بقيام وركوع وسجود أو يقف إماما والملائكة خلفه نعوذ بالله من هذا الكفر فالله لا شبيه له ولا مثيل ولله المثل الأعلى وكذلك قوله تعالى هو الذي يصلي عليكم أي ينزل الرحمة الخاصة على أتقياء أمة محمد وأما معنى وسلم أي سلمه يا رب مما يخاف على أمته ويكره.

وليس كما زعم بعض جهلة هذا العصر ممن لا حظ ولا نصيب له في العلم وهو مفتي دولة عربية كبيرة قال والعياذ بالله: «طوبى لك أيها المصلي فأنت تصلي والله يصلي والملائكة يصلون فأنت في صف الله» ثم زعم هذا الأخرق أن النبي صلى الله عليه وسلم وصل في ليلة المعراج إلى مكان في السماء وأراد أن يدخل فقيل له قف فإن ربك يصلي الآن وهذا الدكتور لم يعرف الخالق من المخلوق فشبه الله تعالى بالإنس والجن المؤمنين وبالملائكة ووصف الله تعالى بالقيام والركوع والاعتدال والسجود والجلوس بين السجدتين والجلوس للتشهد والتحيات وبالحركات والسكنات والانتقال فضلا عن نسبة المكان له والله منزه عن كل ذلك. قال الإمام أحمد بن سلامة أبو جعفر الوراق الطحاوي في عقيدته المشهورة وهي العقيدة الطحاوية التي أجمع على قبولها واستحسانها المسلمون سلفا وخلفا في الشرق والغرب والشمال والجنوب وتلقوها بالقبول الحسن وأقبلوا عليها حفظا وفهما وتعلما وتعليما وذكر أنها عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة وصاحبيه: «تعالى – يعني الله – عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات» ثم قال: «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر» وقد قال أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه: من قال بحدوث صفة من صفات الله أو شك أو توقف فقد كفر. وهذا إجماع لا خلاف فيه ونصيحتنا لكل من يشبه الله بخلقه أو ينسب له الأعضاء أو الجهة أو المكان أو التطور أو التغير أو الحركة والسكون والجلوس والاتصال والانفصال والتطور والتغير أن يرجع عن هذه العقيدة إلى عقيدة أهل الإسلام كما قال الله {ليس كمثله شيء}. مهما تصورت ببالك فالله لا يشبه ذلك. الله موجود بلا جهة ولا مكان وينطق بالشهادتين للرجوع إلى الإسلام.

([1]) الجامع لأحكام القرءان (دار الفكر الطبعة الأولى، لمجلد الرابع عشر ص232).

 باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

  • حدثنا يحيى بن سليمان قال: حدثني ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج([1])، أن أبا الهيثم حدثه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما رجل([2]) مسلم لم يكن عنده صدقة([3])، فليقل([4]) في دعائه: اللهم صل على محمد، عبدك ورسولك، وصل على المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، فإنها له زكاة»([5])([6]).
  • حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا إسحاق بن سليمان، عن سعيد بن عبد الرحمن، مولى سعيد بن العاص قال: أخبرنا حنظلة بن علي، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال: اللهم صل على محمد، وعلى ءال محمد، كما صليت على إبراهيم وءال إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى ءال محمد، كما باركت على إبراهيم وءال إبراهيم، وترحم على محمد، وعلى ءال محمد، كما ترحمت على إبراهيم وءال إبراهيم، شهدت([7]) له يوم القيامة بالشهادة، وشفعت له»([8]).
  • حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سلمة بن وردان قال: سمعت أنسا، ومالك بن أوس بن الحدثان، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يتبرز فلم يجد أحدا يتبعه، فخرج عمر واتبعه([9]) بفخارة([10]) أو مطهرة([11])، فوجده ساجدا في مشربة([12])، فتنحى فجلس وراءه، حتى رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه فقال: «أحسنت يا عمر حين وجدتني([13]) ساجدا فتنحيت عني، إن جبريل عليه السلام جاءني فقال: من صلى عليك واحدة صلى الله عليه عشرا([14])، ورفع له عشر درجات»([15]).
  • حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم قال([16])، سمعت أنس بن مالك، عن([17]) النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا، وحطت([18]) عنه عشر خطايا»([19])([20]).

([1]) قال ابن حجر في تقريب التهذيب: دراج بتثقيل الراء وءاخره جيم، ابن سمعان، أبو السمح بمهملتين الأولى مفتوحة والميم ساكنة، قيل: اسمه عبد الرحمٰن، ودراج، لقب، السهمي مولاهم المصري القاص، صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين. اهـ.

([2]) وفي (ج) ضبطها بتنوين الكسر. اهـ قلت: ويجوز الرفع على البدلية. اهـ.

([3]) قال في فيض القدير: يعني لا مال له يتصدق منه. اهـ.

([4]) قال في فيض القدير: أي ندبا. اهـ.

([5]) قال في السراج المنبر: أي تقوم مقام الصدقة. اهـ يعني صدقة التطوع. اهـ.

([6]) أخرجه الحاكم وابن بشران في أماليه وابن حبان والبيهقي في الآداب وفي الشعب من طرق عن ابن وهب به، والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي، قال الهيثمي في المجمع: رواه أبو يعلى وإسناده حسن. اهـ وقال المناوي في التيسير: إسناده حسن. اهـ.

([7]) كذا في (ب، د، و) ضبطت: شهدت وشفعت، بضم تاء المتكلم. اهـ قال الزرقاني في شرح المواهب اللدنية: (وشفعت) بفتح الفاء (له) شفاعة خاصة زائدة على عموم شفاعته. اهـ وأما في (أ، ي): شهدت وشفعت (بفتح الدال في الأولى وسكون التاء في الكلمتين). اهـ.

([8]) أخرجه الشجري في أماليه من طريق حسين بن إبراهيم الثقفي عن محمد بن العلاء به نحوه، وأورده الحافظ في الفتح من رواية الطبري في تهذيب الآثار ثم قال: رجال سنده رجال الصحيح إلا سعيد بن عبد الرحمٰن مولى سعيد بن العاص الراوي له عن حنظلة بن علي فإنه مجهول، وقال في التهذيب: ذكره ابن حبان في الثقات. اهـ.

([9]) كذا في (أ)، وأما في بقية النسخ وشرح الحجوجي: فاتبعه. اهـ.

([10]) قال في النهاية: الفخار ضرب من الخزف معروف تعمل منه الجرار والكيزان وغيرهما. اهـ.

([11]) كذا في (أ) بفتح الميم، وأما في (ب): بكسر الميم. اهـ قلت: قال في التاج: وقال الجوهري: الـمطهرة والـمطهرة: الإداوة، والفتح أعلى. اهـ وقال في المغني: في شرح الكرماني: مطهرة بكسر ميم إناء معد للتطهير، وفتحها أجود، وفي النهاية: كل إناء يتطهر به والكسر أشهر. اهـ.

([12]) كذا في (أ، ح، ط): مشربة، وضبطها في (أ) بضم الراء. اهـ وكذا في سد الأرب من علوم الإسناد والأدب لأبي عبد الله محمد الأمير الكبير عازيا للمصنف هنا. اهـ قلت: هو بفتح الراء إن أريد بها الأرض اللينة الدائمة النبات فهو بالفتح على المشهور، ويجوز الضم. وأما إن أريد الموضع الذي يشرب منه – كالـمشرعة- فهو بالفتح لا غير. والسياق يقبل هذين المعنيين. وأما الذي جوزوا فيه الوجهين (الفتح والضم) بشهرة فهو بمعنى الغرفة، والسياق هنا لا يناسب أن نشرح عليه، والله أعلم. قال في شرح القاموس: (والـمشربة) بالفتح في الأول والثالث، (وتضم الراء: أرض لينة دائمة النبات) أي لا يزال فيها نبت أخضر ريان. اهـ وكذا في طرح التثريب للعراقي. اهـ وأما في بقية النسخ: مسرب، وضبطها ناسخ (ب، د) بفتح الميم. وقيد ناسخ (د، و): السرب الـمذهب، والطريقة وجماعة النخل، جمعه سرب، قاموس. اهـ قلت: وزاد في القاموس: والـمسربة: الـمرعى، ج: الـمسارب. اهـ وفي شرح الحجوجي: (مسرب) بيت في الأرض لا منفذ له. اهـ وهكذا (مشربة) ذكرها السخاوي في القول البديع (من رواية كتابنا) بالميم وضم الراء، بضبط النسخة الخطية (بخط تلميذ السخاوي وعليها إجازة بخط السخاوي) للقول البديع، ولكن لم يتعرض السخاوي لضبطها كتابة، وذكر الحديث كذلك من طرق أخرى فقال (شربة) وضبطها فقال: والشربة قال في النهاية: بفتح الراء: حوض يكون في أصل النخلة وحولها يملأ ماء لتشربه، وكذا قال في الصحاح إنه حوض يتخذ حول النخلة تروى منه.. إلى ءاخر كلامه. وكذلك ذكرها صاحب القاموس في كتابه الصلاة بلفظ (شربة) ولكن ضبطها هناك بالباء الموحدة المشددة. اهـ.

([13]) وفي (د): حين رأيتني. اهـ.

([14]) قال القاضي عياض في إكمال الـمعلم بفوائد مسلم: معنى صلاة الله عليه رحمته له وتضعيف أجره على الصلاة عشرا، كما قال تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160]. اهـ.

([15]) أخرجه ابن أبي شيبة كما في المطالب والبزار كما في الكشف وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة وأبو نعيم في المعرفة والسبكي في الطبقات من طرق عن سلمة بن وردان به نحوه، وأخرجه كذلك الطبراني في الأوسط وفي الصغير من طريق الأسود بن يزيد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكره بلفظ قريب، ومن طريقه أخرجه الضياء في المختارة، قال الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الأوسط والصغير ورجاله رجال الصحيح. اهـ وقال السخاوي في القول البديع بعد ذكره حديث الطبراني: إسناده جيد بل صححه بعضهم. اهـ قلت: هذا الحديث من ثلاثيات هذا الكتاب. اهـ.

([16]) زيادة «قال» من (أ، د)، دون بقية النسخ.

([17]) وفي (د): قال سمعت أنس بن مالك يقول سمعت النبي. اهـ.

([18]) كذا في (أ)، وأما في البقية: وحط. اهـ وفي شرح الحجوجي: وحط عنه عشر خطيئات. اهـ.

([19]) كذا في (أ، د، ح، ط)، وأما في البقية: خطيئات. اهـ.

([20]) أخرجه أحمد والنسائي في الكبرى وابن حبان والحاكم والخطيب في تاريخ بغداد والفاكهي في فوائده من طرق عن يونس به، والحديث صححه ابن حبان والضياء والحاكم ووافقه الذهبي.

ما الدليل على جواز قول اللهم صل على سيدنا محمد

اعلم أن سيدنا محمدا ﷺ هو سيد العالمين وأفضل خلق الله أجمعين وهذا متفق عليه عند العلماء وهو مأخوذ من حديث رواه الترمذى أنا سيد ولد ءادم يوم القيامة ولا فخر، أى لا أقول ذلك افتخارا إنما تحدثا بنعمة الله وفى ذلك جواز وصفه بأنه سيد البشر. فإذا قيل اللهم صل على سيدنا محمد فهذه زيادة تناسب الأصل فهو أفضل الخلق وأعلاهم منزلة. ثم الله تعالى سمى نبيه يحيى فى القرءان سيدا قال الله تعالى ﴿وسيدا وحصورا﴾ وسيدنا محمد ﷺ أفضل منه عند الله، فإذا جاز أن يقال عن المفضول سيد فبالأولى يجوز أن يقال عن الأفضل وهو سيدنا محمد ﷺ، فإذا قيل اللهم صل على محمد أو اللهم صل على سيدنا محمد فهو جائز وفيه ثواب، لكن الأفضل فى الصلاة لأجل النص الوارد أن يقال فى الصلاة الإبراهيمية اللهم صل على محمد فقد قيل كيف نصلى عليك يا رسول الله قال قولوا اللهم صل على محمد وإذا قيل اللهم صل على سيدنا محمد فليس مكروها إنما الأحسن أن نقول فى الصلاة اللهم صل على محمد لأجل الاتباع. أما الذى يحرم على المسلم أن يقول اللهم صل على سيدنا محمد فهو كافر والعياذ بالله تعالى. أما حديث لا تسيدونى فى الصلاة فهو مكذوب على النبى ﷺ والدليل على ذلك أنه لا يقال لغة لا تسيدونى إنما يقال لا تسودونى أى لا تقولوا سيد فيقال فى لغة العرب ساد يسود سيادة والاسم سؤدد وهو المجد والشرف.

فائدة مهمة عند قول أو كتابة اللهم صل على محمد

فإن من كتب صل (صلي) بزيادة الياء يكون خطابا للأنثى لأنه يصير فعل أمر مجزوم وعلامة جزمه حذف النون لأنه خطاب للأنثى، وقد قال الفقهاء من تعمد ذلك في قول اللهم صل على محمد يكفر.
أما اللهم صل على محمد فهو الصواب وهو فعل أمر المقصود منه الطلب وهو مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة من ءاخره وهو الألف المقصورة، وأما معنى اللهم صل على محمد اللهم زد محمدا شرفا وتعظيما، صلى الله عليه وسلم.

عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من صلى علي يوم الجمعة ثمانين مرة غفرت له ذنوب ثمانين عاما، فقيل له كيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال تقول (اللهم صل على محمد عبدك و نبيك و رسولك النبي الأمي) 464 – 13 تاريخ بغداد للخطيب البغدادي.

فإن قيل كيف يكون هذا ان لم يعش المرء ثمانين سنة؟ فالجواب أنه يغفر له ذنوب بتقدير ما لو عاش ثمانين سنة مكلفا يذنب فيها، فعن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (من صلى علي في كل يوم مائة مرة قضى الله له مائة حاجة سبعين منها لآخرته وثلاثين منها لدنياه)، قال الحافظ أبو موسى المديني محمد بن أبي بكر المتوفي سنة 581 هجرية هذا حديث حسن.

التحذير من قول بعض الناس (اللهم صل عليك يا محمد)

مما يجب التحذير منه قول بعض الناس (اللهم صل عليك يا محمد) فإن هذه الكلمة فاسدة المعنى، لأن الميم في لفظة اللهم هي بدل من ياء النداء فكأن هذا القائل يقول (يا رب صل على نفسك أي زد نفسك شرفا وتعظيما)، ومن قال هذا وهو يفهم المعنى يكون قد كذب الدين والعياذ بالله لأن كمال الله أزلي أبدي لا يزيد ولا ينقص والزيادة والنقصان علامة الحدوث والحادث لا يكون إلها، أما من كان لا يفهم المعنى فلا يخرج من الملة لكنه يأثم.

يجب الحذر من قول بعض الناس (اللهم سل على محمد) بالسين

يجب الحذر من قول بعض الناس (اللهم سل على محمد) بالسين، لأن سل من التسلية، والتسلية تكون للمحزون أما صل بالصاد فمعناها ارحمه الرحمة المقرونة بالتعظيم، قال بعض علماء السلف (لا يقبل قول ولا نية ولا عمل إلا بموافقة السنة) أي الشريعة، وهذا مأخوذ من حديث مسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، فتصحيح اللفظ أمر مهم فكما تتميز الصاد عن السين كتابة كذلك لا بد أن تتميز عنها نطقا وكثير من الناس يجعلون الصاد سينا نطقا.

وقد مر عمر باثنين يتباريان بالرمي فقال أحدهما للآخر (أسبت) بالسين بدل أن يقول له أصبت بالصاد، فقال له سيدنا عمر (خطؤك باللفظ أشد من خطئك بالرماية).

الصلاة الإبراهيمية:

تقرأ بعد الانتهاء من التشهد الأخير، وهي: اللهم صل على محمد وعلى ءال محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى ءال إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى ءال محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى ءال إبراهيم إنك حميد مجيد. ومعنى “اللهم صل على محمد” أي اللهم زد سيدنا محمدا شرفا وتعظيما وليس معناه أن الله يشبهنا ويصلي مثلنا، أما “ءال محمد” فمعناه أهل بيته. ومعنى “الحميد” المستحق للحمد والثناء والمدح، وأما المجيد فمعناه الواسع الكرم العالي القدر.

الصلاة الإبراهيمية: تقرأ بعد الانتهاء من التشهد الأخير، وهي: اللهم صل على محمد وعلى ءال محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى ءال إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى ءال محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى ءال إبراهيم إنك حميد مجيد.

ما هو أكمل الصلاة على الـنبـى ﷺ.

        أكمل الصلاة على الـنبـى اللهم صل على مـحمد وعلى ءال مـحمد كما صلـيت على إبراهيم وعلى ءال إبراهيم إنك حـميد مـجيد اللهم بارك على مـحمد وعلى ءال مـحمد كما باركت على إبراهيم وعلى ءال إبراهيم إنك حـميد مـجيد.

ما هو أقل الصلاة على النبى ﷺ في الصلاة

الصلاة على النبى ركن من أركان الصلاة وأقل الصلاة على النبى ﷺ اللهم صل على محمد أو صلى الله على محمد. أما قول اللهم صلى على محمد بالياء فلا يجوز ومن قال ذلك فى صلاته فسدت صلاته وأما من قال ذلك وهو يعرف المعنى فإنه يكفر لأنه خطاب للأنثى. ومعنى اللهم صل على محمد اللهم زد سيدنا محمدا شرفا وتعظيما وقدرا وليس معناه أن الله يشبهنا ويصلى مثلنا.

(6) اذكر بعض فضائل الصلاة على النبى   

     يستحب الإكثار من الصلاة على النبى فى كل يومٍ وخاصة يوم الجمعة لقوله ﷺ من صلى على عصر يوم الجمعة ثمانين مرة غفرت له ذنوب ثمانين سنة، أى لو كانت عنده. ويستحب الصلاة عليه عند ذكر اسمه ﷺ حتى أثناء خطبة الجمعة فإن فى الصلاة على النبى قضاء الحاجات وتفريج الكربات ومغفرة الذنوب ونيل شفاعة النبى ﷺ. وورد فى الحديث الذى رواه الطبرانى فى كتاب الدعوات أن الناس إذا اجتمعوا فى مجلسٍ ثم فارقوه ولم يذكروا الله ولم يصلوا على النبى يكون حسرة عليهم فى الآخرة وإن دخلوا الجنة، أى من غير نكدٍ وانزعاجٍ معناه أن المسلم حين يذكر هذا المجلس إن كان فى بيته أو فى المسجد ولم يهلل فيه ولم يصل على النبى وفارقه يقول يا ليتنى ما فوت هذا. ومن الصيغ المجربة لرؤية الرسول ﷺ فى المنام اللهم صل على محمدٍ النبى وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على ءال إبراهيم إنك حميد مجيد وتقال مائة مرةٍ فى كل يومٍ.

باب الصلاة والسلام على رسول الله 

  • عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: قال رسول الله r: «من صلى علي صلاة صلت عليه الملائكة ما صلى علي فليقل عبد من ذلك أو يكثر». هذا حديث حسن أخرجه أحمد.
  • عن عقبة بن عامرٍ رضي الله عنه قال: أتى رجل رسول الله حتى جلس بين يديه فقال: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفنا، فكيف الصلاة عليك؟ فأخبرنا كيف نصلي عليك؟ قال: فصمت رسول الله r حتى وددت أن الرجل الذي سأله لم يسأله، ثم قال رسول الله r: «إذا صليتم علي فقولوا: اللهم صل على محمدٍ([1]) النبي الأمي وعلى ءال محمدٍ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمدٍ النبي الأمي وعلى ءال محمدٍ كما باركت على إبراهيم، وعلى ءال إبراهيم إنك حميد مجيد([2])»([3]). هذا حديث حسن من هذا الوجه أخرجه أبو داود عن أحمد بن يونس.
  • عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمـٰـن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: قلنا: يا رسول الله، هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صل على محمدٍ وعلى ءال محمدٍ كما صليت على إبراهيم وعلى ءال إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمدٍ وعلى ءال محمدٍ كما باركت على إبراهيم وعلى ءال إبراهيم إنك حميد مجيد»، قال عبد الرحمـٰـن: ونحن نقول: «وعلينا» معهم.

وعبد الرحمـٰـن هذا هو ابن أبي ليلى. هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الأئمة كلهم من طرق متعددةٍ إلى الحكم عن كعبٍ.

  • عن أبي مسعودٍ الأنصاري رضي الله عنه قال: أتانا رسول الله r ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعدٍ: أمرنا الله أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت حتى تمنينا أنه لم يسأله([4])، ثم قال: «قولوا: اللهم صل على محمدٍ وعلى ءال محمدٍ كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمدٍ وعلى ءال محمدٍ كما باركت على ءال إبراهيم في العالمين([5])، إنك حميد مجيد». هذا حديث صحيح أخرجه أحمد.
  • عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلنا يا رسول الله، كيف نصلي عليك، فقد علمنا السلام عليك، قال: «قولوا: اللهم صل على محمدٍ وعلى ءال محمدٍ وبارك على محمدٍ كما صليت وباركت على ءال إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد». هذا حديث صحيح أخرجه البزار.
  • عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال: قلنا يا رسول الله، هذا السلام عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صل على محمدٍ عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم([6])، وبارك على محمدٍ وعلى ءال محمدٍ كما باركت على إبراهيم». هذا حديث صحيح أخرجه البخاري.
  • عن عمرو بن سليمٍ الزرقي أخبرني أبو حميدٍ الساعدي رضي الله عنه أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صل على محمدٍ وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمدٍ وأزواجه وذريته، كما باركت على ءال إبراهيم، إنك حميد مجيد». هذا حديث صحيح أخرجه أحمد.
  • عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزمٍ عن رجلٍ من أصحاب رسول الله r قال: كان رسول الله r يقول: «اللهم صل على محمدٍ وعلى أهل بيته وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى ءال إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى أهل بيته وأزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». هذا حديث حسن أخرجه أحمد.
  • عن أبي بن كعبٍ رضي الله عنه قال: كان رسول الله r إذا جاء ربع الليل قام فقال: «أيها الناس اذكروا الله أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة([7])، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه»([8])، فقال أبي بن كعبٍ: فقلت: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فما أجعل لك من صلاتي([9])؟ قال: «ما شئت»، قلتالربع([10])؟ قال: «ما شئت، وإن زدت فهو خير»، قلت: النصف؟ قال: «ما شئت، وإن زدت فهو خير»، قلت: الثلثين؟ قال: «ما شئت، وإن زدت فهو خير»، قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: «إذن تكفى همك ويغفر ذنبك». هذا حديث حسن أخرجه أحمد.

[1])) قال شيخنا رحمه الله: «معنى «اللهم صل على محمدٍ»: اللهم زد محمدا شرفا وتعظيما r».

[2])) قال شيخنا رحمه الله: «معناه: محمود ممجد. والـمحمود ليس اسما لله، لا يقال: «يا محمود ارزقنا»، أما لو قال أحد: «يا محمودا على نعمائه ارزقنا» في دعائه لا بأس به. لم يرد في روايةٍ أن الله من أسمائه المحمود».

[3])) قال شيخنا رحمه الله: «وأفضل صيغةٍ في الصلاة على النبي r هي الصلاة الإبراهيمية التي علمها الرسول r للصحابة، فقد ثبت في الحديث أنه قيل للنبي r: كيف نصلي عليك يا رسول الله؟ فقال: «قولوا: اللهم صل على محمدٍ وعلى ءال محمدٍ كما صليت على إبراهيم وعلى ءال إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمدٍ وعلى ءال محمدٍ كما باركت على إبراهيم وعلى ءال إبراهيم إنك حميد مجيد». وقد ذكر إبراهيم في هذه الصلاة لأنه أفضل نبي بعد محمدٍ وكان قبله، فإن أفضل الأنبياء خمسة: محمد ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم نوح».

وقال ابن الأثير في النهاية (4/298): «ورد في أسماء الله تعالى الـمجيد والماجد؛ الـمجد في كلام العرب الشرف الواسع».

وقال أبو البركات النسفي في تفسير سورة هودٍ (2/167): «{إنه حميد} محمود بتعجيل النعم {مجيد} ظاهر الكرم بتأجيل النقم».

[4])) قال ابن علان في دليل الفالحين (7/200): «شفقة، لما رأوه منه r حالتئذٍ. وسكوته r يحتمل أن يكون لانتظار وحيٍ وأن يكون لاجتهادٍ»

[5])) قال شيخنا رحمه الله: «معناه خصص إبراهيم وءال إبراهيم من بين العالمين بالرفعة».

[6])) قال شيخنا رحمه الله: «معناه: ارفع درجة محمدٍ على كل من سبق كما رفعت درجة إبراهيم، فيدخل في ذلك إبراهيم. وقد ذكر إبراهيم في هذه الصلاة لأنه أفضل نبي بعد محمدٍ وكان قبله، فإن أفضل الأنبياء خمسة: محمد ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم نوح».

[7])) الراجفة النفخة الأولى، والرادفة الثانية.

[8])) قال الـمظهري في المفاتيح (5/327): «(جاء الـموت بما فيه)، أي: جاء الـموت مع ما فيه من أحوال القبر والقيامة».

[9])) قال التوربشتي في المفاتيح (2/165): «الصلاة ههنا الدعاء، يعني: لي زمان أدعو فيه لنفسي، فكم أصرف من ذلك الزمان في الدعاء لك».

[10])) قال الملا علي في المرقاة (2/746): «أي: أجعل ربع أوقات دعائي لنفسي مصروفا للصلاة عليك».

فضل الصلاة على النبي ومدح النبي عليه الصلاة والسلام

 إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُهُ ونستعينُه ونستهدِيهِ ونستغفرُه ونشكرُه ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا مَنْ يهدِ اللهُ فلا مضلَّ لهُ ومَنْ يضللْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ ولا ضِدَّ ولا نِدَّ لهُ، أيّن الأيْن ولا أيْن ولا مكان ولا جهة له، وكيّف الكيْف فلا كيْف ولا شكل ولا صورة ولا أعضاء له، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقرَّةَ أعينِنا وحبّ قلوبنا محمَّدًا عبد الله ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه صلّى الله وسلّم عليه وعلى كلِّ رسول أرسله . يا سيّدي يا رسول الله، يا سيّدي يا محمّد.يا سيّدي :حالي عجيب بل غرامي أعجب

 فأنا المصاب ووبْل ومعي صيِّب

يا سيّدي :الصبّ فاض غرامه متسعِّرًا

 فبمنحنى الأضلاع ذا يتلهّب

يا سيّدي :نطق الفؤاد وبالغرام أجابكم

 أنا مذهبي عن حبّكم لا أذهب

الصلاة والسلام عليك يا سيّدي يا صحب الذكرى يا أبا القاسم يا أبا الزهراء يا محمّد .أمَّا بعدُ عِبادَ اللهِ، فإني أوصيكُمْ ونفسِي بتقوَى اللهِ العَلِيِّ القدير القائل في محكم كتابه: {إنّ الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما} الأحزاب/56 .ومعنى الصلاة من الله على رسوله أن يزيده شرفًا وتعظيمًا ورفعةً ومكانةً وقدرًا.وسلِّم : أي سلِّمه مما يخاف على أمّته.فيا ربّ صلِّ وسلّم على سيّدنا ومولانا محمّد الذي بلّغ أسنى المطالب والمآرب، اللهمّ صلِّ وسلِّم على سيِّدنا ومولانا محمّد الذي فضّلته على أهل المشارق والمغارب، اللهمّ صلِّ وسلِّم على جسده في الأجساد وصلِّ وسلِّم على اسمه في الأسماء .وقد ورد في فضل الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم أحاديث منها: “من صلّى عليّ مرّة صلّى الله عليه بها عشرًا ومن صلّى عليّ عشرًا صلّى الله عليه بها مائة” .ومنها: “إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإنّ صلاتكم معروضة عليّ “ .ومنها ما روى أبو داود عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: “من سرّه أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلّى علينا أهل البيت فليقل: اللهمّ صلِّ على محمّد النبي وأزواجه أمّهات المؤمنين وذريّته واهل بيته كما صلّيت على ءال إبراهيم إنك حميد مجيد” .ومنها ما روى الحافظ السخّاويّ وغيره أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: “من صلّى عليّ عصر يوم الجمعة ثمانين مرّة غفر الله له ذنوب ثمانين عامًا”.وصيغتها عصر يوم الجمعة: “اللهمّ صلِّ على محمّد عبدك ونبيِّك ورسولِك النبيّ الأمّيِّ” .ثمّ إنّ مدح الرسول صلّى الله عليه وسلّم فرادى وجماعة قربة إلى الله وعمل مقبول ليس بدعة سيِّئة، فقد جاء في سنن ابن ماجة عن أنس بن مالك أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم مرّ ببعض المدينة فإذا هو بِجَوارٍ (أي بِبَنَاتٍ) يضربن بدفهنّ ويتغنّين ويقلن

:نحن جوار من بني النجار

 يا حبّذا محمّد من جار

فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: “الله يعلم إني لأحبكنّ “ .وهذا فيه دلالة على مشروعيّة مدح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والضرب بالدفّ ، هذا هو الحقّ الذي يعتقده المسلمون من أيام الرسول إلى الآن . والله تعالى يقول في القرءان العظيم: {فالذين ءامنوا به وعزّروه} الأعراف/157 .فمعنى {عزّروه} عظّموه . والله تعالى مدح الرسول أحسن من مدح غيره، قال الله تعالى: {وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم} القلم/4 .وقيل إنه رؤي بعض الصالحين بعد وفاته في المنام وكان معروفًا بإنشاد المدائح في الله تعالى فقيل له: لماذا لم تقل في مدح رسول الله مدحًا ؟ فقال:أرى كل مدح في النبي مقصرا

 وإن بالغ المثني عليه وأكثرا

إذا الله أثنى في الكتاب المنَزّل

 عليه فما مقدار ما تمدح الورى

فلقد شرّف الله عزّ وجلّ نبيّه المصطفى صلّى الله عليه وسلّم بآيات كثيرة من كتابه الكريم فأظهر بها علوّ شرف نسبه ومكارم أخلاقه وحسن حاله وعظيم قدره وأمرنا بتعظيمه، فاحترامه صلّى الله عليه وسلّم وتوقيره وإجلاله وتعظيمه صلّى الله عليه وسلّم فرض من مهمات الدين وعمل من أعمال المفلحين ، ونهج الأولياء والصالحين . وأما تنقيصه أو بغضه أو تحقيره فضلال مبين وكفر مشين أعاذنا الله وإياكم من زيغ المفسدين .واسمعوا معي قصّة رجل من علماء المسلمين في القرن السابع الهجري واسمه شرف الدين محمّد البوصيري فقد أصيب هذا العالم بفالج أبطل نصفه شلّ بسببه نصف بدنه فأقعده الفراش ففكّر بإنشاء قصيدة في مدح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يتوسّل ويستشفع به إلى الله عزّ وجلّ فعمل قصيدة مطلعها:أمن تذكر جيران بذي سلم

 مزجت دمعًا جرى من مقلة بدم

ومنها قوله:محمّد سيّد الكونين والثقلين

 والفريقين من عرب ومن عجم

هو الحبيب الذي تُرجى شفاعته
1 لكل هول من الأهوال مقتحم

فاق النبيّين في خلق وفي خلق

 ولم يدانوه في علم ولا كرم

ثم نام فرأى في منامه سيّدنا محمّدا عليه الصلاة والسلام فمسح عليه بيده المباركة فقام من نومه وقد شفاه الله مما به وعافاه فخرج من بيته فلقيه بعض فقراء الصوفيّة فقال له: يا سيّدي أريد أن أسمع القصيدة التي مدحت بها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال وأيَّ قصيدة تريد ؟ فإني مدحته بقصائد كثيرة، فقال التي أولها: “أمن تذكر جيران بذي سلم” والله لقد سمعتها البارحة في منامي وهي تنشد بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يسمع وقد أعجبته .مدح الرسول عبادة وتقرّب

 لله فاسعوا للمدائح واطربوا

فبمدحه البركات تنْزل جمة

 وبمدحه مرّ الحناجر يعذب

هذا وأستغفرُ اللهَ لي ولَكُمْ

 التحذيرُ من عبارات فاسدة يقولها بعض المدّاحين في مناسبة ذكرى المولد

إنَّ الحمدَ لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونشكره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، والصلاة والسلام على محمّد بن عبد الله وعلى ءاله وصحبه ومن والاه.أما بعدُ عبادَ اللهِ، فإني أوصيكُمْ ونفسِي بتقوَى اللهِ العَلِيِّ العظيمِ القائل في محكم كتابه: {قل إنما أنا بشر مثلكم} الكهف/110 .فلا يجوز تكذيب القرءان بدعوى مدح الرسول صلّى الله عليه وسلّم، لذلك من قال أو اعتقد أنّ جسد محمّد صلّى الله عليه وسلم خلق من نور فهو خارج عن الدين والعياذ بالله تعالى لتكذيبه هذه الآية القرءانية العظيمة: {قل إنما أنا بشر مثلكم} .وكذلك لا يجوز الكذب على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بدعوى مدح الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فما عُرِفَ بحديث جابرٍ فهو مكذوبٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي يقولون فيه: “أول ما خلق الله نور نبيّك يا جابر خلقه الله من نوره قبل الأشياء” .فهذا الحديث ركيك ، والركاكة قال علماء الحديث إنها دليل الوضع لأنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم لا يتكلّم بكلام ركيك ، فإنهم إن قالوا من نوره أي من نورٍ خَلَقهُ الله فقد كذّبوا أنفسهم لأنّ معنى كلامهم أنه خُلق قبله نورٌ فلا يكون هو أوّل المخلوقات . وإن قالوا من نوره أي نور الله فقد وصفوا الله بالجسميّة وهو كفر.ويلتحق بهذا الحديث الموضوع ما يقوله بعض المؤذّنين عقب الأذان بصوت عالٍ: الصلاة والسلام عليك يا أول خلق الله ، فلو قالوا الصلاة والسلام عليك يا خاتم رسل الله كان صوابًا ، فلقد جاء في الحديث الشريف: “إن الله لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء” .فليس الفضل في تقدم الوجود أي وجود الخلق بعضه على بعض بل الفضل بتفضيل الله ، فالماء مع ثبوت أولّيته لا يقال إنه أفضل المخلوقات، وأمّا الرسول عليه السلام فهو أفضل المخلوقات من غير أن يكون أول المخلوقات.ومن الباطل المخالف للنصّ القرءانيّ والحديثيّ قول بعض المنشدين : “ربّي خلق طه من نور” لأنّ هذا ظاهر المخالفة لقوله تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم} مع قوله تعالى: {وهو الذي خلق من الماء بشرًا}فمبلغ العلم فيه أنه بشر وأنه خير خلق الله كلهم .واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ  ]إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يصلُّونَ على النبِيِ يَا أيُّهَا الذينَ ءامَنوا صَلُّوا عليهِ وسَلّموا تَسْليمًا[ اللّـهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيم وبارِكْ  على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى: {يا أيها الناس اتقـوا ربكـم إنّ زلزلة الساعة شىء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد}، اللّـهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا فاغفرِ اللّـهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا اللّـهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ اللّـهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ اللّـهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ. عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون . اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.

بين حكم مدح رسول الله عليه الصلاة والسلام.

جائز بالإجماع.

قال تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم: 4]، قال تعالى: {وعزروه ونصروه} [الأعراف: 157]([1]) ومعنى عزروه أثنوا عليه ومدحوه وعظموه.

الحديث: إن بعض النساء مدحن النبي عليه الصلاة والسلام بقولهن أمامه: [الرجز] يا حبذا محمد من جار([2]). ابن ماجه، سنن ابن ماجه، (كتاب النكاح، باب الغناء والدف، 1/612). وثبت مدح أكثر من صحابي له كحسان بن ثابت، (مسلم، صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب فضائل حسان بن ثابت t، 4/1390)، والعباس t، (السيوطي، المقامة السندسية في النسبة المصطفوية)، وغيرهما، والرسول ﷺ لم ينكر ذلك؛ بل استحسنه.

[1])) هذه الآية فيها مدح للذين يمدحون الرسول ﷺ ويثنون عليه، يوقرونه ويعظمونه. الطبري، تفسير الطبري، 10/497.

[2])) عن أنس بن مالك t أن النبي ﷺ مر ببعض المدينة، فإذا هو بجوار يضربن بدفهن ويتغنين ويقلن: [الرجز]

نحن جوار من بني النجار يا حبذا ممحمد من جار

فقال النبي ﷺ: «الله يعلم إني لأحبكن». ابن ماجه، سنن ابن ماجه، كتاب النكاح، باب الغناء والدف، 1/612.

قال الحافظ البوصيري في كتابه «زوائد ابن ماجه» (ص271): «إسناد أنس صحيح، ورجاله ثقات».اهـ.

* وثبت مدح الرسول ﷺ جماعة في حديثين صحيحين:

أحدهما: حديث رواه الإمام أحمد في المسند (3/152) من حديث أنس بن ملاك t أن الحبشة كانوا يزفنون (شبيه الرقص) في مسجد رسول الله ﷺ ويقولون بكلام لهم: محمد عبد صالح.

ثانيهما: رواه البزار في مسنده (13/268، 269) أن الحبشة كانوا يزفنون بين يدي رسول الله ﷺ ويقولون: أبا القاسم طيبا. صححه الحافظ ابن القطان في كتابه «إحكام النظر في أحكام النظر»، ص436، 437.

وروى الحافظ السيوطي (المقامة السندسية في النسبة المصطفوية، ص2) أن العباس بن عبد المطلب t عم رسول الله ﷺ قال: قلت: يا رسول الله، إني امتدحتك بأبيات، فقال رسول الله: «هات، لا يفضض الله فاك»، قال: فأنشدتها، فذكر قصيدة أولها: [المنسرح]

من قبلها طبت في الظلال وفي مستودع حين يخصف الورق

وفي ءاخرها:

وأنت لما ولدت أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق

فصل في تبرئة النبي ﷺ من طعن الطاعنين فيه

تجرأ بعض الجهال في هذا الزمان من أدعياء الـمشيخة ومن يسمون «رعاة حقوق الطفل» على القول بتحريم وتجريم من ينكح بنتا صغيرة ويدخل بها وهي دون الست عشرة سنة، ويصف بعضهم وطء من كانت دون خمس عشرة سنة أو دون الثماني عشرة سنة بأنه انتهاك لحقوقها وإن كان ذلك الزواج حصل برضا أبيها، فلا يقفون عند حدود الشريعة في ذلك بل يطلقون العنان لألسنتهم طاعنين في أحكام الشريعة متكلفين رأيا يصادم الإسلام.

والحق في هذه المسألة أنه يجوز للولي الـمجبر تزويج البنت الصغيرة العاقلة في أي سن كانت إلا أنها لا تسلم للزوج ليطأها إلا في سن تحتمل فيه الوطء. وقد ثبت فيما أسلفنا أن عائشة رضي الله عنها دخل بها رسول الله ﷺ وهي بنت تسع سنين، إلا أن بعض السفهاء يطعنون في ذلك ويغمزون من قناة تضعيف سند أو نحو ذلك، فيرد عليهم من الإجماع الذي نقله منذ ألف سنة الحافظ ابن بطال (ت499هـ) ونص عبارته([1]): «أجمع العلماء على أنه يجوز للآباء تزويج الصغار من بناتهم وإن كن في المهد، إلا أنه لا يجوز لأزواجهن البناء بهن إلا إذا صلحن للوطء واحتملن الرجال، وأحوالهن تختلف في ذلك على قدر خلقهن وطاقتهن».

سيدنا محمد ﷺ لم يكن معلق القلب بالنساء، فلم يتزوج قبل النبوة إلا خديجة رضي الله عنه ثم بعد أن صار عمره ثلاثا وخمسين تزوج بغيرها، فعدد ﷺ الزواج في خلال العشر سنوات التي قضاها بالـمدينة حتى اجتمع عنده تسع، وكان غرضه ﷺ نشر أحكام الشريعة من طريق النساء لأن تعلم النساء من النساء أسرع للنساء وأقرب إلى نفوسهن لأنه قد يمنعهن الاستحياء من تعلم أمور الدين من الرجال.

ومن الدليل على أن الرسول ﷺ لم يكن متعلق القلب بالنساء أن عائشة رضي الله عنها – وهي أجمل نسائه وأحدثهن سنا – حدثت أنه ﷺ كان يذهب في بعض الليالي في قسمها ليزور المقابر ويدعو لأهلها، وكان دور عائشة ليلة من تسع ليال حين بلغ عدد زوجاته تسعا وقد كان أقل من ذلك من قبل، وكان لا يلزم الفراش تلك الليلة معها بل كان يتهجد مرتين ويتركها في فراشها.

نكاح علي من فاطمة رضي الله عنهما

و(كذلك) فاطمة (الزهراء) رضي الله عنها ابنة رسول الله ﷺ قد بنى به زوجها علي رضي الله عنه في السنة الثانية من الهجرة، ولقبت بالزهراء لأنها كانت بيضاء مشرقة الوجه([2]).

وقد عقد علي رضي الله عنه على فاطمة في رمضان، وقيل: في رجب، ودخل بها في ذي الحجة، وقيل: بعد عقده عليها بسبعة أشهر ونصف فيكون عقد عليها في أول جمادى الأولى. وكان عمر فاطمة رضي الله عنها خمس عشرة سنة، وسن علي رضي الله عنه يومئذ إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر، وأولم عليها([3]) بكبش من عند سعد وءاصع من ذرة من عند جماعة من الأنصار.

وروى البيهقي في «دلائل النبوة» عن مجاهد عن علي رضي الله عنه قال([4]): خطبت فاطمة إلى رسول الله ﷺ فقالت لي مولاة لي: هل علمت أن فاطمة قد خطبت إلى رسول الله ﷺ؟ قلت: لا، قالت: فقد خطبت، فما يمنعك أن تأتي رسول الله ﷺ فيزوجك؟ فقلت: وعندي شيء أتزوج به؟! فقالت: إنك إن جئت رسول الله ﷺ زوجك. فوالله ما زالت ترجيني حتى دخلت على رسول الله ﷺ، وكان لرسول الله ﷺ جلالة وهيبة، فلما قعدت بين يديه أفحمت، فوالله ما استطعت أن أتكلم. فقال رسول الله ﷺ: «ما جاء بك، ألك حاجة؟» فسكت، فقال: «ما جاء بك، ألك حاجة؟» فسكت، فقال: «لعلك جئت تخطب فاطمة»، فقلت: نعم، فقال: «وهل عندك من شيء تستحلها به([5])؟» فقلت: لا والله يا رسول الله، فقال: «ما فعلت درع سلحتكها؟» فوالذي نفس علي بيده([6]) إنها لحطمية([7]) ما ثمنها أربعة دراهم – فقلت: عندي، فقال: «قد زوجتكها، فابعث إليها بها فاستحلها بها»، فإن كانت لصداق فاطمة بنت الرسول ﷺ.

وزاد ابن حبان في «صحيحه» تتمة أن عليا رضي الله عنه أتى بأربعمائة وثمانين درهما حتى وضعها في حجر النبي ﷺ، فقبض ﷺ منها قبضة فقال: «أي بلال، ابتغنا بها طيبا»، وأمرهم ﷺ أن يجهزوها، فجعل لها سريرا مشرطا ووسادة من أدم حشوها ليف، وقال لعلي: «إذا أتتك فلا تحدث شيئا حتى ءاتيك». قال علي: فجاءت مع أم أيمن حتى قعدت في جانب البيت وأنا في جانب، وجاء رسول الله ﷺ، فقال: «ههنا أخي([8])»، قالت أم أيمن: أخوك وقد زوجته ابنتك، قال: «نعم»، ودخل رسول الله ﷺ البيت فقال لفاطمة: «ائتيني بماء»، فقامت إلى قعب([9]) في البيت فأتت فيه بماء، فأخذه ﷺ ومج فيه ثم قال لها: «تقدمي» فتقدمت فنضح بين ثدييها وعلى رأسها وقال: «اللهم إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم»، ثم قال ﷺ لها: «أدبري»، فأدبرت فصب بين كتفيها، وقال: «اللهم إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم»، ثم قال ﷺ: «ائتوني بماء»، قال علي: فعلمت الذي يريد، فقمت فملأت القعب ماء وأتيته به، فأخذه ومج فيه ثم قال لي: «تقدم»، فصب على رأسي وبين ثديي ثم قال: «اللهم إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم» ثم قال: «أدبر» فأدبرت، فصبه بين كتفي وقال: «اللهم إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم» ثم قال لعلي: «ادخل بأهلك، بسم الله والبركة».

ولا يسع هذا الـمختصر ذكر مناقب علي وفاطمة رضي الله عنهما، وعلي رضي الله عنه أشهر من أن تعد مناقبه، وأما فاطمة رضي الله عنها فقد خفيت مناقبها على كثير من عوام المسلمين مع علمهم برفيع شأنها، وهي التي بشرها رسول الله ﷺ بالجنة وقالت عنها السيدة عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت أحدا قط أصدق من فاطمة غير أبيها»([10]).

(و)في السنة الثانية كانت (بدر الكبرى) أي غزوتها، وسيأتي الكلام عليها مفصلا في باب الغزوات إن شاء الله تعالى.

ذكر أحداث السنة الثالثة للهجرة

279- …………… وفي الثالثة
280- والزينبين وبنى ابن عفان
281- إلتقيا بأحد ……………
 
 دخـوله بحفصة القانتة
بأم كلثوم وفيه الجمعان
………………………………
 

(وفي) السنة (الثالثة) كان (دخوله) ﷺ (بحفصة) بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها وعن أبيها، وأمها زينب بنت مظعون بن حبيب. ولدت حفصة قبل بعثة النبي ﷺ بخمس سنين، وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة فتوفي عنها فتزوجها النبي ﷺ في شعبان على رأس ثلاثين شهرا من الهجرة قبل أحد في سنة ثلاث، وقيل: سنة اثنتين من الهجرة. توفيت رضي الله عنها في شعبان سنة خمس وأربعين في خلافة معاوية وهي ابنة ستين سنة ودفنت بالبقيع.

وقد عرفت حفصة رضي الله عنها بـ(ـالقانتة) على لسان جبريل عليه السلام، فقد روى الطبراني في «الـمعجم الكبير» أن النبي ﷺ طلق حفصة، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فوضع التراب على رأسه فقال: «ما يعبأ الله بك([11]يا ابن الخطاب بعدها»، فنزل جبريل على النبي ﷺ فقال: «إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر([12])» وفي رواية: «راجع حفصة فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة».

(و)بنى النبي ﷺ في السنة الثالثة بـ(ـالزينبين) زينب بنت جحش وزينب بنت خزيمة ابن الحارث.

أما زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر فهي بنت عمة النبي ﷺ، فأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم. كانت تحت زيد بن حارثة بن شرحبيل ثم تزوجها النبي ﷺ في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة وهي يومئذ بنت خمس وثلاثين سنة.

وقد أطعم ﷺ حين بنائه بها خلقا كثيرا من طعام قدم إليه في قصعة أهدتها إليه أم سليم سهلة بنت ملحان أم أنس خادمه، فلما رفع الطعام من بينهم وقد شبعوا وجد كما وضع أو أكثر، وهذا من معجزات النبي ﷺ الشريفة.

توفيت زينب رضي الله عنها وهي ابنة ثلاث وخمسين سنة وصلى عليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه ودفنت بالبقيع، وهي أول أزواجه موتا بعده ﷺ.

وأما زينب بنت خزيمة بن الحارث، وهي أم المساكين بذلك لقبت في الجاهلية، فكانت تحت الطفيل بن الحارث بن الـمطلب بن عبد مناف فطلقها وتزوج بها عبيدة بن الحارث وقتل يوم بدر شهيدا، وتزوج بها النبي ﷺ على رأس أحد وثلاثين شهرا من الهجرة، فمكثت عنده ثمانية أشهر، وتوفيت في ءاخر ربيع الآخر على رأس تسع وثلاثين شهرا من الهجرة، وصلى عليها النبي ﷺ ودفنت بالبقيع، وكان سنها يوم توفيت نحو ثلاثين سنة، كذا ذكره ابن سعد.

([1]) شرح صحيح البخاري، ابن بطال المالكي، (7/172).

([2]) شرح عقود اللجين، محمد نووي الجاوي، (ص31).

([3]) أي: اتخذ وليمة للعرس.

([4]) دلائل النبوة، أبو بكر البيهقي، (3/160).

([5]) يعني: الـمهر، مع أن العقد يصح من غير تسمية الـمهر.

([6]) أي أحلف بالله الذي نفسي تحت مشيئته وتصرفه، والله منزه عن الجارحة والعضو.

([7]) أي ثقيلة عريضة أو هي التي تحطم السيوف أي تكسرها أو إلى منسوبة إلى حطمة بن محارب من عبد القيس الذين كانوا يعملون الدروع.

([8]) أي: في الإسلام.

([9]) هو شبه القدح.

([10]) قال الحافظ النور الهيثمي «مجمع الزوائد» (9/201): «رجاله رجال الصحيح».

([11]) أي ما أصابك يا عمر من الأسى والحزن والأسف على ما فات ابنتك بطلاق النبي لها من خير وبركة ونفع إنما هو عائد عليك بالغم والأسف لفقد هذا الخير، أما الله فلا يلحقه الضير من ذلك، وليس معناه أن عمر رضي الله عنها صار في حالة سيئة عند الله يستحق عليها الانتقام، بل لم يلحق عمر في ذاته نقص من ذلك ولا تأخر في أمر دينه.

([12]) وهذا يؤيد ما قلناه من أن بقاء حفصة على عصمة النبي فيه خير لها ولعمر وبركة لهما.

فصل في عصمة النبي ﷺ عن الخطإ في التشريع

العجب من الذين تجرأوا على رسول الله ﷺ فادعوا أنه يخطئ في التشريع أي يجتهد فيقول في الشريعة بحكم ما خطأ، فهؤلاء قد عارضوا قول الله تعالى: {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3-4].

وعصمة النبي عن الخطإ في الدين هو القول الذي عليه الـمحققون وهو الذي لا محيد عنه، قال عياض: «هذا هو الحق الذي لا يلتفت إلى خلاف من خالف فيه ممن أجاز عليه الخطأ في الاجتهاد، لعصمة النبي ﷺ من الخطإ في الاجتهاد في الشرعيات»([1]).

وعلى هذا مضى البيضاوي في «المنهاج»، والحافظ السبكي في «جمع الجوامع»، وقال في «الإبهاج»([2]): «قال البيضاوي: فرع لا يخطئ اجتهاده وإلا لما وجب اتباعه. (ش): عبر عن هذا بالفرع لكونه مبنيا على جواز الاجتهاد للنبي ﷺ والذي جزم به من كونه لا يخطئ اجتهاده هو الحق، وأنا أطهر كتابي أن أحكي فيه قولا سوى هذا القول بل لا نحفل به ولا نعبأ».

ونقل الزركشي([3]) عن الحليمي قوله في الكلام على خصائص الأنبياء: «ومنها العصمة من الخطإ في الاجتهاد».

ونقل الإسنوي([4]) عن الرازي قوله: «إنه الحق»، ومثله قال ابن اللحام الحنبلي([5])، ولله در الشمس البرماوي القائل في ألفيته:

يجوز للنبي أن يجتهـدا وهو مصيب ليس يخطي أبدا

وقال في الشرح([6]): «الحق الذي نعتقده أنه لا يقع خطأ ألبتة، فإن كونه يقع خطأ يضاد منصب النبوة أيضا، ويكون بعض الـمجتهدين – وهو الـمصيب – أكمل في حال إصابته من النبي، وهو محال».

وقد نقل القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في «الـمسالك»([7]) إجماع المسلمين على تكفير من خطأ النبي  في التشريع.

عظته الناس وإنذاره إياهم ﷺ

393- يعظ بالجد إذا ما ذكرا  كأنه منذر جيش حذرا 

وكان ﷺ (يعظ) الناس (بالجد) لا يشوب وعظه هزل (إذا ما ذكرا) أي ذكرهم بما فيه مصلحة دينهم ودنياهم بل يهتم بذلك غاية الاهتمام ويلقي الوعظ فيهم وعليه هيئة الواعظ الـمحذر (كأنه منذر) قوم من دنو (جيش) عظيم (حذرا) منهم، وإن من شأن من يقوم بذلك أن يشتد غضبه خوفا على قومه ويرفع صوته ليبلغهم.

وكان ﷺ ذا كلمات جوامع في عظاته ونصائحه، فمن ذلك ما رواه الشيخان عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إن الدين يسر([8])، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه([9])، فسددوا([10]) وقاربوا([11]) وأبشروا([12])، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة([13])».

وروى الخرائطي في «مكارم الأخلاق» عن أسامة بن زيد أنه سمع أبا حازم وحفص بن عبيد الله بن أنس يقولان: «إن رسول الله  كان يحدث أصحابه عن أمر الآخرة، فإذا رءاهم قد كسلوا([14]) فعرف ذلك فيهم أخذ بهم في بعض أحاديث الدنيا([15])، حتى إذا نشطوا وأقبلوا أخذ بهم في حديث الآخرة».

وروى ابن ماجه وأبو داود والترمذي في «السنن» عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم، فوعظنا موعظة بليغة وجلت منها القلوب([16])، وذرفت منها العيون، فقيل يا رسول الله: وعظتنا موعظة مودع فاعهد إلينا بعهد، فقال: «عليكم بتقوى الله، والسمع والطاعة([17])، وإن عبدا حبشيا([18])، وسترون من بعدي اختلافا شديدا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين الـمهديين، عضوا عليها بالنواجذ([19])، وإياكم والأمور الـمحدثات فإن كل بدعة ضلالة([20])».

وروى ابن عساكر في «تاريخ دمشق» أنه ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله  وإذا وعظ جد وماد([21])» الحديث.

وروى البخاري في «صحيحه» عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى الـمصلى([22])، ثم انصرف فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة فقال: «أيها الناس، تصدقوا»، فمر على النساء فقال: «يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار» فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؟ قال: «تكثرن اللعن([23])، وتكفرن العشير([24])، ما رأيت

من ناقصات عقل([25]) ودين([26]) أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن([27]) يا معشر النساء».

ظهور أمارات السرور في وجهه ﷺ

394- ويستنير وجهه إن سرا  تخاله من السرور بدرا 

(و)كان ﷺ (يستنير وجهه) أي يضيء سرورا (إن سرا) بشيء حتى إنك إذا رأيته (تخاله) أي تحسبه (من السرور بدرا) تام الإنارة.

وأصل ما في النظم ما رواه الشيخان من حديث كعب بن مالك: «سلمت على رسول الله  وهو يبرق وجهه من السرور، وكان رسول الله  إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه».

ورويا أيضا من حديث عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله  دخل عليها مسرورا تبرق([28]) أسارير وجهه([29])».

وأخرج أبو الشيخ بن حيان عن ابن عمر رضي الله «كان النبي  يعرف رضاه وغضبه بوجهه، كان إذا رضي فكأنما تلاحك الجدر([30]) وجهه» الحديث.

تخليته ظهره ﷺ للملائكة إذا مشى

395- يمنع أن يمشي خلفه أحد  بل خلفه ملائك الله الأحد 

ومن عظيم تواضعه ﷺ أنه كان يقدم أصحابه عليه إذا مشوا و(يمنع) من (أن يمشي خلفه أحد) منهم (بل) يأمرهم أن يكونوا قدامه ويترك (خلفه) لأن ترافقه (ملائك الله) الواحد الذي لا شريك له (الأحد) أي الذي لا يقبل الانقسام ولا التجزؤ لأنه تعالى ليس جسما ولا يشبه شيئا من المخلوقات.

وكان ﷺ لا يدع أحدا يمشي معه وهو راكب حتى يحمله معه فوق الدابة، فإن أبى الماشي قال له ﷺ: تقدمني إلى المكان الفلاني، وذلك تواضعا منه ﷺ.

جميل صفحه ﷺ وعفوه

396- وليس يجزي سيئا بمثله  لكن بعفو وبصفح فضله 

(و)من عظيم أخلاقه وحسن شمائله ﷺ أنه (ليس يجزي) أي يقابل من يسيء إليه الإساءة (سيئا بمثله) مكافأة وانتقاما و(لكن) يقابل ذلك (بعفو) منه ﷺ مع قدرته على الانتقام منه (وبـ)ـجميل (صفح) منه ﷺ تفضلا دالا على (فضله) وسمو شيمه عليه السلام.

والآثار الدالة على عفوه وجميل صفحه عمن ءاذوه كثيرة تكل عن نسخها الأيدي وتضيق عن جمعها الكتب، من ذلك ما رواه البيهقي بسنده إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه إلى أبي يوسف القاضي قال: «أن رسول الله ﷺ عفا عن مكة وأهلها([31]) وقال: «من أغلق عليه بابه فهو ءامن، ومن دخل الـمسجد فهو ءامن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو ءامن» ونهى عن القتل إلا نفرا قد سماهم إلا أن يقاتل أحد فيقاتل، وقال لهم حين اجتمعوا في الـمسجد: «ما ترون أني صانع بكم؟» قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء([32])». قال أبو يوسف: ولم يجعل منها فيئا قليلا ولا كثيرا، لا دارا ولا أرضا ولا مالا، ولم يسب من أهلها أحدا، وقد قاتله قوم فيها([33]) فقتلوا وهربوا فلم يأخذ من متاعهم شيئا، ولم يجعله فيئا، وقد أخبرتك أن رسول الله ﷺ ليس في هذا كغيره فهذا من ذلك، فتفهم».

وروى الحاكم في «الـمستدرك» عن عكرمة بن أبي جهل قال: لما انتهيت إلى رسول الله ﷺ قلت: يا محمد، إن هذه([34]) أخبرتني أنك أمنتني، فقال رسول الله ﷺ: «أنت ءامن»، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنت عبد الله ورسوله، وأنت أبر الناس، وأصدق الناس، وأوفى الناس. قال عكرمة: أقول ذلك وإني لمطأطئ رأسي استحياء منه، ثم قلت: يا رسول الله، استغفر لي كل عداوة عاديتكها أو موكب أوضعت فيه أريد فيه إظهار الشرك، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اغفر لعكرمة كل عداوة عادانيها أو موكب أوضع فيه يريد أن يصد عن سبيلك([35])»، قلت: يا رسول الله، مرني بخير ما تعلم فأعلمه، قال: «قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله([36])، وتجاهد في سبيله»، ثم قال عكرمة: «أما والله يا رسول الله، لا أدع نفقة كنت أنفقتها في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قاتلت قتالا في الصد عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله». ثم اجتهد في القتال حتى قتل يوم أجنادين شهيدا في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وقد كان رسول الله ﷺ استعمله عام حجته على هوازن يصدقها([37])، فتوفي رسول الله ﷺ وعكرمة يومئذ بتبالة([38]).

وروى البخاري في «صحيحه» عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن مما جاء في وصف نبينا محمد ﷺ في التوراة الصحيحة التي أنزلت على موسى ﷺ: «ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب بالأسواق([39])، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح».

حبه ﷺ للفأل وكراهيته للطيرة

397- كان يحب الفأل ممن ذكره  وكان يكره اتباع الطيره 

و(كان) رسول الله ﷺ (يحب الفأل) الحسن (ممن ذكره)، والفأل لفظ يستعمل فيما يسر وفيما يسوء، والغالب استعماله في السرور خلافا للطيرة. وقد روي عنه ﷺ أنه سئل عن الفأل فقال: «كلمة صالحة يسمعها أحدكم» أي فيتفاءل بها ويفرح.

(وكان) ﷺ (يكره) أي لا يحب (اتباع الطيرة) وهي التشاؤم الـمتعارف عليه في الجاهلية، وذلك أن العرب في الجاهلية كانت تنفر الطير وتزجرها فإذا مرت الطير من اليمين إلى اليسار خرج أحدهم في حاجته وإلا تشاءم ولم يخرج، حتى إنهم صاروا يتطيرون بغير الطيور أيضا كالظباء.

وأما ما ورد في الحديث: «الطيرة شرك» فمعناه اعتقاد أن الطيرة تنفع أو تضر بدون مشيئة الله وخلقه هو شرك بالله تعالى مخرج من الإسلام، ليس أن مجرد التشاؤم بمجيء فلان أو ذهابه يكون شركا. ومما يخرج من الإسلام، والعياذ بالله، أن يعتبر الشخص شيئا حسنه الشرع أنه شؤم بذاته.

وأما ما رواه البخاري في «الأدب الـمفرد» عن حابس التميمي أن رسول الله ﷺ قال: «لا شيء في الهام، وأصدق الطيرة الفأل» فمعناه أنه ليس في فعل الجاهلية من تنفير طير الهام طلبا للطيرة خير، وأما الفأل فيما فيه خير فهو حسن، وإطلاق الطيرة على الفأل مجاز، لأن الأصل أن الطيرة لا تكون إلا في السوء وقد تستعمل مجازا في السرور، كذا قاله الحافظ النووي([40]).

([1]) الشفاء القاضي عياض بن موسى، (1/235).

([2]) الإبهاج في شرح المنهاج، تقي الدين السبكي، (7/2888).

([3]) البحر المحيط، بدر الدين الزركشي، (8/253).

([4]) نهاية السول شرح منهاج الوصول، جمال الدين الإسنوي، (ص396).

([5]) المختصر في أصول الفقه، ابن اللحام الحنبلي، (ص104).

([6]) الفوائد السنية في شرح الألفية، شمس الدين البرماوي، (5/298).

([7]) الـمسالك في شرح موطأ مالك، أبو بكر بن العربي، (3/408).

([8]) أي: ذو يسر، سهل سمح.

([9]) أي: غلب الدين عليه وعجز هذا الـمشاد عن أداء الحقوق.

([10]) أي: احرصوا على إصابة الحق ومتابعة الرسول فاعملوا أعمالكم مسددة لا غلو فيها ولا تقصير.

([11]) اطلبوا القرب بطاعة الله، وهو قرب معنوي، فالله موجود بلا مكان، ولا مسافة بينه وبين خلقه.

([12]) أي: بالثواب على العمل الدائم وإن قل.

([13]) استعينوا على حوائجكم واستنجاحكم بالصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل.

([14]) أي: تعب بعضهم.

([15]) أي: مما فيه نفع لمصالح دنياهم.

([16]) أي: فزعت.

([17]) لمن يلي أمركم من الأمراء ما لم يأمروا بمعصية عادلا كان أو جائرا، وإلا فلا سمع ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لكن لا يجوز الخروج على الخليفة ومحاربته وإن كان جائرا ما لم ير منه كفر بواح أي ظاهر.

([18]) أي: وإن تأمر عليكم عبد من الحبشة لأن العبد العربي والرومي ثمنه عند الناس أغلى من الحبشي.

([19]) الـمبالغة في التمسك بهذه الوصية بجميع ما يمكن من الأسباب الـمعينة عليه، كالذي يتمسك بالشيء ثم يستعين عليه بأسنانه، استظهارا للمحافظة، وعلى هذا التأويل فالنواجذ هي الأنياب، ويجوز أن يكون معناه المحافظة على هذه الوصية بالصبر على مقاساة الشدائد.

([20]) هو نص عام مخصوص، والمراد به غالب البدع.

([21]) أي: اجتهد وأعطى الـمستمع للوعظ ما ينفعه.

([22]) أي: مكان الصلاة.

([23]) وأما تكثرن اللعن بغير حق بأن تلعن ولدها أو زوجها أو من لا يحل لها لعنه وهو من الكبائر.

([24]) أي: حال أكثركن أنكن تجحدن إنعام الخليط عليكم وهو الزوج أو أعم من ذلك.

([25]) نقصان عقلهن ذلك لأن شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل.

([26]) نقصان دينهن ذلك لبقائهن دون صلاة طوال مدة الحيض.

([27]) أي: إذا أراد بعضهن شيئا غالبن بعض الرجال عليه حتى يفعلوه سواء كان صوابا أو خطأ.

([28]) أي: تشرق.

([29]) الأسارير الخطوط التي تجتمع في الجبهة وتتكسر.

([30]) هو الـمرءاة توضع في الشمس فيرى ضوؤها على الجدار، معناه وجهه الشريف منير وضاء.

([31]) حين كانت تحت أيدي الـمشركين.

([32]) أي: الذين أطلق سراحهم فلم يقتلوا ولم يؤسروا.

([33]) أي: من قبل.

([34]) يقصد زوجته أم حكيم بنت الحارث بن هشام كما بينت ذلك الروايات الأخرى.

([35]) أي: عن دينك.

([36]) مراده أن يكرر النطق بالشهادتين بعد أن تشهد قبل ودخل في الإسلام، فإن الشهادتين أفضل الكلام ولما ورد في الحديث: «لا إله إلا الله أحسن الحسنات»، وحديث: «لا تبقي ذنبا ولا يسبقها عمل».

([37]) بكسر الدال مشددة أي يأخذ منهم الزكوات.

([38]) قرية صغيرة في طريق مكة من اليمن وبينهما أربع مراحل.

([39]) أي: لا يرفع الصوت بهيئة تخل بمروءته ولا يخاصم غيره إحقاقا للباطل وإبطالا للحق.

([40]) الـمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، محيي الدين النووي، (14/219).

الله عظم قدر النبي محمد صلى الله عليه وسلم

إن الله تبارك وتعالى عظم قدر النبي محمد وجعل له منزلة لم يجعلها لغيره، وحث على الصلاة والسلام عليه فقال: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [سورة الأحزاب: 56]، وصلاة الله على النبي صلى الله عليه وسلم تشريف وتعظيم، وأما صلاة الملائكة على النبي فدعاء له. ومعنى اللهم صل على محمد: اللهم زده تشريفا وتعظيما ومعنى وسلم: سلم أمته مما يخاف عليها.

إن من سمع اسم الرسول صلى الله عليه وسلم في مجلس يسن له أن يصلي ويسلم عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ذكرت عنده فلم يصل علي فقد أخطأ طريق الجنة» وقال: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي» رواهما الترمذي.

وقد كان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز يرسل البريد من الشام إلى المدينة للسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك السلف الصالح كانوا كثيري الاشتغال بالصلاة والسلام على رسول الله وكيف لا يكون ذلك وقد أمر الله في القرءان بالصلاة على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.

وكذلك يستحسن عند الصلاة والسلام على النبي أن نصلي ونسلم على سائر أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا سلمتم علي فسلموا على أنبياء الله، فإنهم بعثوا كما بعثت» رواه البيهقي في الشعب. فيستحب أن يقول المسلم: اللهم صل على محمد وعلى جميع أنبيائك ورسلك، وهذا أكمل في الثواب عند الله تعالى.

والمصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يستحضر عظمة هذا النبي ورفعته، وينبغي أن ينتقي أحسن الألفاظ بالثناء على رسول الله، ويراعي سلامة اللفظ. فلا ينبغي أن يسرع كما يتلفظ بعض الناس من الإسراع بالكلام عند الصلاة على رسول الله مع تحريف الحروف، أو كما يفعل بعض الكسالى من الكتاب وغيرهم من كتابة (ص) بدل صلى الله عليه وسلم وهذه بدعة قبيحة ينبغي تركها.

ومن ترك الصلاة على رسول الله عند سماع اسمه فقد فاته خير عظيم لورود الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: «من ذكرت عنده ولم يصل علي أخطأ طريق الجنة» وكثرة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلبة للسرور.

وأما عند سماع اسم الله فيسن للشخص أن يقول: «عز وجل» أو «تبارك وتعالى» أو نحو ذلك من كلمات التعظيم والتقديس الدالة على عظمة الله وكماله كقول: «تقدست أسماؤه» و«جل شأنه» و«جل ذكره». وليس معنى ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالتعظيم من الله ، لأننا نحن إنما نعظم الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الله أمرنا بذلك، والرسول صلى الله عليه وسلم مخلوق مثلنا لا يخلق منفعة ولا مضرة.

وإنما الله هو خالق المنافع والمضار وخالق العالـم بأسره، فهو تبارك وتعالى وحده يستحق علينا أن نعبده؛ لأنه هو الله المعبود ويستحق أن يعظم لذاته، لأنه هو خالقنا وخالق العالـم بأسره، خالق أجسامنا وحركاتنا وسكوننا. لا نستطيع أن نتحرك حركة ولا أن نتكلم بكلمة ولا أن نخطو خطوة ولا أن نلمح لمحة أي أن ننظر إلى شيء بنظرة إلا بعونه، كما لا نستطيع أن نفعل شيئا إلا بعونه ومشيئته. وأما الرسول فهو أفضل المخلوقات وأشرفها.

وتعظيمنا للرسول صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يفوق كل تعظيم لغيره من المخلوقات. ولا نقول عن الرسول إنه إله يستحق العبادة، وكذلك سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإنهم إنما استحقوا التعظيم؛ لان الله تعالى هو الذي جعل لهم ذلك القدر العظيم وأمر بتعظيمهم، فلا يجوز أن نعظم الأنبياء كتعظيم الله، وإنما نعظمهم إلى الحد الذي يليق بهم لا أكثر.

فاشغل وقتك أخي بالصلاة على الرسول الطاهر الزكي الطيب الأمين العالي القدر العظيم الجاه صاحب المقام المحمود والحوض المورود، عسى الله أن يرحمنا بالصلاة على نبيه الكريم.

اللهم صل على محمد وعلى ءاله وسلم صلاة وسلاما

تجعلنا بهما من المقبولين عندك، اللهم اجعلنا هداة مهتدين

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه

اللهم علمنا ما ينفعنا وزدنا علما وارزقنا أعمالا متقبلة

واغفر لنا وللمؤمنين

من قال إن الرسول صلى على منافق مع معرفته بأنه مات على النفاق فقد افترى على رسول الله ﷺ

ما هو كفر النفاق

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى إخوانه النبيين والمرسلين ورضي الله عن أمهات المؤمنين و آل البيت الطاهرين وعن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الأئمة المهتدين أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وعن الأولياء والصالحين.

النفاق فى الدين هو التظاهر بالإسلام وإخفاء الكفر والمنافق هو الذى يظهر الإسلام ويخفى الكفر فى قلبه كأن كان يكره الإسلام باطنا أو عنده شك فى صحة الإسلام قال تعالى فى سورة البقرة ﴿ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ كعبد الله بن أبى بن سلول رأس المنافقين فإنه كان يتشهد بعد ظهور الكفر منه ويدخل المساجد ويصلى خلف رسول الله ﷺ ولما سئل عما نسب إليه كقوله ليخرجن الأعز منها الأذل أنكر قال لم أقل، ومراده بالأعز نفسه وبالأذل الرسول ﷺ، وأرسل فى مرض وفاته ولده إلى رسول الله يطلب منه ثوبه ليكفن به ثم لما مات أجرى الرسول عليه أحكام المسلم بحسب ظاهر حاله فصلى عليه لأنه لم يعترف بكفره بل بقى متظاهرا بالإسلام ولم يثبت عند الرسول نفاقه بالبينة الشرعية لذلك صلى عليه بعد موته ثم لما أطلعه الله بعد ذلك بالوحى أن ابن سلول مات كافرا ترك الاستغفار له.

أما من قال إن الرسول صلى عليه مع معرفته بأنه مات على النفاق فقد افترى على رسول الله ﷺ وجعله متلاعبا بالدين أى جعله كأنه يقول فى صلاته عليه اللهم اغفر لمن لا تغفر له وفى هذا نسبة الكفر إلى الرسول ﷺ لأن معنى الصلاة على الميت طلب الرحمة له ومعلوم أن الكافر لا يرحم بعد موته ولا ينتفع بشىء من أعمال المؤمنين الصالحة أما ما ورد من أن النبى لم يؤذن له بالاستغفار لأمه مع أنها كانت مؤمنة صالحة فكان ذلك حتى لا يسىء أحد من الصحابة فهم ذلك فيقتدى بالنبى ﷺ فيستغفر لوالده الذى مات كافرا فيهلك، والكافر المنافق يكون فى الآخرة فى القعر الأسفل من النار قال تعالى فى سورة النساء ﴿إن المنافقين فى الدرك الأسفل من النار﴾.

(7) ما هو خير ما يتزود به المسلم لآخرته.

     قال تعالى فى سورة البقرة ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ وسبيل التقوى هو العلم، فالذكى هو الذى يأخذ من دنياه لآخرته قال الله عز وجل فى سورة القصص ﴿ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾ أى لا تنس نصيبك من الزاد للآخرة وقال رسول الله ﷺ الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت رواه البخارى. فالذكى الفطن هو الذى دان نفسه وعمل لما بعد الموت حاسب نفسه فى هذه الدنيا قبل أن يحاسب فى الآخرة. وقال الله تعالى فى سورة الحشر ﴿يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله﴾ أى أدوا الواجبات واجتنبوا المحرمات ومن جملة الواجبات تعلم العلم الشرعى، ﴿ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ﴾ أى لينظر المرء ما يعد ويقدم لآخرته من العمل الصالح فينبغى أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب. قال الإمام على رضى الله عنه ارتحلت الدنيا وهى مدبرة وارتحلت الآخرة وهى مقبلة ولكل واحدةٍ منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا اليوم العمل ولا حساب وغدا الحساب ولا عمل، رواه البخارى فى صحيحه فى كتاب الرقاق. وقال تعالى فى سورة الذاريات ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ أى خلقهم ليأمرهم بعبادته وليس معناه أن الله تعالى شاء للجميع أن يكونوا مؤمنين كما تقول المعتزلة. فالله تعالى خلق الخلق وقدر لهم ءاجالا فطوبى لمن استعد لما بعد الموت وتزود من دنياه لآخرته وخير الزاد التقوى.

التقوى

     قال الإمام الهررى رضى الله عنه قال رسول الله ﷺ إن الله كتب على ابن ءادم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فالعين تزنى وزناها النظر واليد تزنى وزناها البطش والرجل تزنى وزناها الخطى واللسان يزنى وزناه المنطق والفم يزنى وزناه القبل والنفس تمنى وتشتهى والفرج يصدق ذلك أو يكذبه. النظر بشهوة أى بتلذذ للأجنبية حرام وتكليمها ليتلذذ بهذا الكلام حرام ولمسها بدون حائل أيضا حرام. أغلب البشر لا يسلمون من هذا، وأكثر هذا كله النظر زنا العين. بعض الناس يكلمون خطيبتهم قبل العقد بشهوة بتكليمها يتلذذون هذا أيضا حرام. لكن كل هذا من الصغائر. إذا توضأ الشخص وضوءا شرعيا معناه الفرض مع السنة تذهب معاصى العين مع الماء تنزل. عندما يغسل وجهه مع هذا الماء تنزل معاصى العين.

     وقال رضى الله عنه الإنسان إذا أصلح ما بينه وما بين ربه فلا يبال بالناس، قال السلف الصالح من أصلح ما بينه وما بين ربه فلا يبال بالناس معناه إذا كنت فى حالة الرضى عند الله تطيعه فيما أمر وتنتهى عما نهى وتقوم بالواجب فى حق نفسك وفى حق غيرك من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فأنت بخير عند الله إن رضى الناس عنك وإن لم يرضوا.

     وقال رضى الله عنه حظ الأغنياء من التقوى قليل.

     وقال رضى الله عنه من علامة المفلح أن يكون اهتمامه بما افترض الله عليه واعتناؤه بذلك فوق اعتنائه بالنوافل.

     وقال رضى الله عنه القرب الحقيقى من رسول الله ﷺ القرب النافع الذى تعلو به الدرجات هو تقوى الله.

     وقال رضى الله عنه ترك معصية واحدة أفضل عند الله من عمل ألف حسنة الذى يكف نفسه عن معصية من معاصى الله تعالى عند الله أعلى درجة من الذى يواقع المعاصى ويكثر من النوافل.

     وقال رضى الله عنه عاملوا الله بحسن النيات واتقوه فى الحركات والسكنات.

     وقال رضى الله عنه أسعد الخلق فى هذه الحياة هو من وفق لامتثال أمر الله تعالى فأدى الواجبات ووفق لاجتناب محارمه فاجتنب المحرمات هذا أسعد الخلق لأنه أرضى خالقه.

     وقال رضى الله عنه العالم التقى له هيبة، لو كان وحده يمشى بين الناس له هيبة.

     وقال رضى الله عنه الله تعالى فرض على الإنسان أن يحفظ جوارحه عينه ولسانه ويده عما حرم الله. كثير من الناس لا يحفظون ألسنتهم فى هذا الزمن إذا غضبوا يسبون الله يسبون الدين وبعضهم فى حال المزح يكفر ولا يشعر أنه يكفر، كل كلام فيه استخفاف بالرسول أو بالله أو بشريعة الله فهو كفر من تكلم به يكفر لو لم يقصد أن يترك الإسلام وينتقل إلى غيره.

     وقال رضى الله عنه فعلينا أن نحفظ أيدينا وألسنتنا وقلوبنا من هذه المعاصى. الله تبارك وتعالى خلق فينا اليد والفم والرجل والقلب لنستعمل ذلك فيما أحل الله بالطاعات ويكون لنا الثواب إن استعملنا هذه الأشياء فى طاعة الله وإن استعملناها فيما حرم الله صارت وبالا علينا. هذه الجوارج خلقها الله فينا أمانة أى لنسأل عنها فى الآخرة إن استعملناها بالخير وإن استعملناها فى المعصية. الرسول أخبر فى حديثه الذى هو ثبت عنه أن الأنامل تسأل يوم القيامة وتستنطق أى فتنطق بقدرة الله كما ينطق اللسان ذلك اليوم هذه الأنامل تنطق بما فعل الشخص من خير أو شر الذى يستعملها بذكر الله تشهد له.

     وقال رضى الله عنه قال الله تبارك وتعالى ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ [سورة البقرة]. خير ما يتزوده الإنسان فى هذه الحياة تقوى الله. معنى التقوى أداء الواجبات التى فرضها الله وتجنب المحرمات التى حرمها الله. ثم التقوى لا تكون إلا بالعقيدة الصحيحة عقيدة أهل السنة والجماعة من لم يكن على هذه العقيدة لا يكون تقيا مهما عمل من الطاعات من صلاة وصيام وحج وزكوات وغير ذلك.

     بعض هؤلاء الفرق التى شذت بعضهم وصلوا إلى الكفر خرجوا من الإسلام وهم يظنون أنهم مسلمون لكنهم خرجوا وبعضهم لم يخرجوا من الإسلام لكن عقيدتهم هذه معصية لأنها خالفت ما كان عليه الرسول ﷺ والصحابة.

والحمد لله أن جعلنا من أهل السنة عقيدتنا العقيدة التى كان عليها الرسول والصحابة ثم تناقلها المسلمون خلفهم عن سلفهم إلى يومنا هذا.

     أهل بيت الرسول الحسن والحسين وغيرهما على هذه العقيدة عقيدة أهل السنة والجماعة.

 العبرة بالتقوى

     قال الإمام الهررى رضى الله عنه التركى التقى أولى برسول الله من القرشى الفاسق أولى من الهاشمى الفاسق مع أن رسول الله هاشمى مع ذلك هذا الهاشمى الذى ليس تقيا التركى أو الفارسى الذى هو تقى أقرب إلى الرسول وأحب إليه.

     وقال رضى الله عنه الثياب لا تقدس صاحبها وصورة الصلاة وصورة الصيام لا تقدس، الذى يقدس الإنسان عمله الذى يوافق شريعة الله يرفعه درجات عند الله. يقدس يعنى يرفعه درجات.

     وقال رضى الله عنه لا ينبغى أن يغتر بالأسامى والعمائم العمائم يلبسها الدجال والمؤمن الصادق.

فضل التقوى والعلم

     الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى ءاله وأصحابه أجمعين. 

     أما بعد فقد قال الله تعالى فى سورة الحجرات ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ هذه الآية الكريمة تبين أن الفضل عند الله بالتقوى والتقوى هى ملازمة طاعة الله تعالى بأداء الواجبات واجتناب المحرمات.

     قال الله تعالى فى سورة ءال عمران ﴿يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ فمن أدى الواجبات واجتنب المحرمات فهو التقى. وهو من أكرم عباد الله على الله. وقد كان سيدنا محمد ﷺ أكرم الخلق على الله تعالى وأتقاهم وأخشاهم له كما قال  أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له اهـ رواه البخارى. والتقوى منبعها القلب ثم يفيض أثرها على الجوارح فإن القلب من الجسد بمثابة الملك من الرعية. القلب أمير على كل الجوارح من اليدين والعينين واللسان والرجلين وغيرها، كلها تحت إمرة القلب فإذا صلح القلب صلحت الجوارح وإذا استقام القلب استقامت الجوارح.

     وقد جاء فى صحيح ابن حبان من حديث جابر بن عبد الله الأنصارى رضى الله عنهما أنه قال قال رسول الله  إن أولى الناس بى المتقون من كانوا وحيث كانوا اهـ فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أن أقرب الناس إليه أى أحبهم إليه هم المتقون أى المؤمنون الذين يتقون الله يؤدون الواجبات ويجتنبون المحرمات. من كانوا أى من أى ألوان البشر كانوا وحيث كانوا أى وفى أى مكان كانوا فلو كان التقى بعيدا عن الرسول بالمسافة إلا أنه قريب منه القرب المعنوى فهو أولى برسول الله من العاصى المجاور له ﷺ وقد قال رسول الله ﷺ اتق الله حيثما كنت اهـ رواه الترمذى [فى سننه]. فعلى الإنسان أينما كان أن يتقى الله بأن يؤدى ما افترض الله عليه ويجتنب ما حرم الله عليه فإذا فعل ذلك فهو بخير، وعلو المرتبة عند الله تعالى ليس بقرب الديار من رسول الله  ولا بقرب النسب إنما بكون الإنسان مؤمنا تقيا يؤدى الواجبات ويجتنب المحرمات وبهذا يضمن لنفسه الوقاية من نار جهنم قال الله تعالى فى سورة التحريم ﴿يا أيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة﴾ ولا سبيل للمؤمن لأداء الواجبات واجتناب المحرمات إلا بأداء فرض هو من جملة الواجبات التى أمر الله تعالى بها ألا وهو تعلم العلم الشرعى أى القدر الواجب الضرورى من علم الدين الذى لا يجوز لكل مكلف جهله ولا يكون العبد من المتقين ما لم يتعلمه. إن قول الله تعالى ﴿يا أيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ فيه الحث على وقاية النفس والأهل من النار والسبيل إلى ذلك أن نتعلم ونعلم أهلينا الأمور الدينية، فإذا تعلم المسلم من علم الدين القدر الضرورى الذى لا بد منه لكل مسلم بالغ عاقل ثم طبق ذلك كان عاملا بهذه الآية ويكون قد وقى نفسه أى حفظ نفسه وأهله من عذاب النار، أما إذا أهمل التعلم فإنه لا يدرى ما يصلحه مما يفسده فيقع من حيث لا يدرى فى المهالك ويعمل أعمالا يظن أنها من أعمال أهل النجاة وهو عند الله تعالى ليس له من ذلك العمل حسنة بل هو ءاثم لدخوله فى الأمور من غير أن يعلم ما أحل الله منها مما حرم فمن لم يتعلم أركان وشروط ومبطلات الصلاة مثلا قد يحصل منه ما يفسد صلاته من غير أن يعلم فيظن أنه صلى صلاة صحيحة وهى عند الله فاسدة لا تبرأ ذمته منها ويسأل عنها يوم القيامة. وقد قال رسول الله ﷺ صلوا كما رأيتمونى أصلى اهـ رواه البخارى. ولا سبيل لمعرفة كيف كان رسول الله ﷺ يصلى إلا بالتعلم.

     نحن المسلمين ينبغى أن نتمسك بهذا الدين العظيم الذى ارتضاه الله لنا بما يعود علينا بالخير والصلاح فى الدنيا والآخرة وأن نتفقه ونتزود من الأحكام الشرعية حتى نفيد أنفسنا ونفيد مجتمعنا وأمتنا ونكون على حذر وانتباه وإدراك.

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها

إلا التى كان قبل الموت يبنيها

فإن بناها بخير طاب مسكنه

وإن بناها بشر خاب بانيها

     إن تعلم علم الدين من عالم ثقة ورع ناصح لا يؤدى إلى البله والجنون إذ لو كان الأمر كذلك لكان الصحابة أول من جن لأنهم أفقه أمة النبى محمد  بل إن تعلم العلم الشرعى يصقل العقول وينور القلوب وما أجدر الآباء والأمهات أن يحثوا أولادهم على ذلك حتى يشبوا على طاعة الله بدل أن يهتموا بدراستهم الدنيوية فقط وما أجدر الشباب أن يقبلوا على علوم الدين والنهل منها ليعظم زادهم للآخرة وليبتعدوا عن وحول الخطايا. إن عزتنا وكرامتنا وتقدمنا ونجاتنا هى فى تمسكنا بديننا وتعاليم الرحمة المنزلة على رسول الله  جزاه الله عنا أحسن الجزاء ورضى الله عن سيدنا عمر حيث قال نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.

 التقوى هى الحاجز بين الإنسان وبين معاصى الله تعالى

     قال الإمام الهررى رضى الله عنه إن الله تبارك وتعالى فرض على عباده أن يتناصحوا أى أن لا يغش بعضهم بعضا فالغش محرم سواء كان فى أمور المعاملات أى البيع والشراء ونحوها وفى أمور التحليل والتحريم فكثير من الناس الذين يتسمون بزى العلم والمشيخة يغشون الناس يحللون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله لأنه ليس عندهم تقوى تمنعهم عن الغش تمنعم عن تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم. التقوى هى التى تحجز الإنسان عن الكذب والغش ومعصية الله بسائر أنواعها، التقوى هى الحاجز بين الإنسان وبين معاصى الله تعالى فما يقوله بعض الناس الذين يدعون العلم أن الذى  يستخف بالله تعالى فى حال الغضب لا يكفر هؤلاء غشوا الناس.

     الإنسان عليه أن يعظم الله تعالى فى كل أحواله فى حال غضبه وفى حال رضاه وفى حال المزح فى جميع الأحوال. ومن جملة غشهم قولهم بأن الإنسان إذا سب الله فى حال الغضب لا يكفر. وحتى إنه بلغنى عن رجل هو قاض أنه قال لإنسان فى شأن طفل قال يا ابن الله، قال له واحد هذا كفر فقال ذلك القاضى لا ليس كفرا هو لا ينوى هذا الكلام إنما قاله فقط. هؤلاء عندهم قاعدة حرفوا بها دين الله وهى أن الذى يتكلم بكلمة الكفر ولا ينوى معناها لا يكفر وهذا القول تحريف لدين الله تعالى. الذى يسب الله أو يعترض عليه أو يسب الرسول أو يسب شريعة الله أى دينه الذى أنزله على نبيه ﷺ فهو كافر لو كان فى حال غضب ولا ينفعه دعوى محبة الدين مع التلفظ بالكفر. الله تعالى لم يفرض على عباده أن يحفظوا نياتهم فقط بل فرض علينا أن نحفظ نياتنا أى لا نعتقد كفرية وألسنتنا أى لا نتلفظ بالكفرية، كذلك فرض علينا أن نحفظ جوارحنا أى لا نفعل فعلا هو استخفاف بالدين كالذى يدوس بقدمه على اسم الله تعالى عمدا وهو يعلم أن هذه الورقة فيها اسم الله.

عن رابعة العدوية

تعصى الإله وأنت تزعم حبه               هذا لعمرى فى الفعال شنيع

لو كان حبك صادقا لأطعته               إن المحب لمن يحب مطيع

     وقال رضى الله عنه مطلوب من الإنسان أن يكون بصيرا بزمانه أى بما يجرى فى زمانه من الخير والشر مطلوب أن يعرف حتى يتجنب الشر الذى يجرى فى زمانه.

     وقال رضى الله عنه الذين يتعاونون فى الدنيا على المعصية بعضهم لبعض عدو يوم القيامة، مهما كانت صداقتهم فى الدنيا قوية يكونون أعداء هذا عدو لهذا وهذا عدو لهذا.

     وقال رضى الله عنه أعلى درجة فى الإسلام والإيمان هو أن يكون العبد يخشى ربه كأنه يراه وإن كان لا يراه فقد قال رسول الله ﷺ الإحسان أن تخشى الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

     وقال رضى الله عنه لو كنا نرى الله فى الدنيا لخشيناه خشية كاملة ولما عصيناه ولكننا لا نراه لذلك نتجرأ على معصيته.

     وقال رضى الله عنه العبد على قدر ما تعلو درجته عند الله يكون خوفه من الله يكون تعظيمه لله تعالى.

     وقال رضى الله عنه الواجب على الإنسان أن يراقب الله تعالى ويستحضر الخوف منه فى كل حال.

توبوا إلى الله

حذر نبي الله يونس بن متى عليه السلام أهل نينوى من العذاب إن لم يؤمنوا به ويتبعوا دين الإسلام، ثم خرج مغاضبا لهم لإصرارهم على كفرهم وعدم اتباعهم دعوته.

ولما خرج عليه السلام وهو ءايس منهم تغشاهم صباحا العذاب وصار قريبا جدا منهم وقيل: ظهرت السحب السوداء في السماء وثار الدخان الكثيف وهبطت السحب بدخانها حتى غشيت مدينتهم واسودت سطوحهم. ولما أيقنوا بالهلاك والعذاب أنه واقع بهم طلبوا يونس عليه السلام فلم يجدوه، وألهمهم الله التوبة والإنابة فأخلصوا النية في ذلك وقصدوا شيخا وقالوا له: قد نزل بنا ما ترى فماذا نفعل؟ فقال لهم: ءامنوا بالله وتوبوا، عند ذلك ءامنوا بالله وبرسوله يونس عليه السلام.

وكانوا خرجوا من القرية ولبسوا الـمسوح وهي ثياب من الشعر الغليظ، وحثوا على رؤوسهم الرماد، وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام. ثم عجوا ورفعوا أصواتهم في الدعاء إلى الله وتضرعوا وبكى النساء والرجال والبنون والبنات وجأرت وصاحت الأنعام والدواب، وكانت ساعة عظيمة هائلة وعجوا إلى الله بالتوبة الصادقة وردوا المظالـم جميعا حتى إنه كان أحدهم ليقلع الحجر من بنائه فيرده إلى صاحبه.

فاستجاب الله منهم وكشف عنهم بقدرته ورحمته العذاب الشديد الذي كان قد دار على رؤوسهم وصار قريبا جدا منهم كقطع الليل المظلم. ويقال إن توبتهم في يوم عاشوراء يوم الجمعة، يقول الله عز وجل: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} [يونس: 98].

فائدة: روى أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك عن أبي ذر قال: «جعل رسول الله ﷺ يتلو علي هذه الآية {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2] حتى فرغ من الآية ثم قال: «يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم قال: فجعل يتلو بها ويرددها». والتقوى معناها: أداء الواجبات كلها واجتناب المحرمات كلها وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «ومن يتق الله ينجه في الدنيا والآخرة» {ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 3] أي: من حيث لا يدري. فالتقوى سبب للفرج من الكربات في الدنيا والآخرة، وسبب للرزق ولنيل الدرجات العلى، أما المعاصي فهي سبب للحرمان في الدنيا وفي الآخرة، فقد روى الحاكم وابن حبان وغيرهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه».

فيحرم من نعم في الدنيا من نحو صحة ومال أو تمحق البركة من ماله أو يستولي عليه أعداؤه، وقد يذنب الذنب فتسقط منزلته من القلوب أو ينسى العلم. فلا تترك واجبا مهما كان ولا تأت معصية مهما كانت صغيرة أو كبيرة ولا تخش في ذلك تغير الزمان.

اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا إنك أنت التواب الغفور

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «واعتصم بالتقوى».

الشرح: ودع الإمام تلميذه بما وصى به النبي ﷺ معاذا حين قال له: «اتق الله حيثما كنت»([1])وقد أحب الإمام أن يذكر في خواتيم وصاياه الاعتصام بالتقوى ليركز في نفس تلميذه أهميتها.

وقد خاض العلماء سابقا في الكلام على التقوى حتى ألفوا فيها التآليف، لذا سيكون كلامنا نحن عن التقوى من ناحيتين:

الأولى: أهميتها. والثانية: ثمراتها.

وقبل الشروع في ذلك فلنقدم بتعريف التقوى ثم بأقاويل وردت فيها: أما عن تعريفها فهي أداء الواجبات واجتناب المحرمات. وقد روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه فسر التقوى بالاستقامة، فقال: أن لا تروغ روغان الثعلب، ومعناه أن تستقيم ظاهرا وباطنا على تقوى الله.

وورد عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال: التقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل.

وروي عن ابن مسعود في تفسير قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [ءال عمران: 102] قال: «أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر».

وقيل: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله.

وقيل: المتقون تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام فسماهم الله متقين، أي زيادة على تجنب الحرام يبتعدون عن الشبهات ويتورعون مع التزام الواجبات.

خل الذنوب صغيرها
واصنع كماش فوق أر
لا تحقرن صغيرة
 وكبيرها فهو التقى
ض الشوك يحذر ما يرى
إن الجبال من الحصى

أهمية التقوى:

قد تكاثرت الأدلة في بيان أهمية التقوى ويكفي في بيان أهميتها:

  • أمر الله بها عباده حيث قال تعالى: {ينزل الملآئكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إلـه إلا أنا فاتقون} [النحل: 2]، وقال تعالى: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} [المؤمنون: 52].

وقال تعالى: {لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون} [الزمر: 16].

وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102].

وقال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1].

وقال تعالى: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} [النساء: 131].

  • ووصية الأنبياء لقومهم:

قال تعالى: {إذ قال لهم أخوهم([2]) نوح ألا تتقون} [الشعراء: 106].

وقال تعالى: {إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون} [الشعراء: 124].

وقال تعالى: {إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون} [الشعراء: 142].

وقال تعالى: {إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون} [الشعراء: 161].

وقال تعالى: {إذ قال لهم شعيب ألا تتقون} [الشعراء: 177].

وقال تعالى: {وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} [العنكبوت: 16].

من ثمرات التقوى:

  • محبة الله تعالى: قال الله تعالى: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين} [التوبة: 4]، وقال تعالى: {بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين} [آل عمران: 76].
  • رحمة الله في الدنيا والآخرة: قال تعالى: {وهـذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} [الأنعام: 155].
  • سبب لعون الله ونصرته وتأييده: قال تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128]، وقال تعالى: {وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة واعلموا أن الله مع المتقين} [التوبة: 36].
  • الأمان والنجاة: قال تعالى: {يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [الأعراف: 35]، وقال تعالى: {وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون} [الزمر: 61].
  • تبعث في القلب النور: قال تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا برسوله([3]) يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم} [الحديد: 28].
  • القوة على الشيطان: قال تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} [الأعراف: 201].
  • وسيلة لنيل الأجر العظيم: قال تعالى: {وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم} [ءال عمران: 179].
  • الرزق: قال تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولـكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} [الأعراف: 96].
  • تفريج الكرب وتيسير الأمور: قال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا *ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2، 3]، وقال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا} [الطلاق: 4]، وقال تعالى: {فأما من أعطى واتقىٰ *وصدق بالحسنىٰ *فسنيسره لليسرىٰ} [الليل: 5 – 6].
  • النصر على الأعداء ورد كيدهم والنجاة من شرهم: قال تعالى: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط} [آل عمران: 120]، وقال تعالى: {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هـذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملآئكة مسومين} [آل عمران: 125]، وقال تعالى: {ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون} [فصلت: 18].
  • العاقبة للمتقين: قال تعالى: {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} [الأعراف: 128]، وقال تعالى: {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هـذا فاصبر إن العاقبة للمتقين} [هود: 49]، وقال تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} [القصص: 83]، وقال تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دآئم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار} [الرعد: 35]، وقال تعالى: {زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب} [البقرة: 212].
  • انتفاعهم بالموعظة وتأثرهم بالذكر وتفكرهم بالآيات واهتداؤهم بها: قال تعالى: {ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين} [المائدة: 46]، وقال تعالى: {فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين} [البقرة: 66]، وقال تعالى: {هـذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} [آل عمران: 138]، وقال تعالى: {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين} [النور: 34]، وقال تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} [البقرة: 2]، وقال تعالى: {وإنه لتذكرة للمتقين} [الحاقة: 48].
  • صفة لأولياء الله وطريق لولايته سبحانه: قال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون *الذين آمنوا وكانوا يتقون *لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم} [يونس: 62 – 64].
  • العبرة عند الله بها: قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} [الحجرات: 13].
  • أفضل ما يتزود به: قال تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب} [البقرة: 197].
  • القرءان بشرى للمتقين: قال تعالى: {فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا} [مريم: 97].
  • الأتقياء لا يتعادون يوم القيامة: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} [الزخرف: 67].
  • صفة الأنبياء ومن اتبعهم اتباعا كاملا: قال تعالى: {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} [الزمر: 33].
  • سبب لنجاة العبد يوم القيامة: قال تعالى: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} [مريم: 72].
  • النعيم الخاص في الجنة الذي لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل: قال ﷺ: «يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر دخرا بله ما أطلعتم عليه»، ثم قرأ: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17]([4]).

([1]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/355)، حديث (1987).

([2]) هذه الأخوة هي الأخوة القومية أي الذين هو من قومهم وهم قومه الذي أرسل إليهم، وليس أخوة الدين، فهؤلاء أنبياء وأقوامهم كفار. وأما أخوة الدين فهي ما جاء في قوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات: 10].

([3]) معناه: اثبتوا على الإيمان بالله ورسوله.

([4]) صحيح البخاري، البخاري، (6/116)، حديث (4780).

قال تعالى: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون} [الأعراف: 26].

الشرح: الله سبحانه وتعالى أمر عباده بالعمل الصالح الذي يكون فيه نجاتهم يوم القيامة، والعمل الصالح هو أداء الواجبات واجتناب المحرمات وهو الذي يحمل الإنسان على أن يلتزم أوامر الله على الوجه الأتم، ويجتنب ما حرم الله، وفي هذا أمن وأمان وفوز ونعيم يوم القيامة، فمعنى الآية الكريمة {ولباس التقوىٰ ذلك خير} العمل الصالح وتقوى الله، وليس كما زعم هذا البروفسور التركي «أن المرأة المسلمة لا يجب عليها أن تستر عورتها فلا يلزمها وضع الخمار» بزعمه محرفا لمعنى الآية الكريمة زاعما أن تقوى الله في القلب وهذا وحده يكفي وهو لباس التقوى، والإنسان بسبب انشغالاته وأعماله لا يلزمه أن يصلي خمس صلوات بل يصلي في قلبه وهو ماش في الطريق، فهذا ليس تفسيرا بل هو تكذيب لدين الله وخروج عن القرءان ونقض للإجماع وعمل دين جديد.

فيجب الحذر والتحذير من هذا الكلام الباطل والسخيف الذي قاله هذا التركي «نوري يشار»، ولعله من ملاحدة الماسونية.

قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرءان في تفسير هذه الآية ما نصه: «قال ابن عباس: لباس التقوى هو العمل الصالح». اهـ.

قال الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره معالم التنزيل ما نصه: «وقال عروة بن الزبير: لباس التقوى خشية الله – أي تأدية الواجبات واجتناب المحرمات» -. اهـ.

قال اللغوي المفسر أبو حيان الأندلسي في كتابه البحر المحيط في تفسيره لهذه الآية ما نصه: «قال ابن جريج لباس التقوى هو الإيمان». اهـ.

بيان التقوى وأنواع الصبر

درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدري رحمه الله تعالى في النساء في بيروت في الثلاثين من رجب سنة، سبع وأربعمائة وألف من الهجرة الشريفة الموافق الحادي والثلاثين من شهر ءاذار لسنة سبع وثمانين وتسعمائة وألف رومية في بيان التقوى وأنواع الصبر. قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:

الحمد له رب العالمين وصلاة الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى ءاله وجميع إخوانه من النبيين والمرسلين.

أما بعد: فقد روينا في «صحيح البخاري» أن رسول الله ﷺ قال: «إن ءال أبي طالب ليسوا بأوليائي إنما وليي الله وصالح الـمؤمنين»([1]).اهـ. وقال ﷺ: «إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا»([2]).اهـ. معنى الحديث: أن أولى الناس برسول الله ﷺ هم المتقون هم الذين يؤدون الواجبات ويجتنبون المحرمات، هؤلاء المتقون، من كان بهذه الحالة ءامن بالله ورسوله عرف الله ورسوله بقلبه واعتقد اعتقادا لا يخالجه شك وأدى الواجبات، ومن جملة الواجبات أن يتعلم علم الدين الضروري ما يحل وما يحرم من المأكل والملبس والمشرب والمال، المال منه حلال ومنه حرام، هذا كيف يعرف؟ بالتعلم من أهل المعرفة، يتعلم من أهل المعرفة الذين تعلموا ممن قبلهم من أهل المعرفة إلى أن يتسلسل الاتصال إلى الصحابة، الذي تعلم علم الدين بهذه الطريقة، تعلم القدر الضروري، ليس شرطا أن يتوسع يصير مفتيا يعطي لهذا جواب سؤاله ولهذا ولهذا ولهذا إنما يكون تعلم الضروريات، من تعلم هذه الضروريات وعمل بها، أي: أدى الواجبات، أي: أدى كل ما تعلم أنه فرض فرضه الله على عباده أن يفعلوه، وكل ما حرم الله تبارك وتعالى عرف فتجنبه، هذا الـمتقي ويقال لهم: إن كانوا جمعا المتقون، الرسول ﷺ يقول: «إن أولى الناس بي المتقون».اهـ. من كان تقيا هذا أولى الناس بي، «من كانوا» من أي جنس كانوا، من أي أجناس الناس كانوا، إن كان تقيا هذا هو أقرب الناس إلي من حيث المعنى، «وأين كانوا»، أي: في أي ركن كانوا، الذي يكون بأقصى الشرق أو أقصى الغرب يؤدي الواجبات ويجتنب المحرمات فهو أقرب إلى الرسول ﷺ من حيث المعنى من الذي ولد في المدينة المنورة وعاش فيها إذا لم يكن تقيا، الذي ولد بالمدينة وعاش فيها إذا لم يكن تقيا ذاك الذي بأقصى الشرق أو بأقصى الغرب ويكون تقيا، أي: يؤدي ما افترض الله ويجتنب ما حرم الله أفضل عند الرسول وعند الله، فالقرب الحقيقي من رسول الله ﷺ القرب النافع الذي تعلو به الدرجات هو تقوى الله، ليس النسب، لا يكفي الشخص أنه من ذرية الحسن أو من ذرية الحسين رضي الله عنهما، الإنسان من أي جنس من أجناس الناس كان إذا تعلم دين الله وعرف الحلال والحرام وعمل كما تعلم طبق ما تعلم بالعمل هذا أقرب إلى الرسول ﷺ وأفضل عند الله تعالى من ذاك الآخر الذي نسبه حسني أو حسيني ولم يفعل ذلك.

ثم إن رسول الله ﷺ قال حديثا ينفع من عمل به نفعا كبيرا وهو «ليس الشديد من غلب الناس ولكن الشديد من غلب نفسه»([3]).اهـ. هذا الحديث هو خفيف على اللسان لكن العمل به متروك عند أكثر الناس، قليل من يعمل بهذا الحديث.

«ليس الشديد من غلب الناس ولكن الشديد من غلب نفسه».

«ليس الشديد من غلب الناس ولكن الشديد من غلب نفسه».

«ليس الشديد من غلب الناس ولكن الشديد من غلب نفسه».

الإنسان تعلو درجته عند الله بحسب صبره والصبر ثلاثة أنواع الصبر عن المحرمات هذا أشد أنواع الصبر، والصبر على الطاعات، أي: على المواظبة على الصلوات مثلا بحيث لا يشغله عن الصلاة ولد ولا مال ولا صديق، بعض الناس ينشغلون عن الصلاة لأجل الولد، من أجل الأطفال وبعضهم حتى لغير الأطفال قد تترك المرأة الصلاة حتى ترضي أولادها الذين هم بالغون بتهيئة الطعام لهم، تعطل صلاة أو صلاتين من أجلهم، هذه ناقصة عند الله، بعيدة من الله. وكذلك بعض النساء من أجل أزواجهن يعطلن صلاة أو صلاتين أو أكثر، من أجل إرضاء أزواجهن يعطلن صلاة أو صلاتين، هؤلاء ما صبروا على الطاعة، نقصهم الصبر على الطاعة. كذلك بعض النساء وقت البرد يتكاسلن عن الصلاة فتفوتهن صلاة أو صلاتان من أجل البرد هؤلاء أيضا ليسوا من أهل الصبر على الطاعة. الصبر على الطاعة هو الذي لا تفوته صلاة، أي: لا يتركها من أجل ولد ولا من أجل خاطر الزوج ولا من أجل الصديق أو الصديقة، هؤلاء الصابرون الذين لهم أجر عظيم عند الله تبارك وتعالى. كذلك من هذا النوع الثاني الصبر على الطاعات أن يصبر الإنسان في أيام الحر التي يشتد فيها العطش والجوع على الصيام، الذي يحبس نفسه على الصيام ولا يأكل ولا يشرب مع ميل نفسه في رمضان إلى الأكل والشرب هذا صابر على الطاعة هذا من جملة الصبر على الطاعة، لكن الإنسان إذا شعر من نفسه أنه ينهار إذا لم يأكل في نهار رمضان وجد نفسه متعبة بحيث يخشى الضرر على نفسه هذا أكل أو شرب لينقذ نفسه من الضرر هذا ليس فيه معصية وينوي أنه يقضي يوما ءاخر، أما الذي من أجل شهوة الطعام يفطر أو لذة الشراب لذة الماء، نفسه تقول له أنت عطشان وهذا الماء اللذيذ العذب الـمروي يفوتك أثناء الصيام فيفطر ويعصي ربه هذا ترك الصبر على الطاعة، ويوجد غير هذا. الصبر على الطاعة باب واسع. هذا النوع الثاني من الصبر. والثالث: هو الصبر على الـمكاره والشدائد والمصائب، هذا أيضا شديد لكن ليس كشدة الصبر عن المعاصي، كف النفس عن المحرمات على اختلاف أنواعها هذا أشد أنواع الصبر، وهذا أفضل من كثير من النوافل، مثلا إنسان يصلي في اليوم والليلة مائة ركعة تطوعا غير الفرض وإنسان ءاخر لا يصلي إلا الفرض، لا يصلي شيئا من السنة إلا الفرض لكن هذا كف نفسه عن ارتكاب معصية أو أكثر من معصية أما ذاك الذي يصلي مائة ركعة كل يوم تطوعا له معاص يقع فيها أيهما أفضل عند الله؟ هذا الذي يكف نفسه عن المعاصي ولا يصلي النفل إلا الفرض أفضل عند الله، هذا أفضل من ذاك الذي يصلي مائة ركعة تطوعا غير الفرض ويرتكب معصية أو معصيتين أو ثلاثا من المعاصي وعلى هذا يقاس. ترك معصية واحدة أفضل عند الله من عمل ألف حسنة، الذي يكف نفسه عن معصية من معاصي الله تعالى عند الله أعلى درجة من الذي يواقع المعاصي ويكثر النوافل، الأول أفضل، ليس بينه وبين الولاية إلا مرتبة واحدة وهي أن يكثر من النوافل من نوع من أنواع النوافل، هذا الذي يتجنب المعاصي إن كانت المعصية ترك فرض أو ارتكاب محرم، الذي يتجنب هذا ويكف نفسه، يصبر يحبس نفسه على ترك المعصية هذا إذا أكثر من النوافل صار من أولياء الله، لو من نوع واحد، أولياء الله يفترقون عن غيرهم من المسلمين حتى إنهم أعلى درجة عند الله من الشهيد الذي قاتل العدو طلبا للجهاد في سبيل الله، تقربا إلى الله خاطر بنفسه، ذهب إل الكفار وقاتلهم لوجه الله تعالى، أي: لأن الله يحب الجهاد وهو أمر المؤمنين بالجهاد قاتلهم فقتل، هذا الذي أدى الواجبات كلها واجتنب المعاصي كلها وأكثر من النوافل أفضل عند الله من ذاك الشهيد، والشهيد مرتبته عند الله عالية جدا لكن هذا الولي أفضل عند الله، الأولياء أفضل عند الله، من أفضل الأولياء بعد الأنبياء؟ أبو بكر الصديق  أفضل الأولياء بعد الأنبياء، الأنبياء أفضل من كل خلق الله حتى من الملائكة، ابتداء من ءادم إلى سيدنا محمد الأنبياء كل واحد منهم أفضل من الملائكة وأفضل من الأولياء لا يوجد في خلق الله من هو أفضل من الأنبياء، الأنبياء أعلى مرتبة، وءادم u الذي كثير من الناس لا يعرف له الفضل أفضل من الأولياء من كل الأولياء، أفضل من أبي بكر أفضل من عمر بن الخطاب أفضل من عثمان بن عفان أفضل من علي بن أبي طالب، أفضل من كل الأولياء، وكذلك كل نبي أفضل من جميع الأولياء، بعد الأنبياء الأفضل هو أبو بكر باعتبار البشر، أفضل البشر بعد الأنبياء هو أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي أما بالنسبة لغير البشر خواص الملائكة، أي: أكابر الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش هؤلاء أفضل من خواص الأولياء، خواص الملائكة، أي: أكابرهم أفضل عند الله من أولياء البشر بعد الأنبياء، أما الأنبياء فلا يزيد عليهم أحد من خلق الله في علو الدرجات، هم أفضل خلق الله. انتهى.

والله سبحانه أعلم وأحكم.

([1]) رواه البخاري في صحيحه، باب تبل الرحم ببلالها.

([2]) رواه أحمد في مسنده من حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه.

([3]) رواه ابن حبان في صحيحه ذكر الإخبار بأن الشديد الذي غلب نفسه عند الشهوات والوساوس لا من غلب الناس بلسانه.

تبشير التقي برضوان الله عند الاحتضار
وأن التقوى تكون بتعلم ما افترض الله تعلمه
والعمل به

قال المحدث الأصولي الشيخ عبد الله بن محمد العبدري رحمه الله تعالى رحمة واسعة:

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.

أما بعد: فإن الله تبارك وتعالى قال: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (85) ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا} [سورة مريم: 85، 86] المتقون: يحشرهم الله يوم القيامة مكرمين ليس عليهم نكد ولا فزع ولا خوف ليس عليهم خوف إلا خوف الإجلال أما خوف أن يصيبهم عذاب من الله فقد أمنوا أن يصيبهم عذاب وليس ذلك من تلك الساعة، أي: ساعة الحشر؛ بل هذا الفرح والأمن الذي في أنفسهم مستقر في أنفسهم بدؤه من عند وقت النزع، أي: الاحتضار، فإن المؤمن التقي حين يحضر يبشر برحمة الله ورضوانه فعندئذ يعرف مصيره أنه إلى الجنة وروح وريحان ورضوان من الله فيحب الموت فيذهب عنه الخوف والكراهية للموت الذي كان يجده قبل ذلك ثم لا يزال وهو ءامن مطمئن في حال القبر في البرزخ وهو مدة القبر وفي ما بعد ذلك وهو ما بعد رجوع روحه إلى الجنة حين يبلى جسده فإنه يرجع إلى الجنة الروح يرجع إلى الجنة ثم عند النفخة الثانية يعاد جسده الذي بلي إن كان من الأجساد التي تبلى يعيد الله ذلك الجسد فيجمع الروح مع الجسد ثم ينشق عنه القبر فيخرج من القبر وهو فرح مستبشر ثم لا يزال فرحا مسرورا إلى ما لا نهاية.

روينا في الصحيح «صحيح البخاري» من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت: قلت: يا رسول الله إنا نكره الموت، فقال: ليس ذاك ولكن المؤمن إذا حضر بشر برحمة الله وثوابه فيحب لقاء الله ويحب الله لقاءه وإن العبد الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته فكره لقاء الله وكره الله لقاءه»([1]).اهـ.

المتقون: هم المؤمنون الذين يؤدون ما فرض الله عليهم من الواجبات العملية والعلمية ويجتنبون ما حرم الله، هي الواجبات قسمان واجبات علمية وواجبات عملية، والعلمية: معرفة ما فرض الله تعالى من علم دينه وما لا بد من علم دين الله وأداء الصلوات الخمس وصيام رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غير ذلك من الواجبات التي لا يعلمها جميعها إلا من تعلم علم الدين؛ لأن الذي لم يتعلم علم الدين ويتعبد يعرف الجزء القليل من أمور يعرف الصلوات الخمس من غير إتقان ويعرف صورة الصيام. هؤلاء المتقون هم الذين يقول الله تعالى فيهم في كتابه: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمـٰن وفدا} [سورة مريم: 85]، أي: أنهم يحشرون وفودا، أي: أنهم وفود الرحمـٰن وفود الله، فالله تبارك وتعالى شكور عليم يعطي الثواب الكثير على العمل القليل. كان الوفد الذي يفد إلى الناس الكرماء يلقى نزلا وإكراما من الذي يفد إليه فكيف الذي هو وفد الرحمـٰن أكرم الأكرمين.

ثم من كرامة المتقين عند الحشر أنهم يكونون راكبين ويكونون كاسين لا يحشرون حفاة عراة كغيرهم من المسلمين؛ لأن من سوى المتقين يحشرون حفاة عراة، المسلم والكافر يحشرون حفاة، أي: بلا حذاء ولا نعل ولا ثياب يلبسونها.

وأما الكافر فإنه يبشر إذا حضر بعذاب الله وعقوبته يقول له ملائكة العذاب الذين يحضرون الكفار عند موتهم أبشر بسخط الله وعذابه ومن ذلك الوقت لا يفرح أبد الآبدين لا يلقى فرحا أبد الآبدين ومن شدة خوفه وقلقه يرى الكافر عندئذ كئيبا لا يرى فرحا مستبشرا لا يوجد كافر يكون في حالة الاحتضار وجهه مشرقا لو كان قبل ذلك حسن الشكل والهيئة لأن هذا الخوف الذي نزل به من تبشير ملائكة العذاب له بالعذاب والعقوبة لا يسعه بعد ذلك أن يفرح أو يستبشر. وأما ما يروى أن إبراهيم الخليل ﷺ جاءه ملك الموت عند مفارقته الدنيا وقال: هل يقبض الخليل خليله، أي: من الجزع فذهب ملك الموت فقال: يا رب إن عبدك إبراهيم لا يحب الموت، فقال: ارجع إليه فقل له: الخليل يشتاق إلى خليله، فهذا غير صحيح هذا افتراء ليس له أصل عن إبراهيم الخليل وغيره من الأنبياء هم أولى الناس بأن يعرفوا مصيرهم الطيب الآمن، وكذلك ما يروى عن موسى ﷺ أنه لما جاءه ملك الموت فقأ عين ملك الموت فرقا من الموت، أي: خوفا من الموت، فليس الأمر كذلك إنما الصحيح أن ملك الموت فاجأه مفاجأة ولم يكن موسى تلك الساعة متصورا أنه هو ملك الموت فظنه إنسانا صائلا جاء معتديا فبطش به ففقأ إحدى عينيه ففقأ موسى لإحدى عيني عزرائيل ليس عن كراهية الموت إنما موسى ظنه إنسانا جاء ليعتدي ثم لما علم أنه عزرائيل استسلم ورضى بالموت فقبض روحه. انتهى.

وسبحان الله والحمد لله رب العالمين.

والله تعالى أعلم.

[1])) رواه البخاري في صحيحه، باب: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه

سبيل التقوى هو العلم

     قال الإمام الهررى رضى الله عنه قال الله تعالى ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ [سورة البقرة]، وسبيل التقوى هو العلم لأن الله تبارك وتعالى إذا أراد بعبد خيرا فقهه فى الدين أى رزقه العلم بأمور دينه رزقه المعرفة بما فرض الله عليه أن يؤديه ويفعله ورزقه معرفة ما أمر باجتنابه وحرمه. فلا فلاح إلا بعلم أمور الدين. العقيدة التى هى أفرض الفرائض ثم الأحكام العملية لأن علم التوحيد هو أفضل العلوم قال البخارى باب العلم قبل القول والعمل واستدل بهذه الآية ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [سورة محمد] الله تبارك وتعالى أمر نبيه بالثبات على العلم به أى معرفة وجوده وتوحيده وما يليق به وما لا يليق به، هو الرسول عليه السلام كان مؤمنا من أول نشأته إنما المقصود الثبات على ذلك كما أنه يقول هو الرسول وكل مصل كل يوم خمس مرات ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [سورة الفاتحة] المراد الثبات الثبات على الهدى وكذلك قوله تعالى ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [سورة محمد] المراد به الثبوت الثبات على هذه المعرفة المعرفة بالله العلم بالله.

من أحب الصلاة إلى الله

إن الله خلق الخلق وأمرهم بعبادته لا لينتفع بعبادتهم ولا ليدفع بهم ضررا عنه، يقول الله في القرءان الكريم: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} [سورة البقرة: 21]، ومن فضل الله على عباده أن نوع لهم العبادات فشرع لهم صلاة من أفضل الصلوات بعد الفريضة، قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» رواه مسلم. والله يحبها، قال عليه الصلاة والسلام: «أحب الصلاة إلى الله صلاة الليل» متفق عليه.

إن القيام في الليل دأب الصالحين، وقربة إلى رب العالمين، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، فعن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل»، أي: تطفئ أيضا الخطيئة كما يطفئ الماء النار. أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه.

وصلاة الليل سبب رحمة الله للعبد، قال عليه الصلاة والسلام: «رحم الله رجلا قام من الليل فصلى» رواه أبو داود. وهي من أسباب دخول الجنة، قال عبد الله بن سلام : أول شيء سمعت النبي صلى الله عليه وسلم تكلم به حين قدم المدينة: «يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» رواه الترمذي.

بل من أداها كان في أعلى منازل الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: «إن في الجنة غرفا ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها». فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام» رواه أحمد.

وقيام الليل كما هو مسنون للرجال فهو سنة أيضا للنساء، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم طرق ابنته فاطمة رضي الله عنها وزوجها علي ابن أبي طالب ليلا – أي: زارهما -، وقال لهما: «ألا تصليان؟» متفق عليه.

ودعا النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة لمن أيقظ أهله ليصليها، قال عليه الصلاة والسلام: «رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته» رواه أبو داود.

وصلاة الليل رفعة للشاب كما هي نور ووقار للكبير، قال عليه الصلاة والسلام لعبد الله ابن عمر وكان إذ ذاك شابا: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» متفق عليه. قال ابنه سالم: «فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلا».

وحذر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو أن يترك قيام الليل وهو غلام، فقال له: «يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل» رواه البخاري. وكل الليل من بعد صلاة العشاء إلى الفجر زمن لصلاة الليل، وأقله ركعة ولا حد لأكثره. وءاخر الليل أفضله، قال عليه الصلاة والسلام: «صلاة ءاخر الليل مشهودة» رواه مسلم.

فالدنيا زمنها قصير والمكث فيها يسير، والليل بما فيه من صلاة وتلاوة ودعاء وتسبيح واستغفار من خير ما يعمر به الـمسلم ءاخرته. ومن أعظم ما يدخره من الأعمال الصالحة للقاء ربه، واللبيب من يغتنم ءاخر الليل لإصلاح دينه ودنياه.

اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغنا حبك

(8) من هو المكلف.

     المكلف هو البالغ العاقل الذى بلغه أصل دعوة الإسلام أى بلغه أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله سواء بلغه بهذا اللفظ أو بما يعطى معناه. وعلامات البلوغ بالنسبة للذكر خروج المنى أو بلوغ خمس عشرة سنة قمرية وعلامات البلوغ بالنسبة للأنثى خروج المنى أو دم الحيض أو بلوغ خمس عشرة سنة قمرية. والمنى له علامات خروجه بلذةٍ يعقبها انكسار الشهوة وخروجه بتدفقٍ وهو الانصباب بشدةٍ شيئا فشيئا وله رائحة العجين حال كونه رطبا ورائحة بياض البيض حال كونه جافا وهذه علامات مشتركة بين الرجال والنساء. والمنى سائل أبيض لا روح فيه وقول بعض الناس إن المنى فيه روح أو هو حيوان منوى باطل بدليل قوله تعالى ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا﴾ أى نطفا لا روح فيها ﴿فأحياكم﴾ أى فى الأرحام ﴿ثم يميتكم﴾ أى عند انقضاء ءاجالكم ﴿ثم يحييكم﴾ أى للبعث. ويدل على ذلك قوله ﷺ إن أحدكم يجمع خلقه (أى ما يخلق منه) فى بطن أمه (أى فى رحمها) أربعين يوما نطفة (أى منيا سائلا يتفرق ثم يجتمع فى مدة الأربعين) ثم يكون علقة مثل ذلك (أى يكون قطعة دمٍ طرية تعلق بالرحم أربعين يوما) ثم يكون مضغة مثل ذلك (أى يكون قطعة لحمٍ قدر ما يمضغ أربعين يوما) ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح (أى ينفخ الروح فى الجنين بأمر الله بعد التشكل بشكل ابن ءادم فيصير حيا) رواه البخارى ومسلم. فهذا الحديث دليل على أن المنى لا روح فيه لأن الروح ينفخ فى الجنين بعد أربعة أشهرٍ من الحمل.

أول ما يجب على المكلف إن كان كافرا الدخول فى دين الإسلام فورا ويكون بالتبرؤ من الكفر والنطق بالشهادتين باللسان إن كان قادرا على النطق ولا يجوز تأخير الدخول فى الإسلام لأجل الغسل أو غيره ولا يكون له عذرا أن يؤخر نفسه عن الدخول فى الإسلام ليفكر فى حقية الإسلام برهة من الزمن. ويجب عليه أن يثبت على الإسلام بأن يجتنب جميع أنواع الكفر لقوله تعالى ﴿يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ وقوله ﷺ من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، أى من أحب أن يبعده الله من نار جهنم ويدخله الجنة فليثبت على الإيمان بالله ورسوله إلى الممات، والحديث رواه البيهقى وابن حبان. ويجب على المكلف أيضا أن يؤدى جميع الواجبات وأن يجتنب جميع المحرمات.

بيان ما يجب من علم التوحيد على كل مكلفٍ وما يجب على بعض المكلفين

الأول يسمى فرضًا عينيًّا والثاني يسمى فرضَ الكفاية.
فالأول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره والجنة والنار والثواب على الطاعة والعقاب على المعصية وسؤال القبر ونحو ذلك.
والثاني أي الواجب الكفائي معرفة العقائد الإيمانية بدلائلها النقلية الواردة في القرءان والحديث، والأدلة العقلية إلى الحد الكافي لردّ الملحدين. أي يجب أن يكون في المسلمين مَن يعرف الأدلة الكافية لإبطال تمويهات الملحدين من الشيوعية ونحوهم من سائر أعداء الإسلام والمحرفين للدين من المنتسبين إليه وهم ليسوا منه كالقاديانية والبهائية وغيرهم. فلو خلت بلدة من بلاد المسلمين ممن يقوم بالرد عليهم ودحض تشكيكاتهم وتمويهاتهم أثِمَ أهل البلدة كلهم. وكذلك يجب وجود من يقوم بالرد على المبتدعين الذين هم مسلمون عصاة ضلّال فساق كالخوارج [(91)].
ويقال بعبارة أخرى الواجب العيني من هذا العلم قسمان:
قسم لا يحصل أصل الإسلام الذي لا يحصل النجاة من الخلود الأبدي في النار إلا به وهو معرفة الله ورسوله فلا يحصل النجاة من الخلود الأبدي في النار بدون ذلك. فمن عرف الله ورسوله بلا ارتياب ولم يستحضر ما سوى ذلك من أصول العقيدة ونطق بلا إله إلا الله محمد رسول الله ولو مرة في العمر ولم يؤد الفرائض لكنه لا ينكرها فهو مسلم عاص ويقال له أيضًا مؤمن مذنب.
وقسم يحصل به أصل الإسلام مع زيادة وهو معرفة جميع الضروريات في الاعتقاد وذلك معرفة ثلاثَ عشرة صفة لله تعالى وهي:
الوجود والقِدم أي الأزلية والبقاء والمخالفة للحوادث والقيامُ بالنفس أي أنه لا يحتاج إلى غيره والوحدانية والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والعلم والحياة ويضاف إلى ذلك التكوين وهو مفهوم من القدرة.

ومعرفة أن للأنبياء صفة الصدق والأمانة والتبليغ والفطانة والعصمة وجواز الأعراض البشرية عليهم التي لا تؤدي إلى الحط من مراتبهم وبقية ما يتبع ذلك من الإيمان بالملائكة وكتب الله ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره والبعث بعد الموت والثواب والعقاب والجنة والنار والميزان والصراط والحوض وسؤال القبر وغيره كأبدية الجنة والنار ونعيم الجنة وعذاب النار والحساب ونحو ذلك.

ـ[91] الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (3/ 221).

حكم الشرع المتعلق بأفعال المكلفين

   الحكم الشرعى ينقسم إلى سبعة أقسام

الواجب والمندوب والحرام والمكروه والمباح والصحيح والباطل.

   (1) الواجب: ويسمى الفرض وهو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه وينقسم إلى قسمين فرض عين وفرض كفاية.

  • فرض العين هو الواجب على كل مكلف أن يتعلمه أو أن يتعلمه ويفعله كمعرفة الله ورسوله وأداء الصلوات الخمس وصوم رمضان.
  • فرض الكفاية هو ما إذا قام به البعض سقط بفعلهم الفرض عن الآخرين كصلاة الجماعة وحفظ القرءان والقيام بالصنائع النافعة التى تحتاجها الأمة وغير ذلك من فروض الكفاية.

   (2) المندوب: والسنة بمعنى واحد وهو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه كرواتب الصلوات واستعمال السواك ونحو ذلك.

   (3) الحرام: هو ما يثاب تاركه إن تركه امتثالا لأمر الله تعالى ويعاقب فاعله كشرب الخمر وأكل الربا والكذب والسرقة وعقوق الوالدين وغيرها من المحرمات كشرب الدخان لمن يضره.

   (4) المكروه: وهو ما يثاب تاركه امتثالا ولا يعاقب فاعله كالإسراف بماء الوضوء أو الغسل والأكل باليد اليسرى.

   (5) المباح: وهو ما لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه كالتوسع فى اللباس والطعام بشرط أن يكون حلالا وكلبس الصوف بدل القطن وأكل الحمص بدل الفول مثلا ونحو ذلك.

   (6) الصحيح: الصحيح من العبادات هو ما وافق شرع الله فاستوفى الأركان والشروط.

   (7) الباطل: ويقال له الفاسد وهو ضد الصحيح أى ما لم يستوف الشروط والأركان. ولو استوفى الأركان والشروط وطرأ عليه ما يفسده يعد فاسدا أيضا.

أسئلة:

   (1) إلى كم قسم ينقسم الحكم الشرعى.

   (2) ما هو الواجب وماذا يسمى أيضا.

   (3) كم قسما ينقسم الواجب.

   (4) ما هو فرض العين أعط مثالا.

   (5) ما هو فرض الكفاية أعط مثالا.

   (6) ما هو المندوب أعط مثالا.

   (7) ما هو الحرام أعط مثالا.

   (8) ما هو المكروه أعط مثالا.

   (9) ما هو المباح أعط مثالا.

   (10) ما هو الصحيح من العبادات.

   (11) ما هو الباطل وماذا يقال له أيضا.

1. قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286].

الشرح: اعلم رحمك الله بتوفيقه أن كثيرا من الجهال أخذ هذه الآية حجة وذريعة له في كثير من أمور التكاليف، فترى الواحد منهم مثلا إن كان مريضا يشق عليه أمر الصلاة على هيئة كذا قال {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} فيترك الصلاة، وشاع استعمال هذه الآية في غير موضعها فإذا بكثير من الجهلة يتركون الواجبات ويتقاعسون عن الفرائض والطاعات متذرعين بهذه الآية، فجهل هؤلاء الناس لكثير من أمور الأحكام كان سببا في هلاكهم، وما ذلك إلا لتكبرهم عن طلب العلم والتعلم، فنسأل الله السلامة والنجاة والمعافاة والتوفيق والسداد.

ومما ورد في تفسير قوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} قال ابن الجوزي في زاد المسير: الوسع الطاقة قاله ابن عباس وقتادة ومعناه لا يكلفها ما لا قدرة لها عليه لاستحالته، كتكليف الزمن السعي والأعمى النظر. فأما تكليف ما يستحيل من المكلف لا كفقد الآلات فيجوز كتكليف الكافر الذي سبق في علم الله القديم أنه لا يؤمن فالآية محمولة على القول الأول. ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى في سياق الآية: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} فلو كان تكليف ما لا يطاق ممتنعا أي مستحيلا كان السؤال عبثا وقد أمر الله تعالى نبيه بدعاء قوم قال فيهم: {وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا} [الكهف: 57]. وقال ابن الأنباري المعنى: لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه، وإن كنا مطيقين له.

(9) ما هو الفرض العينى من علم الدين.

     الفرض العينى من علم الدين هو القدر الذى يجب على كل مكلفٍ أن يتعلمه فإذا أهمل تحصيله يكون عاصيا مستحقا للعذاب فى النار وهو علم ما يتوقف عليه صحـة الإيمان وصحـة العبادات من وضوءٍ وصلاةٍ وصومٍ وزكاةٍ وجبت عليه وحجٍ أراده وعلم ما يباشره من معاملةٍ كبيعٍ أو شراءٍ أو إجارةٍ وعلم ما يتلبس به ولو نفلا كذكرٍ أو دعاءٍ لأنه لا يجوز للمكلف أن يدخل فى شىءٍ حتى يعلم ما أحل الله منه وما حرم ومعرفة واجبات القلب ومعاصى الجوارح أى الأعضاء كاللسان وغيره ومعرفة الكفريات للحذر منها ومعرفة كيفية التوبة من الذنوب. قال رسول الله ﷺ طلب العلم فريضة على كل مسلمٍ، رواه البيهقى. وتحصيل هذا العلم يكون بالتعلم من أهل المعرفة الثقات لا بطريق المطالعة فى الكتب للأمن من الغلط والتحريف لقوله ﷺ يا أيها الناس تعلموا فإنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه فمن يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين رواه الطبرانى، معناه من أراد الله به خيرا أى رفعة فى الدرجة رزقه العلم بأمور دينه. والجهل بعلم الدين ليس عذرا، لو كان الجهل عذرا لكان الجهل خيرا من العلم وهذا خلاف قوله تعالى ﴿قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ فالله تعالى فضل الذين يعلمون على الذين لا يعلمون فلو كان الجاهل يعذر لجهله على الإطلاق لكان الجهل أفضل للناس.

(10) بين أهمية تعلم علم الدين.

      اعلم أن الخير كل الخير بتعلم علم الدين فهو دليل العمل وطريق تصحيحه فالعلم قبل القول والعمل لأن العلم يحصل للعمل، والعمل بلا علمٍ لا ينجى صاحبه. قال الله تعالى فى سورة التحريم ﴿يا أيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة﴾ قال سيدنا على رضى الله عنه علموا أنفسكم وأهليكم الخير، أى علم الدين لأن من امتلأ قلبه بالخير يظهر ذلك على جوارحه فينطق بالخير ويفعل الخير. علم الدين حياة الإسلام من أهمله كان من الخاسرين إما أن يكون مسلما فاسقا أى واقعا فى ذنبٍ كبيرٍ وإما أن يكون كافرا بسبب جهله فى الدين فلا نجاة إلا بتعلم علم أهل السنة من أهل المعرفة الثقات قال رسول الله ﷺ من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين رواه الطبرانى، معناه من أراد الله به خيرا كثيرا أى رفعة فى الدرجة رزقه العلم بأمور دينه. من عرف قدر علم الدين أحبه ولم يشبع منه فهو بركة وخير عظيم نافع فى الدنيا والآخرة فالعاقل الفطن لا يشبع من علم الدين مهما تكرر عليه سماعه فقد روى الترمذى أن رسول الله ﷺ قال لا يشبع مؤمن من خيرٍ يسمعه حتى يكون منتهاه الجنة، أى حتى يترقى فى الدرجات فيصل إلى أعالى الجنة. أما من لم يتعلم علم الدين فهو على خطرٍ عظيمٍ لأن من لم يتعلم علم الدين كيف يضمن صحة إيمانه وعباداته، إن لم يتعلم ما هو الكفر كيف يضمن بقاءه على الإسلام، إن لم يتعلم ما هى المحرمات كيف يجتنبها وإذا وقع فيها كيف يتوب منها. فهذا سيدنا عبد القادر الجيلانى رضى الله عنه كان يعبد الله فى خلوةٍ فجاءه الشيطان على هيئة نورٍ عظيمٍ وقال له يا عبدى يا عبد القادر قد أسقطت عنك الفرائض وأحللت لك المحرمات فقال له سيدنا عبد القادر خسئت يا لعين أى فشلت وخاب سعيك أى ما تسعى إليه فاختفى الضوء وبقى الصوت وقال له الشيطان لقد غلبتنى بعلمك يا عبد القادر وإنى قد أغويت أربعين عابدا بهذه الطريقة. سيدنا العارف بالله عبد القادر الجيلانى عرف بعلمه أنه الشيطان لأنه كان تعلم أن الله ليس كمثله شىء فالله تعالى ليس نورا بمعنى الضوء بل هو خالق النور قال الله تعالى ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ أى خلق الظلمات والنور، والذى كلمه كلمه بصوتٍ والله تعالى كلامه الذى هو صفته ليس حرفا ولا صوتا ولا لغة لا يبتدأ ولا يختتم لا يطرأ عليه سكوت أو تقطع ليس شيئا يسبق بعضه بعضا ويتأخر بعضه عن بعضٍ. عرف الحق عبد القادر الجيلانى بعلم الدين فغلب الشيطان.

(11) ما هى عاقبة من أهمل تعلم علم الدين.

      من أهمل تعلم علم الدين قد يقع فى التشبيه فيخلد فى نار جهنم إن مات عليه لأن من يشبه الله تعالى بخلقه فهو كافر لم تصح عبادته لأنه يعبد شيئا تخيله وتوهمه فى مخيلته وأوهامه قال الإمام أبو حامدٍ الغزالى رحمه الله لا تصح العبادة إلا بعد معرفة المعبود، أى أن من لم يعرف الله بل يشبهه بخلقه بالضوء أو غيره أو يعتقد أنه ساكن فى السماء أو أنه جالس على العرش أو يصفه بصفةٍ من صفات البشر فهذا عبادته تكون لشىءٍ تخيله وتوهمه فى مخيلته فيكون مشركا بالله فلا تصح عبادته.

(12) ما هو الفرض الكفائى من علم الدين.

      الفرض الكفائى من علم الدين هو القدر الذى يجب تحصيله على بعض المكلفين ولا يجب على كل مكلفٍ بعينه كمعرفة كيفية غسل الميت وتكفينه ومعرفة الأدلة العقلية والنقلية من القرءان والحديث فى إثبات الصفات الثلاث عشرة الواجبة لله تعالى أى معرفة الأدلة العقلية والأدلة القرءانية والحديثية على أن الله تعالى له ثلاث عشرة صفة تجب معرفتها على كل مكلفٍ ومعرفة الأدلة العقلية لإبطال تمويهات المحرفين للدين من المنتسبين إليه وهم ليسوا منه أى معرفة الأدلة العقلية للرد على المحرفين للدين وإظهار أن ما أدخلوه فى الدين ليس من الدين وأنه باطل ولا صحة له ومعرفة الأدلة العقلية للرد على الملحدين أى المنكرين لوجود الله الذين لا ينتسبون إلى الإسلام ويريدون أن يشككوا المسلمين فى صحة دينهم.

(13) ما هو أفضل العلوم.12

      أفضل العلوم على الإطلاق هو العلم الذى يعرف به ما يليق بالله وما لا يليق به وما يليق بأنبياء الله وما لا يليق بهم قال الله تعالى فى سورة محمدٍ ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ قدم الأمر بمعرفة التوحيد على الأمر بالاستغفار وفى ذلك دلالة على أن العلم بالله تعالى وصفاته هو أجل العلوم وأعلاها وأوجبها وقد خص النبى ﷺ نفسه بالترقى فى هذا العلم فقال أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له رواه البخارى، فكان هذا العلم أهم العلوم تحصيلا وأحقها تبجيلا وتعظيما وقال الإمام أبو الحسن الأشعرى رضى الله عنه أول ما يجب على العبد العلم بالله ورسوله ودينه، رواه الإمام عبد القاهر البغدادى فى تفسير الأسماء والصفات وقال الإمام الشافعى رضى الله عنه أحكمنا ذاك قبل هذا رواه البيهقى، أى أتقنا علم التوحيد قبل فروع الفقه.

أخي المسلم، إن أردت إطاعة الله فعليك أن تطبق قول الله تعالى:  (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا )  وإن أردت أن تكون محبا للرسول الحب الكامل فالتزم بقوله : طلب العلم فريضة على كل مسلم. أي أن الله فرض على كل مسلم بالغ عاقل ذكرا كان أو أنثى أن يتعلم القدر الضروري من علم الدين أي الفرض العيني من علم الدين، فعليك بطلب هذا العلم وتطبيق ما تعلمته على نفسك. ثم ليعلم أن طلب العلم الشرعي الضروري هو فرض، وكونه فرضا دل على أهمية شأن العلم وطلبه، إذ أن علم الدين يحتاج إليه سائر طوائف الناس: الحكام والآباء والأمهات والتجار وغيرهم. ولا يستغني  عن علم الدين طبقة من طبقات الناس. ولما كان علم الدين في العصور المتقدمة الفاضلة، عصر الصحابة والتابعين وأتباع التابعين وما يلي ذلك أوفر بكثير كانت أحوال المسلمين أحسن بكثير مما صرنا إليه في هذه العصور. علم الدين حياة الإسلام من أغفله فهو ضائع تائه يميل مع كل ريح ويتبع كل ناعق. و الفرض العيني من علم الدين هو القدر الذي يجب تعلمه من علم الإعتقاد ومن المسائل الفقهية ومن أحكام المعاملات لمن يتعاطاها وغيرها، كمعرفة معاصي القلب والجوارح كاللسان وغيره، ومعرفة الظاهر من أحكام الزكاة لمن تجب عليه، والحج للمستطيع. ومن أراد أن يتعلم الفرض العيني من علم الدين فما عليه إلا أن يسلك طريقا صحيحا لطلبه فلا يعتمد على مطالعته الفردية ولم يكن قد حصل من العلم الشرعي من أهله القدر الذي يؤهله لأن يكون مميزا إذا ما طالع في الكتب كي يفرق بين الباطل والصحيح ، فإن لم يفعل ذلك واكتفى بالمطالعة فقط فإنه لا يأمن على نفسه من الوقوع في الفهم السيء حيث لا يوجد معه من يصوب له خطأه لذا لا يستطيع أن يميز بين الصحيح والسقيم من التآليف. وإن الإعتماد على أسلوب المطالعة الفردية للكتب دون الرجوع إلى عالم ثقة ورع هو أسلوب لا يجعل من المرء عالما ولا طالب علم شرعي. إن طلب العلم لا يكون إلا بالتلقي من العلماء وقد مدح رسول الله  الذي يذهب إلى أهل العلم ليتلقى العلم من أهله فلقد قال : من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة. وفي صحيح البخاري “باب العلم قبل القول والعمل” ويفهم من كلام البخاري أنه يجب على المكلف أي البالغ العاقل أن يتعلم قبل أن يتصدر للتعليم وأن لا يدخل في شيء حتى يتعلم ما أحل الله تعالى منه وما حرم وذلك حتى يميز بين الحلال والحرام والصحيح والباطل والمقبول والمردود والخير والشر ، ولا يكون التمييز بين هذه الأمور إلا بعد التعلم. وكذلك لا بد من التعلم قبل مزاولة أمور البيع والشراء والتجارة حتى لا يقع الإنسان في الربا والغش والكذب فإن من لم يعرف الشر يقع فيه. نسأل الله تعالى أن يزيدنا علما وأن يبارك بهمتنا على طلب المزيد من العلم النافع وأن يسهل لنا العمل بما تعلمنا مع الإخلاص له سبحانه وتعالى والحمد لله رب العالمين.

(14) ما معنى التوحيد.

      التوحيد هو اعتقاد أن الله تعالى واحد فى ذاته وواحد فى صفاته وواحد فى فعله فذاته لا يشبه ذوات المخلوقات لأنه ليس جسما مؤلفا من أجزاءٍ، وصفاته لا تشبه صفات المخلوقات لأنها أزلية أبدية لا بداية ولا نهاية لها، وفعله لا يشبه فعل المخلوقات لأن فعل الله أزلى قال تعالى فى سورة الشورى ﴿ليس كمثله شىء﴾ وقال تعالى فى سورة النحل ﴿ولله المثل الأعلى﴾ أى لله صفات لا تشبه صفات غيره وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله فعله تعالى (أى تخليقه) صفة له فى الأزل والمفعول (أى المخلوق) حادث. وأما توحيد الله فى الفعل فمعناه أن الله تبارك وتعالى يفعل بمعنى الإخراج من العدم إلى الوجود ولا فاعل على هذا الوجه إلا الله.

كل الأعمال لا تقبل إلا أن توافق الشرع وموافقة الشرع وعدم موافقته لا يعرف إلا بالعلم، فلأجل هذا ينبغي صرف أكثر الوقت في العلم، فالعلم هو الذي يعرف به ما هو الأفضل ثم الأفضل من الأعمال، وصرف أكثر الوقت بالعلم خير من صرفه بالذكر والمدائح ونحو ذلك، فقد جاء في سنن ابن ماجة أن الرسول دخل المسجد فوجد حلقتين، حلقة تذكر الله وحلقة يتذاكرون في العلم فجلس رسول الله  مع الحلقة التي يتذاكرون في العلم وقال:” كلا المجلسين على خير ولكن هذا المجلس أفضل”، وقد قال الحافظ النووي رحمه الله: “إن الإشتغال بالعلم أولى ما أنفقت فيه نفائس الأوقات” أي أفضل ما شغلت به الأوقات الطيبة، فالعلم حياة الإسلام. وهو السلاح لدفع شبه المفسدين من وهابية وغيرهم، فالرجل الذي لا يتسلح بسلاح العلم مهما كان متعبدا ومهما كان مكثرا للذكر فهو عرضة لأن تشوش عليه الوهابية خاطره فتميله إليهم لأنهم يقولون قال الله تعالى كذا، فيضعون الآية في غير محلها ويقولون قال رسول الله كذا فيضعون الحديث في غير محله، وقد يوردون الأحاديث الضعيفة والأحاديث الباطلة فمن ليس له علم بذلك قد يتبعهم أو يتشكك و يبقى حائرا. وهنا ننبه إلى مسألة نفيسة وهي أنه ليس فرضا على كل مسلم بعينه أن يصير كالشافعي أو غيره من فحول العلم، إنما أقل ما يلزمه أن يحصل القدر الضروري الذي هو فرض، وأهم العلوم تحصيلا هو علم التوحيد لأن الإيمان بالله ورسوله أفضل الأعمال عند الله. ومما يجب على كل مكلف علمه من علم التوحيد هو : أن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره. قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد ولا يكون إلا ما يريد ، حي لا يموت، قيوم لا ينام، موجود بلا مكان، لا يسكن الأرض ، ولا يسكن السماء ولا يجلس على العرش، لا يحتاج إلى شيء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ومما يجب علمه أن الدين المقبول عند الله هو دين الإسلام وهو دين جميع الأنبياء من أولهم آدم إلى آخرهم محمد صلى الله عليهم أجمعين، وأن أنبياء الله كلهم رجال، يستحيل عليهم الكذب والخيانة والغباوة والرذالة والسفاهة والجبن والكفر والكبائر والصغائر التي فيها خسة ودناءة وكتمان شيء مما أمروا بتبليغه والجنون والأمراض المنفرة كخروج الدود من الجسم، وهذا كله قبل النبوة وبعدها، كذلك جميع الأنبياء موصوفون بالصدق والأمانة والفطانة والعفة والشجاعة وجمال الخلقة وجمال الصوت والعصمة من الكفر والكبائر والصغائر التي فيها خسة ودناءة. ما أحد من الأنبياء كفر أو شك بالله، ما أحد من الأنبياء زنى أو سرق، ما أحد من الأنبياء شرب الخمرة أو كان قلبه متعلقا بالنساء، ما أحد من الأنبياء خرج منه الدود، ما أحد من الأنبياء كان جبانا أو هرب من الكفار. والملائكة هم سكان السماء، كلهم مسلمون، ليسوا ذكورا ولا إناثا لا يأكلون ولا يشربون ولا يرتاحون ولا يتعبون ولا ينامون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون. أحبابنا الكرام قال الإمام مجاهد وهو من التابعين: “لا ينال العلم مستح ولا مستكبر” فالذي يريد طلب العلم والوصول إلى الحقيقة لا يستحي من طلب العلم مهما كان عمره ومهما كانت صفته بين الناس . هلموا إلى تعلم علم الدين هلموا إلى حضور مجالس العلم هلموا إلى رياض الجنة فإن رسول الله  قال: إذا مررتم برياض الجنة أي بساتينها فارتعوا أي حصلوا ما استطعتم ” ، قالوا : وما رياض الجنة ؟ قال : ” حلق الذكر. أي الحلق التي يعلم فيها الحلال والحرام ويذكر الله، والله أعلم وأحكم والحمد لله رب العالمين.

علموا الناس أن الدين المقبول عند الله هو الإسلام لا غير وأن جميع الأنبياء كانوا مسلمين وعلموا الإسلام، اخرجوا للناس وعلموهم أن من سب الله أو الإسلام أو نبيا أو ملكا مازحا بزعمه كان أو غاضبا يكفر ويخرج من الدين ولا يعود إلى الإسلام إلا بالنطق بالشهادين، نحن في زمن كثر فيه الجهل بين الناس فيا فوز من تعلم هذا ونشره ودعا الناس إليه وجد في ذلك واجتهد، هذا يرجى لهم درجة الشهادة ولو مات على فراشه

من المعلوم الظاهر عياناً اليوم انتشار العقائد الفاسدة التي يكفر معتقدها، وأكثر الناس متقاعِدون عن إنكارها، فلا يجوز لنا أن نتقاعد عن ذلك كما تقاعد الأكثر، ويجب علينا أن نحقق ذلك. فاجتهدوا يا أحبابنا في نشر عقيدة أهل السنة والجماعة أنَ الله لا يحتاج لخلقه وأن الله موجود قبل خلق المكان بلا مكان وهو الآن على ما عليه كان، لا يسكن السماء و لا يجلس على العرش، ولا يشبه العالم بوجهٍ من الوجوه، ليس جسما كبيرًا ولا جسما صغيرًا سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، علموا الناس أن الدين المقبول عند الله هو الإسلام لا غير وأن جميع الأنبياء كانوا مسلمين وعلموا الإسلام، اخرجوا للناس وعلموهم أن من سب الله أو الإسلام أو نبيا أو ملكا مازحًا بزعمه كان أو غاضبا يكفر ويخرج من الدين ولا يعود إلى الإسلام إلا بالنطق بالشهادين، نحن في زمن كثر فيه الجهل بين الناس فيا فوزَ من تعلم هذا ونشره ودعا الناسَ إليه وجَدَّ في ذلك واجتهدَ، هذا يُرجى لهم درجةُ الشهادةِ ولو مات على فراشه، قالَ الرسول صلى الله عليه وسلم: “من أحيا سنتي (أي شريعتي) عند فساد أمتي فله أجرُ شهيد” نسأل الله تعالى أن يكرمنا بالهمة والنشاط والإخلاص في تعليم علم الدين والدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة بلا كسل ولا ملل حتى يأتيَنا اليقين والحمد لله رب العالمين.

من تعلم عقيدة أهل السنة وثبت عليها ودافع عنها المخالفين وحذر الناس من المخالفين له أجر عظيم. الرسول عليه السلام قال: “المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر شهيد”. وقتنا هذا ينطبق على هذا الحديث لأنه كثر الدعاة باسم الدين إلى خلاف الدين. الذي يقوم اليوم بحماية عقيدة أهل السنة والدفاع عنها ونشرها بين الناس وبمحاربة فرق الضلال والتحذير من كفرياتهم ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويلتزم مذهب أهل السنة والجماعة له أجر خمسين من الصحابة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وثوابه أكبر من مائة ألف حجة نافلة وأكثرُ من ثواب مائتي ألف ركعة نافلة ومن بناء خمسمائة مسجد إن لم تدع الضرورة لبنائها وأكثر من ثواب مائة ختمة من القرءان وإن مات ولو على فراشه له أجر شهيد وله في الجنة مسافةُ خمسين ألفَ سنةٍ ولو كان مرتكباً لبعض الكبائر تغفر له ويكون له شأنٌ ومرتبةٌ عاليةٌ في الجنة. فجدوا واجتهدوا بتعليم الناس العقيدة، بتعليم الناس أن الله واحد لا شريك له ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه قديم بلا ابتداء دائم بلا انتهاء لا يفنى ولا يبيد ولا يكون إلا ما يريد لا يسكن السماء ولا يجلس على العرش، موجود قبل خلق المكان بلا مكان وهو الآن على ما عليه كان، الله موجود بلا مكان. علموا الناس أن الدين المقبول عند الله هو الإسلامُ فقط لا غير وهو دين جميع الأنبياء وأن من سب الإسلام أو سب الله كفر وخرج من الدين ولا يعود إلى الإسلام إلا بالنطق بالشهادتين وهما أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. المطلوب منا أن نتكلم في هذا في كل موطن نرجو فيه حصول الفائدة. تعليم عقيدة أهل السنة والجماعة اليوم جهاد يُكافَح به كفر المجسمة المشبهة وغيرِهم من الضالين. جهاد هؤلاء بالبيان من أفرض الفروض، فمن تكاسل عن هذا فليعلم أنه استحق عذاب الله. الذي يتقاعس اليوم عن نشر علم أهل السنة كالفارّ من الزحف ذنبه كبير فإياكم والتواني والتكاسل، وفقكم الله لحراسة عقيدة أهل السنة والجماعة والحمد لله رب العالمين.

(15) ما هى أعلى الواجبات وأفضلها عند الله تعالى.

      أعلى الواجبات وأفضلها هو الإيمان بالله ورسوله قال رسول الله ﷺ أفضل الأعمال إيمان بالله ورسوله، رواه البخارى.

(16) ما هو الدين المقبول عند الله.

      الدين الصحيح المقبول عند الله هو الإسلام وهو دين جميع الأنبياء من أولهم ءادم إلى ءاخرهم محمدٍ عليهم الصلاة والسلام قال تعالى فى سورة ءال عمران ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ أى أن الدين الصحيح الذى ارتضاه الله لعباده من البشر والجن والملائكة هو الإسلام وما سواه من الأديان فهو باطل بدليل قوله تعالى فى سورة ءال عمران ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين﴾ أى من اتخذ لنفسه دينا غير دين الإسلام فلن يقبله الله منه.

اعلم أن الدين السماوى الذى نزل به سيدنا جبريل عليه السلام على أنبياء الله من ءادم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام هو الإسلام وهو الدين الذى رضيه الله أى أحبه الله لعباده من الإنس والجن والملائكة وأمرنا باتباعه قال تعالى فى سورة المائدة ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. والإسلام هو الدين الصحيح المقبول عند الله ولا دين صحيح إلا الإسلام قال تعالى فى سورة ءال عمران ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ وقال تعالى فى سورة ءال عمران ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين﴾ فدلت الآية أن كل من اتخذ دينا غير دين الإسلام فهو خاسر فى الآخرة ودينه باطل فلا يجوز أن يقال عنه إنه دين سماوى لأن الدين السماوى أى الدين المنزل من عند الله هو الإسلام فقط قال رسول الله ﷺ الأنبياء إخوة لعلات دينهم واحد وأمهاتهم شتى، رواه الإمام أحمد. شبه الرسول الأنبياء بالإخوة لعلات أى كما أن الإخوة لعلات أبوهم واحد وأمهاتهم مختلفات كذلك الأنبياء إخوة فى الدين دينهم واحد أى عقيدتهم واحدة وشرائعهم مختلفة، فيجب التحذير من قول بعض الناس الأديان السماوية وأحيانا يقولون الأديان السماوية الثلاثة يريدون بذلك دين الإسلام ودين النصارى ودين اليهود وهذا باطل. لكن يجوز أن يقال شرائع سماوية أو كتب سماوية. والشرائع هى الأحكام التى تنزل بالوحى وشرائع الأنبياء مختلفة أما الكتب التى أنزلها الله على أنبيائه كالقرءان والإنجيل أى الأصلى والتوراة أى الأصلية والزبور فهى جميعها تدعو إلى دين واحد وهو الإسلام.

لا دين صحيح إلا الإسلام

   (الدين الحق عند الله) تعالى هو (الإسلام قال تعالى) فى سورة ءال عمران (﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين﴾) فدلت الآية أن كل من اتخذ دينا غير دين الإسلام فهو خاسر فى الآخرة ودينه باطل فلا يجوز أن يقال عنه إنه دين سماوى (وقال تعالى) فى سورة ءال عمران (أيضا ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾) فدلت الآية أيضا على أن الدين الوحيد المقبول فى الآخرة هو الإسلام فمن عدل عنه فقد خاب وخسر وهو دين الأنبياء جميعا (فكل الأنبياء مسلمون فمن كان متبعا لموسى صلى الله عليه وسلم) أى اتباعا صحيحا (فهو مسلم موسوى) أى من أتباعه عليه السلام (ومن كان متبعا لعيسى صلى الله عليه وسلم) أى اتباعا صحيحا (فهو مسلم عيسوى) أى من أتباعه عليه السلام (ويصح أن يقال لمن اتبع محمدا صلى الله عليه وسلم مسلم محمدى) ولا عبرة بمن أنكر جواز ذلك جهلا أو عنادا إذ المعنى أنه متبع لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كما يقال لمن تبع الإمام مالكا رضى الله عنه فى مذهبه مالكى ولمن تبع الإمام أبا حنيفة رضى الله عنه حنفى ولمن تبع إمامنا الشافعى شافعى ولمن تبع ابن حنبل رضى الله عنه حنبلى فلم يكن بين الأنبياء اختلاف فى الدين بل جاؤوا كلهم بدين واحد وإنما اختلفت شرائعهم لأن الله تبارك وتعالى جعل فى شرع الرسول اللاحق بعض الأحكام التى تختلف عن أحكام كانت فى شرع الرسول السابق وقد علم ربنا تبارك وتعالى أن الشريعة المحمدية قائمة بمصالح العباد إلى يوم القيامة فلذلك جعل هذه الشريعة خاتمة الشرائع فلا يبعث بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبى ولا يغير من أحكام شريعته بعده شىء.

   (والإسلام هو الدين الذى رضيه الله لعباده وأمرنا باتباعه) كما أمر من قبلنا من الأمم بذلك كما يدل عليه قول الله تعالى فى سورة الشورى ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ (و)لكن (لا يسمى الله مسلما كما تلفظ به بعض الجهال) فقد حصل فى مدينة بيروت فى بعض السنين أن السماء أمطرت فى عيد النصارى وكان فى عيد المسلمين صحو فقال بعض النصارى إن الله مسلم وهذا كلام باطل كما لا يخفى فإن المسلم معناه المنقاد والله لا ينقاد بل غيره ينقاد له وهو يطلق فى اصطلاح الشرع على العاقل الذى صدق بقلبه بالشهادتين وتلفظ بهما ولا يجوز وصف الله بذلك وإنما يسمى الله تعالى السلام أى السالم من كل نقص وعيب، وما ورد فى القرءان من تسمية الله بالمؤمن فالمراد به الذى يصدق عباده وعده ويفى بما ضمنه لهم ولا يراد به المعنى المقصود عند إطلاق لفظ المؤمن على الشخص المسلم. ثم إننا أطلقنا اسم المؤمن على الله لأنه سبحانه سمى به نفسه كما جاء فى القرءان وثبت فى الحديث ولولا ذلك لما أطلقناه عليه سبحانه فما أطلقه الله على نفسه أطلقناه عليه وما لا فلا كما أوضحه الإمام أبو حنيفة رضى الله عنه وغيره من الأئمة. قال الإمام أبو الحسن الأشعرى رضى الله عنه فى اللمع فالأسماء ليست إلينا ولا يجوز لنا أن نسمى الله تعالى باسم لم يسم به نفسه ولا سماه به رسوله صلى الله عليه وسلم ولا أجمع عليه المسلمون اﻫ وفى مجرد مقالات الأشعرى لابن فورك أن المعروف من أصل الإمام أبى الحسن والمشهور من مذهبه فى أسماء الله تعالى وأوصافه أنه لا يتعدى فيها التوقيف الوارد فى الكتاب والسنة واتفاق الأمة اﻫ

   (فقديما) فى زمن ءادم عليه الصلاة والسلام (كان البشر جميعهم على دين واحد هو الإسلام) ليس بينهم كافر واستمروا على ذلك فى زمن سيدنا شيث عليه السلام وفى زمن إدريس عليه السلام (وإنما حدث الشرك والكفر بالله تعالى بعد) وفاة (النبى إدريس) أى بعد وفاة ءادم بألف سنة ثم مضى بعد وفاة إدريس ألف سنة إلى أن بعث نوح عليه السلام (فكان نوح أول نبى أرسل إلى الكفار يدعو إلى عبادة الله الواحد الذى لا شريك له) وهو معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى رواه البخارى وغيره أن ءادم عليه السلام يقول يوم القيامة للناس اذهبوا إلى نوح فإنه أول رسل الله إلى أهل الأرض اﻫ فالمقصود هنا بأول رسل الله أول نبى أرسله الله إلى قوم كفار ولا يراد به أنه أول الأنبياء على الإطلاق بل سبقه ءادم وشيث وإدريس فالأولية المرادة هنا هى أولية نسبية لا مطلقة وهذا شبيه بما ثبت مرفوعا أن أول ما خلق الله القلم وقد سبقه فى الوجود الماء والعرش كما لا يخفى فأولية القلم أولية نسبية. وهذه المدة التى بين إدريس ونوح عليهما الصلاة والسلام هى الجاهلية الأولى التى عناها الله تعالى بقوله فى سورة الأحزاب ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ ولم يرسل إلى أهلها نبى قبل نوح (وقد حذر الله جميع الرسل من بعده) أى من بعد نوح (من الشرك) والمقصود من ذلك تحذير أممهم لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الشرك. ثم توالى الأنبياء من بعد نوح إلى عيسى عليه السلام ثم بعد رفعه إلى السماء صلى الله عليه وسلم مضى نحو خمسمائة عام أو يزيد من غير بعثة نبى إلى أن نزل الوحى على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم (فقام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بتجديد الدعوة إلى الإسلام بعد أن انقطع فى ما بين الناس فى الأرض) إذ لم يكن بين البشر على الأرض مسلم غيره عند ذلك كما أخبر الله تعالى فى سورة الأنعام ﴿قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ أى فى زمانه صلى الله عليه وسلم وأما سيدنا عيسى عليه السلام فكان فى السماء لا فى الأرض وأما الخضر عليه السلام فلا يعيش مختلطا بالبشر على اليابسة وإنما يكون فى كثير من وقته على الماء ثم يأتى هذا فيرشده وهذا فيثبته وهذا فيعلمه وأما شخص يعيش على الأرض مختلطا بالبشر فلم يكن مسلم عند أول نزول الوحى إلا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ثم إنه عليه الصلاة والسلام دعا إلى الله تعالى أى إلى عبادته وتوحيده (مؤيدا) من ربه (بالمعجزات الدالة على نبوته فدخل البعض) ممن بلغتهم دعوته من عبدة الأصنام (فى الإسلام) كالجعد بن قيس المرادى الذى أسلم بسبب ما سمعه من جنى مسلم من أتباع سيدنا عيسى عليه السلام فإنه قال وكان قد بلغ مائة سنة خرجنا أربعة نفر نريد الحج فى الجاهلية فمررنا بواد من أودية اليمن فلما أقبل الليل استعذنا بعظيم الوادى وعقلنا رواحلنا فلما هدأ الليل ونام أصحابى إذا هاتف من بعض أرجاء الوادى يقول

ألا أيها الركب المعرس[1] بلغوا                    إذا مـا وقفتم بالحطيم وزمزمـــــــــــــــا

محمـدا المبعــــــــــــــــــــــــــــوث منا تحية                    تشيعه من حيث سـار ويممــــــــــــــــا

وقولوا له إنا لدينك شـــــــــــــــــيعة[2]                   بذلك أوصانا المسيح ابن مريما

   فكان ذلك سبب إسلامه رضى الله عنه اﻫ ذكره أبو سعد عبد الملك بن محمد النيسابورى فى شرف المصطفى صلى الله عليه وسلم ونقله عنه الحافظ ابن حجر فى الإصابة فى تمييز الصحابة.

   (وجحد بنبوته) صلى الله عليه وسلم (أهل الضلال الذين منهم من كان مشركا قبلا كفرقة من اليهود عبدت عزيرا) وهو رجل من الصالحين كان قد ألقى التوراة من حفظه بعد أن تلفت نسخها كلها فقال بعض بنى إسرائيل هذا ابن الله لولا أنه ابن الله ما استطاع أن يلقى التوراة من حفظه فكفروا بذلك ثم كذبوا سيدنا عيسى (فازدادوا كفرا إلى كفرهم) ثم كذبوا سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم فازدادوا فى الكفر أيضا (وءامن به) عليه صلاة الله وسلامه (بعض أهل الكتاب اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام عالم اليهود بالمدينة) جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم فسأله عن ثلاثة أمور كان يعلم أن العرب لا علم لهم بها فأجابه عليه الصلاة والسلام عنها بالوحى وقال له أخبرنى بهن جبريل ءانفا فآمن وتشهد وبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسن الخاتمة ودخول الجنة (و)كذا ءامن به (أصحمة النجاشى) بترك تشديد الياء وبتشديدها وترك التشديد موافق للغة الحبشة إذ لا تعرف ياء النسبة فيها وهو (ملك الحبشة وكان نصرانيا ثم) أسلم و(اتبع الرسول) صلى الله عليه وسلم اتباعا كاملا (ومات فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى عليه الرسول) عليه الصلاة والسلام (صلاة الغائب يوم مات) إذ (أوحى الله إليه بموته) فقال للصحابة مات اليوم أخوكم أصحمة وهو عبد صالح فصلوا عليه اﻫ (ثم كان يرى على قبره فى الليالى نور) كما روى رزين العبدرى عن السيدة عائشة قالت كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور اهـ (وهذا دليل أنه صار مسلما كاملا وليا من أولياء الله رضى الله عنه).

   (والمبدأ) أى الأساس (الإسلامى الجامع لجميع أهل الإسلام) من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والأمم السابقة (عبادة الله وحده) مع إيمان كل منهم بنبى عصره.

(12) المعرس هو المسافر الذى نزل ليلا فى مكان ولم يستمر فى السير.

(13) الشيعة الأنصار.

ما الدليل من القرءان على أن الأنبياء كلهم كانوا على الإسلام.

        قال اللـه تعالـى ﴿إن الدين عند اللـه الإسلام﴾ أى أن الدين الصحيح المقبول عند اللـه هو الإسلام وقال تعالـى ﴿ومن يبتغ غـيـر الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فـى الآخرة من الـخاسرين﴾.

دين الله في الأرض والسماء واحد وهو دين الإسلام قال الله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [سورة ءال عمران/19] وقال تعالى: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [سورة المائدة/3] وهو بين الغلو والتقصير وبين التشبيه والتعطيل.

   الشرح أي أن الملائكة يدينون بالإسلام، وأن المؤمنين من أهل الأرض من إنس وجن يدينون بالإسلام، ومعنى قوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [سورة ءال عمران/19] أي أن الدين الصحيح المقبول عند الله هو الإسلام وما سواه من الأديان باطل، وفي هذا دليل على أن أول البشر كان على الإسلام لم يكن لهم دين غيره، قال الله تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة﴾ [سورة البقرة/213]، قال ابن عباس: «كلهم على الإسلام» رواه أبو يعلى في مسنده وغيره.

   أما الغلو فهو مجاوزة الحد المجعول للعباد في الدين، أما التقصير فهو ترك الوصول إلى حد المأمور، وأما التشبيه فهو تشبيه الله بخلقه، وأما التعطيل فهو نفي وجود الله أو صفاته وكل واحد من المذكورات مذموم وباطل لخروجه عن العدل والحق.

بيان أن العمل المقبول ما كان خالصا لله
وموافقا لما جاء به رسول الله ﷺ

درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدري رحمه الله تعالى في الرابع من شعبان سنة اثنتين وأربعمائة وألف من الهجرة الشريفة الموافق للثامن والعشرين من شهر أيار لسنة اثنتين وثمانين وتسعمائة وألف رومية وهو في بيان أن العمل المقبول ما كان خالصا لله وموافقا لما جاء به رسول الله ﷺ. قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين خاتم النبيين قائد الغر المحجلين وعلى ءاله الميامين.

أما بعد: فقد روينا بالإسناد المتصل إلى الإمام ابن حبان من حديث زياد بن ميناء عن أبي سعيد بن أبي فضالة وكان من أصحاب الرسول ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان أشرك في عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عنده فإن الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك»([1]).اهـ. هذا الحديث الذي رواه ابن حبان ورد في «صحيح مسلم» بلفظ حديث قدسي ذلك أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: «من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»([2]).اهـ. معنى الحديثين وأحد ذاك الحديث الذي هو رواية ابن حبان ليست صورته صورة حديث قدسي؛ لأن الحديث القدسي هو الذي يكون في أوله قال الله تعالى أي مما ليس قرءانا أو يقول الله تعالى أو نحو ذلك فهذا هو الحديث القدسي وما سوى ذلك يقال له حيث نبوي وكلاهما بوحي من الله تعالى إلى نبيه محمد ﷺ فمعنى الحديثين أنه من يعمل عملا من أعمال الدين من صلاة أو صيام أو قراءة أو صدقة أو حج أو جهاد أو غير ذلك فإن كان يقصد به أن يمدحه الناس أو أن يذكروه فيما بينهم بالإجلال والتعظيم فإنه ليس له عند الله ثواب إنما ثوابه ما نواه من الناس وهو أن يمدحوه أو أن ينظروا إليه بعين الإجلال والتعظيم ففي الحديث الأول أنه عليه الصلاة والسلام قال فليطلب ثوابه من عنده، أي: ليطلب ثوابه من الشخص الذي أراد أن يمدحه، أي: ليس له ثواب عند الله؛ لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما عمل لأجله فقط ومن قصد بعمله ثواب الله ومدح أحد من الناس فليس له عند الله ثواب؛ لأن الله لا يقبل من العمل ما أشرك فيه معه غير الله ما أشرك فيه مع الله غيره لا يقبله إنما يقبل العمل الذي عمل لأجله فقط.

ثم إن كانت نيته أن يعمل لله ولم يشرك في ذلك مع الله أحدا، أي: لم ينو مدح الناس له ثم سمع من الناس ثناء عليه ومدحا فلا يضره ذلك؛ لأنه ما قصد بذلك أن يمدحه الناس إنما الناس مدحوه لما علموا أنه يعمل كذا من الحسنات إنما الضرر هو أن يقصد الرجل في بدء عمله أو في أثناء عمله أن يمدحه الناس فهذا هو الضرر العظيم. ثم ليس ضرر الرياء مقصورا على أنه ليس له عند الله ثواب وإنما ثوابه من ذلك الشخص أو من أولئك الناس؛ بل هناك ضرر عظيم وهو أنه يعذب؛ لأن هذا يقال له شرك أصغر فهو يشبه عبادة غير الله وإن لم يكن الشرك الأكبر الذي هو مخرج من الإسلام لكن هذا يشبهه، قصد الشخص بعمل الآخرة غير الله تعالى يشبه الشرك الأكبر الذي هو عبادة غير الله فكما أن هذا يستحق عذابا كبيرا فذاك يستحق عذابا كبيرا وإن كان بين العذابين فرق كبير الشرك الأكبر الذي هو كفر عذابه لا ينتهي لا ينقطع كشرك عباد الأوثان إلا ليقربوهم إلى الله درجات من جهلهم وسخافة ءارائهم مشركو العرب كانوا يقولون ما نعبدهم، أي: الأوثان إلا ليقربونا إلى الله زلفى، أي: درجة كانوا يعترفون بأن هؤلاء الأوثان لا يساوون الله تبارك وتعالى في علو الشأن لكنهم كانوا يعبدونهم، أي: يتذللون لهم نهاية التذلل؛ لأن الشرك هو عبادة غير الله ومعنى عبادة غير الله التذلل لغير الله نهاية التذلل كانوا يتذللون للأوثان نهاية التذلل ويقولون نحن لا نتذلل لهم من حيث ذاتهم إنما نتذلل لهم ليقربونا إلى الله زلفى، أي: درجة أولئك عذابهم دائم لا ينقطع أما هذا المسلم الذي لا يعبد غير الله لكنه يعمل أعمالا من أعمال الآخرة ليمدحه الناس يشبه أولئك فيستحق عذابا كبيرا لكن عذابه منقطع ويغفر الله لمن شاء منهم، هؤلاء المراؤون الذين يعملون العمل الذي يعملونه ليمدحهم الناس أشبهوا أولئك المشركين الذين كانوا يعبدون الأوثان لذلك قال الله تبارك وتعالى: «من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»([3]).اهـ. معنى: تركته وشركه تركت ذلك الشخص وشركه، أي: وعمله الذي أشرك فيه معي غيري، أي: لا أقبل منه، فإذا كان الأمر كذلك فالعمل الذي يقبله الله تبارك وتعالى ما كان خالصا له، أي: لم يقصد العبد به إلا الله تعالى فهذا العمل هو الذي ينفع العبد عند الله يوم القيامة فليحرص الإنسان على أن تكون جميع أعماله الدينية مبنية على الإخلاص لله تبارك وتعالى.

ثم هذا القصد الذي هو خالص لله تبارك وتعالى إنما ينفع العبد بعد موافقته لسنة رسول الله ﷺ وقد روينا بالإسناد المتصل عن الإمام سعيد بن جبير  وهو من التابعين الذين أخذوا العلم عن الصحابة أنه قال لا يقبل قول إلا بعمل وفي لفظ لا يصلح قول إلا بعمل ولا قول وعمل إلا بنية ولا قول وعمل ونية إلا باتباع سنة رسول الله ﷺ.اهـ. رواه اللالكائي([4]).

الحاصل: أنه لا يحصل الكمال إلا بقول وعمل ونية ولا تقبل الثلاثة، أي: القول والعمل والنية إلا باتباع الرسول ﷺ، أي: إلا أن يكون قول الرجل موافقا لما جاء به الرسول وعمله موافقا لما جاء به الرسول ﷺ ونيته موافقة لما جاء به الرسول ﷺ فمن وافق قوله وعمله ونيته ما جاء به الرسول ﷺ فذلك هو المفلح الذي يستحق الثواب على قوله وعمله ونيته فإذا كان الأمر كذلك فعلى الإنسان أن يتعلم كيف يتبع الرسول ﷺ هل قوله وعمله ونيته موافقة لما جاء به الرسول ﷺ أو غير موافقة فمن علم طريق الموافقة وجعل قوله وعمله ونيته موافقا لما جاء به الرسول ﷺ فهذا هو الفائز المفلح الذي كل حسنة يعملها تضاعف له عشرا فأكثر إلى سبعمائة إلى مائة ألف إلى مائتي ألف إلى ألف ألف إلى أكثر من ذلك، هذه المضاعفة بعد ذلك بعد أن يكون القول والعمل والنية موافقا لما جاء به الرسول ﷺ فمن هنا تظهر أهمية تعلم العلم الديني لأن العلم الديني هو الذي يهدي لذلك هو الذي يرشد ويبين ويدل على القول الموافق لشرع الرسول ﷺ وعلى العمل الموافق لشرع الرسول ﷺ وعلى النية الموافقة لشرع الرسول ﷺ وأما من أعرض عن تعلم ذلك واشتغل بغير ذلك فهذا تائه لا يدري في أي واد يهلك يظن بنفسه أنه على حالة عالية وهو في الحقيقة ليس على شيء.

قال عبد الله بن عمر  لقد عشنا برهة من الدهر نتعلم الإيمان قبل القرءان([5]).اهـ. المعنى: أن اهتمامنا كان في بدء الأمر قبل اهتمامنا بحفظ القرءان تصحيح العقائد والنيات، كثير من الناس يريدون أن يذكروا ويسهرون الليالي لذلك ثم أحدهم يحرف اللفظ الذي جاء عن رسول الله ﷺ إلى غيره، أحدهم يريد أن يهلل تهليلا كثيرا فيقول: (لا إلـٰه إلا اللا لا إلـٰه إلا اللا لا إلـٰه إلا اللا) ءالافا ءالاف المرات مع حذف حرف الهاء هذا ما وافق سنة رسول الله ﷺ؛ لأن الرسول ﷺ ما ذكر اسم الله إلا بهذا اللفظ الله باللام المشددة والألف اللينة، أي: التي يلفظ بها لفظا ولا تكتب ثم الهاء الرسول ﷺ هكذا كان يذكر اسم الله في كل كلامه متى ما ذكر لفظ الجلالة كان يذكره هكذا وهذا الذي ورد في القرءان أما هؤلاء المغفلون التائهون فيحاولون أن يحوزوا الدرجات العلى فيقولون: (لا إلـٰه إلا اللا لا إلـٰه اللا) من الإسراع على زعمهم يكثرون من العدد حتى يزداد لهم الأجر ولا يدرون أنهم يكسبون إثما بكل مرة؛ لأنهم حرفوا اسم الله، كذلك إذا ذكروا الاسم المفرد الله بعضهم يقول بلا هاء يذكر بلا هاء (اللا اللا اللا) هذا ذكرهم فمن أين يكون لهم ثواب، هذا مثال للعمل الذي لم يوافق سنة رسول الله، أي: ما جاء عن رسول الله ﷺ، وهناك شيء كثير حتى الصلاة على النبي بعضهم يأتي بالياء يقول: (اللهم صلي وسلم) بالياء هذه الياء يا التأنيث هذه الياء يا خطاب الأنثى حرام أن يقال: (اللهم صلي وسلم وبارك على النبي) حرام لماذا يؤتى بالياء هذه الياء للأنثى إذا أردنا أن نأمر امرأة بالصلاة أو الصلاة على النبي نقول: يا فلانة صلي على النبي صلي الظهر أما الذي يطلب من الله أن يصلي على نبيه يأتي باللام المشددة بلا ياء يقول: اللهم صل وسلم وبارك عليه لا يقول صلي، هؤلاء المغفلون لا هم لهم إلا أن يترنموا ومع ذلك يطمعون بالثواب يظنون أنهم حازوا ثواب الصلاة على النبي ﷺ. انتهى.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

([1]) رواه ابن حبان في صحيحه، باب: ما جاء في الطاعات وثوابها.

([2]) رواه مسلم في صحيحه، باب: من أشرك في عمله غير الله.

([3]) رواه مسلم في صحيحه، باب: من أشرك في عمله غير الله.

([4]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي في سياق ما روي عن النبي ﷺ في ثواب من حفظ السنة ومن أحياها ودعا إليها.

([5]) ولفظه لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرءان.اهـ. أخرجه سعيد بن منصور في التفسير والطحاوي في شرح مشكل الآثار والحاكم في المستدرك وقال في مجمع الزوائد رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح.

التحذير من قول الدين المعاملة

اعلم رحمك الله أن الدين عند الله الإسلام قال الله تعالى (إن الدين عند الله الإسلام) وقال (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).

فالدين المقبول المرضي عند الله هو الإسلام وكل الأنبياء جاؤا بدين واحد هو الإسلام، كلهم جاءوا بعبادة الله وحده وعدم الإشراك به وأنه لا دين صحيح إلا الإسلام وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة.

قال تعالى الله (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) والدين قانون سماوي وضعه الله لعباده فأحل لهم ما شاء وحرم عليهم ما شاء،فمن ءامن بالله ورسوله ومات على ذلك فهو الناجي.

وإن مما يجب التحذير منه قول بعض الناس الدين المعاملة فإن هذه العبارة فاسدة ومن فهم منها أن الكافر إن كانت معاملته حسنة مع الناس فهو من أهل النجاة في الآخرة فقد كذب القرءان فإن الله يقول: (ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا).

فالكافر يجازى على أعماله الحسنة في الدنيا أما في الآخرة فليس له شىء من رحمة الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له منها نصيب) رواه أحمد ومسلم وابن حبان.

وقال الله تعالى: (ورحمتي وسعت كل شىء فسأكتبها للذين يتقون) أي أن رحمة الله وسعت في الدنيا كل مؤمن وكافر أما في الآخرة فرحمة الله خاصة للمؤمنين الذين تجنبوا سائر أنواع الكفر.

وأما من لم يفهم من هذه العبارة إلا أن حسن المعاملة يدل على حسن دين الشخص المسلم فلا يكفر ولكن يجب يجب نهيه عنها.

الذى ورد فى الحديث الصحيح الدّين النصيحة وليس الدّين المعاملة.

كيف أدعو الكافر إلى الإسلام

من المعلوم أن الشىء الذى يميز الإنسان عن البهائم أن الإنسان له عقل. فلو فكر الإنسان بعقله فى هذا العالم لعرف أن هذا العالم حادث أى مخلوق والدليل على ذلك أنه يتغير من حال إلى حال. فإذا ثبت أن العالم مخلوق علمنا أنه محتاج إلى خالق خلقه لأن الشىء لا يخلق نفسه. فإذا كان لا يعقل وجود كتابة وبناء من غير فاعل فكيف يعقل وجود هذا العالم بلا خالق. فيجب اعتقاد أن لهذا العالم خالقا خلقه أى أبرزه من العدم إلى الوجود وهذا الخالق لا يشبه العالم بأى وجه من الوجوه، لا يتصور فى العقول والأذهان، لا يستطيع الإنسان أن يتصوره لأنه ليس كمثله شىء. فكما أن الإنسان لا يستطيع أن يتصور وجود وقت ليس فيه نور ولا ظلام قبل أن يخلقا ولا يستطيع أن يتصور الروح التى فى جسده فكيف يستطيع أن يتصور الخالق الذى ليس كمثله شىء. كل ما يتصوره الإنسان بباله فهو مخلوق والخالق لا يشبه المخلوق، لو كان يشبه شيئا من المخلوقات ما استطاع أن يخلقها ولجاز عليه ما يجوز عليها من الفناء والتغير ولصحت الألوهية للشمس والقمر، فالخالق ليس جسما ولا روحا ولا ريحا ولا هواء ولا غيما ولا ضوءا ولا ظلاما منزه عن الحجم والكمية واللون والشكل والهيئة والأعضاء والولد لا يسكن السماء ولا العرش لأنه ليس حجما يملأ فراغا فهو موجود بلا مكان ولا جهة. وليس من شرط صحة الإيمان بالشىء أن يتصور بالعقل أو أن يرى بالعين فيجب علينا أن نؤمن بوجود الخالق وإن كنا لا نراه بأعيننا فى الدنيا فهذا العالم دليل على وجود الخالق سبحانه ولا يستحق العبادة أحد إلا هو لأنه الخالق ولا خالق سواه وهو وحده الأزلى الذى لا ابتداء لوجوده ولا أزلى سواه واسم الخالق فى لغة العرب هو الله. فإذا ءامن الإنسان بوجود الخالق سبحانه وأنه لا يشبه شيئا ءامن بأنه أرسل رسولا إلى كافة الإنس والجن اسمه محمد بن عبد الله ليدعوهم إلى الإسلام أى إلى عبادة الخالق وحده وأن لا يشركوا به شيئا ويأمرهم بالإيمان بشريعته ويتبعوه فى كل ما جاء به فيجب الإيمان أنه صادق فى كل ما أخبر به عن ربه لأن خبر من ثبتت رسالته بالمعجزات لا بد أن يكون صدقا. فيقال لمن لم يؤمن بذلك كما أنك صدقت بوجود أناس كانوا فى الزمن الماضى مع أنك لم ترهم فنحن أيضا صدقنا بوجود هذا النبى وأنه دعا الناس إلى الإسلام فالإسلام هو الدين الصحيح المقبول عند الخالق سبحانه ولا دين صحيح إلا الإسلام فالإنسان البالغ العاقل الذى بلغه أصل دعوة الإسلام أى بلغه أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله إن كان على غير دين الإسلام يجب عليه أن يدخل فى الإسلام فورا فإن أسلم ومات على الإسلام فإنه يدخل الجنة وينعم فيها أما إذا بقى على غير الإسلام إلى أن مات فإنه يعذب فى نار جهنم عذابا أبديا. والدخول فى الإسلام يكون بالنطق بالشهادتين باللسان للقادر على الإتيان بها مع اعتقاد معناهما بالقلب والتخلى عن كل ما يبطل الإسلام كأن يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله أو لا إله إلا الله محمد رسول الله أو ما يعطى معناهما ولو بغير اللغة العربية. ومن عجز عن النطق بحرف الحاء فقال مهمد رسول الله بالهاء يقال له قل أبو القاسم رسول الله ويصح أن يقول أبو القاسم رسول الله بقاف معقودة كما يلفظها أهل اليمن.

(17) تكلم عن الإيمان بالله.

      اعلم أن ربنا عز وجل موجود لا كالموجودات فلا يتصور فى العقول والأذهان ليس جسما ولا روحا ولا ضوءا منزه عن الحجم والكمية والمقدار والمساحة والحد ليس له طول وعرض وسمك لأنه ليس جسما مؤلفا من أجزاءٍ منزه عن اللون والشكل والهيئة والصورة والأعضاء لا يحل فى شىءٍ لأنه ليس كمثله شىء لا يسكن السماء ولا العرش لأنه موجود بلا جهةٍ ولا مكانٍ خلق العرش إظهارا لقدرته ولم يتخذه مكانا لذاته. لا مثيل له ولا شبيه فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى فعله. صفاته أزلية أبدية لا تتغير، لا يتصف بصفات الأجسام كالحركة والسكون والقيام والقعود والاتصال والانفصال والدخول والخروج. خلق العالم بأسره ولا يحتاج إلى شىءٍ من خلقه ولا يدخل شىء فى الوجود إلا بمشيئته وكل شىءٍ يحصل بقضائه وقدره. قديم بلا ابتداءٍ دائم بلا انتهاءٍ حى لا يموت قيوم لا ينام عالم بذاته وصفاته وما يحدثه من مخلوقاته قادر على كل شىءٍ فلا يعجزه شىء يسمع كل المسموعات بسمعٍ أزلىٍ بلا أذنٍ ولا ءالةٍ أخرى وليس بسمعٍ يحدث فى ذاته عند وجود الحادثات ويرى كل المرئيات ببصره الأزلى بلا حدقةٍ ولا ءالةٍ أخرى فلا يحدث فى ذاته بصر كما يحصل للمخلوق. كلم نبيه موسى تكليما بلا لسانٍ ولا شفتين وكلامه ليس حرفا ولا صوتا ولا لغة لا يبتدأ ولا يختتم ليس بمتعددٍ ولا متجزئٍ وإنما هو كلام واحد موجود أزلا وأبدا.

علامة محبة الله اتباع رسوله ﷺ

درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدري رحمه الله تعالى في بيروت أوائل القرن الرابع الهجري وهو في بيان أن علامة محبة الله اتباع رسوله ﷺ بما جاء به اعتقادا وقولا وعملا. قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على محمد وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.

أما بعد: فإن الله تبارك وتعالى أمرنا باتباع نبيه ﷺ وجعل ذلك علامة على محبة الله، الذي يحب الله علامة صدقه في محبة الله أن يتبع النبي ﷺ. اتباع النبي ﷺ يكون بالاعتقاد والعمل والقول. فيجب علينا أن نتبع النبي ﷺ بالاعتقاد، أي: أن لا نحيد عن اعتقاد النبي ﷺ إلى ما يخالف ذلك وأن لا نترك اتباعه في الأفعال التي أمرنا بالاقتداء به وأن لا نترك اتباعه في الأقوال، مثال ذلك التكبير جاء عن رسول الله ﷺ بلفظ أكبر بهمزة مفتوحة ثم كاف ساكنة ثم باء مفتوحة ثم راء فلا يجوز إبدال حرف من هذه الحروف ولا يجوز زيادة حرف على هذه الحروف الأربعة كما يزيد بعض الناس بين الباء والراء ألفا فيقولون: أكبار؛ لأنه ما كان الرسول ﷺ يقول: أكبار كان يقول: أكبر، فليس للمؤذن ولا لغيره أن يزيد هذه الألف فيقول أكبار بعض الناس يزيدونها بنية مد الصوت هذا لا يجوز، هذا عمل باطل، وإذا كان لا يستطيع إسماع عدد أكبر من الناس بغير زيادة هذه الألف فلا يزدها بنية إبلاغ الصوت، فإن زاد فقد وقع في معصية الله؛ لأن المعنى يكون فاسدا، الأكبار بالألف بين الباء والراء، معناه: الطبول الكبار الطبول الكبار يقال لها أكبار: تغير المعنى فسد يكون الشخص كأنه يقول الله هو الطبول الكبار فمن كان يعرف المعنى يعرف أن المعنى يفسد فيتغير إذا قيل أكبار فقد كفر إن كان عمدا قال ذلك لمد الصوت للمبالغة في الإسماع إذا قال أكبار هذا اللفظ إذا قاله وكان يفهم المعنى الفاسد، أي: أن المعنى صار أن الله هو الطبول الكبار كفر والعياذ بالله من الكفر، فعلى المؤذن والـمبلغ وغيرهما إذا نطق بلفظ التكبير أن لا يزيد هذه الألف بين الباء والراء كذلك الذي يريد أن ينطق بلفظ الجلالة اسم الله الأعظم الله عليه أن لا يزيد حرفا ولا ينقص حرفا بعض الناس يزيدون حرفا يقولون: ءآلله هذا حرام ءآلله في حال الذكر لا يقال: ءآلله يقال: الله بدون زيادة. وكذلك النقص من هذا الاسم الذي هو اسم الله الأعظم حرام، بعض الناس ينقصون حرفا منه يقولون: أللا، في حال الذكر وفي حال القسم بعض الناس تجدونهم يقولون: نذكر الله فيقولون: أللا أللا أللا هؤلاء ليس لهم إلا الذنب إلا الإثم لا يكسبون إلا المعصية ليس لهم ذرة من الثواب، رسول الله ﷺ ما نطق بهذا الاسم الأعظم إلا ما جاء في القرءان ما قال قط أللا بلا هاء ولا قال: ءآلله أكبر ءآلله أكبر ءآلله أكبر ما قال قط ءآلله في حال الذكر في التكبير ونحوه، أما ما ورد في القرءان في قوله تعالى: {ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون} [سورة يونس: 59]، فالمعنى: هل الله أذن لكم أم تكذبون على الله هذا رد على الكفار، هنا لمعنى الإنكار على الكفار زيدت الألف، ءآلله. أما في حال الذكر والأذان لا يجوز أن يقال: ءآلله أكبر؛ لأن المعنى يفسد يكون المعنى هل الله أكبر من غيره والشك في كون الله تعالى أكبر من غيره كفر وضلال. الله تعالى أكبر بلا شك أكبر من كل كبير فإذا قال القائل ءآلله أكبر يكون شكا يكون المعنى هل الله أكبر من غيره وهذا كفر الشك في كون الله أكبر من كل كبير كفر، لا يغرنكم أناس يقولون نذكر الله فيجتمعون فيقولون أحيانا ءآلله ءآلله، هذا حرام لم أدخلوا الألف بين الهمزة واللام؟ هذا حرام. وبعضهم يقولون: أللا أللا أللا هذا أيضا حرام؛ لأنهم غيروا اسم الله، اسم الله كما جاء في القرءان الله ليس أللا.

حتى بنية القسم لا يجوز أن يقال: واللا لا يجوز، اسم الله الله ليس أللا فإذا قال واللا أعمل كذا فلم يعمل فليس عليه كفارة لكنه بما أنه حرف اسم الله فعليه ذنب.

هؤلاء الذين يدعون أنهم صوفية أنهم أهل الذكر ثم يقولون: إذا اجتمعوا أللا أللا أللا أو يقولون: ءآلله ءآلله هؤلاء عملهم ضائع هؤلاء ليسوا صوفية حقيقية إنما هؤلاء لبس عليهم الشيطان الأمر ثم هم أيضا صاروا على الناء ملبسين فمن رأى أناسا يقولون نذكر الله ثم يقولون: ءآلله ءآلله ءآلله أو يقولون: أللا أللا أللا فلينههم، قولوا لهم هذا ليس ذكرا شرعيا هذا تحريف قولوا كما جاء في القرءان: الله، وفي حال التكبير قولوا: الله أكبر، لا تقولوا: ءآلله ولا تقولوا: الله أكبار بزيادة الألف بين الباء والراء كل ذلك عمل لا يقبله الله؛ بل على فاعله ذنب. الله تبارك وتعالى قال لنبيه ﷺ: {قل}، أي: يا محمد يا أشرف الخلق {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [سورة ءال عمران: 31] علامة محبة الله هو اتباع الرسول ﷺ، علامة محبة الله اتباع الرسول ﷺ. أما الذين يقولون: نحن أولياء وينحرفون عما كان عليه الرسول ﷺ في الذكر والاعتقاد والأعمال فهؤلاء كذابون غشاشون دجالون فاحذروهم وحذروا منهم غيركم ولا تأخذكم في الله لومة لائم. وقد غلا بعض من يدعي الطريقة الشاذلية، غلا بعد من الحق بعدا كبيرا فقال ءاه أقرب للفتوح من (الله) إنا لله وإنا إليه راجعون، قال ءاه أقرب للفتوح من (الله)؛ لأن هؤلاء أحيانا يقولون بدل الله الله الله يقولون ءاه ءاه ءاه، هذا من شدة كفره وغلوه قال ءاه تقرب إلى الله أكثر من (الله). لا إلـٰه إلا الله.

وأكبر سبب في هذا الانحراف هو الجهل عدم تعلم علم الدين، منشأ هذا الفساد هو عدم تعلم علم الدين، لو تعلم هؤلاء علم الدين كما يجب كانوا عرفوا أن هذا ليس ذكرا شرعيا كانوا ذكروا باللفظ الصحيح. وليس معنى تعلم علم الدين مجرد القراءة على المشايخ الذين لا يعتمد عليهم؛ لأن هذا الذي قال هذه الكلمة قرأ كتبا كثيرة لكنه لم يتهذب على مشايخ من أهل الثقة والمعرفة، هؤلاء الشاذلية الذين يعرفهم الشيخ مصطفى بدمشق أحد رؤوسهم قال ءاه أقرب للفتوح من (الله) على زعمه والعياذ بالله من الكفر قال الذي يقول ءاه ءاه ءاه أقرب للوصول إلى الله أقرب للولاية.

فالذاكر الذي يكون ذكره صحيحا موافقا للشرع إما أن يقول: لا إلـٰه إلا الله بلا تحريف وإن شاء قال الله الله الله بلا تحريف هذا الذي يردد لا إلـٰه إلا الله بلا تحريف أفضل من الذي يردد الله الله الله؛ لأنه ما جاء عن رسول الله ﷺ في الحديث أنه كان يذكر الله الله الله ما ورد إنما الذي ثبت عن رسول الله ﷺ هو قوله لا إلـٰه إلا الله ومن جملة الأحاديث الصحيحة التي ثبتت عن رسول الله ﷺ ما رواه ابن حبان في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال: «جددوا إيمانكم» قيل: وكيف نجدد إيماننا يا رسول الله؟ قال: «أكثروا من قول لا إلـٰه إلا الله»([1]).اهـ. هذا حديث من أحاديث عدة صحيحة عن رسول الله ﷺ لذلك قلنا إن الذكر بلا إلـٰه إلا الله أفضل من الذكر باللفظ المفرد اسم الله الأعظم الله الله الله وكلا فيه ثواب عظيم لكن الذكر بلا إلـٰه إلا الله أفضل لأن لا إلـٰه إلا الله هي كلمة الإخلاص هي كلمة التوحيد هي كلمة التقوى، الكافر إذا أراد الدخول في الإسلام ماذا يقول يقول الله أم يقول لا إلـٰه إلا الله؟ يقول: لا إلـٰه إلا الله لذلك كلمة لا إلـٰه إلا الله هي كلمة التقوى هي أفضل الأذكار على الإطلاق. وسبحان الله والحمد لله رب العالمين، اللهم علمنا ما جهلنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا العمل بما علمتنا يا أرحم الراحمين.

وهذا النهار [الجمعة] ءاخر ساعة منه هي ساعة من دعا الله I فيها يستجيب، ادعوا الله تبارك وتعالى قبل الغروب بشيء لكم ولمن تحبون قبل الغروب بنصف ساعة أو أقل أو أكثر. انتهى.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

([1]) رواه أبو نعيم في الحلية والحاكم في المستدرك.ش

(18) اذكر دليلا من القرءان على أن الله ليس جسما كثيفا ولا لطيفا.

      قال الله تعالى فى سورة الأنعام ﴿الحمد لله الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾. هذه الآية أصرح دليلٍ على أن الله ليس جسما كثيفا كالسموات والأرض وليس جسما لطيفا كالظلمات والنور فمن اعتقد أن الله جسم كثيف أو لطيف فقد شبه الله بخلقه. وأكثر المشبهة يعتقدون أن الله جسم كثيف مستقر فى السماء أو على العرش وبعضهم يعتقد أنه جسم لطيف كالهواء منتشر فى كل الأمكنة أو أنه ضوء فهذه الآية وحدها تكفى للرد على الفريقين الفريق القائل بأن الله جسم كثيف والفريق القائل بأنه جسم لطيف أعاذنا الله من ذلك.

تعريف الجسم لغة

الجسم كلمة وردت في القرآن الكريم في قول الله تعالى: وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم {247} (البقرة).

وقد حفلت معاجم اللغة العربية بشروحات لهذه الكلمة:

ففي معجم مقاييس اللغة لابن فارس([1]): «(جسم) الجيم والسين والميم يدل على تجمع الشىء. فالجسم كل شخص مدرك. كذا قال ابن دريد([2]). والجسيم: العظيم الجسم، وكذلك الجسام. والجسمان: الشخص. (جسد) الجيم والسين والدال يدل على تجمع الشىء أيضا واشتداده» اهـ.

وقال الرازي([3]): «قال أبو زيد([4]): الجسم الجسد، وكذا الجسمان والجثمان. وقال الأصمعي([5]): «الجسم والجسمان: الجسد، والجثمان: الشخص. وقال جماعة: جسم الإنسان أيضا يقال له الجسمان مثل ذئب وذؤبان، وقد جسم الشىء أي عظم فهو جسيم وجسام بالضم وبابه ظرف، والجسام بالكسر جمع جسيم، وتجسم من الجسم» اهـ.

وقال ابن منظور([6]): «الجسم: جماعة البدن أو الأعضاء من الناس والإبل والدواب وغيرهم من الأنواع العظيمة الخلق، والجمع أجسام وجسوم، والجسمان جماعة الجسم، والجسمان جسم الرجل، ويقال: إنه لنحيف الجسمان، وجسمان الرجل وجثمانه واحد، ورجل جسماني وجثماني إذا كان ضخم الجثة» اهـ.

وقال الفيومي([7]): «(ج س م): جسم الشىء جسامة وزان ضخم ضخامة، وجسم جسما من باب تعب عظم فهو جسيم وجمعه جسام، والجسم قال ابن دريد ـ عن الجسم ـ هو كل شخص مدرك، وقال أبو زيد: الجسم: الجسد. وفي التهذيب([8]) ما يوافقه قال: الجسم مجمع البدن وأعضاؤه من الناس والإبل والدواب ونحو ذلك مما عظم من الخلق الجسيم، وعلى قول ابن دريد يكون الجسم حيوانا وجمادا ونباتا ولا يصح ذلك على قول أبي زيد، والجسمان بالضم الجثمان» اهـ.

وقال اللغوي محمد مرتضى الزبيدي([9]) في تاج العروس ممزوجا بمتن القاموس([10]): «ج س م: (الجسم بالكسر: جماعة البدن أو الأعضاء. ومن الناس) والإبل والدواب (وسائر الأنواع: العظيمة الخلق، كالجسمان بالضم). قال أبو زيد: الجسم: الجسد، وكذلك الجسمان. والجثمان: الشخص، ويقال: إنه لنحيف الجسمان. وقال بعضهم: إن الجثمان والجسمان واحد. وقال الراغب([11]): الجسم: ما له طول وعرض وعمق، ولا تخرج أجزاء الجسم عن كونها أجساما وإن قطع وجزئ، بخلاف الشخص فإنه يخرج عن كونه شخصا بتجزئته، (ج: أجسام وجسوم و) جسم (ككرم)جسامة: (عظم فهو جسيم)، كأمير. والجمع جسام، (وجسام، كغراب، وهي بهاء) قال:  [الرجز] أنعت عيرا سهوقا جساما والجسيم: البدين) أي: العظيم البدن.

ومما يستدرك عليه: رجل جسماني: إذا كان عظيم الجثة، والجسم، بضمتين: الأمور العظام، وأيضا: الرجال العقلاء، ويقال: هو من جسام الأمور وجسيمات الخطوب، وفلان يتجشم المـجاشم، ويتجسم المـعاظم. وتجسم في عيني كذا: تصور. وتجسم فلان من الكرم. وكأنه كرم قد تجسم. وكل ذلك مجاز» انتهى كلام الزبيدي.

الخلاصة:

يدل كلام أئمة اللغة المتقدمين منهم والمتأخرين على أن الجسم في اللغة يدل على التجمع والتركيب والتأليف والتشخيص وذوي الأبعاد، وقد يعبر عن الجسم بالجوهر إذ هما بمعنى واحد، إلا أن الجسم أخص اصطلاحا لأنه المركب من الجواهر، وقد عرف اللغوي الزبيدي في شرح إحياء علوم الدين الجوهر فقال ما نصه([12]): «الجوهر: ما له قيام بذاته بمعنى أنه لا يفتقر إلى محل يقوم به، والعرض: ما يفتقر إلى محل يقوم به، وقد يعبر بعضهم بدل الجواهر بالأجسام، وعليه جرى المصنف ـ أي الغزالي([13]) ـ، وهما في اللغة بمعنى، وإن كان الجسم أخص من الجوهر اصطلاحا، لأنه المؤلف من جوهرين أو أكثر» اهـ.

قال الشيخ أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد العقباني([14]في معرض شرحه لبعض مصطلحات أهل العلم([15]): «فإن كان الجوهر دقيقا بحيث انتهى في الدقة إلى أنه لا يقبل الانقسام بوجه فهو المسمى بالجوهر الفرد، وإن كان يقبل الانقسام فهو المسمى بالجسم، ويسمى كل واحد من أجزائه جسما، وإن كان ذلك الجزء قد انتهى في الدقة إلى أنه لا يقبل القسمة فإنه لا يسمى جسما، وإنما يمتنعون من تسمية الدقيق الذي لا يقبل القسمة جسما إذا كان وحده منفردا عن انضمام مثله إليه، هذا هو اصطلاحهم»اهـ.

وهي تعريفات اصطلاحية وستمر معنا تفصيلا في طيات هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

[1] ) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، مادة ج س م، 1/457.

    ابن فارس الإمام العلامة اللغوي المحدث، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا ابن محمد بن حبيب القزويني، المعروف بالرازي المالكي نزيل همذان وصاحب كتاب «المـجمل»، كان رأسا في الأدب، بصيرا بفقه مالك، مناظرا متكلما على طريقة أهل الحق، وله مصنفات ورسائل، وتخرج على يديه الأئمة، توفي بالري في صفر سنة 395هـ. سير أعلام النبلاء، الذهبي، 11/51، 52، رقم الترجمة 3831.

[2] ) جمهرة اللغة، ابن دريد، 2/94.

    محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، من أزد عمان من قحطان، أبو بكر ت 321هـ، من أئمة اللغة والأدب. وهو صاحب «المقصورة الدريدية». ولد في البصرة سنة 223هـ، وانتقل إلى عمان فأقام اثني عشر عاما، وعاد إلى البصرة. ثم رحل إلى نواحي فارس، من كتبه: «الاشتقاق» في الأنساب، و«المقصور والممدود». الأعلام، الزركلي، 6/80.

[3] ) مختار الصحاح، الرازي، مادة ج س م، ص127.

     محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي زين الدين، صاحب «مختار الصحاح»  في اللغة، فرغ من تأليفه أول رمضان سنة 660 هـ وهو من فقهاء الحنفية، وله علم بالتفسير والأدب. أصله من الري، زار مصر والشام، وكان في قونية سنة 666هـ وهو آخر العهد به. ومن كتبه: «شرح المقامات الحريرية» و«حدائق الحقائق». الأعلام، الزركلي، 6/55.

[4] ) سعيد بن أوس بن ثابت أبو زيد الأنصاري، الإمام المشهور، كان إماما نحويا، صاحب تصانيف أدبية ولغوية، روى عن أبي عمرو  بن العلاء ورؤبة بن العجاج وغيرهما، وروى له أبو داود والترمذي، من تصانيفه: «لغات القرآن»، و «النوادر»، و«الهمز»، توفي سنة 215هـ. بغية الوعاة، السيوطي. 1/ 282.

[5] ) عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي، أبو سعيد الأصمعي ت 216هـ، راوية العرب وأحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان. نسبته إلى جده أصمع ومولده ووفاته في البصرة. كان كثير التطواف في البوادي، أخباره كثيرة جدا. وتصانيفه كثيرة منها: «الإبل»، و«خلق الإنسان»، و«المترادف». الأعلام، الزركلي، 4/162.

[6] ) لسان العرب، ابن منظور، مادة ج س م، 2/99، 100.

    ابن منظور هو محمد بن مكرم بن علي، أبو الفضل جمال الدين بن منظور الأنصاري الإفريقي ت 711هـ، صاحب «لسان العرب»، اللغوي المشهور من نسل رويفع ابن ثابت الأنصاري. ولد بمصر وقيل في طرابلس الغرب وخدم في ديوان الإنشاء بالقاهرة، ثم ولي القضاء في طرابلس، وعاد إلى مصر فتوفي فيها، ترك بخطه نحو خمسمائة مجلد، من كتبه: «لسان العرب» عشرون مجلدا، جمع فيه أمهات كتب اللغة، فكاد يغني عنها جميعا. ومن كتبه: «مختصر مفردات ابن البيطار»، و«نثار الأزهار في الليل والنهار». الأعلام، الزركلي، 7/108.

[7] ) المصباح المنير، الفيومي، مادة ج س م، ص101.

    أحمد بن محمد بن علي الفيومي ثم الحموي، أبو العباس، لغوي، اشتهر بكتابه «المصباح المنير»، ولد ونشأ بالفيوم بمصر، ورحل إلى حماة بسورية فقطنها، وله أيضا: «نثر الجمان في تراجم الأعيان»، توفي نحو سنة 770هـ. الأعلام، الزركلي، 1/227.

[8] ) تهذيب اللغة للإمام اللغوي الأديب أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري توفي 370هـ.

[9] ) محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني الزبيدي ت 1205هـ، أبو الفيض الملقب بمرتضى، علامة باللغة والحديث والرجال والأنساب، من كبار المصنفين. أصله من واسط في العراق ومولده بالهند ونشأ في زبيد باليمن. رحل إلى الحجاز وأقام بمصر فاشتهر علمه وكاتبه ملوك الحجاز والهند واليمن والشام والعراق والمغرب الأقصى والترك والسودان والجزائر، وزاد اعتقاد الناس فيه، وتوفي بالطاعون في مصر. من كتبه: «تاج العروس في شرح القاموس»، و«إتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدين»، و«أسانيد الكتب الستة»، و«عقود الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة»، و«كشف اللثام عن آداب الإيمان والإسلام»، و«عقد الجمان في بيان شعب الإيمان». الأعلام، الزركلي، 7/70.

[10] ) تاج العروس شرح القاموس، الزبيدي، مادة ج س م، 31/ 404.

[11] ) الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم الأصفهاني أو الأصبهاني المعروف بالراغب ت502هـ، أديب من الحكماء العلماء. من أهل أصبهان، سكن بغداد واشتهر حتى كان يقرن بأبي حامد الغزالي. من كتبه: «محاضرات الأدباء» مجلدان، و«الذريعة إلى مكارم الشريعة»، و«الأخلاق» ويسمى: «أخلاق الراغب». الأعلام، الزركلي، 2/255.

[12] ) إتحاف السادة المتقين، الزبيدي، 2/148.

[13] ) أبو حامد الغزالي، محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي ت 505هـ، له مصنفات كثيرة، منها: «إحياء علوم الدين». الأعلام، الزركلي، 7/22.

[14] ) سعيد بن محمد التجيبي التلمساني العقباني، قاض، فقيه مالكي من أهل تلمسان. ولي القضاء فيها وفي بجاية ومراكش وسلا ووهران وحمدت سيرته. نسبته إلى عقبان (قرية بالأندلس). له كتب منها: «شرح جمل الخونجي»، و«العقيدة البرهانية»، و«شرح الحوفية» في الفرائض على مذهب مالك، و«المختصر في أصول الدين»، ولد عام 720هـ، وتوفي عام 811هـ. الأعلام، الزركلي، 6/267.

[15] ) كتاب الوسيلة بذات الله وصفاته، سعيد بن محمد العقباني، ص40.

تعريف الجسم اصطلاحا

بعد أن بينا المعنى اللغوي لكلمة الجسم ننتقل إلى بيان المعنى الاصطلاحي، فنقول وبالله التوفيق:

قال الشريف الجرجاني([1]): «الجسم جوهر قابل للأبعاد الثلاثة ـ أي الطول والعرض والعمق ـ وقيل: الجسم هو المركب المؤلف من الجوهر.

الجسم التعليمي: هو الذي يقبل الانقسام طولا وعرضا وعمقا، ونهايته السطح وهو نهاية الجسم الطبيعي، ويسمى جسما تعليميا إذ يبحث عنه في العلوم التعليمية، أي الرياضية الباحثة عن أحوال الكم المتصل والمنفصل منسوبة إلى التعليم والرياضة فإنهم كانوا يبتدئون بها في تعاليمهم ورياضتهم لنفوس الصبيان لأنها أسهل إدراكا» اهـ.

وقال المناوي([2]): «الجسم: ما له طول وعرض وعمق، ولا تخرج أجزاء الجسم عن كونها أجساما وإن قطع وجزئ ـ أي تصبح أجساما صغيرة ـ بخلاف الشخص فإنه يخرج عن كونه شخصا بتجزئته، كذا عبر عنه الراغب» اهـ. يريد الراغب الأصبهاني.

ويروى عن إمام أهل السنة والجماعة أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه أنه قال([3]): «اختلف المتكلمون ـ من الذين تكلموا وألفوا في علم الكلام من أهل السنة والجماعة ومن غيرهم ـ في الجسم ما هو على اثنتي عشرة مقالة:

1- فقال قائلون: الجسم هو ما احتمل الأعراض كالحركات والسكون وما أشبه ذلك، فلا جسم إلا ما احتمل الأعراض…، وزعموا أن الجزء الذي لا يتجزأ جسم يحتمل الأعراض.

2- وقال قائلون: الجسم إنما كان جسما للتأليف والاجتماع، وزعم هؤلاء أن الجزء الذي لا يتجزأ إذا جامع جزءا آخر لا يتجزأ، فكل واحد منهما جسم في حال الاجتماع لأنه مؤتلف بالآخر، فإذا افترقا لم يكونا ولا واحد منهما جسما، وهذا قول بعض البغداديين.

3- وقال قائلون: معنى الجسم أنه مؤتلف، وأقل الأجسام جزآن، ويزعمون أن الجزءين إذا تآلفا فليس كل واحد منهما جسما ولكن الجسم هو الجزآن جميعا، وأنه يستحيل أن يكون التركيب في واحد، والواحد يحتمل اللون والطعم والرائحة وجميع الأعراض إلا التركيب.

4- وقال أبو الـهذيل (المعتزلي)([4]): الجسم هو ما له يمين وشمال وظهر وبطن وأعلى وأسفل، وأقل ما يكون الجسم ستة أجزاء أحدها يمين والآخر شمال، وأحدها ظهر والآخر بطن، وأحدها أعلى والآخر أسفل.

5- وزعم بعض المتكلمين: أنه ـ أي الجسم ـ الجزآن اللذان لا يتجزآن يحلهما جميعا التأليف، وأن التأليف الواحد يكون في مكانين، وهذا قول الجبائي ـ المعتزلي([5])ـ.

6- وقال معمر([6]): هو الطويل العريض العميق، وأقل الأجسام ثمانية أجزاء فإذا اجتمعت الأجزاء وجبت الأعراض، وإن كل جزء يفعل في نفسه ما يحله من الأعراض، وزعم أنه إذا انضم جزء إلى جزء حدث طول، وأن العرض يكون بانضمام جزءين إليهما، وأن العمق يحدث بأن يطبق على أربعة أجزاء أربعة أجزاء، فتكون الثمانية الأجزاء جسما عريضا طويلا عميقا.

7- وقال هشام بن عمرو الفوطي([7]): إن الجسم ستة وثلاثون جزءا لا يتجزأ، وذلك أنه جعله ستة أركان، وجعل كل ركن منه ستة أجزاء، فالذي قال أبو الهذيل إنه جزء جعله هشام ركنا.

8- وقال قائلون: الجسم الذي سماه أهل اللغة جسما هو ما كان طويلا عريضا عميقا، ولم يحددوا في ذلك عددا من الأجزاء وإن كان لأجزاء الجسم عدد معلوم.

9- وقال هشام بن الحكم([8]): معنى الجسم أنه موجود، وكان يقول: إنما أريد بقولي: جسم أنه موجود وأنه شىء وأنه قائم بنفسه. – وهذا خلط واضح منه لأنه يعرف معنى الجسم ومحاولة للتهرب من الكفر الذي هو غارق فيه باعتقاده في الله الجسمية والعياذ بالله العظيم، وهذا كفر بالله العظيم -.

10- وقال النظام([9]): الجسم هو الطويل العريض العميق وليس لأجزائه عدد يوقف عليه، وأنه لا نصف إلا وله نصف ولا جزء إلا وله جزء، وكانت الفلاسفة تجعل حد الجسم أنه العريض العميق.

11- وقال عباد بن سليمان([10]): الجسم هو الجوهر والأعراض التي لا ينفك منها وما كان قد ينفك منها من الأعراض، فليس ذلك من الجسم بل ذلك غير الجسم.

12- وقال ضرار بن عمرو([11]): الجسم أعراض ألفت وجمعت فقامت وثبتت فصارت جسما يحتمل الأعراض إذا حل والتغيير من حال إلى حال، وتلك الأعراض هي ما لا تخلو الأجسام منه أو من ضده نحو الحياة والموت اهـ.

وقد عرفنا مما سبق معنى الجسم في اللغة والاصطلاح، ويظهر أن هناك توافقا واضحا بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، فهو في اللغة يدل على التأليف والتركيب والتشخيص، وهو في الاصطلاح يدل على التركيب والتشخيص وقبول الأبعاد.

ثم الأجسام منها ما هو كثيف يضبط باليد، يستطيع الواحد أن يمسكه بكفه كجسم الإنسان والحيوان والنبات وسائر الجمادات، ومنها ما هو لطيف لا يضبط باليد، لا يستطيع الواحد أن يمسكه بكفه كالروح والريح والضوء والهواء.

قال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط([12]) ما نصه: «والريح جسم لطيف شفاف غير مرئي» اهـ.

وقال أيضا([13]): «إن الشيطان وهو إبليس يبصركم هو وجنوده ونوعه وذريته من الجهة التي لا تبصرونه منها، وهم أجسام لطيفة معلوم من هذه الشريعة وجودهم ، كما أن الملائكة أيضا معلوم وجودهم من هذه الشريعة ولا يستنكر وجود أجسام لطيفة جدا لا نراها نحن، ألا ترى أن الهواء جسم لطيف لا ندركه نحن وقد قام البرهان العقلي القاطع على وجوده» اهـ.

وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن([14]) أثناء كلامه عن الروح: «والصحيح فيه أنه جسم لطيف مشابك للأجسام المحسوسة» اهـ.

وقال البغوي([15]) في تفسيره([16]): «الروح جسم لطيف يحيا به الإنسان» اهـ. فالله سبحانه ليس بجسم ولا جوهر، لا كثيف ولا لطيف، وبعبارة أخرى نقول: ليس لذات الله تعالى جرم ولا حجم ولا حد ولا كثافة ولا تشخيص ولا تشكيل ولا تأليف ولا جمع ولا تفريق ولا حركة ولا سكون، ليس كمثله شىء وهو السميع البصير {11} (الشورى).

وهذا ما عليه جميع الأنبياء عليهم السلام، وهو مذهب السلف الصالح  أهل السنة والجماعة من أهل الفقه والحديث وعلماء الكلام الذين ينزهون الله تعالى عن الجسم والهيئة والكيف، بل قد وافقت المعتزلة والجهمية([17]) والزيدية([18]) والجعفرية([19]) والإباضية([20]) والخوارج كلام أهل السنة في هذه المسألة وإن ضلت في مسائل غيرها، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الشواذ من الفرق التي انتسبت إلى الإسلام، والإسلام منها براء من مشبهة ومجسمة ومن تبعهم.

[1] ) التعريفات، الجرجاني 1/104.

    علي بن محمد بن علي، المعروف بالشريف الجرجاني، من كبار العلماء بالعربية. ولد في تاكو (قرب استراباد) ودرس في شيراز. له نحو خمسين مصنفا، منها: «التعريفات» و«مقاليد العلوم». وتوفي في شيراز سنة 816 هـ. الأعلام، الزركلي، 10/13.

[2] ) التوقيف على مهمات التعاريف، الـمناوي، 1/245.

    محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري زين الدين من كبار العلماء بالدين والفنون، انزوى للبحث والتصنيف، من كتبه: «كنوز الحقائق» في الحديث، و«التيسير في شرح الجامع الصغير» مجلدان اختصره من شرحه الكبير «فيض القدير». عاش في القاهرة، وتوفي بها سنة 1031هـ. كان مولده سنة 952هـ. الأعلام، الزركلي، 6/204.

[3] ) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ينسب الكتاب للأشعري، 2/ 4، 5.

[4] ) أبو الهذيل العلاف المبتدع، شيخ البصريين في الاعتزال، ت 235هـ، كان له مناظرات مع هشام بن الحكم. الملل والنحل، الشهرستاني، ص 185.

[5] ) محمد بن عبد الوهاب الجبائي، أبو علي،  ت 303هـ، من أئمة المعتزلة في عصره، وإليه=
=نسبة الطائفة الجبائية الضالة المبتدعة. له مقالات وآراء انفرد بها في المذهب، وقد رد عليه الإمام الأشعري رضي الله عنه. الأعلام، الزركلي، 6/256.

[6] ) معمر بن عباد السلمي، ت 215هـ، معتزلي من الغلاة، سكن بغداد، وناظر النظام، وكان أشد القدرية غلوا، انفرد بمسائل، وتنسب إليه طائفة تعرف بالمعمرية. الأعلام، الزركلي، 7/272.

[7] ) هشام بن عمرو الفوطي ممن بالغ في القول بالقدر، وقدح في إمامة علي رضي الله عنه بقوله: إن الإمامة لا تنعقد إلا بإجماع الأمة عن بكرة أبيهم -وهذا باطل-.والفوطي والأصم المعتزليان اتفقا على أن الله تعالى يستحيل أن يكون عالـما بالأشياء قبل كونها – وهذا ضد عقيدة الإسلام -، وكان يمتنع من إطلاق إضافات أفعال إلى البارئ تعالى وإن ورد بها التنزيل – وهذا لا شك رد للنصوص، وقد قال النسفي في عقيدته المشهورة: «ورد النصوص كفر» اهـ. – الملل والنحل، الشهرستاني، ص25.

[8] ) هشام بن الحكم الشيباني بالولاء الكوفي، كان شيخ الإمامية في وقته، من كتبه: «الإمامة والقدر». وكان مشبها يقول بالجسمية. الملل والنحل، الشهرستاني، ص172. الأعلام، الزركلي، 8/85.

[9] ) إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري، ت 231هـ، أبو إسحاق النظام، من أئمة المعتزلة، تبحر في علوم الفلسفة وانفرد بآراء خاصة تابعته فيها فرقة من المعتزلة سميت النظامية نسبة إليه. وفي كتاب الفرق بين الفرق لأبي منصور البغدادي أن النظام عاشر في زمان شبابه وخالط ملاحدة الفلاسفة وأخذ عن الجميع. الأعلام، الزركلي، 1/43.

[10] ) عباد بن سليمان كان من أصحاب هشام بن عمرو الفوطي وزاد عليه بدعة فقال: ما خلق الله سبحانه وتعالى كافرا قط، قال: لأن الكافر يشتمل على ذاته وكفره، قال: والله لا يخلق الكفر عندي، ولأن الأعراض لا تدل على شىء وركب عليه، فقال: إن انشقاق القمر وفلق البحر وقلب العصا حية لا يدل على شىء من معجزاتهم ـ أي الأنبياء عليهم السلام ـ. التبصير في الدين، الأسفراييني، ص76.

[11] ) ضرار بن عمرو الغطفاني، ت 190هـ، قاض من كبار المعتزلة، طمع برئاستهم في بلده فلم يدركها. فخالفهم فكفروه وطردوه. وشهد عليه الإمام أحمد بن حنبل عند القاضي سعيد بن عبد الرحمن الجمحي فأفتى بضرب عنقه، فهرب. الأعلام، الزركلي، 3/215.

[12] ) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، 1/407.

[13] ) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، 4/232.

[14] ) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 15/262.

[15] ) البغوي الحسين بن مسعود بن محمد، الفراء أو ابن الفراء، ت 510هـ ، فقيه محدث مفسر، نسبته إلى (بغا) من قرى خراسان، بين هراة ومرو. له: «التهذيب في فقه الشافعية»، و«شرح السنة» في الحديث، و«لباب التأويل في معالم التنزيل» في التفسير، و«مصابيح السنة»، و«الجمع بين الصحيحين» وغير ذلك. الأعلام، الزركلي، 2/ 259.

[16] ) معالم التنزيل، البغوي، 4/380.

[17] ) الجهمية فرقة ضالة تنسب إلى جهم بن صفوان الراسبي، كان ينكر الصفات لله ويزعم أن الله تعالى في الأمكنة كلها، وهو من الجبرية الخالصة ظهرت بدعته بترمذ، وقتله سلم بن أحوز بمرو في أواخر ملك بني أمية سنة 128هـ، وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية، وزاد عليهم بأشياء. الملل والنحل، الشهرستاني، 1/113.

[18] ) الزيدية ثلاث فرق: الجارودية والسليمانية والأبترية، أما الجارودية فهم أتباع أبي الجارود وكان مذهبه أن النبي نص على إمامة علي بالصفة لا بالاسم وكان من مذهبه أن الصحابة كفروا كلهم بتركهم بيعة علي ومخالفتهم النص الوارد عليه، وأما السليمانية فهم أتباع سليمان بن جرير الزيدي وكان يقول: إن الإمامة شورى ومتى ما عقدها اثنان من أخيار الأئمة لمن يصلح لها فهو إمام في الحقيقة وكان يقر بإمامة أبي بكر وعمر ويجوز إمامة المفضول وكان يقول: إن الصحابة تركوا الأصلح بتركهم بيعة علي، وأما الأبترية منهم فهم أتباع الحسن بن صالح بن حي وكثير النواء الملقب بالأبتر وقول هؤلاء كقول السليمانية غير أنهم يتوقفون في عثمان ولا يقولون فيه خيرا ولا شرا. وجميع فرق الزيدية يجمعهم القول بتخليد أهل الكبائر في النار ووافقوا القدرية والخوارج في هذا المعنى، وهؤلاء الفرق الثلاثة إنما يسمون زيدية لقولهم بإمامة زيد بن علي بن الحسين بن علي في وقته. التبصير في الدين، الأسفراييني، ص29.

[19] ) الجعفرية أتباع جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب اللذين كانا أصلين في الجهالة والضلالة، كان جعفر بن مبشر يقول: فساق هذه الأمة شر من اليهود والنصارى والمجوس والزنادقة، مع قوله بأنهم موحدون في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر، وكان جعفر بن حرب على ضلالة أستاذه. التبصير في الدين، الأسفراييني، ص77.

[20] ) الإباضية من الخوارج، ينسبون إلى عبد الله بن إباض التميمي، وهم قوم من الحرورية، زعموا أن مخالفهم كافر لا مشرك، تجوز مناكحته، وكفروا عليا وأكثر الصحابة، وكان مبدأ ظهوره ـ أي عبد الله بن إباض ـ في خلافة مروان. تاج العروس، الزبيدي، 18/220.

تحرير مسألة المنع من تسمية الله بالجسم أو إطلاق الجهة في حقه سبحانه

وهذا يحوجنا لتقسيم هذا المطلب إلى فرعين:

الأول: المنع من تسمية الله جسما.

الثاني: المنع من وصف الله بالجهة.

فأما الأول: وهو المنع من تسمية الله جسما:

إن قال قائل: لم أنكرتم أن يكون القديم سبحانه جسما ؟

فالجواب: لأن هذا ما تفيده الآيات المحكمات في كتاب الله كقوله: {…ليس كمثله شيء… *} [(903)]، وهذا هو ما فهمه سلف الأمة دلنا عليه قولهم: «أمروها كما جاءت بلا كيف»[(904)]، وفي نفيهم للكيف دلالة على نفي صفات الحدث عن الله، وإلا فلم كانوا ينهون عن الخوض في ذلك؟، بل لماذا كانوا يحرصون على هذه الكلمة لو كان الإله جسما؟..

قال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر: «والله واحد لا من طريق العدد ولكن من طريق أنه لا شريك له. {قل هو الله أحد *الله الصمد *لم يلد ولم يولد *ولم يكن له كفوا أحد *} [(905)]، لا يشبه شيئا من خلقه ولا يشبهه شىء من خلقه». وقال: «وصفاته كلها بخلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا ويرى لا كرؤيتنا، ويسمع لا كسمعنا، ويتكلم لا ككلامنا، نحن نتكلم بالآلات من المخارج والحروف والله تعالى يتكلم بلا ءالة ولا حروف، والحروف مخلوقة، وكلام الله غير مخلوق، وهو شىء لا كالأشياء. ومعنى الشىء إثباته بلا جسم ولا جوهر ولا عرض ولا حد له -أي لا حجم له بالمرة- ولا ضد ولا ند ولا مثل»[(906)]، وقال رحمه الله تعالى: «باب في الصفات: لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى، ولا يقال غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه، ونصفه كما وصف نفسه: أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد حي قيوم قادر سميع بصير عالم، يد الله فوق أيديهم ليست كأيدي خلقه، وليست جارحة، وهو خالق الأيدي»[(907)] اهـ.

وروى أبو الفضل التميمي عن الإمام أحمد أنه قال: «أنكر الإمام أحمد على من قال بالجسم (أي في حق الله)، وقال: «إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم لما له طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف، والله خارج عن ذلك كله، فلم يجز أن يسمى جسما، ولم يجئ في الشريعة ذلك فبطل»[(908)] اهـ. وهو قول موجز وجامع لما نجده في أقوال غيره من أهل العلم.

لذلك لا يجوز أن يقال: إن الله تعالى جسم كالأجسام، ولا أنه جسم لا كالأجسام، لأن الجسم لم يجئ في الشرع نسبته الى الله، والجسم لا يأتي إلا بمعنى المخلوق الذي له حجم، وهذا لا يليق بالله.

ويشرح كلام الإمام أحمد رضي الله عنه ما قاله الإمام أبو سعيد المتولي الشافعي رضي الله عنه، ونصه: «وذهبت الكرامية إلى أن الله تعالى جسم، والدليل على فساد قولهم أن الجسم في اللغة بمعنى التأليف واجتماع الأجزاء، والدليل عليه أن نقول عند زيادة الأجزاء وكثرة التأليف جسم وأجسم، كما يقال عند زيادة العلم عليم وأعلم، وقال تعالى: {…وزاده بسطة في العلم والجسم… *} [(909)]، فلما كان وصف المبالغة كزيادة التأليف دل على أن أصل الاسم للتأليف، فإذا ثبت ما ذكرنا بطل مذهبهم، لأن الله تعالى لا يجوز عليه التأليف.

فإن قالوا: نحن نريد بقولنا جسم أنه موجود ولا نريد به التأليف.

قلنا: هذه التسمية في اللغة ليس لها ذكر، ثم هي مبنية على المستحيل، فلم أطلقتم ذلك من غير ورود السمع به!؟ وما الفصل بينكم وبين من يسميه جسدا ويريد به الموجود، وإن كان يخالف مقتضى اللغة!!.

فإن قيل: أليس يسمى نفسا؟

قلنا: اتبعنا فيه السمع، وهو قوله تعالى: {…تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك… *} [(910)]، ولم يرد السمع بالجسم»[(911)] اهـ.

ومثله قال إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني الشافعي، وربما قال قائل: كان الأولى تقديم إمام الحرمين.

أقول: إن سنة وفاة كليهما واحدة وهي 478هـ، ثم إني قدمته أيضا لمعنى آخر، وهو لأنه أقرب وأخصر في شرح كلام الإمام أحمد.

وأما كلام إمام الحرمين رحمه الله فهو: «فصل مشتمل على الرد على من قال: إن الله تعالى جسم وليس بمتألف.

فقد ذهبت بعض المجسمة إلى موافقة أهل الحق في تقدس الرب سبحانه وتعالى عن خصائص الأجسام وما يثبت لها من الأحكام. وذهبوا إلى منع كونه مؤلفا، ثم ساروا إلى أن المعنى بكونه جسما: وجوده أو قيامه بالنفس. ومن سلك هذا المسلك، آل الكلام معه إلى التنازع في الإطلاق والتسمية نفيا وإثباتا.

ومما يفسد هذا الطريقة ويوضح بطلانها، ما قدمناه من إنباء الجسم عن التأليف. فمن أراد صرفه عن وجهه والعدول عن قضيته في موجب الله، كان مصدودا عن ذلك. إذ لا سبيل إلى إزالة قضايا الألفاظ من غير دلالة.

ولو سوغنا تبديل اللغة، ونقلها عن موضوعها في المسميات الجارية تواضعا واصطلاحا بين فئة من الناس، فلا سبيل إلى تجويز ذلك في أوصاف الإله لإجماع الأمة. إذ لو جاز ذلك، لجاز المطلق أن يطلق لفظ المؤلف، وإذا روجع فيه فسره بالوجود. ومهما ثبت إنباء الجسم في اللغة عن التأليف، ترتب عليه امتناع تسمية الإلـه به، ولم يجز ذكره في أوصاف الإله نقلا وخروجا عن اللغة.

ثم نقول لهم: أنتم لا تخلون في إطلاقكم الجسم: إما أن تقولوا: أطلقنا ذلك بلا دليل ولا اقتضاء من عقل وشرع ولغة، وإما أن تسندوا مذهبكم إلى دليل في ظنكم. فإن لم تسندوه إلى دليل، كان الذي ذكرتموه محض التلقيب بناء على التشهي والتمني. ولو ساغ ذلك لساغ إثبات سائر الألقاب كذلك، لتجوز تسميته زيدا وبكرا وعمرا، تعالى الله عن قول الزائغين. وإن أسندتم مذهبكم إلى دليل فأيدوه بتكلم عليه، ولا يجدون إلى إبدائه سبيلا، إذ مدارك العلوم مضبوطة، وجملتها لا تلقى منها ما قالوه. فإن من مدارك العلوم العقل، ولا يتلقى منه إثبات أصل الأسماء فضلا عن تفصيلها. ومن مدارك العلوم موارد الشرع، وليس في شىء منها ما سوغ تسميته تعالى جسما، إذ لم يدل على ذلك كتاب ولا سنة ولا إجماع. ومن مدارك العلوم في الأسامي قضية اللغة، ولو حكمناها في مسألتنا لما قامت على ما يرومه الخصم، إذ ليس في لغة العرب تسمية الوجود جسما، بل في لغتهم ما يناقض ذلك. فإنهم يصفون الأعراض بالوجود، ولو سميت أجساما أبوه. فإن من سمى علم المرء أو إرادته أو قدرته أجساما، كان ذلك عرفا مستبشعا في قضية اللغة. فإذا بطل تلقي مرامهم من هذه الجهات لم يبق إلا التحكم المحض.

فإن قال قائل: بم تنكرون على من يزعم أنا أثبتنا ما قلناه قياسا من حيث ورد في الشرع إطلاق النفس في ذكر الله تعالى، واشتمل على ذلك نص الكتاب، فإن الله تعالى قال مخبرا عن عيسى: {…تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} [(912)]، والنفس تداني الجسم في معناه فقسناه عليه.

الجواب عن ذلك من أوجه:

أحدها: أن نقول: لا يسوغ إثبات اللغات قياسا، وقد أوضحنا ذلك في أصول الفقه. ثم لو قلنا بتجويز القياس في اللغات، لما كان ما قالوه صحيحا، وذلك أن القياس إنما يسوغ عند مجوزيه، إذا كان تشبث القياس باشتقاق الاسم المتلقي منه، ثم طرده فيما يروم فيه القياس. وهذا نحو قياس الفقهاء النبيذ على الخمر تمسكا بمعنى المخامرة أو التخمير. فهذا وجه القياس في اللغة. ولم يوضح خصمنا اشتقاقا في النفس متحققا في الجسم فيسوغ له القياس. ثم نقول: من جوز القياس في اللغات منعه في أوصاف الإله، ومن ذلك امتنعوا من تسميته سخيا، وإن ثبت جواز تسميته بالجواد إلى غير ذلك.

ثم نقول: لئن جاز لكم ما قلتموه فسموه جسدا وسخيا وشخصا، قياسا على النفس، أو افصلوا بين ما ألزمتم وبين لفظ الجسم في مجاري القياس، فلا يجدون إلى ذلك سبيلا.

وأقرب الأشياء إلى الإطلاق على قواعد أصلهم كونه جوهرا من حيث قام بنفسه، فيقال: فهلا وافقتم النصارى وتحكمهم في تسميته جوهرا؟ فإن راموا عن ذلك مخلصا لم يجدوه. ثم نقول: قد أوضحنا منع قياس الجسم على النفس بالطرق التي سلكها القائمون.

ثم نقول: النفس في وضع اللغة بخلاف الجسم. والدليل عليه أن النفس يجوز أن يؤكد بها كل موجود، ويجوز أن يعبر بها عن كل موجود فيقال: هذا الجوهر نفسه، وهذا نفس الجوهر، وهذا العرض نفسه، وهذا نفس العرض. فلو استعمل الجسم موضع استعمال النفس فيما ذكرناه لم يسغ، فبطل ما قالوه من كل وجه. فهذا وجه الرد على هؤلاء، وقد أوضحنا طرق الرد على المخالفين في المعنى»[(913)] اهـ.

ومثلهم قال أبو بكر الباقلاني، وزاد: «فإن قالوا: ولم أنكرتم أن يكون البارئ سبحانه جسما لا كالأجسام كما أنه عندكم شىء لا كالأشياء؟ قيل له: لأن قولنا شىء لم يبن لجنس دون جنس ولا لإفادة التأليف، فجاز وجود شىء ليس بجنس من أجناس الحوادث وليس بمؤلف، ولم يكن ذلك نقضا لمعنى تسميته بأنه شىء، وقولنا: جسم موضوع في اللغة للمؤلف دون ما ليس بمؤلف، كما أن قولنا: إنسان ومحدث اسم لما وجد عن عدم ولما له هذه الصورة دون غيرها، فكما لم يجز أن نثبت القديم سبحانه محدثا لا كالمحدثات، وإنسانا لا كالناس، قياسا على أنه شىء لا كالأشياء، لم يجز أن نثبته جسما لا كالأجسام، لأنه نقض لمعنى الكلام، وإخراج له عن موضوعه وفائدته[(914)].

فإن قالوا: فما أنكرتم من جواز تسميته جسما وإن لم يكن بحقيقة ما وضع له هذا الاسم في اللغة؟ قيل لهم: أنكرنا ذلك لأن هذه التسمية لو ثبتت لم تثبت له إلا شرعا لأن العقل لا يقتضيها بل ينفيها إن لم يكن القديم سبحانه مؤلفا، وليس في شىء من دلائل السمع من الكتاب والسنة وإجماع الأمة وما يستخرج من ذلك ما يدل على وجوب هذه التسمية، ولا على جوازها أيضا فبطل ما قلتموه.

فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون جسما على معنى أنه قائم بنفسه أو بمعنى أنه شىء أو بمعنى أنه حامل للصفات أو بمعنى أنه غير محتاج في الوجود إلى شىء يقوم به ؟

قيل له : لا ننكر أن يكون البارئ سبحانه حاصلا على جميع هذه الأحكام والأوصاف، وإنما ننكر تسميتكم لمن حصلت له بأنه جسم وإن لم يكن مؤلفا، فهذا عندنا خطأ في التسمية دون المعنى، لأن معنى الجسم أنه المؤلف على ما بيناه، ومعنى الشىء أنه الثابت الموجود، وقد يكون جسما إذا كان مؤلفا، ويكون جوهرا إذا كان جزءا منفردا، ويكون عرضا إذا كان مما يقوم بالجوهر، ومعنى القائم بنفسه هو أنه غير محتاج في الوجود إلى شىء يوجد به، ومعنى ذلك أنه مما يصح له الوجود وإن لم يفعل صانعه شيئا غيره إذا كان محدثا، ويصح وجوده وإن لم يوجد قائم بنفسه سواه إذا كان قديما، وليس هذا من معنى قولنا جسم ومؤلف بسبيل فبطل ما قلتم»[(915)].

وقال: «ويقال لهم: ما الدليل على أن صانع العالم جسم؟ فإن قالوا: لأننا لم نجد في الشاهد والمعقول فاعلا إلا جسما فوجب القضاء بذلك على الغائب، قيل لهم: فيجب على موضوع استدلالكم هذا أن يكون القديم سبحانه مؤلفا محدثا مصورا ذا حيز وقبول للأعراض، لأنكم لم تجدوا في الشاهد وتعقلوا فاعلا إلا كذلك، فإن مروا على ذلك تركوا قولهم وفارقوا التوحيد، وإن أبوه نقضوا استدلالهم»[(916)] اهـ.

ومثلهم قال أبو حامد الغزالي، ونبه لطريقة علماء التوحيد في بيان الدليل العقلي، فقال: «ندعي أن صانع العالم ليس بجسم، لأن كل جسم فهو متألف من جوهرين متحيزين، وإذا استحال أن يكون جوهرا استحال أن يكون جسما، ونحن لا نعني بالجسم إلا هذا.

فإن سماه جسما ولم يرد هذا المعنى كانت المضايقة معه بحق اللغة أو بحق الشرع لا بحق العقل ، فإن العقل لا يحكم في إطلاق الألفاظ ونظم الحروف والأصوات التي هي اصطلاحات، ولأنه لو كان جسما لكان مقدرا بمقدار مخصوص ويجوز أن يكون أصغر منه أو أكبر ، ولا يترجح أحد الجائزين عن الآخر إلا بمخصص ومرجح، كما سبق، فيفتقر إلى مخصص يتصرف فيه فيقدره بمقدار مخصوص، فيكون مصنوعا لا صانعا ومخلوقا لا خالقا»[(917)] اهـ.

وقال أيضا: «العلم بأنه تعالى ليس بجسم مؤلف من جواهر، إذ الجسم عبارة عن المؤلف من الجواهر، وإذا بطل كونه جوهرا مخصوصا بحيز بطل كونه جسما لأن كل جسم مختص بحيز ومركب من جوهر، فالجوهر يستحيل خلوه عن الافتراق والاجتماع والحركة والسكون والهيئة والمقدار وهذه سمات الحدوث. ولو جاز أن يعتقد أن صانع العالم جسم لجاز أن يعتقد الألوهية للشمس والقمر أو لشىء آخر من أقسام الأجسام» [(918)] اهـ.

معناه: لو كانت الألوهية والربوبية تصح لجسم لكانت الشمس مستحقة للألوهية والربوبية، الذين يقولون: الله جسم متحيز فوق العرش إذا قيل لهم: كيف تصح الألوهية لجسم له مكان وجهة وهذه الشمس التي نشاهدها ونشاهد منافعها الكثيرة لا تستحق أن تعبد مع أنها في جهة فوق، فكيف تصح الألوهية لما تظنون أنه متحيز فوق العرش قاعد عليه أو واقف في الهواء، وكيف تصح الألوهية لهذا الجسم الذي لم نشاهده ولا رأينا له منفعة، والشمس نشاهدها ونشاهد منافعها الكثيرة، ومع هذا لا يجوز أن تكون إلها، أولئك ليس عندهم جواب، الذين يقولون الله جسم قاعد فوق العرش ليس عندهم جواب، إذا أورد عليهم هذا السؤال، ليس عندهم دليل، يقولون قال الله تعالى، يذكرون بعض الآيات التي يفسرونها على هواهم ما عندهم دليل.

وقال الباقلاني : «فإن قال قائل: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة، إذ كنتم لم تعقلوا يد صفة ووجه صفة لا جارحة؟

يقال له : لا يجب ذلك، كما لا يجب، إذا لم نعقل حيا عالما قادرا إلا جسما، أن نقضي نحن وأنتم على الله تعالى بذلك. وكما لا يجب متى كان قائما بذاته، أن يكون جوهرا أو جسما، لأنا وإياكم لم نجد قائما بنفسه في شاهدنا إلا كذلك.

وكذلك الجواب لهم إن قالوا: فيجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسائر صفاته لذاته أعراضا أو أجناسا أو حوادث أو أغيارا له أو حالة فيه أو محتاجة له إلى قلب، واعتلوا بالوجود»[(919)].

إلى أن قال: «والمعتمد في هذا أنه سبحانه ذكر السنة والنوم [في قوله سبحانه: {…لا تأخذه سنة ولا نوم… *} [(920)] تنبيها على أن جميع الأعراض ودلالات الحدوث لا تجوز عليه، ولم يرد نفي السنة والنوم فقط» [(921)] اهـ.

وقد نبه الحافظ ابن حجر رحمه الله في تعليقه على قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا شخص أغير من الله» على اختلاف الروايات الواردة، وعلى أنه من باب المستثنى من غير جنسه، كقوله تعالى: {وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن… *} [(922)]، وليس الظن من نوع العلم. وبين أن هذا هو المعتمد، وقد قرره ابن فورك، ومنه أخذه ابن بطال. ثم نقل عن ابن فورك قوله: «وإنما منعنا من إطلاق لفظ الشخص أمور:

أحدها: أن اللفظ لم يثبت من طريق السمع. والثاني: الإجماع على المنع منه.

والثالث: أن معناه الجسم المؤلف المركب.

ثم قال: ومعنى الغيرة الزجر والتحريم فالمعنى أن سعدا الزجور عن المحارم، وأنا أشد زجرا منه، والله أزجر من الجميع[(923)]. انتهى.

ثم نقل عن القرطبي أنه قال: أصل وضع الشخص يعنى في اللغة لجرم الإنسان وجسمه، يقال: شخص فلان وجثمانه ، واستعمل في كل شىء ظاهر، يقال شخص الشىء إذا ظهر، وهذا المعنى محال على الله تعالى، فوجب تأويله، فقيل: معناه لا مرتفع، وقيل: لا شىء، وهو أشبه من الأول، وأوضح منه لا موجود أو لا أحد وهو أحسنها. وقد ثبت في الرواية الأخرى»[(924)] اهـ.

ويفهم من ذلك عدم جواز إطلاق لفظ شخص على الله لما يعطيه من معاني الحدوث، من الجسمية وغيرها، ولذلك كان للعلماء مزيد تنبيه على معنى الحديث وضبط رواياته وسببه، فكما منع من هذا الإطلاق للمعنى الذي يحمله فكذا لا يجوز وصف الله بالجسمية لنفس المعنى.

الثاني: المنع من وصف الله بالجهة:

وليس كلامنا في أدلة تنـزيه الله عن الجهة، فهذا قد تقدم الكلام عليه في هذه الرسالةبحمد الله، وإنما المقصود هو بيان أنه لا يجوز وصف الله بالجهة من جهة التسمية كما سبق التنبيه على ذلك في منع تسمية الله بالجسم.

على أني أقدم فائدة مهمة تتعلق بهذا المعنى، وهو تنـزيه الله عن الجهة، فأقول: المصحح للرؤية هو الوجود لا الجسمية ولا التحيز.

يشهد لهذا ما قاله أبو حنيفة في كتابه الوصية: «ولقاء الله لأهل الجنة بلا كيف ولا تشبيه ولا جهة حق» [(925)] اهـ. وفي ذلك رد على ما قد تذهب إليه بعض الأوهام أن الله تعالى يرى في جهة أو مقابلة، وهو ما يجب دفعه عن القلب كما هو واضح في كلام هذا الإمام، وهو مبني على ما تقدم من الأدلة والشواهد من القرآن والسنة.

وقال أيضا في الفقه الأكبر: «والله تعالى يرى في الآخرة يراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كمية ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة»[(926)] اهـ.

وقال الحافظ النووي: «ثم مذهب أهل الحق أن الرؤية قوة يجعلها الله تعالى في خلقه، ولا يشترط فيها اتصال الأشعة ولا مقابلة المرئى ولا غير ذلك، لكن جرت العادة في رؤية بعضنا بعضا بوجود ذلك على جهة الاتفاق لا على سبيل الاشتراط، وقد قرر أئمتنا المتكلمون ذلك بدلائله الجلية، ولا يلزم من رؤية الله تعالى إثبات جهة، تعالى عن ذلك، بل يراه المؤمنون لا في جهة كما يعلمونه لا في جهة والله أعلم»[(927)] اهـ.

وقال فيه أيضا: «إن الله ليس كمثله شىء، وإنه منـزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق»[(928)] اهـ.

وقال الغزالي : «ندعي أن صانع العالم ليس بجوهر متحيز لأنه قد ثبت قدمه، ولو كان متحيزا لكان لا يخلو عن الحركة في حيزه أو السكون فيه، وما لا يخلو عن الحوادث، فهو حادث كما سبق»[(929)] اهـ.

وقال أيضا: «أما الحشوية فإنهم لم يتمكنوا من فهم موجود لا في جهة، فأثبتوا الجهة حتى لزمتهم بالضرورة الجسمية والتقدير والاختصاص بصفات الحدوث.

وأما المعتزلة فإنهم نفوا الجهة ولم يتمكنوا من إثبات الرؤية دونها، وخالفوا به قواطع الشرع، وظنوا أن في إثباتها (الرؤية) إثبات الجهة، فهؤلاء تغلغلوا في التنـزيه محترزين من التشبيه، فأفرطوا. والحشوية أثبتوا الجهة احترازا من التعطيل فشبهوا.

فوفق الله سبحانه أهل السنة للقيام بالحق، فتفطنوا للمسلك القصد وعرفوا أن الجهة منفية لأنها للجسمية تابعة وتتمة، وأن الرؤية ثابتة لأنها رديف العلم وفريقه، وهي تكملة له، فانتفاء الجسمية أوجب انتفاء الجهة التي من لوازمها. وثبوت العلم أوجب ثبوت الرؤية التي هي من روادفه وتكملاته ومشاركة له في خاصيته، وهي أنها لا توجب تغييرا في ذات المرئي، بل تتعلق به على ما هو عليه كالعلم»[(930)] اهـ.

على أن المعتزلة محجوجون بقوله تعالى: {…فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا… *} [(931)]، حيث إن الله تعالى جعل في الجبل قوة الإدراك فرأى الله تعالى ثم اندك.

ثم في الاعتراف بأن الله لا يقاس بالأوهام ولا بالتخيلات أكبر مخلص من وساوس الشيطان أو المشبهة من كرامية وغيرهم، فإذا كان بعض الناس من الملاحدة لا يتصورون ولا يقبلون بوجود شىء لا نراه، لأنهم لا يؤمنون بالقرآن الذي أثبت وجود الملائكة والجن بيننا ومع ذلك لا نراهم، وكذلك حصول العذاب في القبر أو النعيم أمر جاء به الحديث الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كنا لا نرى ذلك عند فتح بعض القبور، لأن الله حجب عنا رؤية ذلك، وهذا من باب التقريب للأفهام لا قياسا للخلق بالخالق، فما المانع من صحة رؤية الله على خلاف حكم الحس والخيال، وإن كان وهمنا في هذا يضطرب ويحتار.

وأما ما نحن بصدده وهو بيان منع إطلاق الجهة على الله ، فهو من نفس الوجه الذي منع لأجله تسمية الله بالجسم، وممن تكلم بهذا أبو حامد الغزالي، فقال: «ندعي أنه ليس في جهة مخصوصة من الجهات الست، ومن عرف معنى لفظ الجهة ومعنى لفظ الاختصاص فهم قطعا استحالة الجهات على غير الجواهر والأعراض، إذ الحيز معقول وهو الذي يختص الجوهر به، ولكن الحيز إنما يصير جهة إذا أضيف إلى شىء آخر متحيز، فالجهات ست فوق وأسفل وقدام وخلف ويمين وشمال، فمعنى كون الشىء فوقنا هو أنه في حيز يلي جانب الرأس، ومعنى كونه تحتا أنه في حيز يلي جانب الرجل، وكذا سائر الجهات، فكل ما قيل فيه أنه في جهة فقد قيل إنه في حيز مع زيادة إضافة، وقولنا الشىء في حيز يعقل بوجهين:

أحدهما: أنه يختص به بحيث يمنع مثله من أن يوجد بحيث هو، وهذا هو الجوهر.

والآخر: أن يكون حالا في الجوهر، فإنه قد يقال إنه بجهة، ولكن بطريق التبعية للجوهر، فليس كون العرض في جهة ككون الجوهر، بل الجهة للجوهر أولى، وللعرض بطريق التبعية للجوهر.

فهذان وجهان معقولان في الاختصاص بالجهة، فإن أراد الخصم أحدهما دل على بطلانه ما دل على بطلان كونه جوهرا أو عرضا.

وإن أراد أمرا غير هذا فهو غير مفهوم ، فيكون الحق في إطلاق لفظه لم ينفك عن معنى غير مفهوم للغة والشرع لا العقل.

فإن قال الخصم: إنما أريد بكونه بجهة معنى سوى هذا.

فلم تنكرونه، ونقول له: أما لفظك فإنما ننكره من حيث إنه يوهم المفهوم الظاهر منه، وهو ما يعقل الجوهر والعرض، وذلك كذب على الله تعالى. وأما مرادك منه فلست أنكره فإن ما لا أفهمه كيف أنكره! وعساك تريد به علمه وقدرته، فإنك إذا فتحت هذا الباب، وهو أن تريد باللفظ غير ما وضع اللفظ له ويدل عليه في التفاهم لم يكن لما تريد به حصر، فلا أنكره ما لم تعرب عن مرادك بما أفهمه من أمر يدل على الحدوث»[(932)] اهـ.

ومن هنا يأتي كلام الفخر الرازي متمما لهذا المعنى، حيث يقول : « اعلم أن المشهور عن قدماء الكرامية إطلاق لفظ الجسم على الله تعالى إلا أنهم يقولون: لا نريد به كونه تعالى مؤلفا من الأجزاء ومركبا من الأبعاض، بل نريد كونه تعالى غنيا عن المحل قائما بالنفس، وعلى هذا التقدير فإنه يصير النزاع في أنه تعالى جسم أو لا نزاعا لفظيا، هذا حاصل ما قيل في هذا الباب إلا أنا نقول كل ما كان مختصا بحيز أو جهة يمكن أن يشار إليه بالحس بذلك المشار إليه إما أن لا يبقى منه شىء في جوانبه الست، وإما أن يبقى، فإن لم يبق منه شىء في جوانبه الست فهذا يكون كالجوهر الفرد، وكالنقطة التي لا تتجزأ، ويكون في غاية الصغر والحقارة، ولا أظن أن عاقلا يرضى أن يقول إن إله العالم كذلك، وأما إن بقي شىء في جوانبه الست أو في أحد هذه الجوانب فهذا يقتضي كونه مؤلفا مركبا من الجزأين أو أكثر، وأقصى ما في الباب أن يقول قائل: إن تلك الأجزاء لا تقبل التفرق والانحلال، إلا أن هذا لا يمنع من كونه في نفسه مركبا مؤلفا، كما أن الفلسفي يقول الفلك جسم، إلا أنه لا يقبل الخرق والالتئام، فإن ذلك لا يمنعه من اعتقاد كونه جسما طويلا عريضا عميقا، فثبت أن هؤلاء الكرامية لما اعتقدوا كونه تعالى مختصا بالحيز والجهة ومشارا إليه بحسب الحس، واعتقدوا أنه تعالى ليس في الصغر والحقارة مثل الجوهر الفرد والنقطة التي لا تتجزأ، أوجب أن يكونوا قد اعتقدوا أنه تعالى ممتد في الجوانب أو بعض الجوانب، ومن قال ذلك فقد اعتقد كونه مركبا مؤلفا، فكان امتناعه عن إطلاق لفظ المؤلف والمركب امتناعا عن مجرد هذا اللفظ مع كونه معتقدا لمعناه، فثبت أنهم إنما أطلقوا لفظ الجسم لأجل أنهم اعتقدوا كونه تعالى طويلا عريضا عميقا ممتدا في الجهات، فثبت أن امتناعهم عن هذا الكلام لمحض التقية والخوف، وإلا فهم يعتقدون كونه تعالى مركبا مؤلفا»[(933)] اهـ.

قال الحافظ ابن الجوزي : «وقد ذهب طائفة من أصحابنا إلى أن الله عز وجل على عرشه ما ملأه وأنه يقعد نبيه معه العرش. ثم قال: والعجب من قول هذا ما نحن مجسمة، وهو تشبيه محض، تعالى الله عز وجل عن المحل والحيز لاستغنائه عنهما، ولأن ذلك مستحيل في حقه عز وجل، ولأن المحل والحيز من لوازم الأجرام، ولا نزاع في ذلك ، وهو سبحانه وتعالى منزه عن ذلك، لأن الأجرام من صفات الحدث، وهو عز وجل منزه عن ذلك شرعا وعقلا، بل هو أزلي لم يسبق بعدم بخلاف الحادث.

ومن المعلوم أن الاستواء إذا كان بمعنى الاستقرار والقعود لا بد فيه من المماسة، والمماسة إنما تقع بين جسمين أو جرمين، والقائل بهذا شبه وجسم، وما أبقى في التجسيم والتشبيه بقية، كما أبطل دلالة {…ليس كمثله شيء… *} [(934)]، ومن المعلوم في قوله تعالى: {لتستووا على ظهوره… *} [(935)] أنه الاستقرار على الأنعام والسفن، وذلك من صفات الآدميين، فمن جعل الاستواء على العرش بمعنى الاستقرار والتمكن فقد ساوى بينه عز وجل وبين خلقه، وذلك من الأمور الواضحة التي لا يقف في تصورها بليد فضلا عمن هو حسن التصور جيد الفهم والذوق، وحينئذ فلا يقف في تكذيبه {…ليس كمثله شيء… *} وذلك كفر محقق»[(936)] اهـ.

[903]    رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: (3/527)، (930)، سياق ما فسر من الآيات في كتاب الله عزوجل على أن المؤمنين يرون الله عزوجل يوم القيامة بأبصارهم.

ـ[904]   سورة الإخلاص: الآيات 1 – 2 – 3 – 4 .

ـ[905]   شرح ملا علي القاري لكتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة النعمان (ص/49 57).

ـ[906]   شرح ملا علي القاري لكتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة النعمان (ص/23 – 24).

ـ[907]   اعتقاد الإمام أحمد لأبي الفضل التميمي (ص/45).

ـ[908]   سورة البقرة: جزء من الآية 247 .

ـ[909]   سورة المائدة: جزء من الآية 116 .

ـ[910]   الغنية في أصول الدين (ص/81).

ـ[911]   سورة المائدة: جزء من الآية 116 .

ـ[912]   الشامل في أصول الدين لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني الشافعي المتوفى سنة 478هـ (ص/225 – 227).

ـ[913]   ويصدق هذا الكلام قوله تعالى: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله}، وأنه لم يرد في كتاب الله والسنة الصحيحة والإجماع تسمية الله جسما.

ـ[914]   تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل (ص/224).

ـ[915]   المرجع السابق (ص/225).

ـ[916]   الاقتصاد في الاعتقاد (ص/56).

ـ[917]   إحياء علوم الدين (1/107).

ـ[918]   تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل (ص/298).

ـ[919]   سورة البقرة: جزء من الآية 255 .

ـ[920]   تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل (ص/305).

ـ[921]   سورة النجم: جزء من الآية 28 . وهو كقوله تعالى: {…فسجدوا إلا إبليس}، فإبليس المستثنى هو من غير جنس المستثنى منه، وهم الملائكة.

ـ[922]   ولفظ الرواية كما في صحيح البخاري (6/2698): «قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح». فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «تعجبون من غيرة سعد، والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة» اهـ.

ـ[923]   فتح الباري (13/402).

ـ[924]   شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري (ص/121).

ـ[925]   المصدر السابق (ص/119).

ـ[926]   شرح النووي على صحيح مسلم (3 /16).

ـ[927]   المصدر السابق (3/19).

ـ[928]   الاقتصاد في الاعتقاد (ص/54).

ـ[929]   الاقتصاد في الاعتقاد (ص/80).

ـ[930]   سورة الأعراف، الآية: 143 .

ـ[931]   الاقتصاد في الاعتقاد (ص/58).

ـ[932]   أساس التقديس (ص/65).

ـ[933]   سورة الشورى: جزء من الآية 11 .

ـ[934]   سورة الزخرف: جزء من الآية 13 .

ـ[935]   دفع شبه من شبه وتمرد لتقي الدين الحصني وهو تلخيص لكلام ابن الجوزي في كتابه دفع شبهة التشبيه (ص/9 – 10).

ـ[936]   المنهاج القويم للشيخ ابن حجر الهيتمي (ص/224)، وشرح الفقه الأكبر لملا علي القاري (ص/215).

تذكير بماهية الجسم والمكان والجهة

وهي مصطلحات معروفة في علم التوحيد، و(الاصطلاح مصدر اصطلح واتفاق طائفة على شىء مخصوص، ولكل علم اصطلاحاته)[(885)]، فهو (عبارة عن اتفاق قوم على تسمية الشىء باسم ما ينقل عن موضعه الأول، وإخراج اللفظ من معنى لغوي إلى آخر لمناسبة بينهما)[(886)]، (ويستعمل الاصطلاح غالبا في العلم الذي تحصل معلوماته بالنظر والاستدلال)[(887)].

والاصطلاحات التي نحن بصددها هي: الجسم، الجوهر، المكان، والجهة، فأنا أبينه قبل الشروع بصلب البحث، فأقول:

الجسم والجوهر: ( الموجود إذا كان متحيزا غير مؤتلف سمي جوهرا فردا، فإن ائتلف إلى غيره سمي جسما)[(888)]، أو يقال: (المتحيز إما أن لا يكون قابلا للقسمة وهو الجوهر الفرد أو يكون قابلا للقسمة وهو الجسم)[(889)]، ومعنى قوله المتحيز أي أن (الجوهر يقبل التحيز)[(890)] إن جعل في مقابله جوهرا آخر. (وقيل: الجوهر هو ما له حجم، وقيل: الجوهر ما يقبل العرض)[(891)].

(والجسم جوهر قابل للأبعاد الثلاثة، وقيل: الجسم هو المركب المؤلف من الجوهر)[(892)]، أي من جوهرين فأكثر.

المكان والجهة: (المكان عند أهل اللغة: الموضع الحاوي للشىء)[(893)]، وهو عند علماء الكلام: (المكان هو الفراغ الذي يشغله الجسم أو نقول: الفراغ الذي يحل فيه الجسم)[(894)].

وعبر بعضهم بما هو أعم فقال: (المكان هو الموضع الذي يكون فيه الجوهر على قدره، والجهة هي ذلك المكان)[(895)] أو يقال: المكان هو ما يأخذه الحجم من الفراغ، لأن الحجم يشمل عند الإطلاق الجسم والجوهر، فالجسم حجم، والجوهر الفرد حجم.

وعليه فـ(المكان لغة الحاوي للشىء المستقر كمقعد الإنسان من الأرض، وموضع قيامه وإضجاعه، والمكان عند المتكلمين بعد موهوم يشغله الجسم بنفوذه فيه، والحيز هو الفراغ المتوهم الذي يشغله شىء ممتد أو غير ممتد كالجوهر الفرد، فالمكان أخص من الحيز، والحيز مطلب المتحرك للحصول فيه، والجهة مطلب المتحرك للوصول إليها والقرب منها، والمكان أمر محقق موجود في الخارج – أي خارج الذهن – عند الحكماء، وكذا الحصول فيه فإنه أمر محقق أيضا)[(896)].

و(المكان يستعمل في الحقيقي والمجازي، فالحقيقي للجسم هو ما يملؤه ولا يسع معه غيره، ولا يكون إلا واحدا، وغير الحقيقي ما ليس كذلك، وهو متعدد ومختلف بحسب القرب والبعد من الحقيقي، كالبيت والبلد والإقليم والمعمورة إلى غير ذلك)[(897)].

فلا يكون المكان والجهة إلا للجسم والجسماني – أي صفة الجسم -، وكل ذلك مستحيل على الله.

ولخطورة هذه المسألة فإنه من الأهمية بمكان التنبيه إلى أن:

– (الجهات جمع جهة وهي: ست فوق وتحت ويمين وشمال وقدام وخلف.

– والجهة عند المتكلمين هي نفس المكان باعتبار إضافة جسم آخر إليه.

– ومعنى كون الجسم في جهة كونه مضافا إلى جسم آخر، حتى لو انعدمت الأجسام كلها لزم من ذلك انعدام الجهات كلها، لأن الجهات من توابع الأجسام)[(898)].

– (وإنما صارت الجهة جهة فوق بخلق الله العالم في هذا الحيز الذي خلقه فيه، فقبل خلق العالم لم يكن فوق ولا تحت أصلا، إذ هما مشتقان من الرأس والرجل ولم يكن إذ ذاك حيوان فتسمى الجهة التي تلي رأسه فوق والمقابل له تحت)[(899)].

– (وحيث انتفى عن الله الزمان والمكان انتفت الجهات كلها عنه تعالى أيضا، لأن جميع ذلك من لوازم الجسمية وهي مستحيلة في حقه تعالى)[(900)].

– (لأن الجهة التي هي الفوق والتحت والأمام والوراء واليمين والشمال لا تتصور ولا تعقل إلا ملازمة للجرم (الحجم)، وقد تقدم استحالة الجرمية عليه، فإذا لا يتصور أن يكون له جهة أو يكون في جهة)[(901)].

ولذلك قال الشيخ العلامة المحدث الفقيه عبد الله الهرري الشافعي الأشعري: «وإذا لم يكن الله في مكان لم يكن في جهة لا علو ولا سفل ولا غيرهما لأنها إما حدود وأطراف للأمكنة أو نفس الأمكنة باعتبار عروض الإضافة إلى شىء»[(902)] اهـ.

ـ[885]   التعريفات، علي بن محمد بن علي الجرجاني (ص/44).

ـ[886]   كتاب الكليات، أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي (ص/129 – 130).

ـ[887]   المنتظم للحافظ ابن الجوزي (1/118) تحت عنوان: ذكر الدليل على وجود الخالق سبحانه وتعالى.

ـ[888]   معالم أصول الدين للفخر الرازي (ص/33).

ـ[889]   الحدود الأنيقة لزكريا الأنصاري (ص/16).

ـ[890]   لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة للإمام الجويني (ص/87).

ـ[891]   التعريفات، علي بن محمد بن علي الجرجاني (ص/103).

ـ[892]   المفردات في غريب القرءان (مادة: م ك ن، ص174)، تاج العروس: مادة (م ك ن، 9/843).

ـ[893]   إشارات المرام للعلامة كمال الدين أحمد بن حسن البياضي الحنفي (ص/791)، حاشية الصفتي نواقض الوضوء للشيخ يوسف بن سعيد الصفتي المالكي (ص/72).

ـ[894]   فرقان القرءان للشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي (مطبوع مع كتاب الأسماء والصفات للبيهقي) (ص/26).

ـ[895]   كتاب الكليات لأبى البقاء الكفوى (1/826)، التعريفات للجرجاني (ص/292 – 293)، التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (ص/ 672).

ـ[896]   كتاب الكليات لأبى البقاء الكفوى (1/827).

ـ[897]   رائحة الجنة شرح إضاءة الدجنة للشيخ عبد الغني النابلسي (ص/ 94).

ـ[898]   الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص/59).

ـ[899]   رائحة الجنة شرح إضاءة الدجنة للشيخ عبد الغني النابلسي (ص/ 94).

ـ[900]   المعرفة في بيان عقيدة المسلم (ص/55 – 57)، الشيخ عبد الكريم الرفاعي الدمشقي (1393هـ)، أحد خواص تلاميذ الشيخ المحدث بدر الدين الحسني، دمشق.

ـ[901]   المطالب الوفية شرح العقيدة النسفية (ص/74).

ـ[902]   سورة الشورى: جزء من الآية 11 .

في تقدير الدلائل السمعية على أنه تعالى منزه عن الجسمية والحيز والجهة[(186)]:

وهي مأخوذة في الغالب من كتاب الفخر الرازي أساس التقديس في الصحائف (24-34) مع تصرف في بعض المواضع إما تسهيلا للعبارة أو اختصارا، ثم أنا أستعين أحيانا بكلامه في التفسير الكبير، وكذا بكلام غيره من أئمة الهدى وأبين ذلك في محله إن شاء الله، وحيث زدت حجة من غير كتاب أساس التقديس جعلتها بين عاكفتين […] وهذا أوان الشروع ببيان هذه الحجج بعون الله:

الحجة الأولى: قوله تعالى: {قل هو الله أحد *الله الصمد *لم يلد ولم يولد *ولم يكن له كفوا أحد *} [(187)]:

واعلم أنه قد اشتهر في التفسير أن النبي سئل عن ماهية ربه، وعن نعته وصفته، فانتظر الجواب من الله تعالى فأنزل هذه السورة.

إذا عرفت ذلك فنقول : هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات لا من المتشابهات، لأنه تعالى جعلها جوابا عن سؤال المتشابه، بل وأنزلها عند الحاجة، وذلك يقتضي كونها من المحكمات لا من المتشابهات، وإذا ثبت هذا وجب الجزم بأن كل مذهب يخالف هذه السورة يكون باطلا.

فنقول: إن قوله تعالى (أحد) يدل على نفي الجسمية ونفي الحيز والجهة.

أما دلالته على أنه تعالى ليس بجسم ، فذلك لأن الجسم أقله أن يكون مركبا من جوهرين، وذلك ينافي الوحدة، وقوله (أحد) مبالغة في الواحدية، فكان قوله (أحد) منافيا للجسمية .

وأما دلالته على أنه ليس بجوهر فنقول:

أما الذين ينكرون الجوهر الفرد[(188)] فإنهم يقولون: إن كل متحيز فلا بد وأن يتميز أحد جانبيه عن الثاني، وذلك لأنه لا بد من أن يتميز يمينه عن يساره وقدامه عن خلفه وفوقه عن تحته، وكل ما تميز فيه شىء عن شىء فهو منقسم، لأن يمينه موصوف بأنه يمين لا يسار، ويساره موصوف بأنه يسار لا يمين، فلو كان يمينه عين يساره لاجتمع في الشىء الواحد أنه يمين وليس بيمين، ويسار وليس بيسار فيلزم اجتماع النفي والإثبات في الشىء الواحد وهو محال. قالوا: فثبت أن كل متحيز فهو منقسم، وثبت أن كل منقسم فهو ليس بأحد، فلما كان الله تعالى موصوفا بأنه أحد وجب أن لا يكون متحيزا أصلا، وذلك ينفي كونه جوهرا.

وأما الذين يثبتون الجوهر الفرد فإنهم لا يمكنهم الاستدلال على نفي كونه تعالى جوهرا من هذا الاعتبار ويمكنهم أن يحتجوا بهذه الآية على نفي كونه جوهرا من وجه آخر. وبيانه: هو أن الأحد كما يراد به نفي التركيب والتأليف في الذات فقد يراد به الضد والند، ولو كان تعالى جوهرا فردا لكان كل جوهر فرد مثلا له، وذلك ينفي كونه أحدا، ثم أكدوا هذا الوجه بقوله تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد *} ولو كان جوهرا لكان كل جوهر فرد كفوا له.

فدلت هذه السورة من الوجه الذي قررناه على أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر.

وإذا ثبت أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر وجب ألا يكون في شىء من الأحياز والجهات ، لأن كل ما كان مختصا بحيز وجهة:

فإن كان منقسما كان جسما وقد بينا إبطال ذلك.

وإن لم يكن منقسما كان جوهرا فردا، وقد بينا أنه باطل.

ولما بطل القسمان ثبت أنه يمتنع أن يكون في جهة أصلا.

فثبت أن قوله تعالى (أحد) يدل دلالة قطعية على أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر ولا في حيز وجهة أصلا .

واعلم أنه تعالى كما نص على أنه تعالى واحد فقد نص على البرهان الذي لأجله يجب الحكم بأنه أحد، وذلك أنه قال: {…هو الله أحد} وكونه إلها يقتضي كونه غنيا عما سواه، وكل مركب فإنه مفتقر إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره وكونه إلها يمنع من كونه مفتقرا إلى غيره، وذلك يوجب القطع بكونه أحدا، وكونه أحدا يوجب القطع بأنه ليس بجسم ولا جوهر ولا في حيز وجهة، فثبت أن قوله تعالى: {…هو الله أحد} برهان قاطع على ثبوت هذه المطالب .

[قال البيضاوي: «وهو يدل على مجامع صفات الجلال كما دل الله على جميع صفات الكمال، إذ الواحد الحقيقي ما يكون منـزه الذات عن أنحاء التركيب والتعدد وما يستلزم أحدهما كالجسمية والتحيز والمشاركة في الحقيقة وخواصها كوجوب الوجود والقدرة الذاتية والحكمة التامة المقتضية للألوهية»[(189)] اهـ.]

وأما قوله: {الله الصمد *} فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج، وذلك يدل على أنه ليس بجسم، وعلى أنه غير مختص بالحيز والجهة.

أما بيان دلالته على نفي الجسمية فمن وجوه :

الأول : أن كل جسم فهو مركب، وكل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو محتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير لا يكون غنيا بل يكون محتاجا إلى غيره، فلم يكن صمدا مطلقا.

الثاني : لو كان مركبا من الجوارح والأعضاء لاحتاج في الإبصار إلى العين (الجارحة)، وفي الفعل إلى اليد (الجارحة)، وفي المشي إلى الرجل، وذلك ينافي كونه صمدا مطلقا.

وأما بيان دلالته على أنه تعالى منـزه عن الحيز والجهة : فهو أنه تعالى لو كان مختصا بالحيز والجهة لكان إما أن يكون حصوله في الحيز المعين واجبا أو جائزا:

فإن كان واجبا فحينئذ يكون ذاته تعالى مفتقرا في الوجود والتحقق إلى ذلك الحيز المعين، وأما ذلك الحيز المعين فإنه يكون غنيا عن ذاته المخصوص، لأنا لو فرضنا عدم حصول ذات الله تعالى في ذلك الحيز المعين لم يبطل ذلك الحيز أصلا، وعلى هذا التقدير يكون تعالى محتاجا إلى ذلك الحيز فلم يكن صمدا على الإطلاق.

أما إن كان حصوله في الحيز المعين جائزا لا واجبا فحينئذ يفتقر إلى مخصص يخصصه بالحيز المعين، وذلك يوجب كونه محتاجا وينافي كونه صمدا.

[قال أبو المظفر الأسفراييني : «واعلم أن الله تعالى ذكر في سورة الإخلاص ما يتضمن إثبات جميع صفات المدح والكمال ونفي جميع النقائص عنه، وذلك قوله تعالى: {قل هو الله أحد *الله الصمد *} في هذه السورة بيان ما ينفي عنه من نقائص الصفات وما يستحيل عليه من الآفات، بل في كلمة من كلمات هذه السورة، وهو قوله: {الله الصمد *} .

والصمد في اللغة على معنيين:

أحدهما: أنه لا جوف له ، وهذا يوجب أن لا يكون جسما ولا جوهرا، لأن ما لا يكون بهذه الصفة جاز أن يكون له جوف.

والمعنى الثاني: للصمد هو السيد الذي يرجع إليه في الحوائج ، وهذا يتضمن إثبات كل صفة لولاها لم يصح منه الفعل، كما نذكره فيما بعد، لأن من لا تصح منه الأفعال المختلفة لم يصح الرجوع إليه في الحوائج المتباينة، وقد جمع الله سبحانه وتعالى في هذه السورة بين صفات النفي والإثبات][(190)] اهـ. [ قال الحسن البصري رضي الله عنه في تفسير الصمد: «الذي لم يزل ولا يزال ولا يجوز عليه الزوال[(191)]، كان ولا مكان ولا أين ولا أوان ولا عرش ولا كرسي ولا جني ولا إنسي، وهو الآن كما كان»[(192)].]

وأما قوله تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد *} فهذا أيضا يدل على أنه ليس بجسم ولا جوهر : فلو كان تعالى جوهرا لكان مثلا لجميع الجواهر فكان كل واحد من الجواهر كفؤا له، ولو كان جسما لكان مؤلفا من الجواهر، لأن الجسم يكون كذلك وحينئذ يعود الإلزام المذكور، فثبت أن هذه السورة من أظهر الدلائل على أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر ولا حاصل في مكان وحيز.

[وقال الفخر الرازي: «فهو سبحانه فرد منـزه عن جميع جهات التركيب، فإن كل مركب مفتقر إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره فهو مركب فهو مفتقر إلى غيره ممكن لذاته فإذن كل مركب فهو ممكن لذاته، وكل ما ليس ممكنا لذاته بل كان واجبا لذاته امتنع أن يكون مركبا بوجه من الوجوه، بل كان فردا مطلقا وإذا كان فردا في ذاته لزم أن لا يكون متحيزا ولا جسما ولا جوهرا ولا في مكان ولا حالا ولا في محل ولا متغيرا ولا محتاجا بوجه من الوجوه ألبتة»[(193)] اهـ.]

واعلم أنه كما أن الكفار لما سألوا الرسول عن صفة ربه فأجاب الله بهذه السورة الدالة على كونه تعالى منـزها عن أن يكون جسما أو جوهرا أو مختصا بالمكان فكذلك فرعون سأل موسى عليه السلام عن صفة الله تعالى، فقال: {…وما رب العالمين} [(194)] ثم إن موسى لم يذكر الجواب عن هذا السؤال إلا بكونه تعالى خالقا للناس ومدبرا لهم وخالق السموات والأرض ومدبرا لهما، وهذا أيضا من أقوى الدلائل على أنه تعالى ليس بمتحيز ولا في جهة.

ذلك أن لفظة «ما” سؤال عن الماهية وطلب للحقيقة، ولكن موسى أجاب بكونه تعالى خالقا للأشياء ومدبرا لها فهو صفة، فلو كان تعالى متحيزا لكان الجواب عن قوله: {…وما رب العالمين} بذكر كونه متحيزا أولى من الجواب منه بذكر كونه خالقا، ولو كان كذلك كان جواب موسى عليه السلام خطأ، ولكان طعن فرعون بأنه مجنون لا يفهم السؤال ولا يذكر في مقابلة السؤال ما يصلح أن يكون جوابا متجها لازما، ولما بطل ذلك علمنا أنه تعالى ما كان متحيزا فلا جرم ما كان يمكن تعريف حقيقته سبحانه وتعالى إلا بأنه خالق مدبر، فلا جرم كان جواب موسى عليه السلام صحيحا، وكان سؤال فرعون ساقطا فاسدا فثبت أنه كما أن جواب محمد عن سؤال الكفار عن صفة الله تعالى يدل على تنـزيه الله تعالى عن التحيز، فكان جواب موسى عليه السلام.

أما الخليل صلى الله عليه وسلم فقد حكى الله تعالى عنه في كتابه بأنه استدل بحصول التغير في أحوال الكواكب على حدوثها[(195)]، ثم قال عند تمام الاستدلال: {…وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا… *} [(196)].

واعلم أن هذه الواقعة تدل على تنـزيه الله تعالى وتقديسه عن التحيز والجهة، أما دلالتها على تنزيه الله تعالى عن التحيز فمن وجوه :

أحدها: أن الأجسام متماثلة[(197)] فإذا ثبت ذلك فنقول: ما صح على أحد المثلين وجب أن يصح على المثل الآخر، فلو كان تعالى جسما أو جوهرا وجب أن يصح عليه كل ما صح على غيره، وأن يصح على غيره كل ما صح عليه وذلك يقتضي جواز التغير عليه، ولما حكم الخليل عليه السلام بأن المتغير من حال إلى حال لا يصلح للإلهية، وثبت أنه لو كان جسما لصح عليه التغير فلزم القطع بأنه تعالى ليس بمتحيز أصلا .

[قال ابن جزي الغرناطي: «قوله لا أحب الآفلين أي لا أحب عبادة المتغيرين، لأن التغير دليل على الحدوث والحدوث ليس من صفة الإله، ثم استمر على ذلك المنهاج في القمر وفي الشمس، فلما أوضح البرهان وأقام عليهم الحجة جاهرهم بالبراءة من باطلهم فقال: إني بريء مما تشركون، ثم أعلن لعبادته لله وتوحيده له ، فقال: {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض… *} [(198)]، ووصف الله تعالى بوصف يقتضي توحيده وانفراده بالملك. فإن قيل: لم احتج بالأفول دون الطلوع وكلاهما دليل على الحدوث لأنهما انتقال من حال إلى حال؟

فالجواب أنه أظهر في الدلالة لأنه انتقال مع اختفاء واحتجاب»[(199)] اهـ.

وفي تفسير الجلالين: «واذكر {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر… *} [(200)] هو لقبه واسمه تارخ، {…أتتخذ أصناما آلهة…} تعبدها استفهام توبيخ، {…إني أراك وقومك في ضلال مبين} باتخاذها {…إني أراك وقومك في ضلال مبين} عن الحق {…إني أراك وقومك في ضلال مبين} بين.

{وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين *} كما أريناه إضلال أبيه وقومه {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين *} [(201)] ملك {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين *} ليستدل به على وحدانيتنا، {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين *} بها، وجملة وكذلك وما بعدها اعتراض وعطف على قال.

{فلما جن…} أظلم {…عليه الليل رأى كوكبا…} [(202)] قيل: هو الزهرة، {…قال هذا ربي…} لقومه وكانوا نجامين:{…قال هذا ربي…} في زعمكم، {…فلما أفل قال لا أحب الآفلين} غاب {…فلما أفل قال لا أحب الآفلين} أن أتخذهم أربابا، لأن الرب لا يجوز عليه التغير والانتقال لأنهما من شأن الحوادث فلم ينجع فيهم ذلك.

{فلما رأى القمر بازغا…} [(203)] طالعا {…قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي…} لهم {…قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي…} يثبتني على الهدى {…لأكونن من القوم الضآلين} تعريض لقومه بأنهم على ضلال فلم ينجع فيهم ذلك.

{فلما رأى الشمس بازغة قال هذا…} [(204)] ذكره لتذكير خبره {…ربي هذا أكبر…} من الكوكب والقمر {…فلما أفلت…} وقويت عليهم الحجة ولم يرجعوا، {…قال ياقوم إني بريء مما تشركون} بالله من الأصنام والأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث ، فقالوا له: ما تعبد؟ قال {إني وجهت وجهي…} [(205)] قصدت بعبادتي {…للذي فطر…} خلق {…السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} أي الله {…السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} مائلا إلى الدين القيم {…السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} به[(206)].]

الثاني: أنه عليه السلام قال عند تمام الاستدلال {…وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض…} فلم يذكر من صفات الله تعالى إلا كونه خالقا للعالم، والله تعالى مدحه على هذا الكلام وعظمه، فقال: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء…} [(207)] ولو كان إله العالم جسما موصوفا بمقدار مخصوص وشكل مخصوص لما كمل العلم به تعالى إلا بعد العلم بكونه جسما متحيزا، ولو كان كذلك لما كان مستحقا للمدح والتعظيم بمجرد معرفة كونه خالقا للعالم، فلما كان هذا القدر من المعرفة كافيا في كمال معرفة الله تعالى دل ذلك على أنه تعالى ليس بمتحيز.

[قال أبو المظفر الإسفرايني : «وأن تعلم أن الحوادث لا يجوز حلولها في ذاته وصفاته، لأن ما كان محلا للحوادث لم يخل منها، وإذا لم يخل كان محدثا مثلها، ولهذا قال الخليل عليه الصلاة والسلام: {…فلما أفل قال لا أحب الآفلين} بين به أن من حل به من المعاني ما يغيره من حال إلى حال كان محدثا لا يصح أن يكون إلها .

وأن تعلم أن كل ما دل على حدوث شىء من الحد والنهاية والمكان والجهة والسكون والحركة فهو مستحيل عليه سبحانه وتعالى، لأن ما لا يكون محدثا لا يجوز عليه ما هو دليل على الحدوث، وعليه يدل ما ذكرناها قبل في قصة الخليل عليه السلام» [(208)] اهـ.

وقال أبو بكر الجصاص عند كلامه عن احتجاج نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام على نمرود العنيد وهو قوله تعالى: {ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين *} [(209)] وتدل على أن الله تعالى لا يشبهه شىء وأن طريق معرفته ما نصب من الدلائل على توحيده، لأن أنبياء الله عليهم السلام إنما حاجوا الكفار بمثل ذلك ولم يصفوا الله تعالى بصفة توجب التشبيه وإنما وصفوه بأفعاله » [(210)] اهـ.]

الحجة الثانية: من القرآن قوله تعالى: {…ليس كمثله شيء…} [(211)]:

[قال الفخر الرازي: قوله: {…ليس كمثله شيء…} الآية يتناول نفي المساواة من جميع الوجوه بدليل صحة الاستثناء فإنه يحسن أن يقال ليس كمثله شىء إلا في الجلوس وإلا في المقدار وإلا في اللون وصحة الاستثناء تقتضي دخول جميع هذه الأمور تحته فلو كان جالسا لحصل من يماثله في الجلوس فحينئذ يبطل معنى الآية»[(212)] اهـ.

وقال أيضا: «ولو كان جسما لكان مثلا للأجسام» [(213)] اهـ.

قال الحافظ ابن الجوزي: «قوله تعالى: {…ليس كمثله شيء…} قال ابن قتيبة: أي ليس كهو شىء ، والعرب تقيم المثل مقام النفس فتقول: مثلي لا يقال له هذا، أي أنا لا يقال لي هذا، وقال الزجاج: الكاف مؤكدة والمعنى ليس مثله شىء»[(214)] اهـ.

سبحانه قصرت عنه العبارات، وخرست عنه الألسنة بقوله: {…ليس كمثله شيء…} تعالى الله وتقدس عن المجانسة والمماثلة[(215)].]

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى وإن كان جسما إلا أنه مخالف لغيره من الأجسام كما أن الإنسان والفرس وإن اشتركا في الجسمية لكنهما مختلفان في الأحوال والصفات، ولا يجوز أن يقال الفرس مثل الإنسان فكذا هنا ؟ والجواب من جهتين :

الأول: أن الأجسام كلها متماثلة في تمام الماهية، فلو كان تعالى جسما لكان ذاته مثلا لسائر الأجسام وذلك يخالف هذا النص، والإنسان والفرس ذات كل واحد منهما مماثلة لذات الآخر والاختلاف إنما وقع في الصفات والأعراض، والذاتان إذا كانتا متماثلتين كان اختصاص كل واحدة منهما بصفاته المخصوصة من الجائزات لا من الواجبات، لأن الأشياء المتماثلة في تمام الذات والماهية لا يجوز اختلافها في اللوازم ، فلو كان البارئ تعالى جسما لوجب أن يكون اختصاصه بصفاته المخصوصة من الجائزات، ولو كان كذلك لزم افتقاره إلى المدبر والمخصص، وذلك يبطل القول بكونه تعالى إله العالم.

الثاني: لو كان الله تعالى مشاركا لسائر الأجسام في الجسمية ومخالفا لها في الماهية المخصوصة لكان له سبحانه أمثال لا تحصى … وذلك يقتضي وقوع التركيب في ذاته المخصوصة، وكل مركب ممكن لا واجب على ما بيناه، فثبت أن هذا السؤال ساقط» [(216)] اهـ بتصرف.

الحجة الثالثة: قوله تعالى: {…والله الغني وأنتم الفقراء…} [(217)] وقوله: {وربك الغني ذو الرحمة…} [(218)]:

دلت هاتين الآيتين على كونه تعالى غنيا:

لأن كل جسم مركب، وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه.

وأيضا لو وجب اختصاصه بالجهة لكان محتاجا إلى الجهة، وذلك يقدح في كونه غنيا على الإطلاق.

[ وقال الفخر الرازي : «والغني لا يكون مركبا وما لا يكون مركبا لا يكون جسما، وأيضا الأجسام متماثلة في تمام الماهية فلو كان جسما لحصل له مثل وذلك باطل لقوله: {…ليس كمثله شيء…} [(219)] فأما الدلائل العقلية فكثيرة ظاهرة باهرة قوية جلية والحمد لله عليه”[(220)] اهـ.]

الحجة الرابعة: قوله تعالى: {…لا إله إلا هو الحي القيوم…} [(221)]:

والقيوم من يكون قائما بنفسه مقوما لغيره:

فكونه تعالى قائما بنفسه عبارة عن كونه غنيا عن كل ما سواه، وكونه مقوما لغيره عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه، فلو كان جسما لكان هو مفتقرا إلى غيره .

[وقال الإمام الرازي: «ذلك أن كل مركب فإنه مفتقر في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه وجزؤه غيره، وكل مركب فهو متقوم بغيره، والمتقوم بغيره لا يكون متقوما بذاته، فلا يكون قيوما.

ثم إن واجب الوجود واحد بمعنى أنه ليس في الوجود شيئان كل واحد منهما واجب لذاته، إذ لو فرض ذلك لاشتركا في الوجوب وتباينا في التعين، وما به المشاركة غير ما به المباينة فيلزم كون كل واحد منهما في ذاته مركبا من جزأين وقد بينا أنه محال. ولما امتنع في حقيقته أن تكون مركبة من جزأين امتنع كونه متحيزا لأن كل متحيز فهو منقسم، وقد ثبت أن التركيب عليه ممتنع وإذا ثبت أنه ليس بمتحيز امتنع كونه في الجهة، لأنه لا معنى للمتحيز إلا ما يمكن أن يشار إليه إشارة حسية، وإذا ثبت أنه ليس بمتحيز وليس في الجهة امتنع أن يكون له أعضاء وحركة وسكون .

ولما كان قيوما كان قائما بذاته، وكونه قائما بذاته يستلزم أن لا يكون عرضا في موضوع ولا صورة في مادة ولا حالا في محل أصلا، لأن الحال مفتقر إلى المحل والمفتقر إلى الغير لا يكون قيوما بذاته»[(222)] اهـ.]

وأيضا لو وجب حصوله في شىء من الأحياز لكان مفتقرا محتاجا إلى ذلك الحيز، فلم يكن قيوما على الإطلاق… لأنه بتقدير أن لا يكون حاصلا في ذلك الحيز لم يلزم بطلان ذلك ولا عدمه فكان الحيز غنيا عنه، وكان هو مفتقرا إلى ذلك الحيز فظهر الفرق، والله أعلم.

الحجة الخامسة: قوله تعالى: {…هل تعلم له سميا *} [(223)]:

قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {…هل تعلم له سميا *} أي شبيها، [ولو كان جسما متحيزا لكان مشابها للأجسام في الجسمية[(224)].

الحجة السادسة: قوله تعالى: {هو الله الخالق البارىء المصور… *} [(225)]: وجه الاستدلال به أن الخالق في اللغة هو المقدر، ولو كان تعالى جسما لكان متناهيا، ولو كان متناهيا لكان مخصوصا بمقدار معين، ولما وصف نفسه بكونه خالقا وجب أن يكون تعالى هو المقدر لجميع المقدرات بمقاديرها المخصوصة، فإذا كان هو مقدرا في ذاته بمقدار مخصوص لزم كونه مقدرا لنفسه، وذلك محال. وأيضا لو كان جسما لكان متناهيا، وكل متناه فإنه محيط به حد أو حدود مختلفة، وكل ما كان كذلك فهو مشكل، وكل مشكل فله صورة، فلو كان جسما لكان له صورة، ثم إنه تعالى وصف نفسه بكونه مصورا فيلزم كونه مصورا لنفسه، وذلك محال، فيلزم أن يكون منزها عن الصورة والجسمية حتى لا يلزم هذا المحال.

[قال الإمام أبو المظفر الإسفرايني : «وأن تعلم أن كل ما تصور في الوهم من طول وعرض وعمق وألوان وهيئات مختلفة ينبغي أن تعتقد أن صانع العالم بخلافه، وأنه قادر على خلق مثله ، وإلى هذا المعنى أشار الصديق رضي الله عنه بقوله: العجز عن درك الإدراك إدراك، ومعناه إذا صح عندك أن الصانع لا يمكن معرفته بالتصوير والتركيب والقياس على الخلق صح عندك أنه خلاف المخلوقات ، وتحقيقه أنك إذا عجزت عن معرفته بالقياس على أفعاله صح معرفتك له بدلالة الأفعال على ذاته وصفاته، وقد وصف الله سبحانه وتعالى نفسه بقوله: {هو الله الخالق البارىء المصور… *} وما كان مصورا لم يكن مصورا كما أن من كان مخلوقا لم يكن خالقا» [(226)]. الحجة السابعة: قوله تعالى: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن… *} [(227)]:

وصف نفسه بكونه ظاهرا وباطنا، ولو كان جسما لكان ظاهره غير باطنه فلم يكن الشىء الواحد موصوفا بأنه ظاهر وبأنه باطن لأنه على تقدير كونه جسما يكون الظاهر منه سطحه والباطن منه عمقه فلم يكن الشىء الواحد ظاهرا وباطنا، وأيضا المفسرون قالوا إنه ظاهر بحسب الدلائل باطن بحسب أنه لا يدركه الحس، ولا يصل إليه الخيال، ولو كان جسما لما أمكن وصفه بأنه لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال.

[بل كيف يحيط به علم وقد اتفقت فيه الأضداد بقوله سبحانه وتعالى: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن…} أي عبارة تخبر عنه حقيقة الألفاظ!!..[(228)]]

الحجة الثامنة: قوله تعالى: {…ولا يحيطون به علما} [(229)] وقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار…} [(230)]:

وذلك يدل على كونه تعالى منزها عن المقدار والشكل والصورة، وإلا لكان الإدراك والعلم محيطين به وذلك على خلاف هذين النصين.

فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال إنه وإن كان جسما لكنه جسم كبير فلهذا المعنى لا يحيط به الإدراك والعلم؟ قلنا : لو كان الأمر كذلك لصح أن يقال بأن علوم الخلق وأبصارهم لا تحيط بالسموات ولا بالجبال ولا بالبحار ولا بالمفاوز، فإن هذه الأشياء أجسام كبيرة، والأبصار لا تحيط بأطرافها، والعلوم لا تصل إلى تمام أجزائها، ولو كان الأمر كذلك لما كان في تخصيص ذات الله تعالى بهذا الوصف فائدة.

الحجة التاسعة : قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون *} [(231)]:

ولو كان تعالى في السماء أو في العرش لما صح القول بأنه تعالى قريب من عباده.

الحجة العاشرة: لو كان تعالى في جهة فوق لكان سماء، ولو كان سماء لكان مخلوقا لنفسه وذلك محال، فكونه في جهة فوق محال:

وإنما قلنا إنه لو كان ذاته سماء لكان ذاته مخلوقا لوجهين:

الأول: أن السماء مشتق من السمو وكل شىء سماك فهو سماء، فهذا هو الاشتقاق الأصلي اللغوي، وعرف القرآن أيضا متقرر عليه، بدليل أنهم ذكروا في تفسير قوله تعالى: {…وينزل من السماء من جبال فيها من برد… *} [(232)] أنه السحاب، قالوا: وتسمية السحاب بالسماء جائز لأنه حصل فيه معنى السمو، وذكروا أيضا في تفسير قوله تعالى: {…وأنزلنا من السماء ماء طهورا *} [(233)] أنه من السحاب فثبت أن الاشتقاق اللغوي والعرف القرآني متطابقان على تسمية كل ما كان موصوفا بالسمو والعلو سماء.

الثاني: أنه تعالى لو كان فوق العرش لكان من جلس في العرش ونظر إلى فوق لم ير إلا نهاية ذات الله تعالى فكانت نسبة نهاية السطح الأخير من ذات الله تعالى إلى سكان العرش كنسبة السطح الأخير من السموات إلى سكان الأرض، يقتضي بالقطع بأنه لو كان فوق العرش لكان ذاته كالسماء لسكان العرش فثبت أنه تعالى لو كان مختصا بجهة فوق لكان ذاته سماء وإنما قلنا إنه لو كان ذاته سماء لكان ذاته مخلوقا لقوله تعالى: {تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى *} [(234)]، ولفظة السموات لفظة جمع مقرونة بالألف واللام، وهذا يقتضي كون كل السموات مخلوقة لله تعالى، فلو كان هو تعالى سماء لزم كونه خالقا لنفسه، وكذلك أيضا قوله تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام… *} [(235)] يدل على ما ذكرناه، فثبت أنه تعالى لو كان مختصا بجهة فوق لكان سماء، ولو كان سماء لكان مخلوقا لنفسه وهذا محال، فوجب أن لا يكون مختصا بجهة فوق.

فإن قيل: لفظ السماء مختص في العرف بهذه الأجرام المستديرة، وأيضا فهب أن هذا اللفظ في أصل الوضع يتناول ذات الله تعالى إلا أن هذا الفرق ممنوع، وكيف لا نقول ذلك وقد دللنا على أنه بتقدير أن يكون الله تعالى مختصا بجهة فوق، فإن نسبة ذاته تعالى إلى سكان العرش كنسبة السماء إلى سكان الأرض فوجب القطع بأنه لو كان مختصا بجهة فوق لكان سماء.

وأما الجواب عن الثاني: فهو أن تخصيص العموم إنما يصار إليه عند الضرورة، فلو قام دليل قاطع عقلي على كونه تعالى مختصا بجهة فوق لزمنا المصير إلى هذا التخصيص، أما ما لم يقم شىء من الدلائل على ذلك بل قامت القواطع العقلية والنقلية على امتناع كونه تعالى في الجهة فلم يكن بنا إلى التزام هذا التخصيص ضرورة فسقط هذا الكلام».

الحجة الحادية عشرة: قوله تعالى: {قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله… *} [(236)]:

وهذا مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملك لله تعالى، وقوله: {وله ما سكن في الليل والنهار… *} [(237)] وذلك يدل على أن الزمان وكل ما فيه لله تعالى، ومجموع الآيتين يدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات كلها ملك لله تعالى، وذلك يدل على تنزيهه عن المكان والزمان، وهذا الوجه ذكره أبو مسلم الأصفهاني رحمه الله في تفسيره.

الحجة الثانية عشرة: قوله تعالى: {…ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية *} [(238)]:

ولو كان الخالق في العرش لكان حامل العرش حاملا لمن في العرش، فيلزم احتياج الخالق إلى المخلوق، ويقرب منه قوله تعالى: {الذين يحملون العرش… *} [(239)]. الحجة الثالثة عشرة: قوله تعالى: {…كل شيء هالك إلا وجهه… *} [(240)]:

ظاهر الآية يقتضي فناء العرش[(241)] وفناء جميع الأحياز والجهات، وحينئذ يبقى الحق سبحانه وتعالى منـزها عن الحيز والجهة، وإذا ثبت ذلك امتنع أن يكون الآن في جهة وإلا لزم وقوع التغير في الذات.

فإن قيل: الحيز والجهة ليس شيئا موجودا حتى يصير هالكا فانيا.

قلنا : الأحياز والجهات أمور مختلفة بحقائقها متباينة بماهيتها بدليل أنكم قلتم إنه يجب حصول ذات الله تعالى في جهة فوق ويمتنع حصول ذاته في سائر الجهات، فلولا أن جهة فوق مخالفة بالماهية لسائر الجهات لما كانت جهة فوق مخالفة لسائر الجهات في هذه الخاصية، وهذا الحكم. وأيضا فلأنا نقول هذا الجسم حصل في هذا الحيز بعد أن كان حاصلا في حيز آخر، فهذه الأحياز معدودة متباينة متعاقبة، والعدم المحض لا يكون كذلك ، فثبت أن هذه الأحياز أمور متخالفة بالحقائق متباينة بالعدد، وكل ما كان كذلك امتنع أن يكون عدما محضا فكان أمرا موجودا، وإذا ثبت هذا دخل تحت قوله تعالى : {…كل شيء هالك إلا وجهه… *} وإذا هلك الحيز والجهة بقي ذات الله تعالى منـزها عن الحيز. الحجة الرابعة عشرة: قوله تعالى: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن… *} [(242)]:

فهذا يقتضي أن يكون ذاته متقدما في الوجود على كل ما سواه، وأن يكون متأخرا في الوجود عن كل ما سواه، وذلك يقتضي أنه كان موجودا قبل الحيز والجهة، ويكون موجودا بعد الحيز والجهة.

الحجة الخامسة عشرة: قوله تعالى: {…واسجد واقترب *} [(243)]:

ولو كان في جهة الفوق لكانت السجدة تفيد البعد من الله تعالى لا القرب منه، وذلك خلاف الأصل.

[و قال الإمام المتولي رضي الله عنه : «فإن استدلوا -أي المشبهة- بعرف الناس ورفع أيديهم إلى السماء عند الدعاء، فرفع اليد إلى السماء ليس لأن الله تعالى في مكان، ولكن لأن السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة في حال القيام والأرض قبلة في حال الركوع والسجود.

وليعلم أن الله تعالى ليس في الكعبة ولا في الأرض.

وإن استدلوا بقصة المعراج وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل إلى جهة فوق وبقوله تعالى: {ثم دنا فتدلى *فكان قاب قوسين أو أدنى *} [(244)] فليس فيها حجة لأن موسى عليه السلام سمع الكلام على الطور وكان ميعاده الطور، ولم يدل على أن الله تعالى على الطور . وقال في قصة إبراهيم: {…إني مهاجر إلى ربي… *} [(245)] وكانت هجرته إلى الشام ولم يكن البارئ تعالى في الشام فبطل قولهم، وأما قوله تعالى: {ثم دنا فتدلى *} فذلك دنو كرامة لا مجاورة كقوله: {…واسجد واقترب *} »[(246)] اهـ.]

الحجة السادسة عشرة: قوله تعالى: {…فلا تجعلوا لله أندادا… *} [(247)]:

والند المثل، ولو كان تعالى جسما لكان مثلا لكل واحد من الأجسام.. لأن الأجسام كلها متماثلة فحينئذ يكون الند موجودا على هذا التقدير، وذلك على مضادة هذا النص.

الحجة السابعة عشر: قوله تعالى: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله… *} [(248)]:

قال المفسر ابن عطية: «والمشرق موضع الشروق، والمغرب موضع الغروب، أي هما له ملك وما بينهما من الجهات والمخلوقات وخصهما بالذكر وإن كانت جملة المخلوقات كذلك»[(249)] اهـ.

وقال المفسر اللغوي أبو حيان الأندلسي ما نصه: «وفي قوله تعالى: {…فأينما تولوا فثم وجه الله… *} رد على من يقول إنه في حيز وجهة، لأنه لما خير في استقبال جميع الجهات دل على أنه ليس في جهة ولا حيز، ولو كان في حيز لكان استقباله والتوجه إليه أحق من جميع الأماكن، فحيث لم يخصص مكانا علمنا أنه لا في جهة ولا حيز، بل جميع الجهات في ملكه وتحت ملكه، فأي جهة توجهنا إليه فيها على وجه الخضوع كنا معظمين له ممتثلين لأمره»[(250)] اهـ.

وقال البيضاوي: «{ولله المشرق والمغرب…} يريد بهما ناحيتي الأرض أي له الأرض كلها لا يختص به مكان دون مكان ، فإن منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو الأقصى فقد جعلت لكم الأرض مسجدا، {…فأينما تولوا…} ففي أي مكان فعلتم التولية شطر القبلة، {…فثم وجه الله…} أي جهته التي أمر بها، فإن إمكان التولية لا يختص بمسجد أو مكان أو {…فثم وجه الله…} أي هو عالم مطلع بما يفعل فيه، {…إن الله واسع عليم} بإحاطته بالأشياء أو برحمته يريد التوسعة على عباده، {…إن الله واسع عليم} بمصالحهم وأعمالهم في الأماكن كلها، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنها نزلت في صلاة المسافر على الراحلة، وقيل: في قوم عميت عليهم القبلة فصلوا إلى أنحاء مختلفة، فلما أصبحوا تبينوا خطأهم، وعلى هذا لو أخطأ المجتهد ثم تبين له الخطأ لم يلزمه التدارك، وقيل: هي توطئة لنسخ القبلة، وتنـزيه للمعبود أن يكون في حيز وجهة» [(251)].

الحجة الثامنة عشرة: قوله تعالى: {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون *} [(252)]:

قال الإمام أبو المظفر الإسفرايني : «وأن تعلم أنه سبحانه لا يجوز عليه النقص والآفة لأن الآفة نوع من المنع، والمنع يقتضي مانعا وممنوعا، وليس فوقه سبحانه مانع، وقد نبه الله تعالى عليه بقوله: {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون *} والسلام هو الذي سلم من الآفات والنقائص، والقدوس هو المنـزه عن النقائص والموانع، ويعلم بذلك أن لا طريق للآفات والنقائص والموانع إليه، وقد وصف الله تعالى ذاته بقوله: {ذو العرش المجيد *} [(253)] والمجد في كلام العرب كمال الشرف، ومن كان لنوع من النقص إليه طريق لم يكمل شرفه، ولم يجز وصفه بقوله: «مجيد» فلما اتصف به سبحانه علمنا أنه لا طريق للنقص إليه»[(254)] اهـ.

الحجة التاسعة عشرة: قوله تعالى: {…وكل شيء عنده بمقدار *} [(255)]:

قال ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل عند كلامه عن إثبات حدوث العالم بعد أن لم يكن، وتحقيق أن له محدثا لم يزل لا إله إلا هو، ما نصه: «إن كل شخص في العالم، وكل عرض في شخص، وكل زمان، وكل ذلك متناه ذو أول نشاهد ذلك حسا وعيانا، لأن تناهي الشخص ظاهر بمساحته بأول جرمه وآخره ، وأيضا بزمان وجوده.

وتناهي الزمان موجود باستئناف ما يأتي منه بعد الماضي، وفناء كل وقت بعد وجوده، واستئناف آخر يأتي بعده، إذ كل زمان نهايته الآن، وهو حد الزمانين فهو نهاية الماضي، وما بعده ابتداء للمستقبل، وهكذا أبدا يفنى زمان ويأتي آخر.

وكل جملة من جمل الزمان فهي مركبة من أزمنة متناهية، ذات أوائل كما قدمنا.

وكل جملة أشخاص فهي مركبة من أشخاص متناهية بعددها ، وذوات أوائل كما قدمنا، وكل مركب من أجزاء متناهية ذات أوائل فليس هو شيئا غير أجزائه ، إذ الكل ليس هو شيئا غير الأجزاء التي ينحل إليها، وأجزاؤه متناهية كما بينا ذات أوائل ، فالجمل كلها بلا شك متناهية ذات أوائل، والعالم كله إنما هو أشخاصه، ومكانه، وأزمانها، ومحمولاتها، ليس العالم كله شيئا غير ما ذكرناه، فالعالم كله متناه ذو أول ولا بد…

ثم استدل بدليل آخر.. إلى أن قال: وهذان الدليلان قد نبه الله تعالى عليهما وحصرهما بحجته البالغة إذ يقول: {…وكل شيء عنده بمقدار *} »[(256)] اهـ.

الحجة العشرون: قوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره… *} [(257)]:

أخرج الواحدي عن علقمة عن عبد الله قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم بلغك أن الله يحمل الخلائق على أصبع والأرضين على أصبع والشجر على أصبع والثرى على أصبع فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، فأنزل الله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره… *} الآية.

قال الواحدي: ومعنى هذا أن الله تعالى يقدر على قبض الأرض وجميع ما فيها من الخلائق والشجر قدرة أحدنا ما يحمله بأصبعه، فخوطبنا بما نتخاطب فيما بيننا لنفهم ، ألا ترى أن الله تعالى قال: {…والأرض جميعا قبضته يوم القيامة… *} أي يقبضها بقدرته»[(258)] اهـ.

وقال الأصفهاني : «وقوله {وما قدروا الله حق قدره… *} أي ما عرفوا كنهه، تنبيها أنه كيف يمكنهم أن يدركوا كنهه وهذا وصفه، وهو قوله: {…والأرض جميعا قبضته يوم القيامة… *} »[(259)] اهـ.

وذكر العلامة تقي الدين الحصني رحمه الله عن بعض أهل العلم قوله: «قد نفى الله تعالى التشبيه عنه في قوله تعالى : {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى}، دفعا لما يتبادر إليه الفهم باعتبار المحسوسات .

قال الأئمة: معناه ما عرفوه حق معرفته، وقال المبرد: ما عظموه حق عظمته ، وقبضة الله عز وجل عبارة عن قدرته وإحاطته بجميع مخلوقاته، واليمين في كلام العرب بمعنى الملك والقدرة، كما قال تعالى: {لأخذنا منه باليمين *} [(260)] أي بالقوة والقدرة، وأشعار العرب في ذلك أكثر جدا من أن تذكر وأشهر من أن تنشد وتبرز وتظهر. وفي الحديث: «الحجر الأسود يمين الله تعالى» [(261)]، وقال تعالى: {…يد الله فوق أيديهم… *} [(262)].

وقال أبو الوفاء بن عقيل من أصحاب الإمام أحمد: «ما قدروا الله حق قدره» إذ جعلوا صفاته تتساعد وتتعاضد على حمل مخلوقاته، وإنما ذكر الشرك في الآية ردا عليهم .

وفي معنى هذا الحديث قوله: «إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمـن يقلبها كيف شاء» [(263)] وفي ذلك إشارة إلى أن القلوب مقهورة لمقلبها.

قال الخطابي: واليهود مشبهة ونزول الآية دليل على إنكار الرسول عليهم، ولهذا ضحك على وجه الإنكار، وليس معنى الأصابع معنى الجارحة لعدم ثبوته، بل يطلق الاسم في ذلك على ما جاء به الكتاب من غير تكييف ولا تشبيه.

وقال غيره: من حمل الأصابع على الجارحة فقد رد على الله سبحانه وتعالى في قوله سبحانه، وأدخل نفسه في أهل الشرك، لقوله تعالى: {…سبحانه وتعالى عما يشركون *} [(264)] وهو عز وجل يذكر في كتابه المبين التحرز عما لا يليق دفعا وردا لأعداءه، كقوله تعالى: {وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه… *} [(265)]، وقال تعالى: {…وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه… *} [(266)] ونحو، وأكد من ذلك قوله: {وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا *} [(267)]، قدم تنـزيهه عز وجل أولا في هذه الآية، والقرآن طافح بذلك»[(268)] اهـ.

قال العيني: «وقد قلنا: إن الحديث من المتشابهات، والأمر فيه إما التفويض وإما التأويل، والمقصود: بيان استحقار العالم عند قدرته إذ يستعمل الحمل بالإصبع عند القدرة بالسهولة وحقارة المحمول كما تقول لمن استقل شيئا أنا أحمله بخنصري، قوله: «ثم يهزهن» وفيه إشارة أيضا إلى حقارتها أي لا يثقل عليه لا إمساكها ولا تحريكها ولا قبضها ولا بسطها»[(269)] اهـ.

الحجة الواحدة والعشرون: قوله سبحانه: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون *} [(270)] وقوله: {سبح اسم ربك الأعلى *} [(271)]:

قال تقي الدين الحصني: «ولهذا نزه سبحانه نفسه بقوله: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون *} وفي هذا غاية الحث على كثرة التنـزيه ودوامه مع أمره لأكمل خلقه في قوله تعالى: {سبح اسم ربك الأعلى *} مع غير ذلك مما في أشرف الكتب مما أذكر بعضه.

فقوله: {سبح اسم ربك الأعلى *} أي قل سبحان ربي الأعلى، والمعنى نزه اسم ربك واذكره وأنت له معظم، وقيل: نزهه عن المعاني المفضية إلى نقصه، وقيل: نزه اسمه عن الكذب إذا أقسمت به، وقيل: لفظ اسم زائد، وفي الكلام حذف المعنى نزه مسمى ربك الذي خلق فسوى أي مخلوقه، بأن خلقه مستويا بلا تفاوت فيه وفي أعضائه وغير ذلك من مخلوقاته، فإن من هذا بعض مصنوعاته يستحق التنـزيه، فكيف بمخلوقات أخر يعجز الخلق عن إدراكها لعظمها، وكلها على اختلاف أجناسها وأنواعها كل يسبحه بلغته وبما يليق بجلاله قال تعالى: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم… *} [(272)]، وقال: {…والطير صآفات كل قد علم صلاته وتسبيحه} .

قال مجاهد: تسبيح المخلوقات هو تنـزيه خالقها وتوحيده بما يستحقه من كمال صفات عظم ذاته، قيل: يفقه تسبيحهم العلماء الربانيون الذين انفتحت أسماع بصائرهم، والمنورون البصائر الذين يشاهدون كل شىء مرقوما عليه بقلم القدرة هو الملك القدوس. وقال مجاهد: كل الأشياء تسبح حيوانا وجمادا، وتسبيحها: سبحان الله وبحمده»[(273)] اهـ.

الحجة الثانية والعشرون: ومما يدل على ما قدمنا أيضا قول الله تعالى: {فلا تضربوا لله الأمثال… *} [(274)]، أي لا تجعلوا لله الشبيه والمثل فإن الله تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فلا ذاته يشبه الذوات ولا صفاته تشبه الصفات.

قال النسفي في تفسيره: «{فلا تضربوا لله الأمثال} ، فلا تجعلوا لله مثلا، فإنه لا مثل له أي فلا تجعلوا له شركاء إن الله يعلم أنه لا مثل له من الخلق وأنتم لا تعلمون ذلك، أو أن الله يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك»[(275)] اهـ.

الحجة الثالثة والعشرون: قال الله تعالى: {…ولله المثل الأعلى… *} [(276)] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عز وجل بصفات المخلوقين من التغير والتطور والحلول في الأماكن والسكنى فوق العرش، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

قال المفسر اللغوي أبو حيان الأندلسي في تفسيره: «أي الصفة العليا من تنـزيهه تعالى عن الولد والصاحبة، وجميع ما تنسب الكفرة إليه مما لا يليق به تعالى كالتشبيه والانتقال وظهوره تعالى في صورة»[(277)] اهـ.

وقال القرطبي في تفسيره : «فإن قيل: كيف أضاف المثل هنا إلى نفسه وقد قال: {فلا تضربوا لله الأمثال} فالجواب أن قوله: {فلا تضربوا لله الأمثال} أي الأمثال التى توجب الأشباه والنقائص، أي لا تضربوا لله مثلا يقتضى نقصا وتشبيها بالخلق.

والمثل الأعلى وصفه بما لا شبيه له ولا نظير، جل وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا»[(278)] اهـ.]

الحجة الرابعة والعشرون: ومما يؤيد ذلك من الأحاديث الحديث المشهور وهو ما روي أن عمران بن الحصين قال: يا رسول الله أخبرنا عن أول هذا الأمر، فقال: «كان الله ولم يكن شىء معه »[(279)]:

والحديث رواه البخاري والبيهقي وابن الجارود، وقد دللنا مرارا كثيرة على أنه تعالى لو كان مختصا بالحيز والجهة لكان ذلك الحيز شيئا موجودا معه وذلك على نقيض هذا النص.

[ومعنى الحديث أن الله لم يزل موجودا في الأزل، ليس معه غيره لا ماء و لا هواء ولا أرض و لا سماء ولا كرسي ولا عرش ولا إنس ولا جن ولا ملائكة ولا زمان ولا مكان ولا جهات، فهو تعالى موجود قبل المكان بلا مكان وهو الذي خلق المكان فليس بحاجة إليه، وهذا يستفاد من الحديث المذكور[(280)]. ولا يوصف سبحانه بالتغير لأن التغير صفة المخلوقين، فلا يقال كما تقول المشبهة إن الله كان في الأزل ولا مكان ثم بعد أن خلق المكان صار هو في مكان وجهة فوق والعياذ بالله تعالى. وما أحسن قول المسلمين المنـزهين في لبنان: «سبحان الذي يغير ولا يتغير» ، وهذه عبارة سليمة عند أهل السنة، غير أن المشبهة المجسمة أدعياء السلفية تشمئز نفوسهم منها لأنها تهدم عليهم عقيدة التشبيه،وتقول العامة أيضا: «لا يبقى على ما هو إلا هو».

الحجة الخامسة العشرون: والحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء »[(281)].

فلو كان الأمر كما تقول المشبهة إن الله ساكن فوق ما كان النبي قال: «أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد».

قال الحافظ جلال الدين السيوطي الشافعي: «قال القرطبي: هذا أقرب بالرتبة والكرامة لا بالمسافة لأنه منـزه عن المكان والمساحة والزمان ، وقال البدر بن الصاحب في تذكرته: في الحديث إشارة إلى نفي الجهة عن الله تعالى، وأن العبد في انخفاضه غاية الانخفاض يكون أقرب ما يكون إلى الله تعالى» [(282)] اهـ.

الحجة السادسة والعشرون: والحديث الذي أخرجه ابن حبان من طريق ابن مسعود «أقرب ما تكون المرأة من وجه ربها إذا كانت في قعر بيتها» [(283)] ورواه البيهقي من حديث عائشة بلفظ «ولأن تصلي في الدار خير لها من أن تصلي في المسجد»[(284)] وإسناده حسن، ولابن حبان من حديث أم حميد نحوه[(285)].

وعند الحافظ الهيثمي عن ابن مسعود قال: «ما صلت امرأة في موضع خير لها من قعر بيتها إلا أن يكون المسجد الحرام أو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلا امرأة تخرج في منقليها»[(286)]، يعني: خفيها، رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.

وعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المرأة عورة وإنها إذا خرجت استشرفها الشيطان وإنها أقرب ما تكون إلى الله وهي في قعر بيتها» رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون[(287)].

قال شيخنا الحافظ العلامة عبد الله الهرري رحمه الله رحمة واسعة: وماذا تقول الوهابية في هذا الحديث هل يؤولون الوجه أم يتركونه على الظاهر، فإن أولوا بما أول به السلف كان ذلك موافقة للسلف ونقضا لمذهبهم بمنع التأويل، وإن أولوه بالذات فقد نقضوا اعتقادهم بأن الله فوق العرش لأنه يلزم على هذا بأن الله قريب إلى المرأة بالمسافة .

فماذا يصنعون؟! هل يتركون مذهبهم الذي هو التجسيم وجعل الله على ظهر العرش؟!

فإن المسافة ما بين العرش إلى حيث تكون المرأة في الأرض معلوم أنها لفي غاية البعد أم ماذا يصنعون.

فإن قالوا: قرب معنوي فقد نقضوا مذهبهم أيضا، وهذا إلزام لا مهرب لهم منه والحديث ثابت رواه ابن حبان وغيره »[(288)] اهـ.

الحجة السابعة العشرون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شىء، وأنت الآخر فليس بعدك شىء، وأنت الظاهر فليس فوقك شىء، وأنت الباطن فليس دونك شىء» رواه مسلم وأبو داود والبيهقي[(289)].

قال الطبري – الذي هو من السلف – في تفسيره : «فلا شىء أقرب إلى شىء منه ، كما قال {…ونحن أقرب إليه من حبل الوريد *} [(290)][(291)] اهـ. أي أن الإمام الطبري نفى القرب الحسي الذي تفتريه المجسمة، أما القرب المعنوي فلا ينفيه، وهذا دليل على تنـزيه الله عن المكان والجهة.

فالله تعالى هو الأول أي الأزلي الذي لا ابتداء لوجوده، كان ولم يكن مكان ولا زمان ثم خلق الأماكن والأزمنة ولا يزال موجودا بلا مكان، ولا يطرأ عليه تغير لا في ذاته ولا في صفاته.

قال الحافظ البيهقي ما نصه: «استدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه أي عن الله بقول النبي صلوات ربي وسلامه عليه: «أنت الظاهر فليس فوقك شىء وأنت الباطن فليس دونك شىء» [(292)]وإذا لم يكن فوقه شىء ولا دونه شىء لم يكن في مكان» [(293)] اهـ.

وهذا شىء ظاهر جدا في هذا الحديث. فإذا قال المشبه: فليس دونك شىء ليس المراد أنه ليس هناك شىء تحت الله حسا وإنما المراد شىء آخر.

نقول له: تأولت وهذا خلاف الظاهر، لماذا تأولت هنا بغير دليل؟ إذا نحن أولنا بدليل تنكر علينا، أنت هنا تريد أن تؤول من غير دليل لأن الحديث يشهد عليك. هذا الحديث فيه رد ظاهر على الذين ينسبون الجهة إلى الله.

وقال الإمام النووي: «وأما معنى الظاهر من أسماء الله فقيل: هو من الظهور بمعنى القهر والغلبة وكمال القدرة، ومنه ظهر فلان على فلان، وقيل: الظاهر بالدلائل القطعية. والباطن المحتجب عن خلقه، وقيل: العالم بالخفيات»[(294)] اهـ.

وقال شيخنا العبدري رحمه الله لبعض تلاميذه موجها إياه لمناظرة بعض مشبهة هذا العصر كفانا الله شرهم: احصره عند هذا الحديث يختنق .

الحجة الثامنة والعشرون: ومن الدليل على ما نحن فيه ما جاء عن أبي موسى رضي الله عنه قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، فجعلنا لا نصعد شرفا ولا نهبط واديا إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير ، والتفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس، ضعوا من أصواتكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعون دون ركابكم»[(295)]:

روى الحافظ البيهقي عند كلامه على اسم الله القريب: «وقال جل وعلا: {…إنه سميع قريب *} [(296)].

– ثم ساق سند حديث – عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم كلما أشرفنا على واد هللنا وسبحنا وارتفعت أصواتنا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس، اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنه معكم سميع قريب» . رواه البخاري في «الصحيح»[(297)]، عن محمد بن يوسف الفريابي، وأخرجاه من وجه آخر ورواه خالد الحذاء، عن أبي عثمان، وزاد فيه: «إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» . قال الحليمي: « ومعناه أنه لا مسافة بين العبد وبينه فلا يسمع دعاءه أو يخفى عليه حاله، كيف ما تصرفت به، فإن ذلك يوجب أن يكون له نهاية، وحاشا له من النهاية .

وقال الخطابي: معناه أنه قريب بعلمه من خلقه قريب ممن يدعوه بالإجابة كقوله: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان… *} [(298)][(299)] اهـ.

وروى: «عن مجاهد في قوله تعالى: {إذ يغشى السدرة ما يغشى *} [(300)] قال: كان أغصان السدرة من لؤلؤ وياقوت وزبرجد، فرآه محمد صلى الله عليه وسلم بقلبه، ورأى ربه، وعن مجاهد في قوله عز وجل: {فكان قاب قوسين أو أدنى *} [(301)] يعني: حيث الوتر من القوس، يعني ربه تبارك وتعالى من جبريل عليه السلام.

قلت (الحافظ البيهقي): فعلى هذه الطريقة المراد بالقرب المذكور في الآية قرب من حيث الكرامة لا من حيث المكان ، ألا تراه قال: {…أو أدنى} ، وإنما يتصور الأدنى من قاب قوسين في الكرامة، وهو كقوله عز وجل: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} يعني: بالإجابة، ألا تراه قال: {…أجيب دعوة الداع إذا دعان} ، وقد قال: {ونحن أقرب إليه منكم… *} [(302)].

وقال: {…ونحن أقرب إليه من حبل الوريد *} [(303)]، وإنما أراد بالعلم والقدرة لا قرب البقعة ، ونظيره من الحديث: … عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، فجعلنا لا نصعد شرفا ولا نهبط واديا إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، والتفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس، ضعوا من أصواتكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعون دون ركابكم» [(304)] اهـ.

وفي شرح البخاري للحافظ ابن حجر عند الكلام على حديث جابر: «كنا إذا صعدنا كبرنا إذا نزلنا سبحنا»، من كتاب الجهاد ما نصه:

«قال المهلب: تكبيره صلى الله عليه وسلم عند الارتفاع استشعار لكبرياء الله عز وجل وعند ما يقع عليه العين من عظيم خلقه أنه أكبر من كل شىء. وتسبيحه في بطون الأودية مستنبط من قصة يونس، فإن بتسبيحه في بطن الحوت نجاه الله من الظلمات، فسبح النبي صلى الله عليه وسلم في بطون الأودية لينجيه الله منها، وقيل مناسبة التسبيح في الأماكن المنخفضة من جهة أن التسبيح هو التنـزيه فناسب تنـزيه الله عن صفات الانخفاض كما ناسب تكبيره عند الأماكن المرتفعة. ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محالا على الله أن لا يوصف بالعلو لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس . وكذلك في صفته تعالى: العالي والعلي والمتعالي، ولم يرد ضد ذلك وإن كان قد أحاط بكل شىء علما جل وعز»[(305)] اهـ.

الحجة التاسعة والعشرون: ومما يدل أيضا على ذلك ما رواه مسلم عن أنس بن مالك: «أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء»[(306)] أي أن النبي جعل بطون كفيه إلى جهة الأرض :

قال الحافظ النووي: «قوله إن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء، قال جماعة من أصحابنا وغيرهم: السنة في كل دعاء لرفع بلاء كالقحط ونحوه أن يرفع يديه ويجعل ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شىء وتحصيله جعل بطن كفيه إلى السماء» [(307)] اهـ.

وفي ذلك إشارة إلى أن الله عز وجل ليس متحيزا في جهة العلو كما أنه ليس في جهة السفل.

الحجة الثلاثون: ويدل أيضا على ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى» [(308)] اهـ واللفظ للبخاري.

قال المفسر أبو عبد الله القرطبي في تفسيره ما نصه: «قال أبو المعالي: قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تفضلوني على يونس بن متى» المعنى فإني لم أكن وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله منه وهو في قعر البحر في بطن الحوت، وهذا يدل على أن البارئ سبحانه وتعالى ليس في جهة»[(309)] اهـ.

وقال العلامة المحدث الفقيه عبد الله الهرري رحمه الله رحمة واسعة ما نصه: «ومما استدل به أهل السنة على أن العروج بالنبي إلى ذلك المستوى الذي لما وصل إليه سمع كلام الله لم يكن لأن الله تعالى متحيز في تلك الجهة، أن موسى لم يسمع كلامه وهو عارج في السموات إلى محل كالمحل الذي وصل إليه الرسول محمد، بل سمع وهو في الطور، والطور من هذه الأرض؛ فيعلم من هذا أن الله موجود بلا مكان، وأن سماع كلامه ليس مشروطا بالمكان، وأن صفاته ليست متحيزة بالمكان، جعل سماع محمد لكلامه الأزلي الأبدي في وقت كان فيه محمد في مستوى فوق السموات السبع حيث يعلم الله، وموسى كان سماعه في الطور، وأن نبينا صلى الله عليه وسلم صار مشرفا بجميع أقسام التكليم الإلهي المذكور في تلك الآية، ولم يجتمع هذا لنبي سواه»[(310)] اهـ.

فإذا استوفينا هذه الدلائل والحجج والبراهين فما أحسن أن نختم بكلام جامع يجمع ما تفرق هناك، وهي الطريقة التي أشرت لها في المقدمة :

قال أبو نصر القشيري في التذكرة الشرقية: فإن قيل: أليس الله يقول: {الرحمان على العرش استوى *} [(311)] فيجب الأخذ بظاهره.

قلنا: الله يقول أيضا: {…وهو معكم أين ما كنتم… *} [(312)] ويقول: {…ألا إنه بكل شيء محيط *} [(313)] فينبغي أيضا (أي على مقتضى اتباع المشبهة للظاهر وتركهم للتأويل) أن نأخذ بظاهر هذه الآيات حتى يكون على العرش وعندنا ومعنا ومحيطا بالعالم محدقا به بالذات في حالة واحدة، والواحد يستحيل أن يكون بذاته في حالة بكل مكان.

قالوا: قوله تعالى: {…وهو معكم} يعني بالعلم و{…بكل شيء محيط} إحاطة العلم.

قلنا: وقوله: {…على العرش استوى} قهر وحفظ وأبقى» [(314)] اهـ.

يعني أنهم قد أولوا هذه الآيات ولم يحملوها على ظواهرها فكيف يعيبون على غيرهم تأويل آية الاستواء بالقهر فما هذا التحكم؟!

قال الإمام علم الهدى أبو منصور الماتريدي السمرقندي: «وجملة ذلك أن إضافة كلية الأشياء إليه، وإضافته عز وجل إليها يخرج مخرج الوصف له بالعلو والرفعة ومخرج التعظيم له والجلال:

كقوله: {…له ملك السماوات والأرض… *} [(315)] {…رب السماوات والأرض… *} [(316)]، إله الخلق (يريد قوله تعالى في الأنعام: {ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء… *} [(317)] رب العالمين، وفوق كل شىء (يريد قوله تعالى في الأنعام: {وهو القاهر فوق عباده… *} [(318)]، ونحوه.

وإضافة الخاص إليه يخرج مخرج الاختصاص له بالكرامة والمنزلة والتفضيل له على من هو بجوهره: نحو قوله: {إن الله مع الذين اتقوا… *} [(319)]، وقوله: {وأن المساجد لله… *} [(320)] {…ناقة الله… *} [(321)]، بيت الله، وغير ذلك، ولا يخرج شىء من ذلك على مثل المفهوم من إضافة الخلق بعضهم إلى بعض ، لا قطع احتمال مثله في الخلق، إذ قد تخرج أيضا إضافة التخصيص مخرج التفضيل، والعموم مخرج فضل السلطان والولاية»[(322)].

وقال عند كلامه على الاستواء: «وبعد، فإنه ليس في الارتفاع إلى ما يعلو من المكان للجلوس أو القيام شرف ولا علو ولا وصف بالعظمة والكبرياء كمن يعلو السطوح أو الجبال إنه لا يستحق الرفعة على من دونه عند استواء الجوهر، فلا يجوز صرف تأويل الآية إليه مع ما فيها ذكر العظمة والجلال إذ ذكر في قوله تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض… *} [(323)] فدلك على تعظيم العرش أي شىء كان من نور أو جوهر لا يبلغه علم الخلق، وقد روي عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه وصف الشمس أن جبريل يأتيها بكف من ضوء العرش فيلبسها كما يلبس أحدكم قميصه كل يوم تطلع، وذكر في القمر كفا من نور العرش.

فإضافة الاستواء إليه لوجهين:

أحدهما: على تعظيمه بما ذكره على أثر ذكر سلطانه في ربوبيته وخلقه ما ذكر.

والثاني: على تخصيصه بالذكر بما هو أعظم الخلق وأجله على المعروف من إضافة الأمور العظيمة إلى أعظم الأشياء، كما يقال: تم لفلان ملك بلد كذا واستوى ، على موضع كذا لا على خصوص ذلك في الحق، ولكن معلوم أن من له ملك ذلك فما دونه أحق» [(324)] اهـ.

إلى أن قال: «فأشار إليه ليعلم علوه عن الأمكنة وتعاليه عن الحاجة ، وعلى ذلك قوله: {…ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم… *} [(325)] والنجوى ليس من نوع ما يضاف إلى المكان، ولكن يضاف إلى الأفراد، فأخبر بعلوه عن الأمكنة وتعاليه عن أن يخفى عليه شىء، ثم بقدرته بقوله: {…ونحن أقرب إليه من حبل الوريد *} [(326)] أي بالسلطان والقوة، وبألوهيته في البقاع كلها، لأنها أمكنة العبادة، وبقوله: {وهو الذي في السماء إله… *} [(327)] ويملك كل شىء بقوله: {…له ملك السماوات والأرض… *} [(328)]، ثم بعلوه وجلاله بقوله: {وهو القاهر فوق عباده… *} [(329)]، وقوله: {…وهو بكل شيء عليم *} [(330)] وقوله: {…وهو على كل شيء قدير *} [(331)]، فجمع في هذه الأحرف ما فرق في تلك ليعلم أنه بكل ما سمى به ووصف كان، كان ذلك بذاته لا بشىء من خلقه، وكذلك عزه وشرفه ومجده، جل ثناؤه عن الأشباه ولا إله غيره» اهـ.

ثم قال بعد أن ذكر بعض التأويلات في تفسير الاستواء أغفلت نقلها هنا عمدا طلبا للاختصار، ما نصه: «وأما الأصل عندنا في ذلك أن الله تعالى قال: {…ليس كمثله شيء… *} [(332)]، فنفى عن نفسه شبه خلقه، وقد بينا أنه في فعله وصفته متعال عن الأشباه ، فيجب القول بالرحمـن على العرش استوى على ما جاء به التنـزيل وثبت ذلك في العقل، ثم لا نقطع تأويله على شىء لاحتماله غيره مما ذكرنا واحتماله أيضا، ما لم يبلغنا مما يعلم أنه غير محتمل شبه الخلق ، ونؤمن بما أراد الله به، وكذلك في كل أمر ثبت التنـزيل فيه نحو الرؤية وغير ذلك يجب نفى الشبه عنه، والإيمان بما أراده من غير تحقيق على شىء دون شىء والله الموفق.

الأصل في هذا أن الأمر يضيق على السامع بما يقدره من المفهوم عن الخلق في الوجود ، وإذ لزم القول في الله بالتعالى عن الأشباه ذاتا وفعلا لم يجز أن يفهم من الإضافة إليه المفهوم من غيره في الوجود مع ما كان الوقوف على المعنى يصرف إليه الكلام في الخلق بما هو علمه به قبل سمع ذلك الكلام، والله سبحانه عرف قبل سمع ذلك الكلام على غير الذي عرف عليه الخلق لم يجز صرف التأويل إلى ما فهمه من الخلق إذ سببه العلم المتقدم منه على احتمال ذلك المعنى معنى قد يفهم من الشاهد، من (على) ومن (العرش) ومن (الاستواء) معان مختلفة، لم يجز صرف ذلك إلى أوحش وجه وثمة لأحسن ذلك مساغ، مع ما كان الله يمتحن بالوقوف في أشياء كما جاء من نعوت الوعد والوعيد وما جاء من الحروف المقطعة وغير ذلك مما يؤمن المرء أن يكون ذا مما المحنة فيه الوقف لا القطع، والله أعلم»[(333)] اهـ.

يصدق ذلك ما نقله الإمام الأصولي أبو منصور البغدادي الإسفرايني التميمي حيث قال ما نصه: «وأجمعوا – يريد أهل السنة والجماعة – على أنه لا يحويه مكان ولا يجرى عليه زمان، على خلاف قول من زعم من الهشامية والكرامية أنه مماس لعرشه، وقد قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: «إن الله خلق العرش إظهارا لقدرته ولم يتخذه مكانا لذاته» ، وقال أيضا: «قد كان ولا مكان وهو الآن على ما كان»[(334)] اهـ.

وقال أبو بكر الباقلاني: «مسألة: ويجب أن يعلم أن كل ما يدل على الحدوث أو على سمة النقص فالرب تعالى يتقدس عنه. فمن ذلك: أنه تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات، والاتصاف بصفات المحدثات، وكذلك لا يوصف بالتحول والانتقال، ولا القيام والقعود، لقوله تعالى: {…ليس كمثله شيء… *} وقوله: {ولم يكن له كفوا أحد *} ، ولأن هذه الصفات تدل على الحدوث، والله تعالى يتقدس عن ذلك.

فإن قيل أليس قد قال: {الرحمان على العرش استوى *} .

قلنا: بلى، قد قال ذلك، ونحن نطلق ذلك وأمثاله على ما جاء في الكتاب والسنة، لكن ننفي عنه أمارة الحدوث، ونقول: استواؤه لا يشبه استواء الخلق، ولا نقول إن العرش له قرار، ولا مكان، لأن الله تعالى كان ولا مكان، فلما خلق المكان لم يتغير عما كان [(335)].

وقال أبو عثمان المغربي يوما لخادمه محمد المحبوب: لو قال لك قائل: أين معبودك؟ ماذا كنت تقول له؟ فقال: أقول حيث لم يزل ولا يزول. قال: فإن قال: فأين كان في الأزل؟ ماذا تقول؟ فقال: أقول حيث هو الآن. يعني: إنه كما كان ولا مكان.

وقال أبو عثمان: كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة، فلما قدمت بغداد وزال ذلك عن قلبي، فكتبت إلى أصحابنا: إني قد أسلمت جديدا.

وقد سئل الشبلي عن قوله تعالى: {الرحمان على العرش استوى *} فقال: الرحمـن لم يزل ولا يزول، والعرش محدث، والعرش بالرحمـن استوى[(336)].

وقال جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: من زعم أن الله تعالى في شىء أو من شىء، أو على شىء، فقد أشرك؛ لأنه لو كان على شىء لكان محمولا، ولو كان في شىء لكان محصورا، ولو كان من شىء لكان محدثا، والله يتعالى عن جميع ذلك»[(337)] اهـ.

ثم يتابع الإمام أبو منصور الماتريدي رحمات الله عليه: «وأما رفع الأيدي إلى السماء فعلى العبادة، ولله أن يتعبد عباده بما شاء، ويوجههم إلى حيث شاء، وإن ظن من يظن أن رفع الأبصار إلى السماء لأن الله من ذلك الوجه، إنما هو كظن من يزعم أنه إلى جهة أسفل الأرض بما يضع عليها وجهه متوجها في الصلاة ونحوها، وكظن من يزعم أنه في شرق الأرض وغربها بما يتوجه إلى ذلك في الصلاة أو نحو مكة لخروجه إلى الحج، وفي المشاعر بالسعي فيها ضالة أو ناحية العدو ويقصدون قصد من يغلب على شىء يستنفد منه جل الله عن ذلك، ثم الله سبحانه إذ ليس وجه أقرب إليه من وجه، ولا أحق أن يعلمه من وجه ولا في وسع الخلق وجه الوصول إليه من وجه دون وجه، ولا طمع العقول بما هو عالم بذاته غنى عن عبادة خلقه، فتعبدهم لأنفسهم أن يقوموا بشكر نعمه، له المحنة كيف شاء لا يسبق إلى وهم أحد الوصول إليه في جهة دون جهة إلا من يعرف الله حق المعرفة.

وقد بينا فيما تقدم وصف قربه وذلك بالإجابة كقوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب… *} [(338)] وبالنصر والمعونة كقوله تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون *} [(339)] والتقرب إلى المنزلة والمحل كقوله تعالى: {…واسجد واقترب *} [(340)]، وما روى أن من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا إلى آخر ذلك وقوله: {…وابتغوا إليه الوسيلة… *} [(341)]، وفي الكلاءة والحفظ كقوله: {…وربك على كل شيء حفيظ *} [(342)] {…وهو على كل شيء وكيل *} [(343)]، وقوله: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت… *} [(344)]، وبالعلم بقوله: {…يعلم سركم وجهركم… *} [(345)]، وغير ذلك، فعلى مثل بعض هذه الوجوه المجيء والذهاب مع ما كان مجيء الأجسام يفهم منه الانتقال ثم مجيء الحق يفهم منه الظهور كقوله: {وقل جاء الحق… *} [(346)]، وعلى ذلك ذهاب الباطل بطلانه، وذهاب الجسم انتقاله، فهذا محل المجيء والذهاب في المعروف من الأعراض والأجسام، والله يتعالى عن المعنيين جميعا لم يجز أن يفهم من المضاف إليه ذلك ولا قوة إلا بالله.

للمسألة عبارة أخرى أنه ما من جهة ولا حالة إلا لله على عباده فيها نعم لا تحصى، فجعل عليهم بها وفيها عبادات، كما جعل في الجوارح والأموال بها له فيهما من النعم ولا قوة إلا بالله.

على أن السماء هي محل ومهبط الوحي ومنها أصول بركات الدنيا فرفع إليها البصر لذلك ولا قوة إلا بالله»[(347)] اهـ.

قال أبو حامد الغزالي : «فانظر كيف تلطف الشرع بقلوب الخلق وجوارحهم في سياقهم إلى تعظيم الله، وكيف جهل من قلت بصيرته ولم يلتفت إلا إلى ظواهر الجوارح والأجسام، وغفل عن أسرار القلوب واستغنائها في التعظيم عن تقدير الجهات، وظن أن الأصل ما يشار إليه بالجوارح ولم يعرف أن المظنة الأولى لتعظيم القلب ، وأن تعظيمه باعتقاد علو الرتبة لا باعتقاد علو المكان ، وأن الجوارح في ذلك خدم وأتباع يخدمون القلب على الموافقة في التعظيم بقدر الممكن فيها، ولا يمكن في الجوارح إلا الإشارة إلى الجهات، فهذا هو السر في رفع الوجوه إلى السماء عند قصد التعظيم، ويضاف إليه عند الدعاء أمر آخر وهو أن الدعاء لا ينفك عن سؤال نعمة من نعم الله تعالى، وخزائن نعمه السموات، وخزان أرزاقه الملائكة ومقرهم ملكوت السموات وهم الموكلون بالأرزاق. وقد قال الله تعالى: {وفي السماء رزقكم وما توعدون *} [(348)] والطبع يتقاضى الإقبال بالوجه على الخزانة التي هي مقر الرزق المطلوب، فطلاب الأرزاق من الملوك إذا أخبروا بتفرقة الأرزاق على باب الخزانة مالت وجوههم وقلوبهم إلى جهة الخزانة، وإن لم يعتقدوا أن الملك في الخزانة فهذا هو محرك وجوه أرباب الدين إلى جهة السماء طبعا وشرعا»[(349)] اهـ.

وقال الإمام العارف الشيخ السيد محمد مهدي الصيادي الرفاعي الحسيني الشهير بالرواس رضي الله عنه في معراج القلوب (23-24): «أيها الوارث الروحي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحقق بالتوحيد الخالص، نزه الله في ذاته وصفاته، طهر قلبك من لوث رؤية الأغيار، أثبت في لوح سرك حكم حكمة التوحيد، بأن لا تشهد لغير الواحد سبحانه وتعالى قدرة في فعل من الأفعال،… واحفظ نظرك من مصيبة التجسيم والتشبيه والفوقية والتحتية ، وأجر الصفات مجراها، حكم النص في اعتقادك، ورد تأويله إلى الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم.

واعلم أن الحدث لا يحيط إلا بالحدث، وقد عرفنا القرآن العظيم حقيقة التوحيد، ففي كتاب الله تعالى قال الله وهو أصدق القائلين {…ليس كمثله شيء… *} وقال سبحانه {…ألا إنه بكل شيء محيط *} [(350)] وقال جلت عظمته {…وهو على كل شيء قدير *} [(351)] وقال تبارك اسمه {…كل شيء هالك إلا وجهه… *} [(352)].

– فنفي المثلية قطع الأفكار عن الخوض بلجة التشبيه.

– وإثبات الإحاطة المطلقة بالأشياء قطع وهم الفوقية والتحتية.

– والتفرد بالقدرة محق قدرة الغير.

– والبقاء المطلق قطع مجانسة الحدث الهالك بحال من الأحوال، وشأن من الشؤون {…ألا إلى الله تصير الأمور *} [(353)] وهذا هو التوحيد.

فقد ورد على لسان سيدنا ومولانا الإمام الأكبر السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه: «التوحيد وجدان تعظيم في القلب يمنع عن التعطيل والتشبيه» [(354)] اهـ.

وقال القرطبي في تفسيره قول الله تعالى: {أأمنتم من في السماء… *} [(355)] ما نصه: «والمراد بها توقيره وتنـزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود لأنها صفات الأجسام ، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء لأن السماء مهبط الوحي ومنـزل القطر ومحل القدس ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله الكعبة قبلة للدعاء والصلاة، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل أن خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان» [(356)] اهـ.

تعالى الله عن أن يقال: كيف هو؟ أو أين[(357)] هو؟[(358)].

فالله تعالى لا يجوز عليه الأينية لأن من لا مكان الله لا يقال فيه أين كان، ولا تجوز عليه الكيفية لأن من لا مثل له لا يجوز أن يقال فيه كيف، هو الذي أين الأين فلا يقال له أين، والكيفية هي الصفات التي تقوم بالجرم أي الحجم.

قال الحافظ ابن الجوزي: «إنما يقع الإشكال في وصف من له أشكال، وإنما تضرب الأمثال لمن له أمثال، فأما من لم يزل ولا يزال فما للحس معه مجال، عظمته عظمت عن نيل كف الخيال .

كيف يقال له كيف والكيف في حقه محال، أنى تتخايله الأوهام وهي صنعه، كيف تحده العقول وهي فعله، كيف تحويه الأماكن وهي وضعه، انقطع سير الفكر، وقف سلوك الذهن، بطلت إشارة الوهم، عجز لطف الوصف، عشيت عين العقل، خرس لسان الحس…، جادة التسليم سليمة، وادي النقل بلا نقع، انزل عن علو غلو التشبيه، ولا تعل قلل أباطيل التعطيل، فالوادي بين جبلين، المشبه متلوث بفرث التجسيم، والمعطل نجس بدم الجحود، ونصيب المحق لبن خالص هو التنـزيه ، تخمر في نفوس الكفار حب الأصنام فجاء محمد فمحا ذلك بالتوحيد، وتخمر في قلوب المشبهة حب صورة وشكل، حييت فمحوتها بالتنـزيه، والعلماء ورثة الأنبياء، ما عرفه من كيفه، ولا وحده من مثله، ولا عبده من شبهه، المشبه أعشى والمعطل أعمى.

..تعالى عن بعضية من، وتقدس عن ظرفية في، وتنـزه عن شبه كان، وتعظم عن نقص لو أن، وعز عن عيب إلا أن، وسما كماله عن تدارك لكن.

..سبحان من أقام من كل موجود دليلا على عزته، ونصب علم الهدى على باب حجته، الأكوان كلها تنطق بالدليل على وحدانيته، وكل موافق ومخالف يمشي تحت مشيئته، إن رفعت بصر الفكر ترى دائرة الفلك في قبضته، وتبصر شمس النهار وبدر الدجى يجريان في بحر قدرته، والكواكب قد اصطفت كالمواكب على مناكب تسخير سطوته، فمنها رجوم للشياطين ترميهم فترميهم عن حمى حمايته، ومنها (النجوم) سطور في المهامة[(359)] يقرؤها المسافر في سفر سفرته، وإن خفضت البصر رأيت الأرض ممسكة بحكمة حكمته»[(360)] اهـ. بتصرف خفيف.

وقال في مقدمة كتابه اللطف في الوعظ: «لا بصفة الأول يحكم له مبدأ، ولا بالآخر صار له منتهى، ولا من الظاهر فهم له شبح، ولا من الباطن تعطل له وصف، خرست في (حق الله سبحانه) صولة لم؟ وكفت لهيبة الحق كف كيف؟ وغشيت لأنوار العزة عين عين الفكرة، فأقدام الطلب واقفة على حمى التسليم، جل عن أشباه وأمثال، وتقدس عن أن تضرب له الأمثال، وإنما يقع الاشتباه والإشكال، في حق من له أنداد وأشكال، المشبه ملوث بفرث التجسيم، والمعطل نجس بدم الجحود، ونصيب المحق من بين فرث ودم لبن خالص ، هو المنـزه لا يقال: لم لفعله؟ ولا متى لكونه؟ ولا فيم لذاته؟ ولا كيف لوصفه؟ ليس في صفاته أين؟ ولا مما يدخل في أحديته من، (فمتى عرف العبد أن مولاه قديم لا بداية له فقد دله ذلك) على التنـزيه، وعلم أنه لا ينطبع فيها شبح الشريك، ولا خيال التشبيه «تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في ذات الله فتهلكوا» إذا استقبل الرمد الريح فقد تعرض لزيادة الرمد.

جاء البعوض إلى سليمان عليه السلام يشكو من الريح، فاستحضر سليمان الريح، فذهب البعوض، فقال سليمان: إلى أين؟ فقال: لو كان لي قوة الثبوت معها ما شكوت منها»[(361)] اهـ.

وهو معنى قول جده الحبيب أبي بكر الصديق رضي الله عنه: «العجز عن درك الإدراك إدراك» [(362)] اهـ.

قال أبو المظفر الإسفرايني : «وأن تعلم أنه لا يجوز عليه الكيفية والكمية والأينية، لأن من لا مثل له لا يمكن أن يقال فيه كيف هو، ومن لا عدد له لا يقال فيه كم هو، ومن لا أول له لا يقال له مم كان، ومن لا مكان له لا يقال فيه أين كان، وقد ذكرنا من كتاب الله تعالى ما يدل على التوحيد ونفي التشبيه ونفي المكان والجهة ونفي الابتداء والأولية، وقد جاء فيه عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أشفى البيان حين قيل له: أين الله؟ فقال: إن الذي أين الأين لا يقال له أين. فقيل له: كيف الله؟ فقال إن الذي كيف الكيف لا يقال له كيف»[(363)] اهـ.]

سبحانه ما أثنى عليه حق ثنائه غيره، ولا وصفه بما يليق به سواه، عجز الأنبياء والمرسلون عن ذلك، قال أجلهم قدرا وأرفعهم محلا وأبلغهم نطقا مع ما أعطى من جوامع الكلم: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» [(364)].

ومن تأمل كلام الله عز وجل وجده محشوا بتنـزيهه تارة بالتصريح وتارة بالتلويح وتارة بالإشارات [(365)].

فقد ثبت أن في القرآن والأخبار دلائل كثيرة تدل على تنـزيه الله تعالى عن الحجمية والجسمية والحيز والجهة.

ـ[186]   سورة الإخلاص: 1 – 4 .

ـ[187]   الجوهر الفرد: هو اصطلاح يطلقه علماء التوحيد على الجزء الذي لا يتجزأ.

ـ[188]   تفسير البيضاوي (5/547).

ـ[189]   التبصير في الدين (ص/162)، الباب الخامس عشر في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة وبيان مفاخرهم.

ـ[190]   يريد رضي الله عنه نفي التغير عن الله سبحانه.

ـ[191]   التفسير الكبير للفخر الرازي (32/182).

ـ[192]   التفسير الكبير (7/114).

ـ[193]   سورة الشعراء: جزء من الآية 23 .

ـ[194]   أي على قومه ليهديهم إلى سبيل الحق، لا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان كافرا أو مشركا ويكفي لكف ذلك الوهم قوله تعالى: {…ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين *} [سورة آل عمران].

ـ[195]   سورة الأنعام: جزء من الآية 79 .

ـ[196]   بمعنى أن المتشابهات يجوز عليها ما يجوز على بعضها.

ـ[197]   سورة الأنعام، الآية: 79 .

ـ[198]   التسهيل لعلوم التنـزيل (2/14).

ـ[199]   سورة الأنعام: 74 .

ـ[200]   سورة الأنعام: 75 .

ـ[201]   سورة الأنعام: 76 .

ـ[202]   سورة الأنعام: 77 .

ـ[203]   سورة الأنعام: 78 .

ـ[204]   سورة الأنعام: 79 .

ـ[205]   تفسير الحلالين: (1/174-175).

ـ[206]   سورة الأنعام: 83 .

ـ[207]   التبصير في الدين (ص/160).

ـ[208]   سورة البقرة: 258 .

ـ[209]   أحكام القرآن (2/172).

ـ[210]   سورة الشورى: جزء من الآية 11 .

ـ[211]   التفسير الكبير (22/6).

ـ[212]   التفسير الكبير (5/181).

ـ[213]   زاد المسير (7/276).

ـ[214]   دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى السيد الجليل الإمام أحمد (ص/19).

ـ[215]   أساس التقديس (ص/28 – 29).

ـ[216]   سورة محمد: جزء من الآية 38 .

ـ[217]   سورة الأنعام: جزء من الآية 133 .

ـ[218]   سورة الشورى: جزء من الآية 11 .

ـ[219]   التفسير الكبير: (13/4).

ـ[220]   سورة البقرة: جزء من الآية 255 .

ـ[221]   في التفسير الكبير (ج7/ص5).

ـ[222]   سورة مريم: جزء من الآية 65 .

ـ[223]   التفسير الكبير للفخر الرازي (5/181).

ـ[224]   سورة الحشر: جزء من الآية 24 .

ـ[225]   التبصير في الدين (ص/160).

ـ[226]   سورة الحديد: جزء من الآية 3 .

ـ[227]   دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى السيد الجليل الإمام أحمد (ص/19).

ـ[228]   سورة طه: جزء من الآية 110 .

ـ[229]   سورة الأنعام: جزء من الآية 103 .

ـ[230]   سورة البقرة: 186 .

ـ[231]   سورة النور: جزء من الآية 43 .

ـ[232]   سورة الفرقان: جزء من الآية 48 .

ـ[233]   سورة طه: 4 .

ـ[234]   سورة الأعراف: جزء من الآية 54 .

ـ[235]   سورة الأنعام: جزء من الآية 12 .

ـ[236]   سورة الأنعام: جزء من الآية 13 .

ـ[237]   سورة الحاقة: جزء من الآية 17 .

ـ[238]   سورة غافر: جزء من الآية 7 .

ـ[239]   سورة القصص: جزء من الآية 88 .

ـ[240]   لكن ورد استثناء العرش وأشياء في بعض الآثار، وهو إنما يورد ذلك من باب الفرض لا أن ذلك واقع.

ـ[241]   سورة الحديد: جزء من الآية 3 .

ـ[242]   سورة العلق: جزء من الآية 19 .

ـ[243]   سورة النجم: 8 – 9 .

ـ[244]   سورة العنكبوت: جزء من الآية 26 .

ـ[245]   الغنية في أصول الدين (1/79).

ـ[246]   سورة البقرة: جزء من الآية 22 .

ـ[247]   سورة البقرة: 115 .

ـ[248]   المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/199).

ـ[249]   تفسير البحر المحيط (1/163).

ـ[250]   تفسير البيضاوي (1/387).

ـ[251]   سورة الحشر: 23 .

ـ[252]   سورة البروج: 15 .

ـ[253]   التبصير في الدين (ص/161).

ـ[254]   سورة الرعد: جزء من الآية 8 .

ـ[255]   الفصل في الملل والأهواء والنحل: (1/19).

ـ[256]   سورة الزمر: جزء من الآية 67 .

ـ[257]   أسباب النزول للواحدي (1/280).

ـ[258]   غريب القرآن للأصفهاني (1/396).

ـ[259]   سورة الحاقة: 45 .

ـ[260]   رواه العراقي في المغني عن حمل الأسفار (1/64)، (244).

ـ[261]   سورة الفتح: جزء من الآية 10 .

ـ[262]   رواه مسلم في صحيحه (4/ 2045)، (2654)، كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء.

ـ[263]   سورة يونس: جزء من الآية 18 .

ـ[264]   سورة البقرة: جزء من الآية 116 .

ـ[265]   سورة الأنعام: جزء من الآية 100 .

ـ[266]   سورة الجن الآية: 3 .

ـ[267]   أنظر دفع شبه من شبه وتمرد للحصني (1/15).

ـ[268]   عمدة القاري للعيني: (25/168).

ـ[269]   سورة الصافات: 180 .

ـ[270]   سورة الأعلى: 1 .

ـ[271]   سورة الإسراء: جزء من الآية 44 .

ـ[272]   دفع شبه من شبه وتمرد (1/52).

ـ[273]   سورة النحل: جزء من الآية 74 .

ـ[274]   تفسير النسفي: (2/264).

ـ[275]   سورة النحل: جزء من الآية 60 .

ـ[276]   النهر الماد: (ج2/ق1/ص352).

ـ[277]   تفسير القرطبي (10/119).

ـ[278]   رواه البخاري في صحيحه «بلفظ: كان الله ولم يكن شىء غيره» (3/1166)، (3019)، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه}.

ـ[279]   الشرح القويم لشيخنا العبدري رحمه الله (ص/109).

ـ[280]   رواه مسلم في صحيحه (1/350)، (482)، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود.

ـ[281]   شرح السيوطي لسنن النسائي (2/226).

ـ[282]   رواه ابن حبان في صحيحه (12/412)، (5598).

ـ[283]   رواه البيهقي في السنن الكبرى (3/ 132)، (5148)، جماع أبواب إثبات إمامة المرأة وغيرها، باب خير مساجد النساء قعر بيوتهن.

ـ[284]   المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار في هامش إحياء علوم الدين للغزالي (2/58).

ـ[285]   رواه الطبراني في المعجم الكبير (9/293)، (9472)، عبد الله بن مسعود الهذلي يكنى أبا عبد الرحمـن.

ـ[286]   مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي (2/156)، باب خروج النساء إلى المساجد وغير ذلك وصلاتهن في بيوتهن وصلاتهن في المسجد.

ـ[287]   التعاون على النهي عن المنكر (ص/43).

ـ[288]   صحيح مسلم (8/78)، سنن أبي داود (2/732)، الأسماء والصفات للحافظ البيهقي (1/36)، صحيح ابن حبان (3/246)، السنن الكبرى للنسائي (4/395).

ـ[289]   سورة ق:16 .

ـ[290]   جامع البيان وهو تفسير القرءان للحافظ الكبير ابن جرير الطبري (27/215).

ـ[291]   رواه مسلم في صحيحه (4/2084)، (2713)، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع.

ـ[292]   الأسماء والصفات: (2/144)، باب ما جاء في العرش و الكرسي.

ـ[293]   شرح النووي على مسلم (17/36).

ـ[294]   رواه البخاري في صحيحه (3/1091)، (2830)، باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير، باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير.

ـ[295]   سورة سبأ: جزء من الآية 50 .

ـ[296]   رواه البخاري في صحيحه (3/1091)، (2830)، كتاب الجهاد والسير، باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير.

ـ[297]   سورة البقرة: جزء من الآية 186 .

ـ[298]   الأسماء والصفات للبيهقي (1/111).

ـ[299]   سورة النجم: 16 .

ـ[300]   سورة النجم: 9 .

ـ[301]   سورة الواقعة: جزء من الآية 85 .

ـ[302]   سورة ق: جزء من الآية 16 .

ـ[303]   الأسماء والصفات للبيهقي (2/353).

ـ[304]   فتح الباري (6/136)، كتاب الجهاد.

ـ[305]   رواه مسلم في صحيحه (2/612)، (896)، كتاب صلاة الاستسقاء، باب رفع اليدين بالدعاء في الاستسقاء.

ـ[306]   شرح النووي على صحيح مسلم (6/190).

ـ[307]   رواه البخاري في صحيحه (3/1244)، (3215)، كتاب أحاديث الأنبياء: باب قول الله تعالى: {وإن يونس لمن المرسلين *} [سورة الصافات]، رواه مسلم في صحيحه (4/1846)، (2376)، كتاب الفضائل: باب في ذكر يونس عليه السلام.

ـ[308]   الجامع لأحكام القرءان (11/333 – 334).

ـ[309]   إظهار العقيدة السنية (ص/118-119).

ـ[310]   سورة طه: 5 .

ـ[311]   سورة الحديد: جزء من الآية 4 .

ـ[312]   سورة فصلت: جزء من الآية 54 .

ـ[313]   إتحاف السادة المتقين شرح إحياء علوم الدين للحافظ الزبيدي (2/107).

ـ[314]   سورة البقرة: جزء من الآية 107 .

ـ[315]   سورة الرعد: جزء من الآية 16 .

ـ[316]   سورة الأنعام: جزء من الآية 102 .

ـ[317]   سورة الأنعام: جزء من الآية 18 .

ـ[318]   سورة النحل: جزء من الآية 128 .

ـ[319]   سورة الجن: جزء من الآية 18 .

ـ[320]   سورة الشمس: جزء من الآية 13 .

ـ[321]   كتاب التوحيد (ص/68)، وما بعدها.

ـ[322]   سورة الأعراف: جزء من الآية 54 .

ـ[323]   كتاب التوحيد (ص/70).

ـ[324]   سورة المجادلة: جزء من الآية 7 .

ـ[325]   سورة ق: جزء من الآية 16 .

ـ[326]   سورة الزخرف: جزء من الآية 84 .

ـ[327]   سورة الفرقان: جزء من الآية 2 .

ـ[328]   سورة الأنعام: جزء من الآية 18 .

ـ[329]   سورة الأنعام: جزء من الآية 101 .

ـ[330]   سورة هود: جزء من الآية 4 .

ـ[331]   سورة الشورى: جزء من الآية 11 .

ـ[332]   كتاب التوحيد (ص/74).

ـ[333]   الفرق بين الفرق (356).

ـ[334]   وهذا يشرح كلامه في تمهيد الأوائل (ص/300 – 301): «فإن قال قائل: أين هو؟ قيل له: الأين سؤال عن المكان، وليس هو ممن يجوز أن يحويه مكان ولا تحيط به أقطار. غير أنا نقول: إنه على عرشه، لا على معنى كون الجسم بالملاصقة والمجاورة تعالى عن ذلك علوا كبيرا!» وهو ما تحاول المشبهة به التمويه والتلبيس. وتتمته: «فإن قال قائل: فمتى كان؟ قيل له: سؤالك عن هذا يقتضي كونه في زمان لم يكن قبله، لأن (متى) سؤال عن الزمان. وقد عرفناك أنه قديم كائن قبل الزمان، وأنه الخالق للمكان والزمان وموجود قبلهما. وتوقيت وجود الشىء بعام أو مائة ألف عام يفيد أن الموقت وجوده معدوم قبل الزمان الذي وقت به، وذلك مما يستحيل عليه تعالى».

ـ[335]   معنى قوله: العرش بالرحمـن استوى أن العرش بإيجاد الله تم.

ـ[336]   الإنصاف (ص/64 – 66).

ـ[337]   سورة البقرة: جزء من الآية 186 .

ـ[338]   سورة النحل: جزء من الآية 128 .

ـ[339]   سورة العلق: جزء من الآية 19 .

ـ[340]   سورة المائدة: جزء من الآية 35 .

ـ[341]   سورة سبأ: جزء من الآية 21 .

ـ[342]   سورة الأنعام: جزء من الآية 102 .

ـ[343]   سورة الرعد: جزء من الآية 33 .

ـ[344]   سورة الأنعام: جزء من الآية 3 .

ـ[345]   سورة سبأ: جزء من الآية 49 .

ـ[346]   كتاب التوحيد (ص/75 – 77).

ـ[347]   سورة الذاريات: 22 .

ـ[348]   في الاقتصاد في الاعتقاد (ص/61 – 62).

ـ[349]   سورة فصلت: جزء من الآية 54 .

ـ[350]   سورة المائدة: جزء من الآية 120 .

ـ[351]   سورة القصص: جزء من الآية 88 .

ـ[352]   سورة الشورى: جزء من الآية 53 .

ـ[353]   البرهان المؤيد (1/136)، لا تكن فضوليا حكم السيد أحمد الرفاعي (ص/15)، الإمام السيد الشيخ أحمد الرفاعي المتوفي سنة 578هـ. تحقيق عبد الغني نكومي، دار الكتاب النفيس بيروت / لبنان 14080 .

ـ[354]   سورة الملك: جزء من الآية 16 .

ـ[355]   تفسير القرطبي (18/216).

ـ[356]   الأين حالة تعرض للشىء بسبب حصوله في المكان، ذكره ابن الكمال، وقال: لفظ يبحث به عن المكان ، كما أن متى يبحث به عن الزمان. التعاريف للمناوي: (ص/107).

ـ[357]   من مقدمة الإمام أبي القاسم القشيري للرسالة القشيرية: (ص/3).

ـ[358]   المهامة: جمع المهمة، وهي المفازة البعيدة (أي الصحراء الواسعة)، يراجع لسان العرب (13/542).

ـ[359]   المدهش (ص/137 – 139).

ـ[360]   بتصرف لطيف من اللطف في الوعظ (ص/5).

ـ[361]   طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين السبكي (9/45) خلال رسالة أحمد بن يحيى بن إسماعيل الشيخ شهاب الدين ابن جهبل الكلابي الحلبي الأصل والتي أولها في (ج9/ص34).

ـ[362]   التبصير في الدين (ص/161).

ـ[363]   رواه مسلم في صحيحه (1/352)، (486)، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود.

ـ[364]   دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى السيد الجليل الإمام أحمد (ص/23).

ـ[365]   الأسماء والصفات للحافظ البيهقي (2/150 – 151). عن عبد الله بن وهب، يقول: كنا عند مالك بن أنس فدخل رجل، فقال: يا أبا عبد الله {الرحمان على العرش استوى *} كيف استواؤه؟ قال: فأطرق مالك وأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه فقال: {الرحمان على العرش استوى *} كما وصف نفسه، ولا يقال كيف، وكيف عنه مرفوع، وأنت رجل سوء صاحب بدعة، أخرجوه. قال : فأخرج الرجل.

وفي رواية عن يحيى بن يحيى، يقول: كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله {الرحمان على العرش استوى *} فكيف استوى؟ قال: فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا. فأمر به أن يخرج» اهـ.

الرد على الوهابية أدعياء السلفية القائلين بأن الله جسم:

قاصمة للوهابية المجسمة

قال ابن حمدان الحنبلي (توفي 695 هـ) في كتابه نهاية المبتدئين في أصول الدين (وأن الله تعالى ليس بجوهر ولا عرض ولا جسم ولا تـحله الحوادث ولا يـحل في حادث ولا ينحصر فيه….. إلى أن قال هو الغني عن كل شىء، ولا يستغني عنه شىء، وأنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شىء، ومن شبهه بخلقه فقد كفر، نص عليه أحمد، وكذا من جسم، أو قال إنه جسم لا كالأجسام، ذكره القاضي) ثم قال (ومن قال إنه بذاته في كل مكان أو في مكان فكافر) وقال وقال التميمي في اعتقاد أحمد في حديث النـزول (ولا يجوز عليه الانتقال، ولا الحلول في الأمكنة، قال فيه ابن البناء في اعتقاد أحمد ولا يقال بحركة ولا انتقال) وقال (واختار ابن الجوزي نفي الجهة، وحكاه عن أحمد من رواية حنبل، وإليه ميل ابن عقيل). اهـ
وقال (وقد تأول أحمد آيات وأحاديث كآية النجوى وقوله (أن يأتيهم الله) وقال قدرته وأمره، وقوله (وجاء ربك)، قال قدرته، ذكرهما ابن الجوزي في المنهاج واختار هو إمرار الآيات كما جاءت من غير تفسير وتأول ابن عقيل كثيرا من الآي والأخبار، وتأول أحمد قول النبي صلى الله عليه وسلم (الحجر الأسود يمين الله في الارض) ونحوه). اهـ

وقال مرعي الكرمي المقدسي الحنبلي (توفي 1033 هـ) في أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات قال المازري (1) (وقد غلط ابن قتيبة في هذا الحديث (حديث فإن الله خلق ءادم على صورته) فأجراه على ظاهره وقال الله صورة لا كالصور، قال وهذا كقول المجسمة جسم لا كالأجسام، لما رأوا أهل السنة يقولون الله تعالى شيء لا كالأشياء، والفرق أن لفظة شيء لا تفيد الحدوث ولا تتضمن ما يقتضيه، وأما جسم وصورة فيتضمنان التأليف والتركيب وذلك دليل الحدوث). اهـ

وبين الإمام الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في كتابه دفع شـبـه التشبيه براءة أهل السنة عامة والإمام أحمد خاصة من عقيدة المجسمة وقال كان أحمد لا يقول بالجهة للبارئ.

قد يسأل سائل لماذا ذكرنا تحديدا ما قاله علماء الحنابلة؟
فالجواب يكون لقد نسب المشبهة المجسمة أنفسهم لمذهب الإمام أحمد زورا وبهتانا ونشروا بين الناس أن عقيدة الإمام أحمد هي عقيدتهم حتى ضاع عدد كبير من الناس في اتباعهم وظنوا أن الإمام أحمد يقول بمثل هذه العقائد الفاسدة، ونقل الإمام الحافظ العراقي الشافعي والإمام القرافي المالكي والشيخ ابن حجر الهيتمي الشافعي وملا علي القاري الحنفي ومحمد زاهد الكوثري الحنفي وغيرهم عن الأئمة الأربعة هداة الأمة الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بتكفير القائلين بالجهة والتجسيم.

(1) الإمام المجتهد المازري إمام بلاد إفريقية وما وراءها من المغرب.

اعلم أخي المسلم أن الله ليس جسما مركبا مؤلفا من أجزاء وليس له جوارح ولا أعضاء، والجسم ما له طول وعرض وسمك وتركيب، لو جاز أن يعتقد أن خالق العالم جسم لجاز أن تعتقد الألوهية للشمس والقمر أو لغير ذلك من الأجسام، وليس الأمر كما يقول زعيم الوهابية ابن باز إن نفي الجسمية والجوارح والأعضاء عن الله من الكلام المذموم وذلك في كتابه المسمى تنبيهات في الرد على من تأول الصفات، وكلامه هذا كفر قطعا. فقد قال الامام أبو الفضل البغدادي التميمي في كتابه اعتقاد الامام أحمد: “وأنكر أحمد على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمك وتركيب” وقال الإمام علي رضي الله عنه: “سيرجع قوم من هذه الأمة عند اقتراب الساعة كفارا ينكرون خالقهم فيصفونه بالجسم والأعضاء” رواه ابن المعلم القرشي في كتابه نجم المهتدي ورجم المعتدي وقال إمامنا الشافعي رضي الله عنه: “المجسم كافر” ونقل صاحب الخصال الحنبلي عن الإمام أحمد أنه قال: “من قال الله جسم لا كالأجسام كفر”، وقال الشيخ عبد الغني النابلسي: “من اعتقد أن الله ملأ السموات والأرض أو أنه جسم قاعد فوق العرش فهو كافر وإن زعم أنه مسلم” وقال إمام أهل السنة أبو الحسن الأشعري في كتابه النوادر: “من اعتقد أن الله جسم فهو غير عارف بربه وإنه كافر به” وقال علي رضي الله عنه: “من زعم أن إلهنا محدود فقد جهل الخالق المعبود” رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب حلية الأولياء، والمحدود عند العلماء ما له حجم كبيرا كان أو صغيرا، كثيفا كالإنسان والشجر أو لطيفا كالنور والهواء، ومعنى كلامه أن الله ليس له حجم صغير ولا كبير، ليس كأصغر حجم وهو الجزء الذي لا يتجزأ، ولا كأكبر حجم كالعرش وليس حجما أكبر من العرش ولا كما بين أصغر حجم وأكبر حجم قال تعالى “وكل شىء عنده بمقدار” فالله تعالى ليس له مقدار أي حد وكمية، فمن قال إنه حجم كبير بقدر العرش أو كحجم الإنسان فقد خالف هذه الآية، كما أنه خالف قوله تعالى: “ليس كمثله شىء” لأنه لو كان له حجم لكان له أمثال لا تحصى. قال الإمام زين العابدين رضي الله عنه علي بن الحسين في الصحيفة السجادية: “سبحانك أنت الله الذي لست بمحدود”، رواه الحافظ محمد مرتضى الزبيدي في كتاب إتحاف السادة المتقين بالإسناد المتصل منه إلى زين العابدين ومعناه أن الله ليس له حجم كبير أو صغير وإذا قيل عن الله إنه ليس بمحدود ليس معناه أنه شىء ممتد إلى غير نهاية. من ظن أن الله له امتداد لا نهائي كافر، والذي يعتقد أن الله له امتداد ينتهي صغير أو كبير كافر أيضا، كل شىء له مقدار فهو مخلوق. الله تعالى لا يجوز عليه أن يكون محدودا لأن المحدود يحتاج إلى من حده بذلك الحد، ولا يجوز أن يحد نفسه بحد يكون عليه لأن معنى ذلك أنه خلق نفسه وهو مستحيل لأن الشىء لا يخلق نفسه. قال الحافظ الفقيه مرتضى الزبيدي: “من جعل الله تعالى مقدرا بمقدار كفر” أي لأنه جعله ذا كمية وحجم، وهل عرفنا أن الشمس مخلوقة من جهة العقل إلا لأن لها حجما، ولو كان لله حجم لكان مثلا للشمس في الحجمية ولو كان كذلك ما كان يستحق الألوهية كما أن الشمس لا تستحق الألوهية. فلو طالب عابد الشمس أتباع ابن تيمية وهم الوهابية بدليل عقلي على استحقاق الله الألوهية وعدم استحقاق الشمس الألوهية لم يكن عندهم دليل، وغاية ما يستطيعون أن يقولوا قال الله تعالى: “الله خالق كل شىء”، فإن قالوا ذلك لعابد الشمس يقول لهم عابد الشمس: أنا لا أؤمن بكتابكم أعطوني دليلا عقليا على أن الشمس لا تستحق الألوهية فهنا ينقطعون. عجبا كيف تعتقد الوهابية أدعياء السلفية أن الله جسم قاعد على العرش بقدر العرش والسماء الأولى بالنسبة إلى العرش كحبة صغيرة بالنسبة إلى صحراء كبيرة ويقولون إن الله ينزل بذاته إلى السماء الدنيا كل ليلة. هل الله يتصاغر ويتصاغر ويتضائل حتى تسعه هذه السماء الأولى. إن قالوا إنه يتصاغر كالقطن المنفوش إذا كبس يعود صغيرا. إن جعلوا الله كذلك وصفوه بصفة الخلق الضعيف لأن القطن المنفوش خلق ضعيف كيف يشبهون الله بهذا القطن المنفوش الذي هو من أضعف خلق الله. ابن تيمية الذي تسميه الوهابية شيخ الإسلام يقول في كتابه المسمى “شرح حديث النزول” الله ينزل إلى السماء الدنيا لكن لا يخلو العرش منه إذا نزل، ما هذا؟ جعل الله مطاطا والعياذ بالله من الكفر.

اعلم أخي المسلم أن الله ليس جسما له حجم وأعضاء، لو جاز أن يعتقد أن خالق العالم جسم لجاز أن تعتقد الألوهية للشمس والقمر أو لشىء ءاخر من أقسام الأجسام. قال الشيخ عبد الغني النابلسي: “من اعتقد أن الله ملأ السموات والأرض أو أنه جسم قاعد فوق العرش فهو كافر وإن زعم أنه مسلم” ونقل صاحب الخصال الحنبلي عن الإمام أحمد أنه قال: “من قال الله جسم لا كالأجسام كفر”. وقال علي رضي الله عنه: “من زعم أن إلهنا محدود فقد جهل الخالق المعبود” رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب حلية الأولياء، ومعنى كلامه أن الله ليس له حجم صغير ولا كبير، ليس كأصغر حجم وهو الجزء الذي لا يتجزأ، ولا كأكبر حجم كالعرش وليس حجما أكبر من العرش ولا كما بين أصغر حجم وأكبر حجم قال تعالى “وكل شىء عنده بمقدار” فالله تعالى ليس له مقدار أي حد وكمية، فمن قال إنه حجم كبير بقدر العرش أو كحجم الإنسان فقد خالف هذه الآية، كما أنه خالف قوله تعالى: “ليس كمثله شىء” لأنه لو كان له حجم لكان له أمثال لا تحصى. قال الإمام زين العابدين رضي الله عنه علي بن الحسين في الصحيفة السجادية: “سبحانك أنت الله الذي لست بمحدود”، رواه الحافظ محمد مرتضى الزبيدي في كتاب إتحاف السادة المتقين بالإسناد المتصل منه إلى زين العابدين ومعناه أن الله ليس له حجم كبير أو صغير وإذا قيل عن الله إنه ليس بمحدود ليس معناه أنه شىء ممتد إلى غير نهاية. من ظن أن الله له امتداد لا نهائي كافر، والذي يعتقد أن الله له امتداد ينتهي صغير أو كبير كافر أيضا، كل شىء له مقدار فهو مخلوق. عجبا كيف تعتقد الوهابية أدعياء السلفية أن الله جسم قاعد على العرش بقدر العرش والسماء الأولى بالنسبة إلى العرش كحبة صغيرة بالنسبة إلى صحراء كبيرة ويقولون إن الله ينزل بذاته إلى السماء الدنيا كل ليلة. هل الله يتصاغر ويتصاغر ويتضائل حتى تسعه هذه السماء الأولى. إن قالوا إنه يتصاغر كالقطن المنفوش إذا كبس يعود صغيرا. إن جعلوا الله كذلك وصفوه بصفة الخلق الضعيف لأن القطن المنفوش خلق ضعيف كيف يشبهون الله بهذا القطن المنفوش الذي هو من أضعف خلق الله. ابن تيمية الذي تسميه الوهابية شيخ الإسلام يقول في كتابه المسمى “شرح حديث النزول” الله ينزل إلى السماء الدنيا لكن لا يخلو العرش منه إذا نزل، ما هذا؟ جعل الله مطاطا والعياذ بالله من الكفر.

استدلالات عقلية لأئمة أهل السنة على تنـزيه الله تعالى عن الجسمية

نذكر هنا بعض ما استدل به أهل السنة والجماعة على تنزيه الله عن الجسمية وصفات الأجسام.

استدلال الإمام الشافعي رضي الله عنه (ت 204هـ)

قال الإمام الشافعي([1]): «واعلموا أن الحد والنهاية لا يجوز على الله تعالى، ومعنى الحد طرف الشىء ونهايته. والدليل عليه هو أن من لا يكون محدود البداية لا يكون محدود الذات والنهاية، ومعناه من لا يكون لوجوده ابتداء لا يكون لذاته انتهاء، وأن كل ما كان محدودا متناهيا صح أن يتوهم فيه الزيادة والنقصان وأن يوجد مثله، فكان لاختصاصه بنوع من النهاية والتحديد الذي يصح أن يكون أكبر منه أو أصغر يقتضي أن يكون له مخصص خصصه على حد ونهاية وخلقه على قدره وذلك دلالة الحدوث، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» اهـ.

ويساعد في فهم هذا الاستدلال استحضار قاعدة كلامية مهمة وهي تقسيم الحكم العقلي إلى ثلاثة أقسام: الوجوب والاستحالة والجواز.

فالوجوب: ما لا يتصور في العقل عدمه وهو الله وصفاته، فالله تعالى ذاته واجب الوجود، ويقال له واجب عقلي، وكذلك صفاته، أي أن العقل يحتم وجوده ولا يقبل انتفاءه.

والمستحيل: ما لا يتصور في العقل وجوده، وقد يعبرون عنه بالممتنع، وهو كوجود الشريك لله تعالى والعجز والجهل بالنسبة إلى الله، فكل ما لا يجوز على الله فهو مستحيل عقلي. ومن المستحيل العقلي كون الحادث أزليا. أما المستحيل العادي فيصح وجوده عقلا لكن عادة لا يحصل كوجود جبل من زئبق، فهذا لا يحصل في الدنيا على حسب العادة.

والجائز: ما يتصور في العقل وجوده وعدمه ويقال له الممكن العقلي، أي يمكن وجوده بعد عدمه وإعدامه بعد وجوده بالنظر لذاته في حكم العقل وهو هذا العالم.

[1] ) رسالة الفقه الأكبر، تنسب للإمام الشافعي، ص 11.

من استعمالات الأئمة «الكيف» بمعنى الجسمية والتشخص

استعمل كبار علماء الأصول كلمة «الكيف» بالمعنى اللغوي الموضوع له أصلا، وعرفوه بالجسمية والتشخص، ومما يدل على ذلك ما رواه البيهقي([1]وغيره: «عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي([2]) قال: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر([3]): يا أبا يعقوب هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله ﷺ: «ينزل ربنا كل ليلة» كيف ينزل؟ قلت: أعز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب كيف إنما ينزل بلا كيف» اهـ. وأراد بذلك تنزيه الله عن الكيف الذي هو النزول الحسي الذي يتصور في الأجسام والمتحيزات، أما النزول الوارد في هذا الحديث فمعناه أن الله يحدث كل ليلة ما شاء وهو ما جاء مفسرا في بعض الروايات بنزول الـملك.

ومن ذلك ما قاله البغوي([4]): «والـمنكر معطل والـمكيف مشبه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ليس كمثله شىء وهو السميع البصير {11} (الشورى)» اهـ.

ومن ذلك ما قاله القاضي عياض([5]): «ويا ليت شعري ما الذي جمع أهل السنة والحق كلهم على وجوب الإمساك عن الفكر في الذات كما أمروا، وسكتوا لحيرة العقل، واتفقوا على تحريم التكييف والتشكيل، وأن ذلك من وقوفهم وإمساكهم غير شاك في الوجود والموجود، وغير قادح في التوحيد، بل هو حقيقته» اهـ. فترك التفكر في ذات الله من جملة التوحيد، إذ نحن مأمورون بالتفكر في مخلوقات الله لا في ذات الله، ذلك أن التفكر في ذاته سبحانه يوصل إلى التشبيه والتجسيم لله عز وجل.

ومن ذلك ما قاله الحافظ ابن عساكر([6]): «وكذلك قالت الحشوية والمشبهة: إن الله سبحانه وتعالى يرى مكيفا محدودا كسائر المرئيات، وقالت المعتزلة والجهمية والنجارية: إنه سبحانه لا يرى بحال من الأحوال، فسلك ـ أي الأشعري ـ رضي الله عنه طريقة بينهما فقال: يرى من غير حلول ولا حدود ولا تكييف، كما يرانا هو سبحانه وتعالى وهو غير محدود([7]ولا مكيف، فكذلك نراه وهو غير محدود ولا مكيف» اهـ.

ومن ذلك أيضا قول الإمام الخطابي([8]في باب الرد على الجهمية والمعتزلة عن حديث الأطيط، وهو من الأحاديث المتشابهة التي لا تؤخذ على ظاهرها بل تؤول فقد قال: «قال أبو داود: حدثنا عبد الأعلى بن حماد ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار وأحمد بن سعيد الرباطي قالوا: حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عتبة عن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله، جهدت الأنفس وضاع العيال ونهكت الأموال وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك! قال رسول الله ﷺ: «ويحك، أتدري ما تقول؟» وسبح رسول الله ﷺ، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: «ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك، أتدري ما الله؟ إن عرشه على سمواته لهكذا وقال بأصابعه مثل القبة عليه وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب». قال الشيخ: هذا الكلام إذا جرى على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية، والكيفية عن الله وصفاته منفية، فعقل أن ليس المراد منه تحقيق هذه الصفة ولا تحديده على هذه الهيئة، وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله وجلاله سبحانه، وإنما قصد به إفهام السائل من حيث يدركه فهمه إذ كان أعرابيا جلفا([9]) لا علم له بمعاني ما دق من الكلام وبما لطف منه عن درك الأفهام، وفي الكلام حذف وإضمار فمعنى قوله: «أتدري ما الله؟» معناه أتدري ما عظمة الله وجلاله؟ وقوله: «إنه ليئط به» معناه أنه ليعجز عن جلاله وعظمته حتى يئط به، إذ كان معلوما أن أطيط الرحل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه ولعجزه عن احتماله، فقرر بهذا النوع من التمثيل عنده معنى عظمة الله وجلاله وارتفاع عرشه، ليعلم أن الموصوف بعلو الشأن وجلالة القدر وفخامة الذكر لا يجعل شفيعا إلى من هو دونه في القدر وأسفل منه في الدرجة، وتعالى الله عن أن يكون مشبها بشىء أو مكيفا بصورة خلق أو مدركا بحد، ليس كمثله شىء وهو السميع البصير {11} (الشورى). وذكر البخاري هذا الحديث في التاريخ من رواية جبير بن محمد بن جبير عن أبيه عن جده، ولم يدخله في الجامع الصحيح» اهـ.

وقال الخطابي أيضا: «وليس قولنا: إن الله على العرش أي مماس له أو متمكن فيه أو متحيز في جهة من جهاته، بل هو خبر جاء به التوقيف، فقلنا به ونفينا عنه التكييف ليس كمثله شىء وهو السميع البصير {11} (الشورى) وبالله التوفيق» اهـ. نقله الحافظ ابن حجر العسقلاني([10]).

ومن ذلك ما قاله الحافظ ابن حجر([11]في شرحه لحديث النزول: «ومنهم من أجراه على ما ورد مؤمنا به على طريق الإجمال، منزها الله تعالى عن الكيفية والتشبيه، وهم جمهور السلف، ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين([12]والحمادين([13]) والأوزاعي([14]) والليث([15])وغيرهم» اهـ.

ومن ذلك ما رواه الدارقطني([16]): «عن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك فقالوا: أمضها بلا كيف» اهـ.

ومما ينبغي التنبيه عليه أنه قد ورد استعمال «الكيفية» بمعنى الحقيقة كما ذكرها بعض الأئمة، لأنها وردت في اللغة بمعنى الحقيقة، قال الشاعر: [البسيط]

فكيف كيفية الجبار في القدم كيفية المرء ليس المرء يدركها

فالكيفية هنا تعني الحقيقة بلا أدنى شك لأن المرء لا يعرف كيفية نفسه، فالمراد هنا حقيقته كما هو واضح. فحيث وردت عبارة: «والكيف مجهول» في بعض المؤلفات المنسوبة إلى بعض المشاهير فإنما تحمل -إن سلمنا ثبوتها- على الحقيقة لا التجسيم، وإن كان لا يصح استعمال هذه العبارة لأن ظاهرها موهم، وهو وهم مدفوع بالدليل الشرعي الصحيح من الكتاب والسنة وإجماع أهل الحق على نفي الشكل والحد والجسم عن الله الذي ليس كمثله شىء.

فلا وجه معتبر لمن حمل هذه اللفظة على التشبيه أي وصف استواء الله بكيفية ثم جعلها بمعنى التحيز أو الجلوس لمخالفته الكتاب والسنة، ولا عبرة بما يتمسك به من مجرد نقل رواية لا تثبت عن أئمة العلم.

وقد قال رسول الله ﷺ: «لا فكرة في الرب» رواه السيوطي في تفسيره([17]). فمعرفة الله تعالى لا تطلب بالوهم، لأن الإنسان وهمه يدور حول ما ألفه من الشىء المحسوس الذي له حد وشكل وهيئة، ومن ثم لم يكن محور الاعتقاد على الوهم بل على ما يقتضيه العقل الصحيح السليم الذي هو شاهد الشرع، فيفهم من هذا أن الله لا يجوز تصوره بكيفية أو شكل أو مقدار أو مساحة أو لون أو كل ما هو من صفات الخلق، لأن الله تبارك وتعالى لا يجوز أن يقاس بالمخلوقات، لأنه  -كما أخبر سبحانه عن نفسه- لا تدركه الأبصار {103} (الأنعام) أي لا تحيط به الأوهام والأفكار، وعن أبي العالية، عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ في قول الله تعالى: وأن إلى ربك المنتهى {42}  (النجم) قال([18]): «لا فكرة في الرب»، قال أبي رضي الله عنه([19]): «إليه ينتهي فكر من تفكر فلا تصل إليه أفكار العباد»، كذا قال التابعي المشهور ابن أبي نعم([20]) في تفسير هذه الآية: «إليه ينتهي فكر من تفكر» اهـ.

ويروى أن سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال([21]): [البسيط]

العجز عن درك الإدراك إدراك والبحث عن ذاته كفر وإشراك

المعنى أن الإنسان إذا اعتقد أن الله تعالى موجود بلا مكان ولا كيفية،  وأنه موجود لا يشبه الموجودات، ولم يتصور في حقه مكانا ولا هيئة ولا كيفية، ولم يبحث عن ذات الله، فهذا يقال فيه: إنه عرف الله.

أما الذي لا يكتفي بذلك ويريد أن يتصور الله فهذا يكفر بالله تبارك وتعالى؛ لأن وهمه يذهب إلى أنه تعالى مثل الإنسان أو أنه كتلة نورانية أو يتصوره جسما قاعدا فوق العرش والعياذ بالله، وهذا الذي قال عنه سيدنا أبو بكر رضي الله عنه: «والبحث عن ذاته كفر وإشراك» اهـ.

[1] ) الأسماء والصفات، البيهقي، ص 452.

[2] ) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي التميمي المروزي، أبو يعقوب بن راهويه ت238هـ، عالم خراسان في عصره. من سكان مرو (قاعدة خراسان) وهو أحد كبار الحفاظ. طاف البلاد لجمع الحديث وأخذ عنه الإمام أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم. وكان إسحاق ثقة في الحديث، قال فيه الخطيب البغدادي: «اجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع والزهد» اهـ. ورحل إلى العراق والحجاز والشام واليمن. وله تصانيف منها: «المسند». استوطن نيسابور وتوفي بها. الأعلام، الزركلي، 1/292.

[3] ) عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق الخزاعي بالولاء، أبو العباس ت230هـ، أمير خراسان، ومن أشهر الولاة في العصر العباسي. أصله من باذغيس بخراسان، وكان جده الأعلى زريق من موالي طلحة بن عبد الله المعروف بطلحة الطلحات، وولي عبد الله بن طاهر إمرة الشام مدة، ونقل إلى مصر سنة 211 هـ، فأقام سنة ونقل إلى الدينور. ثم ولاه المأمون خراسان، وظهرت كفاءته فكانت له طبرستان وكرمان وخراسان والري والسواد وما يتصل بتلك الأطراف. واستمر إلى أن توفي بنيسابور. الأعلام، الزركلي،4/93.

[4] ) نقله عنه صاحب تحفة الأحوذي، المباركفوري أبو العلا، 7/233.

[5] ) نقله عنه النووي في شرح مسلم، 5/25.

    القاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي أبو الفضل، ت 544هـ، عالم المغرب، كان أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم وأيامهم، ولي قضاء سبتة، من تصانيفه: «الغنية» و«ترتيب المدارك وتقريب المسالك في معرفة أعلام مذهب الإمام مالك». الأعلام، الزركلي، 5/99.

[6] ) تبيين كذب المفتري، ابن عساكر، ص150.

[7] ) أي لا حجم له، ولا يجوز اعتقاد أن الله له حد غير متناه نحن لا نعرفه لأن الله منزه عن الحد كله.

[8] ) معالم السنن، الخطابي، 4/328.

[9] ) «العربي الجلف: الجافي الذي لم يتزي بزي الحضر في رقتهم ولين أخلاقهم» اهـ. المصباح المنير، الفيومي اللغوي، مادة ج ل ف، ص41.

[10] ) فتح الباري، ابن حجر، 13/413.

[11] ) فتح الباري، ابن حجر، 3/30.

[12] ) المقصود بهما: سفيان الثوري وسفيان بن عيينة، أما الأول فهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أمير المؤمنين في الحديث. له من الكتب: «الجامع الكبير» و«الجامع الصغير» كلاهما في الحديث. ت 116هـ. الأعلام، الزركلي، 3/104. وأما الثاني فهو سفيان بن عيينة الهلالي الكوفي، محدث الحرم المكي، كان حافظا ثقة واسع العلم كبير القدر، قال الشافعي: «لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز» اهـ. له: «الجامع في الحديث»، و«كتاب في التفسير»، ت 198هـ. الأعلام، الزركلي، 3/105.

[13] ) أما حماد الأول فهو حماد بن سلمة بن دينار، ت 167هـ، سمع من ابن أبي مليكة وهو أكبر شيخ له، وثابت البناني وغيرهما، وسمع منه ابن جريج وابن المبارك وأبو نعيم وخلق كثير، قال عنه أحمد بن حنبل: «حماد بن سلمة عندنا من الثقات، ما نزداد فيه كل يوم إلا بصيرة» اهـ. سير أعلام النبلاء، الذهبي، 14/6. وأما حماد الثاني فهو حماد بن زيد، ت 179هـ، العلامة الحافظ الثبت محدث سمع من أنس بن سيرين وعمرو بن دينار ومحمد بن واسع وغيرهم، قال عنه أحمد بن حنبل: «حماد بن زيد من أئمة المسلمين، من أهل الدين» اهـ. سير أعلام النبلاء، الذهبي، 14/6، 15.

[14] ) عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، ت 157هـ، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام، ولد في بعلبك، ونشأ في البقاع، وسكن بيروت وتوفي بها، وعرض عليه القضاء فامتنع. الأعلام، الزركلي، 3/320.

[15] ) الليث بن سعد، ت 175هـ، الإمام الحافظ شيخ الإسلام وعالم الديار المصرية، سمع عطاء بن أبي رباح وابن أبي مليكة ونافعا العمري وغيرهم كثير، وروى عنه خلق كثيرون منهم ابن عجلان شيخه وابن لهيعة وابن المبارك وآدم بن أبي إياس وغيرهم. الأعلام، الزركلي، 5/248.

[16] ) الصفات، الدارقطني، ص75.

    الدارقطني، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي الحافظ المجود المقرئ من أهل محلة دار القطن ببغداد، ولد سنة 306هـ. من مصنفاته: «السنن والعلل». توفي سنة 385هـ. سير أعلام النبلاء، الذهبي، 10/ 608، 612.

[17] ) الدر المنثور في التفسير بالمأثور، السيوطي، 14/49.

[18] ) تفسير البغوي، البغوي، تفسير الآية: وأن إلى ربك المنتهى {42} (النجم) ،  7/417. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 17/115. الدر المنثور، السيوطي، 7/662. كنز العمال، المتقي الهندي، 3/369.

[19] ) شرح الإرشاد، أبو القاسم الأنصاري، ص58، 59.

[20] ) الإمام الحجة القدوة الرباني أبو الحكم البجلي الكوفي، حدث عن المغيرة بن شعبة وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وليس بالمكثر، روى عنه ابنه الحكم وعمارة بن القعقاع وفضيل بن غزوان وسعيد بن مسروق ويزيد بن مردانبة وفضيل بن مرزوق وطائفة. سير أعلام النبلاء، الذهبي، 5/64.

[21] ) التبصير في الدين، الأسفراييني، ص160. غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر، أحمد بن محمد الحنفي الحموي، 3/454.

أقوال أئمة السلف في تنـزيه الله عن الجسمية

السلف هم أهل القرون الثلاثة الأولى، وقد جاءت في مدحهم أحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام منها قوله([1]): «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» أي الذين هم في القرن الذي أنا فيه، ثم بعد ذلك من جاء بعدهم ثم بعد ذلك من جاء بعدهم. والقرن على أحد تفسيرين مائة سنة، وهذا معروف في لغة العرب، وعلى ذلك فسر الحديث بأهل الثلاثمائة الأولى كما بين ذلك الحافظ ابن عساكر في كتابه تبيين كذب المفتري([2]) وعلى هذا فيكون كل من الإمامين أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي([3] رضي الله عنهما داخلا في عموم الحديث، ومعهم أيضا الإمام أبو جعفر الطحاوي رضي الله عنه فإنه عاش أغلب حياته قبل انتهاء القرن الثالث وتوفي في أوائل الرابع.

ثم جاءت الوهابية بعدهم بمئات السنين فانحرفت عن منهج أهل السنة والجماعة فشبهوا الله بخلقه ونسبوا له الجلوس، والعياذ بالله، وغير ذلك من الصفات القبيحة التي لا تليق بالله سبحانه وتعالى.

وقد قال الشيخ ابن عابدين الحنفي([4]) في الوهابية: «مطلب في أتباع ابن
عبد الوهاب الخوارج في زماننا، كما وقع في زماننا في أتباع ابن عبد الوهاب الذين خرجوا من نجد وتغلبوا على الحرمين، وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة، لكنهم اعتقدوا أنهم هم المسلمون، وأن من خالف اعتقادهم مشركون، واستباحوا بذلك قتل أهل السنة وقتل علمائهم» اهـ.

وأما تسمية الوهابية أنفسهم «سلفية» فكذب ظاهر، فلا يجوز تسميتهم بهذا الاسم الذي أطلقوه على أنفسهم ليوهموا الناس -على عادتهم في التزوير والتدليس-  أنهم على مذهب السلف، إنما يسمون وهابية، وهذا الاسم هو الاسم الذي عرفهم به المسلمون مـن أول ظهورهم، وذلك من نحو ثلاثمائة سنة إلى يومنا هذا.

السلف في اللغة:

يطلق على كل من سبق، قال الجوهري في الصحاح([5]): «سلف يسلف سلفا، أي مضى، والقوم السلاف: المتقدمون، وسلف الرجل: آباؤه المتقدمون، والجمع أسلاف وسلاف» اهـ.

السلف في الاصطلاح:

قال الغزالي رحمه الله([6]): «اعلم أن الحق الصحيح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف، أعني الصحابة والتابعين رضي الله عنهم» اهـ.

ومن أهل العلم من يضيف إليهم أتباع التابعين ومن كان من أهل  القرون الثلاثة الأولى المفضلة.

وقبل الشروع في ذكرأقوال السلف الصالح في تنــزيه الله تعالى عن الجسمية نمهد لذلك بمقدمة فيها التعريف بأهل السنة والجماعة، وبيان الفرق بين التأويل الإجمالي والتأويل التفصيلي فنقول:

ليعلم أن أهل السنة والجماعة هم جمهور الأمة المحمدية وهم الموافقون لـما كان عليه الصحابة ومن تبعهم في المعتقد أي أصول الاعتقاد وهي الأمور الستة المذكورة في الحديث المشهور بحديث جبريل عليه السلام والذي فيه أن الرسول ﷺ قال([7]): «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره»، وأفضل هؤلاء كما تقدم في الحديث أهل القرون الثلاثة الأولى، وهم المرادون أيضا بحديث الترمذي([8]وغيره: «أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»، وفيه قوله ﷺ: «عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة» صححه الحاكم([9])، وهم المرادون أيضا بالجماعة الواردة في ما رواه أبو داود([10]): «وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة». والجماعة هم السواد الأعظم، وليس معناه هنا صلاة الجماعة كما يوضح ذلك حديث زيد بن ثابت([11]) رضي الله عنه أن الرسول ﷺ قال([12]): «ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تـحيط من ورائهم([13])».

ثم السلف منهم من أول تأويلا تفصيليا، ولكن الغالب عليهم أنهم كانوا يؤولون الآيات المتشابهات تأويلا إجماليا بالإيمان بها واعتقاد أن لها معنى يليق بجلال الله وعظمته بلا تعيين، فلم يحددوا معاني لها بل اكتفوا برد تلك الآيات إلى الآيات المحكمة كقوله تعالى: ليس كمثله شىء وهو السميع البصير {11} (الشورى)، وعندما كانوا يسألون عن هذه الآيات أو يتكلمون عليها لم يكونوا يفصلون في تفسيرها في الغالب، إنما كانوا يعطون معنى إجماليا فيه تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، كما قال الإمام الشافعي رضي الله عنه([14]): «آمنت بما جاء عن الله على مراد الله، وبما جاء عن رسول الله ﷺ على مراد رسول الله» اهـ. يعني الشافعي رضي الله عنه لا على ما قد تذهب إليه الأوهام والظنون من المعاني الحسية الجسمية التي لا تجوز في حق الله تعالى، وكما قال أيضا الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه([15]): «استوى كما أخبر لا كما يخطر للبشر» اهـ. معناه ليس كالجلوس وغير ذلك مما يتصوره ويتخيله البشر. وكما قال الإمام مالك رضي الله عنه([16]): «الاستواء معلوم والكيف غير معقول» اهـ. يعني أن الاستواء معلوم أنه ورد في القرآن لكن لا يعقل أن ينسب الكيف إلى الله، وفي رواية عنه رضي الله عنه أنه قال: «والكيف مرفوع» عن الله، فاستواؤه سبحانه ليس كاستواء مخلوقاته كما مر سابقا.

 فالغالب بين السلف أنهم كانوا لا يفصلون في تأويل تلك الآيات المتشابهات، والسبب في ذلك أن البدع كانت قليلة في زمانهم، ليس كما انتشرت بعدهم، وكانت أفهام الناس قوية، فكان يكفي أن يقال لهم: لا كصفات المخلوقين، ليفهموا نفي كل ما كان من صفات الخلق عن الله عز وجل.

فالتأويل الإجمالي هو الذي غلب على السلف الصالح وهو قولهم: بلا كيف، إلا أنه ثبت عن بعض من السلف التأويل التفصيلي، فنفي التأويل التفصيلي عن السلف كما زعم بعض المجسمة مردود بما في صحيح البخاري في كتاب تفسير القرآن([17])، وعبارته هناك: «سورة القصص (كل شىء هالك إلا وجهه) {88} إلا ملكه» اهـ. فملك الله صفة من صفاته الأزلية ليس كالملك الذي يعطيه للمخلوقين، وفيه غير هذا الموضع كتأويل الضحك الوارد في الحديث بالرحمة([18]). وقد أول قبله بالتأويل التفصيلي الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حيث فصل الـمقال في قوله تعالى (الله نور السموات والأرض) {35} (النور) فتأول الآية بمعنى «هادي أهل السموات والأرض»([19]) اهـ.

وروى أنس رضي الله عنه أن النبي صلوات الله وسلامه عليه قال([20]): «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق» اهـ.

وهذا أوان الشروع في ذكر الأقوال الواردة عن بعض أئمة السلف الصالح في تنزيه الله عن الجسمية، لبيان أن هذا هو منهجهم واعتقادهم في البارئ سبحانه وتعالى.

[1] ) صحيح البخاري، البخاري، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، 3/224.

[2] ) تبيين كذب المفتري، ابن عساكر، ص146.

[3] ) محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي، ت 333هـ، من أئمة علماء الكلام نسبته إلى ماتريد (محلة بسمرقند) ـ وكان إمام أهل السنة رضي الله عنه ـ. من كتبه: «التوحيد»، و«أوهام المعتزلة» و«الجدل». الأعلام، الزركلي، 7/19.

[4] ) حاشية رد المحتار، ابن عابدين الحنفي، 4/262.

    محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي، ت 1252هـ، فقيه الديار الشامية، مولده ووفاته في دمشق. له: «رد المحتار على الدر المختار»، و«رفع الأنظار عما أورده الحلبي على الدر المختار»، و«الرحيق المختوم». الأعلام، الزركلي، 6/42.

[5] ) الصحاح، الجوهري، مادة س ل ف، 1/326.

    الجوهري إسماعيل بن حماد، ت 393هـ، أبو نصر، لغوي من الأئمة. أشهر كتبه «تاج اللغة وصحاح العربية» المعروف بـ «الصحاح»، وله كتاب في العروض، دخل العراق صغيرا، وسافر إلى الحجاز فطاف البادية، وعاد إلى خراسان، ثم أقام في نيسابور. الأعلام، الزركلي، 1/313.

[6] ) إلجام العوام، الغزالي، ص 51.

[7] ) صحيح مسلم، مسلم، كتاب الإيمان، باب الإيمان والإسلام والقدر، 1/28.

[8] ) سنن الترمذي، الترمذي، 4/35.

    محمد بن عيسى بن سورة بن مسلم السلمي الترمذي أبو عيسى، ت 279هـ، من أئمة علماء الحديث وحفاظه من أهل ترمذ، تتلمذ للبخاري، قام برحلة إلى خراسان والحجاز، وعمي في آخر عمره، وكان يضرب فيه المثل في الحفظ، مات بترمذ. من تصانيفه: «الجامع الكبير»، و«الشمائل النبوية»، و«التاريخ والعلل» في الحديث. الأعلام، الزركلي، 6/322.

[9] ) المستدرك، الحاكم، كتاب العلم، 1/199.

[10] ) سنن أبي داود، أبو داود، كتاب الطب، 4/198.

[11] ) زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي، أبو خارجة صحابي من الأكابر، ت 45هـ، كان كاتب الوحي، ولد في المدينة ونشأ بمكة وهاجر مع النبي ﷺ وهو ابن إحدى عشرة سنة وتعلم وتفقه في الدين، كان عمر رضي الله عنه يستخلفه=
= على المدينة إذا سافر. الأعلام، الزركلي، 3/57.

[12] ) صحيح ابن حبان، ابن حبان، 2/455.

[13] ) قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر 2/280: «الحديث: «فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» أي تحوطهم وتكنفهم وتحفظهم، يريد أهل السنة دون أهل البدعة» اهـ.

[14] ) دفع شبه من شبه وتمرد، تقي الدين الحصني، ص56.

[15] ) البرهان المؤيد، الإمام أحمد الرفاعي، ص24. دفع شبه من شبه وتمرد، تقي الدين الحصني، ص17.

[16] ) الأسماء والصفات، البيهقي، ص408.

[17] ) صحيح البخاري، البخاري، كتاب تفسير القرآن، تفسير سورة القصص، 6/141.

[18] ) الأسماء والصفات، البيهقي، ص470. والمراد أن الله تعالى رضي عن فعل هذين الزوجين اللذين آثرا ضيفهما على نفسيهما وأولادهما.

[19] ) صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، علي بن أبي طلحة الوالبي، 1/86.

[20] ) عزاه الزبيدي في شرح الإحياء 6/536 لأبي الشيخ من حديث أبي ذر، وله شاهد موقوف على ابن عباس رواه البيهقي في الأسماء والصفات ص420 بلفظ: «تفكروا في كل شىء ولا تفكروا في ذات الله عز وجل»، ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري، 13/383، وعزاه للبيهقي وقال: «موقوف وسنده جيد» اهـ.

أقوال بعض أئمة الخلف في تنـزيه الله عن الجسمية

بينا أن السلف هم أهل القرون الثلاثة الأولى قرن الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، هؤلاء يسمون السلف، ومن جاءوا بعد ذلك يسمون الخلف، ومن العلماء من حد عصر السلف بالمائتين والعشرين سنة من مبعث الرسول ﷺ.

فالسلف الغالب عليهم أن يؤولوا الآيات المتشابهة تأويلا إجماليا بلا تعيين، يؤمنون بها ويعتقدون أن لها معاني تليق بجلال الله وعظمته، لا تشبه صفات المخلوقين كتفسيرهم آية: الرحمن على العرش استوى {5} (طه)، إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه {10} (فاطر) وحديث النزول بقولهم: بلا كيف أو على ما يليق بالله أي من غير أن يكون بهيئة ومن غير أن يكون جلوسا واستقرارا وجارحة وطولا وعرضا وعمقا ومساحة وحركة وسكونا وانفعالا ونحو ذلك مما هو من صفات المحدثين. هذا مسلك السلف ردوها من حيث الاعتقاد إلى الآيات المحكمة كقول الله تبارك وتعالى: ليس كمثله شىء وهو السميع البصير {11} (الشورى)، وتركوا تعيين معنى معين لها مع نفي تشبيه الله بخلقه.

وأما الخلف فمسلكهم أنهم يؤولونها تفصيلا بتعيين معان لها مما تقتضيه لغة العرب ولا يحملونها على ظواهرها كالسلف. فالسلف والخلف متفقان على عدم الحمل على الظاهر لكن هؤلاء بقولهم: بلا كيف، وأولئك بقولهم: استوى أي قهر، ومن قال: استولى فالمعنى واحد أي قهر([1])، وكلا الفريقين متفقان على أنه لا يجوز حمل الاستواء ونحوه على الظاهر، لكن هؤلاء عينوا معنى، وأولئك لم يعينوا إنما قالوا بلا كيف أي استواء لا يشبه استواء المخلوقين، ولا بأس بسلوك مسلك الخلف ولا سيما عند الخوف من تزلزل العقيدة حفظا من التشبيه.

وهاكم أقوال بعض مشاهير العلماء من الخلف:

[1] ) كما في غريب القرآن وتفسيره لابن المبارك، ص113، وتأويلات أهل السنة للماتريدي، 1/85، وبصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز للفيروزأبادي، 2/106، وغيرهم كثير.

مباحث في أدلة أهل السنة والجماعة على تنزيه الله عن الجسمية وصفات الأجسام من النقل

قال الإمام الرازي رحمه الله([1]): «تقرير الدلائل السمعية على أنه سبحانه وتعالى منزه عن الجسمية والحيز والجهة، ويدل عليه وجوه:

الحجة الأولى:

قوله تعالى: قل هو الله أحد {1} الله الصمد {2} لم يلد ولم يولد {3} ولم يكن له كفوا أحد {4} (الإخلاص).

اعلم أنه قد اشتهر في التفسير أن النبي ﷺ سئل عن الله ونعته وصفته، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه السورة.

إذا عرفت هذا فنقول هذه السورة من المحكمات لا من المتشابهات، لأنه تعالى جعلها جوابا عن سؤال السائل، وأنزلها عند الحاجة وذلك يقتضي كونها من المحكمات لا من المتشابهات، وإذا ثبت هذا وجب الجزم بأن كل مذهب يخالف هذه السورة يكون باطلا.

فنقول: إن قوله تعالى: (أحد) يدل على نفي الجسمية، لأن الجسم أقله أن يكون مركبا من جوهرين وذلك ينافي الوحدة، ولما كان قوله عز وجل: (أحد)  مبالغة في الوحدانية كان قوله (أحد) منافيا للجسمية.

ولو كان جوهرا لكان كل جوهر فرد كفوا له، فدلت السورة من الوجه الذي قررناه على أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر…

واعلم أنه تعالى كما نص على أنه واحد فقد نص أيضا على البرهان الذي لأجله يجب الحكم بأنه أحد، وذلك أنه قال: قل هو الله أحد {1} (الإخلاص)، وكونه إلها يقتضي كونه غنيا عما سواه، وكل مركب مفتقر إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب هو مفتقر إلى غيره، وكونه إلها يمنع من كونه مفتقرا إلى غيره، وذلك يوجب القطع بأنه أحد، وكونه أحدا يوجب القطع بأنه ليس بجسم ولا جوهر ولا في حيز، فثبت أن قوله تعالى: قل هو الله أحد {1} (الإخلاص) برهان قاطع على ثبوت هذه المطالب.

وأما قوله سبحانه وتعالى: الله الصمد {2} (الإخلاص)، فالصمد هو السيد المصمود إليه في الحوائج، وذلك يدل على أنه ليس بجسم، وبيان دلالته على نفي الجسمية من وجوه:

الأول: أن كل جسم هو مركب، وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب محتاج إلى غيره، والمحتاج إلى الغير لا يكون غنيا محتاجا إليه، فلم يكن صمدا مطلقا.

الثاني: لو كان مركبا من الجوارح والأعضاء لاحتاج في الإبصار إلى العين ـ الحدقة ـ، وفي الفعل إلى اليد، وذلك ينافي كونه ـ أي الله ـ صمدا مطلقا.

الثالث: أنا سنقيم الدلالة على أن الأجسام متماثلة، والأشياء المتماثلة يجب اشتراكها في اللوازم، فلو احتاج بعض الأجسام إلى بعض لزم كون الكل محتاجا إلى ذلك الجسم، ولزم أيضا كونه محتاجا لذلك الجسم، ولزم أيضا كونه محتاجا إلى نفسه وكل ذلك محال، ولما كان ذلك محالا وجب ألا يحتاج ـ أي الله ـ إلى شىء من الأجسام، ولو كان كذلك ـ أي محتاجا ـ لم يكن صمدا على الإطلاق.

وأما قوله تعالى: ولم يكن له كفوا أحد {4} (الإخلاص)، فهذا أيضا يدل على أنه ليس بجسم ولا جوهر، لأنا سنقيم الدلالة على أن الجواهر متماثلة، فلو كان تعالى جوهرا لكان مثلا لجميع الجواهر فكان كل واحد من الجواهر كفؤا له، ولو كان جسما لكان مؤلفا من الجواهر لأن الجسم يكون كذلك، وحينئذ يعود الإلزام المذكور، فثبت أن هذه السورة من أظهر الدلائل على أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر

واعلم أنه كما أن الكفار سألوا الرسول ﷺ عن صفة ربه فأجاب الله بهذه السورة الدالة على كونه تعالى منزها عن أن يكون جسما أو جوهرا أو مختصا بالمكان، كذلك فرعون سأل موسى عليه السلام عن صفة الله تعالى فقال: قال فرعون وما رب العالمين {23} قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين {24} قال لمن حوله ألا تستمعون {25} قال ربكم ورب ءابائكم الأولين {26} (الشعراء)، ثم إن موسى لم يذكر الجواب عن هذا السؤال إلا بكونه تعالى خالقا للناس ومدبرا لهم وخالقا للسموات والأرض ومدبرا لهما» اهـ.

وقال القرطبي في تفسير هذه الآيات([2])«لما غلب موسى فرعون بالحجة، ولم يجد اللعين من تقريره على التربية وغير ذلك حجة رجع إلى معارضة موسى في قوله: إني رسول رب العالمين {46}  (الزخرف)، فاستفهمه استفهاما عن مجهول من الأشياء. قال مكي وغيره: كما يستفهم عن الأجناس، فلذلك استفهم بـ «ما». قال مكي: وقد ورد له استفهام بـ «من» في موضع آخر ويشبه أنها مواطن، فأتى موسى بالصفات الدالة على الله من مخلوقاته التي لا يشاركه فيها مخلوق، وقد سأل فرعون عن الجنس، ولا جنس لله تعالى لأن الأجناس محدثة، فعلم موسى جهله، فأضرب عن سؤاله وأعلمه بعظيم قدرة الله التي تبين للسامع أنه لا مشاركة لفرعون فيها. فقال فرعون: ألا تستمعون {25} على معنى الإغراء والتعجب من سفه المقالة ـ على زعمه ـ إذ كانت عقيدة القوم أن فرعون ربهم ومعبودهم، والفراعنة قبله كذلك. فزاد موسى في البيان بقوله: ربكم ورب ءابائكم الأولين {26} (الشعراء) فجاء بدليل يفهمونه عنه لأنهم يعلمون أنه قد كان لهم آباء وأنهم قد فنوا وأنه لا بد لهم من مغير، وأنهم قد كانوا بعد أن لم يكونوا وأنهم لا بد لهم من مكون» اهـ.

ثم قال الفخر الرازي رحمه الله: «فثبت أنه كما أن جواب محمد ﷺ عن سؤال الكفار عن صفة الله تعالى يدل على تنـزيه الله تعالى عن التحيز، فكذلك جواب موسى عليه السلام عن سؤال فرعون عن صفة الله عز وجل يدل على تنــزيه الله تعالى.

أما الخليل عليه السلام فقد حكى الله تعالى عنه في كتابه بأنه استدل بحصول التغير في أحوال الكواكب على حدوثها، ثم قال عند تمام الاستدلال: إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين {79} (الأنعام)، واعلم أن هذه الواقعة تدل على تنــزيه الله تعالى وتقديسه عن التحيز.

وأما دلالتها على تنـزيه الله تعالى عن التحيز فمن وجوه:

أحدها: ما صح على أحد المثلين وجب أن يصح على المثل الآخر، فلو كان تعالى جسما أو جوهرا وجب أن يصح عليه كل ما صح على غيره، وأن يصح على غيره كل ما صح عليه، وذلك يقتضي جواز التغير عليه، ولما حكم الخليل عليه السلام بأن المتغير من حال إلى حال لا يصلح للإلهية،  وثبت أنه لو كان جسما لصح عليه التغير، لزم القطع بأنه تعالى ليس بمتحيز أصلا.

الثاني: أنه عليه السلام قال عند تمام الاستدلال: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض) (الأنعام) فلم يذكر من صفات الله تعالى إلا كونه خالقا للعالم، والله تعالى مدحه على هذا الكلام وعظمه فقال: وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء {83} (الأنعام). ولو كان إله العالم جسما موصوفا بمقدار مخصوص وشكل مخصوص لـما كمل العلم به تعالى إلا بعد العلم بكونه جسما متحيزا. ولو كان كذلك لما كان مستحقا للمدح والتعظيم بمجرد معرفة كونه خالقا للعالم، ولـما كان هذا القدر من المعرفة كافيا في كمال معرفة الله تعالى دل ذلك على أنه تعالى ليس بمتحيز.

الثالث: أنه تعالى لو كان جسما لكان كل جسم مشاركا له في تمام الماهية، فالقول بكونه تعالى جسما يقتضي إثبات الشريك لله سبحانه وتعالى، وذلك ينافي قول الخليل عليه السلام: وما أنا من المشركين {79} (الأنعام). فثبت بما ذكرناه أن الأنبياء صلوات الله عليهم كانوا قاطعين بتنـزيه الله تعالى وتقديسه عن الجسمية والجوهرية والجهة، وبالله التوفيق.

الحجة الثانية:

من القرآن: قوله تعالى: ليس كمثله شىء {11} (الشورى)، وهذه الآية هي أوضح دليل نقلي في نفي الجسمية عن الله تعالى، لأن (شىء) نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم([3])، فالله تبارك وتعالى نفى بهذه الجملة عن نفسه مشابهة الأجرام والأجسام والأعراض، ولم يقيد تبارك وتعالى نفي الشبه عنه بنوع من أنواع الحوادث، بل شمل نفي مشابهته لكل أفراد الحادثات.

ولو كان ـ الله ـ جسما، لكان مثلا لسائر الأجسام في تمام الماهية، لأنا سنبين إن شاء الله تعالى بالدلائل الباهرة أن الأجسام كلها متماثلة ـ من حيث كونها مؤلفة مركبة تحل فيها الصفات والأعراض ـ، وذلك كالمناقض لهذا النص.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنه تعالى، وإن كان جسما، مخالف لغيره من الأجسام، كما أن الإنسان والفرس وإن اشتركا في الجسمية مختلفان في الأحوال والصفات، ولـما كان لا يجوز أن يقال: الفرس مثل الإنسان، فكذا هنا؟

فالجواب من وجهين:

الأول: أنا سنقيم الدلالة إن شاء الله تعالى على أن الأجسام كلها متماثلة في تمام الماهية، وعليه فلو كان تعالى جسما لكان ذاته مثلا لسائر الأجسام، وذلك مخالف لهذا النص([4])، والإنسان والفرس ذات كل منهما متماثلة لذات الآخر ـ من حيث كونهما مركبين ـ، والاختلاف إنما وقع في الصفات والأعراض، والذاتان إذا كانتا متماثلتين كان اختصاص كل واحدة منهما بصفاتها المخصوصة يكون من الجائزات لا من الواجبات، لأن الأشياء المتماثلة في تمام الذات والماهية لا يجوز اختلافها في اللوازم، فلو كان البارئ تعالى جسما لوجب أن يكون اختصاصه بصفاته المخصوصة من الجائزات، ولو كان كذلك لزم افتقاره إلى المدبر والمخصص، وذلك يبطل القول بكونه تعالى إله العالم.

الثاني: بتقدير أن يكون هو تعالى مشاركا لسائر الأجسام في الجسمية  ومخالفا لها في ماهيته المخصوصة، هذا يوجب وقوع الكثرة في ذات الله تعالى، لأن الجسمية مشترك فيها بين الله تعالى وبين غيره، وخصوصية ذاته غير مشتركة فيما بين الله تعالى وبين غيره، وما به المشاركة غير ما به الممايزة، وذلك يقتضي وقوع التركيب في ذاته المخصوص، وكل مركب ممكن([5]) لا واجب([6]على ما بيناه فثبت لك أن هذا السؤال ساقط.

الحجة الثالثة:

قوله تعالى: والله الغني وأنتم الفقراء {38} (محمد).

دلت هذه الآية على كونه تعالى غنيا، ولو كان جسما لما كان غنيا لأن كل جسم مركب، وكل مركب محتاج إلى كل واحد من أجزائه، وأيضا لو وجب اختصاصه بالجهة لكان محتاجا إلى الجهة، وذلك يقدح في كونه غنيا على الإطلاق.

الحجة الرابعة:

قوله تعالى: الله لا إله إلا هو الحي القيوم {255} (البقرة).

والقيوم من يكون قائما بنفسه مقوما لغيره، فكونه قائما بنفسه عبارة عن كونه غنيا عن كل ما سواه، وكونه ـ تعالى ـ مقوما لغيره عبارة عن احتياج كل ما سواه إليه، فلو كان جسما لكان هو مفتقرا إلى غيره وهو جزؤه، ولكان غيره غنيا عنه وهو جزؤه وحينئذ لا يكون قيوما. وأيضا لو وجب حصوله في شىء من الأحياز لكان مفتقرا محتاجا إلى ذلك الحيز، فلم يكن قيوما على الإطلاق.

الحجة الخامسة:

قوله تعالى: هل تعلم له سميا {65} (مريم).

قال ابن عباس رضي الله عنه: «هل تعلم له مثلا». ولو كان متحيزا لكان كل واحد من الجواهر مثلا له.

الحجة السادسة:

قوله تعالى: هو الله الخالق البارئ المصور {24} (الحشر).

وجه الاستدلال به أنا بينا في سائر كتبنا أن الخالق في اللغة هو المقدر ـ بكسر الدال المعجمة المشددة ـ، ولو كان جسما لكان متناهيا، ولو كان متناهيا لكان مخصوصا بمقدار معين، ولـما وصف نفسه بكونه خالقا وجب أن يكون تعالى هو المقدر لجميع المقدورات بمقاديرها المخصوصة. وإذا كان هو مقدرا في ذاته بمقدار مخصوص، لزم كونه مقدرا لنفسه، وذلك محال.

وأيضا لو كان جسما لكان متناهيا، وكل متناه محيط به حد أو حدود مختلفة، وكل ما كان كذلك فهو مشكل وكل مشكل فله صورة، فلو كان جسما لكان له صورة، ثم إنه تعالى وصف نفسه بكونه مصورا([7])، فيلزم كونه مصورا لنفسه وذلك محال، فيلزم أن يكون منزها عن الصورة والجسمية حتى لا يلزم هذا المحال.

الحجة السابعة:

قوله تعالى: هو الأول والآخر والظاهر والباطن {3} (الحديد).

وصف نفسه بكونه ظاهرا وباطنا، ولو كان جسما لكان ظاهره غير باطنه، فلم يكن الشىء الواحد موصوفا بأنه ظاهر وبأنه باطن، لأن على تقدير كونه جسما يكون الظاهر منه سطحه، والباطن منه عمقه، فلم يكن الشىء الواحد ظاهرا وباطنا.

وأيضا فالمفسرون قالوا: إنه ظاهر بحسب الدلائل([8])، باطن بحسب أنه لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال، ولو كان جسما لما أمكن وصفه بأنه لا يدركه الحس ولا يصل إليه الخيال.

وفي صحيح مسلم([9]): كان أبو صالح([10]) يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن ثم يقول: «اللهم رب السموات والأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شىء، فالق الحب والنوى ومنـزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شىء أنت آخذ بناصيته([11])، اللهم أنت الأول فليس قبلك شىء وأنت الآخر فليس بعدك شىء وأنت الظاهر فليس فوقك شىء وأنت الباطن فليس دونك شىء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر»، وكان يروي ذلك عن أبي هريرة([12]) عن النبي ﷺ، رواه الترمذي([13]وغيره.

الحجة الثامنة:

قوله تعالى: ولا يحيطون به علما {110} (طه)، وقوله تعالى: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار {103} (الأنعام).

وذلك يدل على كونه تعالى منزها عن المقدار والشكل والصورة وإلا لكان الإدراك والعلم محيطين به، وذلك على خلاف هذين النصين. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنه إن كان جسما كبيرا، فلهذا المعنى لا يحيط به الإدراك والعلم؟ قلنا: لو كان الأمر كذلك لصح أن يقال بأن علوم الخلق وأبصارهم لا تحيط بالسموات ولا بالجبال ولا بالبحار ولا بالمفاوز([14])، فإن هذه الأشياء أجسام كبيرة والأبصار لا تحيط بأطرافها، والعلوم لا تصل إلى تمام أجزائها. ولو كان الأمر كذلك لما كان في تخصيص ذات الله تعالى بهذا الوصف فائدة، وكلام الله منزه عن الضعف والركاكة، فالقرآن معجزة في الفصاحة والبلاغة، والله أحكم الحاكمين.

الحجة التاسعة:

قوله تعالى: فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون {22} (البقرة).

والند المثل، ولو كان تعالى جسما لكان مثلا لكل واحد من الأجسام لما بينا سابقا أن الأجسام كلها متماثلة، وحينئذ يكون الند موجودا على هذا التقدير، وذلك على مضادة هذا النص» اهـ.

[1] ) أساس التقديس، الرازي، ص 30، 31 (باختصار).

    محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التميمي البكري أبو عبد الله فخر الدين الرازي، ت 606هـ، الإمام المفسر أوحد زمانه في المعقول والمنقول وعلوم الأوائل وهو قرشي النسب أصله من طبرستان ومولده في الري وإليها نسبته. من تصانيفه: «مفاتيح الغيب»، و«لوامع البيان في شرح أسماء الله تعالى والصفات». الأعلام، الزركلي، 6/302، 303.

[2] ) تفسير القرطبي، القرطبي، 13/98.

[3] ) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، 1/160. ذكر ذلك في مواضع كثيرة من تفسيره.

[4] ) أي قوله تعالى ليس كمثله شىء {11} (الشورى).

[5] ) كانت الممكنات العقلية معدومة ثم دخل بعضها في الوجود بتخصيص الله تعالى لوجود ذلك البعض الذي قدر له أن يوجد، إذ كان في العقل جائزا ألا توجد، فوجودها بتخصيص الله تعالى. ويقال عن الممكن: الجائز العقلي، وهو ما يتصور في العقل وجوده تارة وعدمه تارة أخرى.

[6] ) الواجب الوجود أو الواجب العقلي هو ما لا يتصور في العقل عدمه، وهو الله وصفاته.

[7] ) أي خالقا للصور.

[8] )المراد   الظاهر فوق كل شىء بالقهر والقوة والغلبة لا بالمكان والصورة والكيفية، فإنها من صفات الخلق.

[9] ) صحيح مسلم، مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، 8/78.

[10] ) أبو صالح السمان،  ذكوان بن عبد الله مولى أم المؤمنين جويرية الغطفانية، الحافظ الحجة، ت101هـ، كان من كبار العلماء بالمدينة، ولد في خلافة عمر رضي الله عنه، وسمع من سعد بن أبي وقاص، وعائشة، وأبي هريرة، وابن عباس وغيرهم. لازم أبا هريرة مدة، حدث عنه ابنه سهيل بن أبي صالح، والأعمش، وعبد الله بن دينار، وخلق سواهم. ذكره الإمام أحمد فقال: «ثقة ثقة» اهـ. وعن الأعمش قال: «سمعت من أبي صالح السمان ألف حديث» اهـ. وقال أبو حاتم: «ثقة، صالح الحديث، يحتج بحديثه» اهـ.=
=سير أعلام النبلاء، الذهبي، 5/20، 21.

[11] ) «الناصية واحدة النواصي، قال ابن سيده: الناصية، قصاص الشعر في مقدم الرأس. وقال الفراء في قوله عز وجل: كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية {15} (العلق)، ناصيته مقدم رأسه، أي لنهصرنها لنأخذن بها أي لنقيمنه ولنذلنه. وقوله عز وجل: ما من دآبة إلا هو ءاخذ بناصيتها (هود)، قال الزجاج: معناه في قبضته تناله بما شاء قدرته» اهـ. لسان العرب، ابن منظور، 15/327. قال النووي في شرحه: «قوله: «أعوذ بك من شر كل شىء أنت آخذ بناصيته» أي من شر كل شىء من المخلوقات، لأنها كلها في سلطانه، وهو آخذ بنواصيها» اهـ. شرح صحيح مسلم، النووي، 9/79.

[12] ) عبد الرحمن بن صخر الدوسي الملقب بأبي هريرة، ت 59هـ، كان أكثر الصحابة حفظا للحديث ورواية له، نشأ يتيما ضعيفا في الجاهلية وقدم المدينة ورسول الله ﷺ بخيبر فأسلم سنة 7هـ ولزم صحبة النبي ﷺ فروى عنه 5374 حديثا نقلها عن أبي هريرة أكثر من 800 رجل بين صحابي وتابعي، توفي بالمدينة. الأعلام، الزركلي، 3/308.

[13] ) سنن الترمذي، الترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء في الدعاء إذا أوى إلى فراشه، 5/ 472.

[14] ) «المفازة: المنجاة والمهلكة والفلاة لا ماء بها» اهـ. القاموس المحيط، الفيروزأبادي، مادة: ف و ز، ص 669، «المفازة: البرية، وكل قفر مفازة. وقيل: المفازة: الفلاة التي لا ماء بها، قاله ابن شميل. والجمع: مفاوز» اهـ. تاج العروس، الزبيدي، 15/273.

آيات قرآنية كريمة تدل على تنـزيه الله تعالى عن الجسمية زيادة على ما ذكره الفخر الرازي رحمه الله

قال أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط([1]) في شرح قوله تعالى ولله المثل الأعلى {60} (النحل): «أي الصفة العليا ـ من تنـزهه تعالى عن الولد والصاحبة وجميع ما تنسب الكفرة إليه مما لا يليق به تعالى كالتشبيه والانتقال وظهوره تعالى في صورة ـ وهي ـ أي هذه الصفة العليا ـ الغنى عن العالمين، والنزاهة عن سمات المحدثين» اهـ. نبه أبو حيان على أن من جملة المحذورات التي وقع فيها الكفرة نسبة الصورة المخلوقة إلى الله، وهذا مستحيل عقلا، إذ إن الله هو المصور أي خالق الصور وكيفياتها، وأما الحديث الذي رواه مسلم([2]) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: «إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته»، وأن النبي ﷺ رأى شخصا يلطم وجه عبد فأنكر عليه وقال: «إن الله خلق آدم على صورته» رواه البخاري([3])، فالمراد إن أعيد الضمير إلى الأخ المضروب أو وجه العبد أن الله خلق آدم عليه السلام على صورة ذاك المضروب، وقيل: إنها تعود على آدم بمعنى أن الله تعالى خلق آدم على الصورة التي كان عليها ولم يردده في أطوار الخلقة كما خلقنا نحن من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، وإن أعيد الضمير إلى الله كان على معنى الملك، فتكون الإضافة للتشريف، فكأنه قال:خلقه على الصورة التي هي ملك له مشرفة عنده، وعلى هذا الوجه يحمل حديث([4]): «لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن»، ولا يصح تفسير الحديث بما قال بعضهم من أن المراد أنه خلقه على صفاته من السمع والبصر والعلم، إذ لا يصح عقلا أن يتصف العبد بصفة من صفاته تعالى لأن الحادث لا يتصف بالأزلي، فلا يكون الحادث أزليا ولا الأزلي حادثا.

قال القاضي عياض المالكي([5]): «واعلم أن هذا الحديث غلط فيه ابن قتيبة([6]) وأجراه على ظاهره وقال: فإن الله سبحانه له صورة لا كالصور، فأجرى الحديث على ظاهره، والذي قاله لا يخفى فساده لأن الصورة تفيد التركيب، وكل مركب محدث، والبارئ ـ سبحانه وتعالى ـ ليس بمحدث فليس بمركب، وما ليس بمركب فليس بمصور، وهذا من جنس قول المبتدعة: إن البارئ ـ جل وعز ـ جسم لا كالأجسام لما رأوا أهل السنة قالوا: شىء لا كالأشياء، طردوا الاستعمال، فقالوا: جسم لا كالأجسام. وقال ابن قتيبة: صورة لا كالصور.

والفرق بين ما قلناه وما قالوه أن لفظة «شىء» لا تفيد الحدوث ولا تتضمن ما يقتضيه، وقولهم: جسم وصورة يتضمن التأليف والتركيب، وذلك دليل الحدوث.

وعجبا لابن قتيبة في قوله: صورة لا كالصور، مع كون هذا الحديث يقتضي ظاهره عنده خلق آدم على صورته، فقد صارت على زعمه صورة البارئ ـ سبحانه ـ على صورة آدم ـ عليه السلام ـ على ظاهر هذا على أصله، فكيف يكون على صورة آدم ويقول: إنها لا كالصور، وهذا تناقض» اهـ.

ويقال له أيضا: إن أردت بقولك: «صورة لا كالصور» أنه ليس بمؤلف ولا مركب فليس بصورة على الحقيقة، وأنت مثبت تسمية تفيد في اللغة معنى مستحيلا عليه تعالى مع نفي ذلك.

وقال الحافظ ابن الجوزي([7]) رحمه الله في تفسيره زاد المسير([8]): «قال الله تعالى: فلا تضربوا لله الأمثال {74} (النحل)، أي لا تشبهوه بخلقه لأنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شىء» اهـ.

وقال البيضاوي([9]) في تفسيره([10]) في شرح قول الله تعالى: فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون {74} (النحل): «فلا تجعلوا له مثلا تشركونه به أو تقيسونه عليه فإن ضرب المثل تشبيه حال بحال. (إن الله يعلم) فساد ما تعولون عليه من القياس على أن عبادة عبيد الملك أدخل في التعظيم من عبادته وعظم جرمكم في ما تفعلون. (وأنتم لا تعلمون( ذلك ولو علمتموه لما جرأتم عليه فهو عليم للنهي، أو أنه يعلم كنه (حقيقة) الأشياء وأنتم لا تعلمونه، فدعوا رأيكم دون نصه. ويجوز أن يراد ﱫﭡ  ﭢ  ﭣ  ﭤﭬﱪ (النحل) فإنه يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون» اهـ.

وقال الحافظ المجتهد ابن جرير الطبري([11]) رضي الله عنه: «قال الله تعالى: واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار {148} (الأعراف)، وقال سبحانه: } فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار {88} (طه): «يخبر جل ذكره عنهم أنهم ضلوا بما لا يضل بمثله أهل العقل، وذلك أن الرب جل جلاله الذي له ملك السموات والأرض ومدبر ذلك لا يجوز أن يكون جسدا له خوار» اهـ. والجسد هو جسم الإنسان والجن والملائكة كما قال الفيروزأبادي([12]) وغيره من أئمة اللغة، فبطل إطلاق الجسم على الله.

وقال القرطبي في تفسيره([13]): « فلا تضربوا لله الأمثال {74} (النحل)، أي الأمثال التي توجب الأشباه والنقائص، أي لا تضربوا لله مثلا يقتضي نقصا وتشبيها بالخلق، و (المثل الأعلى)  وصفه بما لا شبيه له ولا نظير، جل وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا» اهـ.

[1] ) تفسير البحر المحيط، أبو حيان، تفسير قول الله تعالى: ولله المثل الأعلى {60} (النحل)، 6/549.

[2] ) صحيح مسلم، مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن ضرب الوجه، 8/32.

[3] ) صحيح البخاري، البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام، 8/62.

[4] ) المعجم الكبير، الطبراني، 12/329. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 8/22: « رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير إسحاق بن إسماعيل الطالقاني وهو ثقة وفيه ضعف» اهـ. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة 6/45: «هذا إسناد رواته ثقات» اهـ.

[5] ) إكمال المعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض، ص87، 88. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج. النووي. 16/ 166.

[6] ) عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري النحوي اللغوي، ت 276هـ، قال البيهقي: «كان ابن قتيبة كراميا» اهـ. وقال الدارقطني: «كان يميل إلى التشبيه» اهـ. بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، السيوطي، 2/62.

[7] ) عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي الحنبلي أبو الفرج، ت 597هـ، علامة عصره في التاريخ والحديث، كثير التصانيف، مولده ووفاته ببغداد ونسبته إلى مشرعة الجوز. له نحو ثلاثمائة مصنف منها: «الأذكياء وأخبارهم»، و«فنون الأفنان»، «تلبيس إبليس»، «الناسخ والمنسوخ»، و«زاد المسير في علم التفسير». الأعلام، الزركلي، 3/316.

[8] ) زاد المسير في علم التفسير، ابن الجوزي، 4/471.

[9] ) عبد الله بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي أبو سعيد أو أبو الخير ناصر الدين البيضاوي، ت 685هـ، قاض مفسر، ولد في المدينة البيضاء بفارس ـ قرب شيرازـ وولي قضاء شيراز مدة، وصرف عن القضاء، فرحل إلى تبريز فتوفي فيها. من تصانيفه: «أنوار التنزيل وأسرار التأويل» يعرف بتفسير البيضاوي، و«منهاج الوصول إلى علم الأصول»، و«لب اللباب في علم الإعراب». بغية الوعاة، السيوطي، 1/286. الأعلام، الزركلي، 4/110.

[10] ) تفسير البيضاوي، البيضاوي، 3/411.

[11] ) جامع البيان في تفسير القرآن، الطبري، 6/62.

[12] ) القاموس المحيط، الفيروزأبادي، ص 348.

[13] ) تفسير القرطبي، القرطبي، 10/106.

حكم التجسيم والمجسمة

قال ابن المعلم القرشي وقد تقدم في صدر الكتاب([1]): «عن علي رضي الله عنه قال: سيرجع قوم من هذه الأمة عند اقتراب الساعة كفارا، قال رجل: يا أمير المؤمنين، كفرهم بماذا: أبالإحداث أم بالإنكار؟ فقال: بل بالإنكار، ينكرون خالقهم فيصفونه بالجسم والأعضاء» اهـ.

وقال ابن المعلم كذلك([2]): «ثبت أن الشافعي قال: من قال الله جالس على العرش كافر» اهـ.

وقال قاضي القضاة الحافظ تاج الدين السبكي([3]): «وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة ولله الحمد في العقائد يد واحدة، كلهم على رأي أهل السنة والجماعة، يدينون لله تعالى بطريق شيخ السنة والجماعة أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى، لا يحيد عنها إلا رعاع من الحنفية والشافعية لحقوا بأهل الاعتزال، ورعاع من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم، وبرأ الله المالكية فلم نر مالكيا إلا أشعري العقيدة، وبالجملة عقيدة الأشعرية هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة» اهـ. وفي ما يلي بيان لحال المجسم وأنه محكوم بكفره بشهادة الأئمة المذاهب الأربعة التي استقر العمل بها في أقطار البلاد ومن انتسب إلى مذهبهم من أعيان العلماء.

[1] ) نجم المهتدي ورجم المعتدي، ابن المعلم القرشي، ص588.

[2] ) نجم المهتدي ورجم المعتدي، ابن المعلم القرشي، ص555.

[3] ) معيد النعم ومبيد النقم، السبكي، ص 75.

حكم التجسيم والمجسمة عند الحنابلة خصوصا:

نقل ابن حمدان عن الإمام أحمد رضي الله عنه([1]) «تكفير من قال عن الله: جسم لا كالأجسام» اهـ. ونقله صاحب الخصال من الحنابلة كما ذكر ذلك المحدث الأصولي بدر الدين الزركشي([2]).

وقال أبو الفضل التميمي رئيس الحنابلة ببغداد وابن رئيسها([3])كما تقدم: «وأنكر أحمد على من قال بالجسم ـ أي في حق الله ـ وقال: إن الأسماء
ـ أي أسماء الأشياء ـ مأخوذة من الشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم ـ أي الجسم ـ لذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف، والله سبحانه وتعالى خارج عن ذلك كله ـ أي منـزه عن ذلك
كله ـ ولم يجئ ذلك في الشريعة ـ أي ولم يرد إطلاق الجسم على الله في الشرع ـ فبطل إطلاق ذلك على الله شرعا ولغة» اهـ. ونقله عنه الحافظ البيهقي في مناقب أحمد([4]) وغيره([5]).

ويقول التميمي في الكتاب عينه([6]): «والله تعالى لم يلحقه تغير ولا تبدل، ولا تلحقه الحدود قبل خلق العرش ولا بعد خلق العرش، وكان ـ أي الإمام أحمد ـ ينكر على من يقول: إن الله في كل مكان بذاته لأن الأمكنة كلها محدودة» اهـ.

وقال ابن الأثير في تاريخه([7]): «وفيها ـ أي سنة 429هـ ـ أنكر العلماء على أبي يعلى بن الفراء الحنبلي ما ضمنه كتابه من صفات الله سبحانه وتعالى المشعرة بأنه يعتقد التجسيم، وحضر أبو الحسن القزويني الزاهد بجامع المنصور، وتكلم في ذلك، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا» اهـ.

ويقول ابن الأثير([8]) أيضا عند ذكر السنة التي توفي فيها أبو يعلى المجسم وهي عام 458هـ، ما نصه: «وهو مصنف كتاب الصفات أتى فيه بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض، تعالى الله عن ذلك، وكان ابن التميمي الحنبلي يقول: لقد خرئ أبو يعلى الفراء على الحنابلة خرية لا يغسلها الماء» اهـ. وسبب ذلك أنه ألف كتابا سماه إبطال التأويلات، وهو كتاب بدعي، وهذا غير مؤلفاته الأخرى التي فيها التجسيم والبدع.

وهذا ابن تيمية الحراني نفسه إما م المجسمة يقول([9]) -وكلامه هنا حق-: «إذ لا يختلف أهل السنة أن الله تعالى ليس كمثله شىء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل أكثر أهل السنة من أصحابنا وغيرهم يكفرون المشبهة والمجسمة» اهـ. وهو يناقض نفسه في مواضع أخرى، وهذا شأنه في التذبذب، والعياذ بالله.

ومما قاله الشيخ ابن حجر الهيتمي([10]) في التحذير من ابن تيمية المجسم وتلميذه ابن القيم تحت عنوان «مطلب في عقيدة الإمام أحمد رضي الله عنه وأرضاه»: «وسئل ـ أي الهيتمي ـ: في عقائد الحنابلة ما لا يخفى على شريف علمكم، فهل عقيدة الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه كعقائدهم؟
فأجاب بقوله: عقيدة إمام السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأرضاه وجعل جنان المعارف متقلبه ومأواه، وأفاض علينا وعليه من سوابغ امتنانه وبوأه الفردوس الأعلى من جنانه، موافقة لعقيدة أهل السنة والجماعة من المبالغة التامة في تنزيه الله، تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، عن الجهة والجسمية وغيرهما من سائر سمات النقص، بل وعن كل وصف ليس فيه كمال مطلق. وما اشتهر به جهلة المنسوبين إلى هذا الإمام الأعظم المجتهد من أنه قائل بشىء من الجهة أو نحوها فكذب وبهتان وافتراء عليه، فلعن الله من نسب ذلك إليه أو رماه بشىء من هذه المثالب التي برأه الله منها. وقد بين الحافظ الحجة القدوة الإمام أبو الفرج بن الجوزي من أئمة مذهبه المبرئين من هذه الوصمة القبيحة الشنيعة أن كل ما نسب إليه من ذلك كذب عليه وافتراء وبهتان، وأن نصوصه صريحة في بطلان ذلك وتنزيه الله تعالى عنه، فاعلم ذلك فإنه مهم. وإياك أن تصغي إلى ما في كتب ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وغيرهما ممن اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم، وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله، وكيف تجاوز هؤلاء الملحدون الحدود وتعدوا الرسوم وخرقوا سياج الشريعة والحقيقة، فظنوا بذلك أنهم على هدى من ربهم، وليسوا كذلك، بل هم على أسوأ الضلال وأقبح الخصال وأبلغ المقت والخسران وأنهى الكذب والبهتان، فخذل الله متبعهم وطهر الأرض من أمثالهم» اهـ.

[1] ) نهاية المبتدئين، ابن حمدان، ص30.

[2] ) تشنيف المسامع، الزركشي، 4/684.

[3] ) اعتقاد الإمام المبجل، أبو الفضل التميمي، 1/298.

[4] ) عقيدة الإمام أحمد، البيهقي، ص111.

[5] ) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل، ابن جماعة، ص33.

[6] ) اعتقاد الإمام المبجل، أبو الفضل التميمي، 1/297.

[7] ) الكامل في التاريخ، ابن الأثير، 8/16.

    علي بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، أبو الحسن عز الدين بن الأثير، المؤرخ الإمام، من العلماء بالنسب والأدب. ولد ونشأ في جزيرة ابن عمر وسكن الموصل، ت 630هـ. من تصانيفه: «الكامل»، و«أسد الغابة في معرفة الصحابة». الأعلام، الزركلي، 4/331.

[8] ) الكامل في التاريخ، ابن الأثير، 8/104.

[9] ) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، 6/356.

[10] ) الفتاوى الحديثية، ابن حجر الهيتمي، 1/480، 481.

حكم التجسيم والمجسمة عند الشافعية:

قال الإمام الشافعي رضي الله عنه جامعا ما قيل في التوحيد: «من انتهض لمعرفة مدبره فانتهى إلى موجود ينتهي إليه فكره فهو مشبه، وإن اطمأن إلى العدم الصرف فهو معطل، وإن اطمأن لموجود واعترف بالعجز عن إدراكه فهو موحد» اهـ. رواه البيهقي وغيره([1] وقد تقدم.

وقال ابن المعلم القرشي في سرد مسائل يكفر معتقدها([2]): «وهذا منتظم من كفره مجمع عليه، ومن كفرناه من أهل القبلة كالقائلين بخلق القرآن([3]) وبأنه ـ تعالى ـ لا يعلم المعدومات قبل وجودها، ومن لا يؤمن بالقدر، وكذا من يعتقد أن الله جالس على العرش كما حكاه القاضي حسين عن نص الشافعي» اهـ.

وقال كذلك([4]): «ثبت أن الشافعي قال: من قال: الله جالس على العرش كافر» اهـ.

وقال الحافظ النووي([5]): «وأما التفصيل فقال المتولي: من اعتقد قدم العالم أو حدوث الصانع أو نفى ما هو ثابت للقديم بالإجماع ككونه عالما قادرا، أو أثبت ما هو منفي عنه بالإجماع كالألوان، أو أثبت له الاتصال والانفصال كان كافرا([6])» اهـ.

وقال تقي الدين الحصني([7]): «إلا أن النووي جزم في صفة الصلاة من شرح المهذب بتكفير المجسمة، قلت: وهو الصواب الذي لا محيد عنه، إذ فيه ـ أي قول من قال بالجسمية ـ مخالفة صريح القرآن، قاتل الله المجسمة والمعطلة، ما أجرأهم على مخالفة من (ليس كمثله شىء وهو السميع البصير {11}) (الشورى)، وفي هذه الآية رد على الفرقتين» اهـ.

وقال الحافظ السيوطي([8]): «قاعدة: قال الشافعي: لا يكفر أحد من أهل القبلة، واستثني من ذلك المجسم ومنكر علم الجزئيات» اهـ.

وفي الكتاب نفسه وفي الصحيفة نفسها ينقل السيوطي عن الإمام الشافعي رضي الله عنه قوله: «المجسم كافـر» اهـ.

وقد ذكر الإمام البيهقي الشافعي المذهب في الأسماء والصفات في كثير من المواضع أن الله منـزه عن المكان والحد، ومن ذلك قوله([9]): «واستدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه ـ تعالى ـ بقول النبي ﷺ([10]): «أنت الظاهر فليس فوقك شىء وأنت الباطن فليس دونك شىء» وإذا لم يكن فوقه شىء ولا دونه شىء لم يكن في مكان» اهـ.

وقوله([11]): «وما تفرد به الكلبي وأمثاله يوجب الحد والحد يوجب الحدث لحاجة الحد إلى حاد خصه به، والبارئ قديم لم يزل» اهـ.

وقوله([12]): «الله تعالى لا مكان له»، ثم قال: «فإن الحركة والسكون والاستقرار من صفات الأجسام، والله تعالى أحد صمد ليس كمثله شىء» اهـ.

وقال المناوي([13]) عند الكلام على تقسيم البدعة إلى كفرية وغير كفرية ما نصه: «أما من كفر بها كمنكر العلم بالجزئيات وزاعم التجسيم أو الجهة أو السكون أو الاتصال بالعالم أو الانفصال عنه فلا يوصف عمله بقبول ولا رد، لأنه أحقر من ذلك» اهـ.

وقال ابن حجر الهيتمي([14]): «واعلم أن القرافي وغيره حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم، وهم حقيقون بذلك» اهـ.

وأما ما ترويه المشبهة عن الإمام الشافعي مما يخالف عقيدة أهل السنة والجماعة فلا وجه لصحته وإنما هو من جملة الدسائس على أعلام الحق كالشافعي، وإذا عرفت أن في أسانيد هذه الروايات المصنوعة أمثال العشاري وابن كادش والهكاري تبينت وضعها ولم تعجب، لاشتهار هؤلاء المذكورين  بالوضع والغفلة كما يعلم ذلك من كتب الجرح والتعديل، أما ابن كادش فهو أبو العز بن كادش أحمد بن عبيد الله المتوفى سنة 526هـ من أصحاب العشاري اعترف بالوضع ، كما في ميزان الاعتدال في نقد الرجال([15])، وحكم مثله عند أهل النقد معروف. وأما العشاري فهو أبو طالب محمد بن علي العشاري المتوفى سنة 452هـ مغفل، وقد راجت عليه العقيدة المنسوبة إلى الشافعي كذبا، وكل ذلك بإثبات الذهبي نفسه في كتاب الميزان([16]) وغيره، وكذا ما ينسب للشافعي ـ وصية الشافعي ـ فهو من رواية أبي الحسن الهكاري([17]) المعروف بالوضع كما هو مقرر في كتب الجرح والتعديل([18])، فليحذر من تمويهات المجسمة فإن دأبهم التدليس والتزوير وذكر ما يوافق هواهم وإن كان كذبا وباطلا.

فقد كان كل علماء الشافعية المعتبرين على تنـزيه الله سبحانه عن صفات المخلوقات من الأجسام الكثيفة واللطيفة. ولو تخبط بعض من ينتسب إليهم في متاهات الجهل، فمرد هذا إلى عدم ثبات عقيدة التنـزيه في قلوبهم حسبما كان يعلمها الإمام الشافعي رضي الله عنه وكبار علماء مذهبه كما سبق النقل عنهم.

[1] ) شرح الفقه الأكبر، ملا علي القاري، ص 152.

[2] ) نجم المهتدي ورجم المعتدي، ابن المعلم القرشي، ص 551. وكذلك نقل ابن الرفعة هذا القول عن الشافعي. كفاية النبيه شرح التنبيه، ابن الرفعة، 4/24.

[3] ) أي من قال بأن لله شفتين وأسنانا ولهاة، وأن كلامه الأزلي أصوات وحروف فهو كافر.

[4] ) نجم المهتدي ورجم المعتدي، ابن المعلم القرشي، ص 555.

[5] ) روضة الطالبين، النووي، 10/64.

[6] ) إذ الاتصال والانفصال من صفات الأجسام.

[7] ) كفاية الأخيار حل غاية الاختصار، الحصني، ص 647.

[8] ) الأشباه والنظائر، السيوطي، ص 488.

[9] ) الأسماء والصفات، البيهقي، ص400.

[10] ) صحيح مسلم، مسلم، كتاب الذكر والتوبة والدعاء والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، 8/78.

[11] ) الأسماء والصفات، البيهقي، ص415.

[12] ) الأسماء والصفات، البيهقي، ص448، 449.

[13] ) فيض القدير، المناوي، 1/72.

[14] ) المنهاج القويم شرح المقدمة الحضرمية، الهيتمي، ص 224. ومعنى «حقيقون بذلك» أي جديرون بالتكفير، وتكفيرهم ليس افتراء عليهم بل لأنهم مجسمة وخالفوا المعتقد الإسلامي السليم فقد خرجوا عن الحق والإسلام وكفروا.

[15] ) ميزان الاعتدال في نقد الرجال، الذهبي، 1/259.

[16] ) قال الذهبي في ترجمته: «أدخلوا عليه أشياء فحدث بها بسلامة باطن، منها حديث موضوع في فضل ليلة عاشوراء، ومنها عقيدة للشافعي ـ وذكر بعض الأباطيل عنه ثم قال ـ فقبح الله من وضعه، والعتب إنما على محدثي بغداد كيف تركوا العشاري يروي هذه الأباطيل» اهـ. ميزان الاعتدال، الذهبي، 6/267. لسان الميزان، ابن حجر، 5/302.

[17] ) علي بن أحمد بن يوسف الهكاري أبو الحسن، ت 486هـ، من ذرية عتبة بن أبي سفيان بن حرب، رحل في الحديث وسمع من ابن نظيف الفراء، وقال ابن عساكر: «لم يكن موثقا في روايته» اهـ. قال ابن الأثير: كثر السماع إلا أن الغرائب في حديثه كثيرة لا يدرى ما سببها. الكامل في التاريخ. ابن الأثير. 8/ 169. شذرات الذهب، ابن العماد، 3/379.

[18] ) قال أبو الوفا الحلبي الطرابلسي في الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث 1/184، (والذهبي في ميزان الاعتدال في نقد الرجال 3/112، وابن حجر العسقلاني في لسان الميزان 5/483،  وكذلك قال الذهبي في المغني في الضعفاء 2/443): «علي بن أحمد أبو الحسن الهكاري، قال ابن النجار: متهم بوضع الحديث وتركيب الأسانيد، وقال ابن عساكر: لم يكن موثقا» اهـ. وقال ابن الدمياطي في المستفاد من ذيل تاريخ بغداد 1/136: «وكان الغالب على حديثه – أي على الهكاري – الغرائب والمنكرات، ولم يكن حديثه يشبه حديث أهل الصدق، وفي حديثه متون موضوعة مركبة على أسانيد صحيحة، وقيل: إنه كان يضع الحديث بأصبهان، قدم بغداد، وحدث بها. قال أبو القاسم بن عساكر: علي ابن أحمد الهكاري لم يكن موثقا، بلغني أن ابن الخاضبة قصده لما قدم بغداد، فذكر له أنه سمع من شيخ استنكر سماعه منه، فسأله عن تاريخ سماعه منه، فذكر تاريخا متأخرا عن وفاة ذلك الشيخ، فقال ابن الخاضبة: هذا الشيخ يزعم أنه سمع منه بعد موته بمدة، وتركه وقام» اهـ.

حكم التجسيم والمجسمة عند المالكية:

ثبت تكفير المجسمة عن الأئمة الثلاثة أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وثبت تكفيرهم كذلك عن الإمام أبي الحسن الأشعري والإمام أبي منصور الماتريدي رضي الله عنهم، ومثل ذلك روي عن الإمام مالك رضي الله عنه  فقد حكى المجتهد ابن المنذر عنه أنه قال([1]): «أرى أن يستتاب أهل الأهواء، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم» اهـ. وأهل الأهواء هم الذين ابتدعوا في الاعتقاد كالمعتزلة والمشبهة والمجسمة والجبرية إلى آخر فرقهم، وهؤلاء ظهروا في القرون السابقة ولم ينقرضوا، بل إلى الآن ما زال أفراخ وأذناب هؤلاء يصولون ويجولون مشوشين على عقائد المسلمين ودينهم وإن كان بأسماء ومسميات مختلفة.

وقال الشيخ محمد بن أحمد عليش المالكي([2]) عند ذكر ما يوقع في الكفر والعياذ بالله ما نصه([3]): «وكاعتقاد جسمية الله وتحيزه، فإنه يستلزم حدوثه واحتياجه لمحدث» اهـ.

وكان شيخ المحدثين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح (ت 256هـ) قد فهم شراح صحيحه أنه كان ينـزه الله عن المكان والجهة والجسم، فقد قال الشيخ علي بن خلف المالكي المشهور بابن بطال أحد شراح صحيح البخاري (ت 449هـ) ما نصه([4]): «قال أبو ذر: سألت النبي ﷺ عن قول الله سبحانه وتعالى: والشمس تجري لمستقر لها {38} (يس)، قال:«مستقرها تحت العرش». غرضه ـ أي البخاري ـ في هذا الباب رد شبهة الجهمية المجسمة في تعلقها بظاهر قوله: من الله ذي المعارج {3} تعرج الملائكة والروح إليه {4} (المعارج)، وقوله: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه {10} (فاطر) وما تضمنته أحاديث الباب من هذا المعنى، وقد تقدم الكلام في الرد عليهم وهو أن الدلائل الواضحة قد قامت على أن البارئ تعالى ليس بجسم ولا محتاجا إلى مكان يحله ويستقر فيه، لأنه تعالى قد كان ولا مكان وهو على ما كان، ثم خلق المكان، فمحال كونه غنيا عن المكان قبل خلقه إياه ثم يحتاج إليه بعد خلقه له، هذا مستحيل، فلا حجة لهم في قوله: (ذي المعارج) لأنه إنما أضاف المعارج إليه إضافة فعل ـ وفعل الله أزلي والمفعول حادث ـ، وقد قال ابن عباس في قوله: (ذي المعارج)  هو بمعنى: العلو والرفعة. وكذلك لا شبهة لهم في قوله تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب)  لأن صعود الكلم إلى الله تعالى لا يقتضي كونه في جهة العلو لأن البارئ تعالى لا تحويه جهة إذ كان موجودا ولا جهة، وإذا صح ذلك وجب صرف هذا عن ظاهره وإجراؤه على المجاز لبطلان إجرائه على الحقيقة، فوجب أن يكون تأويل قوله: (ذي المعارج) رفعته واعتلاؤه على خليقته وتنزيهه عن الكون في جهة لأن في ذلك ما يوجب كونه جسما تعالى الله عن ذلك، وأما وصف الكلام بالصعود إليه فمجاز أيضا واتساع لأن الكلم عرض، والعرض لا يصح أن يفعل، لأن من شرط الفاعل كونه حيا قادرا عالما مريدا، فوجب صرف الصعود المضاف إلى الكلم إلى الملائكة الصاعدين به» اهـ.

وقال أيضا([5]): «أمر الله تعالى نبيه بدعاء العباد إلى دينه وتوحيده ففعل ما ألزمه من ذلك، فبلغ ما أمره بتبليغه وأنزل عليه: فتول عنهم فما أنت بملوم {54} (الذاريات)، ووجه ذكر حديث الحث على تلاوة قل هو الله أحد {1} (الإخلاص) في هذا الباب لأنها سورة تشتمل على توحيد الله وصفاته الواجبة له وعلى نفي ما يستحيل عليه، من أنه لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، وتضمنت ترجمة هذا الباب أن الله واحد وأنه ليس بجسم، لأن الجسم ليس بشىء واحد، بل هو أشياء كثيرة مؤلفة، ففي نفس الترجمة الرد على الجهمية في قولها: إنه تعالى جسم. والدليل على استحالة كونه جسما أن الجسم موضوع في اللغة للمؤلف المجتمع، وذلك محال عليه تعالى، لأنه لو كان كذلك لم ينفك من الأعراض المتعاقبة عليه الدالة بتعاقبها عليه على حدثها لفناء بعضها عند مجيء أضدادها، وما لم ينفك من المحدثات فمحدث مثلها، وقد قام الدليل على قدمه تعالى، فبطل كونه جسما» اهـ.

[1] ) الإشراف على مذاهب العلماء، ابن المنذر، 8/73.

[2] ) محمد بن أحمد بن محمد عليش، أبو عبد الله، ت 1299هـ، فقيه من أعيان المالكية مغربي الأصل من أهل طرابلس الغرب ولد بالقاهرة وتعلم في الأزهر، وولي مشيخة المالكية فيه توفي في القاهرة. من تصانيفه: «فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك»، و«منح الجليل على مختصر خليل». الأعلام، الزركلي، 6/19.

[3] ) منح الجليل شرح مختصر خليل، محمد عليش، 9/206.

[4] ) شرح ابن بطال، ابن بطال، 20/107.

[5] ) شرح ابن بطال، ابن بطال، 10/402.

حكم التجسيم والمجسمة عند الحنفية:

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه([1]): «من اعتقد حدوث صفة من صفات الله أو شك أو توقف كفر» اهـ.

ونقل الإمام الطحاوي رضي الله عنه في رسالته التي هي ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على حسب ألفاظ أبي حنيفة والقاضي أبي يوسف ومحمد بن الحسن فقال: «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر» اهـ. وأظهر معاني البشر الجسمية. وكلام الطحاوي في غاية الأهمية فهو من علـماء الحديث ومن علـماء الفقه، وهذه العقيدة تدرس في أنحاء الأرض في الـمعاهد والجامعات الإسلامية، يقول رضي الله عنه في رسالته ما نصه: «تعالى ـ أي الله ـ عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر الـمبتدعات» اهـ. وقد تقدم بيانه.

وورد في كتاب كشف الأسرار شرح أصول البزدوي([2]) قوله([3]): «إن أبا حنيفة قال لجهم بن صفوان المجسم([4]): «اخرج عني يا كافر» اهـ.

وقال ابن أمير الحاج الحنفي([5]): «ولا تقبل شهادة المجسمة لأنهم كفرة» اهـ.

وقال الملا علي القاري([6]): «من اعتقد أن الله لا يعلم الأشياء قبل وقوعها فهو كافر…، وكذا من قال بأنه سبحانه جسم وله مكان ويمر عليه زمان ونحو ذلك كافر، حيث لم تثبت له حقيقة الإيمان» اهـ.

ولم يحد علماء المذهب عن معتقد الإمام أبي حنيفة في تنــزيه الله تعالى عن الجسم والهيئة والطول والعرض، ولا عبرة بشذوذ بعض من ينتسب إلى مذهبه مممن فتن بمجسمة العصر الوهابية([7]) وبابن تيمية المجسم الذي كان في القرن السابع الهجري وما شأنهم في ذلك إلا كنقطة في بحر. ومن أولئك المنحرفين ابن أبي العز الحنفي([8]) الذي تبع ابن تيمية فشرح العقيدة الطحاوية على خلاف منهج أهل الحق عامة وأهل مذهبه خاصة، فقد حشا شرحه وملأه بضلالات ابن تيمية حيث كان كالظل له.

ومما ذكره ابن أبي العز المشبه([9]) في هذا الشرح من عقيدة ابن تيمية زعمه أن أهل السنة يقولون بفناء النار، فيكون عنده وعند ابن تيمية وعند مجسمة العصر عذاب الكفار والمشركين الذين حاربوا اللـه وأنبياءه في نار جهنم ينتهي وينقطع، مكذبين قول الله تعالى: ولا يخفف عنهم من عذابها {36} (فاطر)، وقوله خالدين فيها أبدا {23} (الجن).

ومما ذكره([10]) أيضا من عقيدة ابن تيمية قوله بأزلية نوع العالم الذي أخذه ابن تيمية عن الفلاسفة الذين قالوا: إن الله لم يخلق نوع العالم إنما خلق الأفراد فقط، والعياذ بالله.

وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه([11]): «نقر بأن الله على العرش استوى من غير أن يكون له حاجة إليه واستقرار عليه، وهو الحافظ للعرش وغير العرش من غير احتياج، فلو كان محتاجا لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره كالمخلوق، ولو كان محتاجا إلى الجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان الله تعالى، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» اهـ.

وقال رضي الله عنه كذلك([12]): «كان الله ولا مكان، كان قبل أن يخلق الخلق، كان ولم يكن أين ولا خلق ولا شىء، وهو خالق كل شىء» اهـ.

وقال رضي الله عنه أيضا([13]): «فمن قال: لا أعرف ربي أفي السماء هو أم في الأرض فهو كافر، كذلك من قال: إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض» اهـ.

وإنما كفر الإمام قائل هاتين العبارتين لأنه يلزم القائل بذلك جعل الله مختصا بالجهة والتحيز، وكل ما هو مختص بالجهة والتحيز فإنه محتاج محدث بالضرورة أي بلا شك، وليس مراده كما زعم المشبهة إثبات أن السماء والعرش مكان لله تعالى، بدليل كلامه السابق الصريح في نفي الجهة عن الله ـ وقد نقلنا ذلك ـ، ومن ذلك قوله: «ولو كان محتاجا إلى الجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان» اهـ. ففي هذا إشارة من الإمام رضي الله عنه إلى إكفار من أطلق التشبيه والتحيز على الله، كما قال العلامة البياضي الحنفي([14]) والشيخ الكوثري([15]) وغيرهما. وقد قال الإمام البياضي في كتابه إشارات المرام([16]) الذي ألفه لبيان وشرح كلام أبي حنيفة وما يستفاد منه من الإشارات ما نصه: «ومن وصفه تعالى بكونه جسما: منهم من قال إنه جسم أي موجودا لا كالأجسام كبعض الكرامية، ومنهم من قال: إنه على صورة شاب أمرد، ومنهم من قال: على صورة شيخ أشمط، وكل ذلك كفر وجهل بالرب ونسبة للنقص الصريح إليه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا» اهـ.

وقد نقل عدد لا يحصى عن الإمام أبي حنيفة تكفير من يقول([17]): «لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض!» وكذا من قال: «إنه ـ أي الله ـ على العرش، ولا أدري العرش أفي السماء أو في الأرض» منهم الإمام تقي الدين الحصني([18]) والإمام أحمد الرفاعي([19]) وغيرهما، وذكروا أنه كفره لأنه جوز للحق مكانا.

فوضح بعد هذا البيان الشافي أن دعوى إثبات المكان لله تعالى أخذا من كلام أبي حنيفة رضي الله عنه افتراء عليه وتقويل له بما لم يقل. وهذا شأن الجهال المفلسين، إذا عدموا شبه الأدلة عمدوا إلى التزوير والتحريف أو تحوير الكلام وتوجيهه بما يوافق بدعتهم.

ومن العلماء الحنفية الذين كفروا المجسم الشيخ زين الدين الشهير بابن نجيم الحنفي (ت 970هـ) الذي قال ما نصه([20]): «ويكفر بإثبات المكان لله تعالى، فإن قال: الله في السماء، فإن قصد حكاية ما جاء في ظاهر الأخبار      لا يكفر، وإن أراد المكان كفر» اهـ.

وقال الإمام الحافظ الفقيه أبو جعفر أحمد بن سلامة الطحاوي الحنفي الذي هو من السلف الصالح (ت321هـ) أول رسالته المسماة العقيدة الطحاوية([21]): «هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة» أي أن هذه هي عقيدة السلف من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين في تنـزيه الله عن الـمكان والجهة والجسمية.

[1] ) كتاب الوصية، ضمن مجموعة رسائل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري، ص2.

[2] ) علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم، ت 482هـ، أبو الحسن، فقيه أصولي من أكابر الحنفية. له تصانيف منها: «المبسوط»، و«كنـز الوصول في أصول الفقه» ويعرف بأصول البزدوي، و«تفسير القرآن»، و«غناء الفقهاء» في الفقه. الأعلام، الزركلي، 4/328، 329.

[3] ) كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، علاء الدين البخاري، 1/22.

[4] ) جهم بن صفوان الراسبي، أس الضلالة ورأس الجهمية، كان ينكر الصفات ويقول: إن الله تعالى في الأمكنة كلها، يكثر ذكره في كتب التاريخ والفرق، ظهرت بدعته بترمذ، وقتله سالم بن أحوز بمرو في أواخر ملك بني أمية سنة 128هـ، ووافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية، وزاد عليهم بأشياء. الملل والنحل، الشهرستاني، 1/113.

[5] ) التقرير والتحبير، ابن أمير الحاج الحنفي، 6/294.

    ابن أمير الحاج هو موسى بن محمد التبريزي، ت 733هـ، أبو الفتح، مصلح الدين، فقيه حنفي. زار دمشق سنة 710 هـ، وسنة 726 هـ، ومر بالقاهرة، وتوفي بوادي بني سالم في طريق الحجاز وهو قاصد زيارة قبر الرسول ﷺ بعد أداء الحج. من كتبه: «الرفيع في شرح البديع» لابن الساعاتي في الأصول. الأعلام، الزركلي، 7/328.

[6] ) شرح الفقه الأكبر، الملا علي القاري، ص271.

[7] ) الوهابية نسبة إلى مؤسس حركتهم الضالة محمد بن عبد الوهاب، كان ابتداء ظهور أمره في الشرق سنة 1143هـ، واشتهر أمره بعد ١١٥٠هـ بنجد وقراها، توفي سنة ١٢٠٦هـ، وقد ظهر بدعوة ممزوجة بأفكار منه زعم أنها من الكتاب والسنة، وكفر الأمة لأنها على غير ما هو عليه من الضلال، وأخذ ببعض بدع تقي الدين أحمد بن تيمية فأحياها، ومنها عقيدة التجسيم لله والتحيز في جهة، وتحريم التوسل بالنبي ﷺ، وتحريم السفر لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والصالحين بقصد الدعاء هناك رجاء الإجابة من الله، وتكفير من ينادي بهذا اللفظ: يا رسول الله أو يا محمد أو يا علي أو يا عبد القادر أغثني أو بمثل ذلك إلا للحي الحاضر، وابتدع من عند نفسه تحريم تعليق الحروز التي ليس فيها إلا القرآن وذكر الله، وتحريم الجهر بالصلاة على النبي عقب الأذان، وأتباعه يحرمون الاحتفال بالمولد الشريف خلافا لشيخهم ابن تيمية.

[8] ) علي بن أبي العز الحنفي، ت 792هـ، كان بدمشق، ثم بالديار المصرية، ثم بدمشق وكان من المجسمة. الأعلام، الزركلي، 4/313. الدرر الكامنة، ابن حجر 1/372.

[9] ) ذكر ذلك عند الكلام على قول الطحاوي: «والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان» اهـ. ص427.

[10] ) ذكر ذلك عند الكلام على قول الطحاوي: «ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق»، ص132.

[11] ) شرح الفقه الأكبر، ملا علي القاري، ص70.

[12] ) الفقه الأبسط، أبو حنيفة، ص57.

[13] ) الفقه الأبسط، أبو حنيفة، ص49.

[14] ) إشارات المرام، البياضي الحنفي، ص 200.

    أحمد بن حسن بن سنان الدين البياضي، ت 1098هـ، قاض فاضل، بوسنوي الأصل. ولد في إستانبول وأخذ عن علمائها، وتوفي في قرية قريبة منها. له تآليف بالعربية منها: «إشارات المرام من عبارات الإمام» في فقه الحنفية، و«سوانح العلوم» في ستة فنون، و«الفقه الأبسط». الأعلام، الزركلي، 1/112.

[15] ) التكملة، الكوثري، ص 180.

[16] ) إشارات المرام، البياضي الحنفي، ص 200.

[17] ) الفقه الأبسط، أبو حنيفة، ص49.

[18] ) دفع شبه من شبه وتمرد، تقي الدين الحصني، ص18.

    أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن حريز بن معلى الحسيني الحصني تقي الدين، ت 829هـ، فقيه ورع من أهل دمشق ووفاته بها، نسبته إلى الحصن من (قرى حوران)، له تصانيف كثيرة منها: «كفاية الأخيار»، و«دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى الإمام أحمد». الأعلام، الزركلي، 2/69.

[19] ) البرهان المؤيد، أحمد الرفاعي، ص24.

[20] ) البحر الرائق، ابن نجيم، باب المرتدين، 5/129.

[21] ) النفائس، كمال الحوت، ص9، 12، 13.

مدار الحكم على من وصف الله بالجسمية أو الجهة

فأكفر هؤلاء العلماء كما رأيت فيما تقدم من النقول من زعم أن البارئ جسم متركب مؤلف محدود، أما من لم يدرك معنى الجسم في لغة العرب، ظنا منه أن معناه مقصور في اللغة على الموجود مثلا، إن كان حاله في ذلك أنه كالأعجمي، ولم يصفه مع ذلك بمعانى الأجسام، فلم يكفروه أي مع كونه سماه جسما، وأكفروا من زعم أن الله سبحانه يرى كما ترى المرئيات بالمقابلة أو المحاذاة أو في مكان حالا فيه دون مكان ولم يزعموا أنه يرى لا كالمرئيات.

تنبيه إلى خيانة خطيرة:

قال جلال علي الجهاني في مقدمته التمهيدية على أجوبة إمام الحرمين على مسائل الصقلي: ثم اطلع عليها الأستاذ الكبير العلامة المحقق سيدي أبو الفداء سعيد فودة حفظه الله تعالى، وكتب عليها تعليقات نفيسة ومحررة، فجزاه الله خير الجزاء على ذلك الجهد، فكل ما تراه من تعليقات فهي من الأستاذ الكبير.

وكتب الشيخ أبو محمد عبد الحق بن محمد بن هارون الصقلي إلى الإمام أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني النيسابوري، على مسائل، فأجابه، والجواب مشتمل على السؤال، فلا معنى للتطويل بإيراد السؤال، وذلك بمكة – حرسها الله – عام خمسين وأربعمائة.

وقد فوجئنا بعنوان خبيث، وهو قولهم: إثبات سمة العارفين لمن قال: إن الله تعالى جسم لا كالأجسام.

بينما العنوان المطبوع في المعيار المعرب[(1005)] نصه هو التالي: اعتقاد البعض أن الله عظيم كالأجسام العظيمة.

وتابع ناقلا: «حرس الله الشيخ الجليل الأوحد، وأدام عزه، وأجزل من كل موهبة مؤيده، والحمد لله كفاء أفضاله، والصلاة على سيدنا محمد وآله.

هذا وقد وقفت على عزيز خطابه، وأحطت علما بمضمون كتابه، فألفيته محتويا على مسائل: منها مسألة صادفتها منطوية على اعتقاد بعض العوام، أن الله سبحانه عظيم كالأجسام العظيمة، التي تعظم بكثرة الأجزاء، والمسألة عن إثبات سمات العارفين لمن هذا وصفه ، فأقول – والله المستعان وعليه التكلان -:

إن هذا مما اختلف فيه مذاهب الأئمة ، وأنا أذكر الأرجح والأوضح إن شاء الله تعالى.

اتفق المحققون أن من أسند نظره في حدوث العالم وأفضى به الدليل إلى العلم به، ثم نظر فتحقق لديه أن العالم الحادث الذي يجوز تقدير حدوثه ويجوز تقدير استمرار عدمه – إذا اختص بالحدوث افتقر إلى محدث مخصص.

فإذا قاد الناظر نظره وسلم من الآفات والعاهات المانعة من استمرار النظر، فهو عالم بالمحدث، وعارف بصانع العالم على الجملة، وإن لم ينظر فيما يجب لله من الصفات وفيما يجوز عليه وفيما يجب تقديسه وتنـزيهه عنه .

فأما من اعتقد في صفات الباري ما يتقدس الرب عنه، نحو أن يعتقد في صفات الإله ما اشتملت المسألة عليه، فقد اختلفت طرق الأئمة فيه:

فصارت طائفة منهم إلى أن من اعتقد أن الرب عظيم بالذات، على معنى كثرة الأجزاء وتركيبها في تأليفها، وأنه عز وجل مختص ببعض الجهات والمحاذات، وأن الأجسام المحدودة والأجرام المتقررة بأقطارها وآثارها تقابله في بعض جهاته، فهو غير عالم بالله رب العالمين.

فإنه علق معتقده بموجود ليس بإله، بل هو على صفات المخترعات وسمات المحدثات، فقد اعتقد موجودا غير الإله، واعتقد الإلهية [فيه]، فينزل منزلة من يعتقد أن الأصنام آلهة!!

فهذا مذهب بعض الأئمة، وهو الذي لا يصح غيره ، وقد ارتضاه القاضي في «نقض النقض».

وذكر في باب الهداية في باب تكفير المتأولين طريقة أخرى، فقال: الجهل بالصفات لا يضاد العلم بالصانع على الجملة، كما أن الغفلة عن الصفات والذهول عنها علما وجهلا في ابتداء النظر لا ينافي العلم بالصانع، وكل ما لا ينافي الغفلة عند العلم بالمعلوم والجهل به، لا ينافي العلم به أيضا، اعتبارا بكل معلومين.

فعلى هذه الطريقة قال في مثبتي الجهة: هم عالمون بما فيه، كافرون بصفاته جاهلون .

ثم وجه على نفسه سؤالا وانفصل عنه فقال: لو قال قائل: يلزم على موجب القاعدة التي مهدتموها أن [لا] تطلقوا القول بأن النصارى كافرون بالله جاهلون به، بل تقولوا: هم كافرون بصفات الإله، كاستحالة الحلول عليه !!

فقال مجيبا: قد أجمعت الأمة على تكفيرهم وتجهيلهم، فاستبان لنا بالإجماع أنهم غير عارفين بالله وأنهم مقلدون غير مستيقنين، إذ لا تجتمع الأمة على الباطل، فلم يعرف كفرهم بالله من حيث وصفوه بما يتقدس عنه، بل عرفنا ذلك بنصوص الكتاب.

والكلام في هذا يطول، فرأيت إيثار الاختصار، واختيار الاقتصار على ما يقع به الاكتفاء أحرى» اهـ.

تأمل أخي القارئ إلى الآتي:

قوله: «فهذا مذهب بعض الأئمة، وهو الذي لا يصح غيره » اهـ.

ثم قوله: «فعلى هذه الطريقة قال في مثبتي الجهة: هم عالمون بما فيه، كافرون بصفاته جاهلون » اهـ.

تلاحظ أنه في الطريقتين قد توصل الأئمة إلى تكفير المجسم، وإنما اختلفوا في وجه الدلالة على كفرهم لا غير.

ولكن الفساد وقع في العنوان الخطير المناقض لمضمون كلام إمام الحرمين، وهو ما أشرنا إليه من قبل أننا فوجئنا به، وهو قولهم: إثبات سمة العارفين لمن قال: إن الله تعالى جسم لا كالأجسام، بينما العنوان المطبوع في المعيار المعرب (11/231) هو التالي: اعتقاد البعض أن الله عظيم كالأجسام العظيمة، وهي خيانة خطيرة .

على أن لإمام الحرمين الجويني كتب أخرى تؤكد ما قلناه هنا ومنها كتابه الإرشاد، وفيه ما نصه: « ومذهب أهل الحق قاطبة أن الله سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيز والتخصيص بالجهات.

وذهبت الكرامية وبعض الحشوية إلى أن البارئ، تعالى عن قولهم، متحيز مختص بجهة فوق، تعالى الله عن قولهم، ومن الدليل على فساد ما انتحلوه أن المختص بالجهات يجوز عليه المحاذاة مع الأجسام، وكل ما حاذى الأجسام لم يخل من أن يكون مساويا لأقدارها، أو لأقدار بعضها، أو يحاذيها منه بعضه، وكل أصل قاد إلى تقدير الإله أو تبعيضه فهو كفر صراح» [(1006)] اهـ.

وقال رحمه الله: «فذهبت طوائف إلى وصف الرب بما يتقدس في جلاله عنه، من التحيز في جهة حتى انتهى غلاة إلى التشكيل والتمثيل تعالى الله عن قول الزائغين. والذي دعاهم إلى ذلك طلبتهم ربهم من المحسوسات، وما يتشكل في الأوهام ويتقدر في مجاري الوساوس، وخواطر الهواجس ، وهذا حيد بالكلية عن صفات الإلهية، وأي فرق بين هؤلاء وبين من يعبد بعض الأجرام العلوية »[(1007)] اهـ.

وقال: «ثم ما يحاذي الأجرام يجوز أن يماسها، وما جاز عليه مماسة الأجسام ومباينتها كان حادثا، إذ سبيل الدليل على حدث الجواهر قبولها للماسة والمباينة على ما سبق. فإن طردوا دليل حدث الجواهر، لزم القضاء بحدث ما أثبتوا متحيزا؛ وإن نقضوا الدليل فيما ألزموه، انحسم الطريق إلى إثبات حدث الجواهر»[(1008)] اهـ.

وقال: «ثم الاستواء بمعنى الاستقرار بالذات ينبئ عن اضطراب واعوجاج سابق، والتزام ذلك كفر»[(1009)] اهـ.

وقال: «فإن قيل: هلا أجريتم الآية على ظاهرها من غير تعرض للتأويل، مصيرا إلى أنها من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله، قلنا: إن رام السائل إجراء الاستواء على ما ينبئ عنه في ظاهر اللسان، وهو الاستقرار، فهو التزام للتجسيم؛ وإن تشكك في ذلك كان في حكم المصمم على اعتقاد التجسم، وإن قطع باستحالة الاستقرار، فقد زال الظاهر، والذي دعا إليه من إجراء الآية على ظاهرها لم يستقم له، وإذا أزيل الظاهر قطعا فلا بد بعده في حمل الآية على محمل مستقيم في العقول مستقر في موجب الشرع. والأعراض عن التأويل حذرا من موقعة محذور في الاعتقاد يجر إلى اللبس والإيهام، واستنـزال العوام، وتطريق الشبهات إلى أصول الدين، وتعريض بعض كتاب الله تعالى لرجم الظنون والمعنى بقوله تعالى: {…وأخر متشابهات} الآية، مراجعة منكري البعث لرسول الله صلى الله عليه وسلم في استعجال الساعة، والسؤال عن منتهاها وموقعها ومرساها. والمراد بقوله تعالى: {…وما يعلم تأويله إلا الله} ، أي وما يعلم مآله إلا الله، ويشهد لذلك قوله تعالى: {هل ينظرون إلا تأويله} الآية، والتأويل فيها يحمل على الساعة في اتفاق الجماعة[(1010)].

قال إمام الحرمين الجويني: “فصل في أن الله ليس جسما خلافا للكرامية:

صرحت طوائف من الكرامية بتسمية الرب تعالى عن قولهم جسما، وسبيل مفاتحتهم بالكلام أن نقول: الجسم هو المؤلف في حقيقة اللغة، ولذلك يقال في شخص فضل شخصا بالعبالة[(1011)] وكثرة تآليف الأجزاء إنه أجسم منه وإنه جسيم، ولا وجه لحمل المبالغة إلا على تآلف الأجزاء. فإذا أنبأتنا المبالغة المأخوذة من الجسم على زيادة التأليف، فاسم الجسم يجب أن يدل على أصل التأليف؛ إذ الأعلم لما دل على مزية في العلم، دل العالم على أصله.

ثم نقول: إن سميتم البارئ تعالى جسما وأثبتم له حقائق الأجسام، فقد تعرضتم لأمرين: إما نقض دلالة حدث الجواهر، فإن مبناها على قبولها للتأليف والمماسة والمباينة؛ وإما إن تطردوها وتقضوا بقيام دلالة الحدث في وجود الصانع. وكلاهما خروج عن الدين، وانسلال عن ربقة المسلمين.

ومن زعم منهم أنه لا يثبت للبارئ تعالى أحكام الأجسام، وإنما المعنى بتسميته جسما الدلالة على وجوده؛ فإن قالوا ذلك قيل لهم: لم تحكمتم بتسمية ربكم باسم ينبئ عما يستحيل في صفته، من غير أن يرد به شرع أو يستقر فيه سمع، وما الفصل بينكم وبين من يسميه جسدا»[(1012)] اهـ.

وقال الإمام الجويني أيضا: «فصل مشتمل على ذكر شبه المجسمة والانفصال عنها: ومما تمسكوا به أن قالوا: قد ثبت أن القديم تعالى مخترع على الحقيقة، ثم تدبرنا أحوال الفاعلين شاهدا، فلم نجد فاعلا ليس بجسم، بل استحال ذلك في الشاهد، فيجب القضاء بذلك على كل فاعل. قالوا: وهذا كما أن الواحد منا لما استحال أن يكون عالما من غير علم، لزم طرد ذلك شاهدا وغائبا. وربما يستشهدون في شبههم هذه بالوجود فيقولون: لما علمنا وجوب الوجود للفاعل منا، قضينا بذلك على كل فاعل. فإذا وجب ذلك في وصف الوجود، وجب في الذي تنازعنا فيه.

وهذا الذي ذكروه غير سديد من أوجه: أحدها أن نقول: قد بنيتم كلامكم على كون الفاعل جسما في الشاهد، وهذا مما تمنعون منه. فإن الفاعل عندنا: كل جوهر فرد، فلا تتصف جملة بأنها تفعل فعلا واحدا. وإذا حرك المحرك يده على الاختيار واقتدار، فلا نقول صدرت الحركات من جملة اليد، بل صدر من كل جزء من أجزاء اليد حركة اختص ذلك الجوهر باكتسابها. فاستبان بذلك أن ما ادعوه في الشاهد فهم منه ممنوعون، وعن الاستدلال به مدفوعون. ويتضح ما قلناه بأن نعلمهم أن الرب تعالى لو خلق جوهرا فردا، وخلق له الحياة والعلم والقدرة، لكان ذلك ممكنا جائزا.

واعلموا أنه ليس من فرق المجسمة من ينكر ذلك، وإنما أنكره المعتزلة دون غيرهم من أصحاب المذاهب. فوضح بذلك بطلان ما عولوا عليه من أمر الشاهد. ثم لو سلم لهم جدلا ما ادعوه شاهدا، وقلنا لهم: كل فاعل من المحدثين جسم فليس في ذلك مستروح. فإن ذلك وإن سلم لهم تقديرا، فلسنا نقول: إنما كان الجسم حيث كان فاعلا، فلم نوجب القضاء بذلك على كل فاعل.

ثم أقصى ما تمسكوا به رد الغائب إلى الشاهد من غير تحقيق جمع بينهما. والتمسك بهذه الطريقة يجر إلى الدهر والإلحاد ونفي الإله. إذ لو قال قائل: لم نعقل فاعلا محسوسا إلا حادثا، فيجب طرد ذلك . أو قال قائل: لم نشاهد بشرا إلا من نطفة ولا نطفة إلا من بشر، فيلزم القضاء بذلك إلى غير أول، فلا يكون المجسم فيما ذكره أسعد حالا ممن يسلك هذه الطرق التي أشرنا إليها. وسنوضح إن شاء الله إبطال الاستشهاد بالشاهد على الغائب من غير علة ودليل وشرط وحقيقة إن شاء الله.

وأما ما أسندوا إليه كلامهم من إثبات العلم شاهدا وغائبا فساقط. فإنا لم نقتصر في ذلك على مجرد الشاهد، بل أقمنا الدلالة على كون العلم علة في كون العالم عالما. ثم من شأن العلة أن تطرد ولو لم تطرد لبطل كونها علة في كل صورة.

وأما الذي استروحوا إليه من الوجود فباطل. فإنا لم نتوصل إلى العلم بوجود البارئ من حيث وجب للفاعل منه الوجود، بل إنما أثبتنا ذلك بطرق نوضحها إن شاء الله في الصفات، منها: أن العدم نفي محض، والجمع بين تقديره وبين إثبات الصانع تناقض. فهذا سبيل الاستدلال، لا ما استروحوا إليه من وجود الشاهد.

ومما تمسك به المجسمة أن قالوا: المعلومات تتقسم إلى ما يعلم اضطرارا، وإلى ما يعلم استدلالا. وما يعلم استدلالا يستند العلم به إلى المعلوم اضطرارا. فإن كل دليل عقلي ينتهي في مساقة إلى الضروريات بدرجة أو درجات.

قالوا: فإذا ثبت ذلك بنينا عليه مقصودنا وقلنا: العلم بالإله وكونه فاعلا ليس من خبر الضروريات، بل يستدل عليه بكون لمحدث فاعلا. ثم من شـأن المدلول أن يشابه الدليل: إما من جميع الوجوه، وإما من بعض الوجوه. ومن المستحيل المصير إلى أن القديم سبحانه وتعالى لا يشابه المحدث الفاعل بوجه من الوجوه. فإنا لو قلنا ذلك، لزمنا منه نفي الوجود عن الإله، وذلك تعطيل. فإذا لم يكن بد من تثبيت المشابهة من بعض الوجوه، فينبغي أن يقال: ما يستحيل تقدير وقوع الفعل دونه يجب طرده في كل فاعل اعتبارا بالوجود، قالوا: والتركيب مما يستحيل تقدير وقوع الفعل دونه، فوجب طرده.

وهذا الذي ذكروه اقتصار على محض الدعوى. فمما اشتمل عليه كلامهم قولهم: إنا نستدل على كون القديم فاعلا بكوننا فاعلين، وليس الأمر على ما قدروه، فإن كون القديم فاعلا مخترعا يمكن الاستدلال عليه مع الإضراب عن الاستشهاد بالفاعلين المحدثين.

والسبيل في ذلك أن يقال: إذا ثبت جواز الفعل واستحالة وقوعه بنفسه، ثبت افتقاره إلى فاعل مخصص. فوضح بطلان قاعدة المشبهة.

ومما يشتمل عليه كلامهم مصيرهم إلى وجوب مماثلة الدليل المدلول، ولو من بعض الوجوه. وهذا جهل منهم بمواقع الأدلة . ولا غرو، فهم متطفلون بالتمسك بطرائق العقل، وقد يستدل بالعدم على الوجود، وبالوجود على العدم، فبطل قول من ادعى مماثلة المدلول الدليل.

ومما انطوى عليه كلامهم، وهو من أعظم الزلل في الدين، إفصاحهم بمشابهة الرب سبحانه وتعالى الفاعل المحدث من بعض الوجوه. وقد أبطلنا ذلك في باب التماثل. واسلك معهم – إن دعت الحاجة إلى تقرير ذلك – طريق القول بنفي الأحوال ليتبين في أوجا ما تقدر استحالة التماثل من وجه مع الاختلاف من وجه. ثم نقول: ألستم قلتم لا يجب مشابهة الدليل المدلول من كل وجه، فلم زعمتم أن التركيب من الوجوه التي يجب الاشتراك فيها؟ فإن رجعوا فقالوا: لا نعقل فاعلا ليس بجسم، فهو عود منهم إلى الشبهة الأولى. وقد قدمنا في ذلك قولا مقنعا.

ومما استدل به الكرامية أن قالوا: الموجود ينقسم إلى ما يقوم بنفسه، وإلى ما لا يقوم بنفسه، وليس بينهما منزلة ليست في أحدهما، كما أن الموجود لا يخرج عن أن يكون صفة أو موصوفا. قالوا: والقائم بالنفس هو المتحيز. وهذا الذي ذكروه لا محصول له.

أما قولهم: ينقسم الموجود إلى ما يقوم بنفسه وإلى ما لا يقوم بنفسه، فصحيح لا مناكرة فيه. وأما قولهم: القائم بالنفس هو المتحيز، ففي هذا أعظم التنازع. فلم قلتم إن القائم بالنفس هو المتحيز، فلا يرجعون عند هذه الطلبة إلى محصول إلا إلى التمسك بمجرد الشاهد، وقد أبطلناه.

ثم نقول: أنى يستقيم ذلك منكم معاشر الكرامية، وقد خرجتم عن المعقول، فأثبتم كائنا ليس بصفة ولا موصوف، وذلك أن من حقيقة أصلهم: أن ما يقوم بذات الله تعالى من الحوادث، تعالى الله عن قولهم، ليست بصفات. إذ لا يتصف القديم بها عندهم، بل يقوم به قول حادث وهو غير قائل به، وقد خرج عن أن يكون صفة له. والصفة ليست بموصوفة على أصولهم. فقد أثبتوا قسما بين الصفة والموصوف.

ومما نعارضهم به أن نقول: قد أثبتم بين القديم والمحدث رتبة خارجة من القسمين، فكيف تستبعدون قائما بالنفس خارجا عن صفة التحيز ولم تستبعدوا شيئا خارجا عن وصف المحدث والقديم؟

ثم نقول: إن كان مرجعكم إلى الشاهد، فكل ما لا يقوم بنفسه شاهدا عرض، كما أن الذي يقوم بنفسه متحيز. فإن لزم طرد التحيز في القائم بالنفس، لزم طرد وصف العرض فيما لا يقوم بنفسه، حتى يجب من ذلك الحكم بكون علم الله عرضا من حيث كان غير قائم بنفسه.

وقد ناقشهم بعض أئمتنا في إطلاق القيام بالنفس وقال: الجوهر ليس بقائم بنفسه، وإنما القائم بالنفس هو الله تعالى. وقد قال شيخنا أبو الحسن في بعض مناظراته مع البغداديين: لا حقيقة للقائم بالنفس شاهدا وغائبا. قال: وذلك رد على أسقف من أساقفة النصارى. واستدل على ذلك بأن هذه اللفظة لم يرد بها شرع، وهي غير سديدة في موجب الإطلاق، إلا أن يتجوز بها توسعا، وهي موهمة قياما. ولا معنى لمناقشتهم في العبارات ما دمنا نجد سبيلا إلى التعرض للمعاني.

ومما تمسك به جملة الكرامية أن قالوا: لو أخبر مخبر عن رؤية فاعل ليس بجسم، كان مستنكرا على الوجه الذي نستنكر قول القائل: رأيت السواد والبياض مجتمعين في المحل الواحد.

وهذا الذي قالوه خلف من القول لا محصول له، ويتبين الغرض فيه بتقسيم، وذلك أنا نقول: إن ادعيتم جريان المتنازع فيه واجتماع الضدين مجرى واحدا في الاستحالة، فإنكم منازعون فيه. وإن ادعيتم الجمع بينهما في محض الاستنكار فهو مسلم ولا مستروح. فإن خوارق العادات يستنكر وقوعها، وإن كانت من الجائزات المقدورات. ولو أخبر مخبر عن غيض البحار، وتقلع الجبال إلى غير ذلك من خوارق العادات، لا يستنكر قوله. ثم لم يتضمن ذلك إخراج ذلك من الجائزات.

ومما يوضح ذلك أن الكرامية والمجسمة، وإن وصفوا القديم بكونه جسما، تعالى الله عن قولهم، لم يصفوه بكونه صورة على ما ذهب إليه الغلاة من المشبهة.

ثم لو قال قائل: رأيت فعالا ليس بصورة ولا جوارح، كان ذلك مستنكرا في العادة، وإن كان القديم عندهم غير متصور، ولا متصف بالجوارح. فبطل ما قالوه من كل وجه.

ومما تمسك به المجسمة أن قالوا: إذا قلتم أن القديم شىء واحد لا يقبل الانقسام والتبعض، فيلزم منه أن يكون أصغر الأشياء وأقلها، فإن الجوهر الفرد لما لم يكن متركبا كان أقل قليل، وهذا ضرب من السخف والحبال. فإن الصغير يعبر به عن الأقدار، وإنما يتصف بالقدر ما له حظ من المساحة، وإنما تمسح ما له جرم وتحيز. وما يستحيل تحيزه، لا يتصف بالأقدار ولا يثبت له حظ من المساحة.

والذي يوضح ما قلناه أن المجسمة إن وافقونا في إثبات أن علم الله تعالى متعلق بالمعلومات التي لا تتناهى، لم يجب أن يقال: العلم من حيث لم ينقسم يتصف بالصغر والقلة، فبطل ما قالوه كل من وجه. فهذه جمل كافية في الرد على من أثبت لله حقيقة الأجسام»[(1013)] اهـ.

ليس ذلك فحسب، بل إنك تقرأ في نفس المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب ما نصه:

قال أحمد الونشريسي: «[لا ينفع النطق بكلمة التوحيد مع جهل معناها]..

وسئل سيدي أحمد بن عيسى فقيه بجاية عمن نشأ بين ظهراني المسلمين وهو يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ويصلي ويصوم، إلا أنه لا يعرف ما انطوت عليه الكلمة العليا فيما يعتقده لعدم معرفته بها، إذ اعتقاد شيء فرع المعرفة به، كالذي يقول لا أدري ما الله ورسوله، ولا أدري من هو الأخير منهما، أو لا أفرق بينهما أو غير ذلك من كلام لا يمكن معه معرفة الوحدانية ولا الرسالة، وإنما يقول سمعت الناس يقولون هذه الكلمة فقلتها ولا أدري المعنى الذي انطوت عليه ولا أتصور صحته ولا فساده ولا أدري ما أعتقد في ذلك بوجه ولا أعبر عنه بلساني ولا غيره، لأن التعبير عن الشيء فرع المعرفة به وأنا لا أعرفه. فهل يكتفي في إيمانه بمجرد النطق بالشهادتين والصلاة والصيام وغير ذلك من أركان الإسلام ويعذر بجهل معنى الكلمة؟ أو لا بد من معرفة المعنى الذي انطوت عليه الكلمة العليا من الوحدانية والرسالة وإلا لم يكن مؤمنا. فأجاب الحمد لله. من نشأ بين أظهر المسلمين وهو ينطق بكلمة التوحيد مع شهادة الرسول عليه السلام ويصوم ويصلي إلا أنه لا يعرف المعنى الذي انطوت عليه الكلمة الكريمة كما ذكرتم، لا يضرب له في التوحيد بسهم ولا يفوز منه بنصيب ولا ينسب إلى إيمان ولا إسلام، بل هو من جملة الهالكين وزمرة الكافرين، وحكمه حكم المجوس في جميع أحكامه إلا في القتل، فإنه لا يقتل إلا إذا امتنع من التعليم. وكذلك الطلاق إذا ظن بالمطلق أنه قصد بدعواه الجهل بمعنى الكلمة الكريمة إباحة البائن، كالرجل يبين زوجته ثم يدعي الجهل بمعنى الكلمة الكريمة أو غير ذلك مما يقتضي الكفر فيظن به أنه قصد بذلك إباحة المحظور فإنه لا يصدق في دعواه ذلك ويلزمه الطلاق، إلا أن يعرف ذلك منه قبل الطلاق وهي حينئذ في عصمته على ما يعتقد ببينة عادلة أو ما يقوم مقامها. وكذلك المرأة إذا ظن بها أنها قصدت بذلك إباحة الممتنع فإنها لا تصدق في دعواها ولا تحل لزوجها إلا أن يعلم ذلك منها قبل البينونة أو ما يقوم مقامها كالرجل فيما ذكر سواء. وكذلك إذا ظن بها أنها قصدت بذلك فسخ النكاح الحكم واحد والله أعلم.

وذهبت غلاة المرجئة، وهي طائفة من المبتدعة، إلى أن النطق المجرد عن المعرفة بما انطوت عليه الكلمة الكريمة مع صلاة أو صيام أو مع عدم ذلك يكفي في الإيمان، ويكون للمتصف به دخول الجنان. عصمنا الله من الآراء المغوية والفتن المحيرة، وأعاذنا من حيرة الجهل وتعاطي الباطل، ورزقنا التمسك بالسنة ولزوم الطريقة المستقيمة إنه كريم منان.

وكتب بالمسألة أيضا إلى سيدي عبد الرحمـن الواغليسي.

فأجاب الحمد لله تعالى. أسعدكم الله وسددكم وإيانا لمرضاته. بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقد وصل إلي ما كتبتموه مما فهمتم من فتوى الشيخين أبي العباس بن إدريس وأبي العباس أحمد بن عيسى فيمن يقول لا إله إلا الله ولم يدر ما انطوت عليه أن فتوى سيدي أحمد بن إدريس نصها من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن حقا، فمقتضى هذا الفهم من جواب الشيخ أن من نطق بالشهادة يجزئه نطقه وإن جهل معناه وما انطوت عليه الكلمة من مدلولها، فاعلم أن هذا الفهم عن الشيخ رحمه الله باطل لا يصح، فإنه لا يلزم منه أن من قال ذلك وهو معتقد في الإله تعالى شبه المخلوقات، وصورة من صور الموجودات، أن يكون مؤمنا حقا. وقد وجدنا من الجهلة من هو كذلك وكتب إلينا بذلك وأشباهه. ومن اعتقد ذلك فهو كافر بإجماع المسلمين. وقد نص أئمتنا على ذلك وعلى غيره مما هو كفر بإجماع ، فلا يصح ذلك عن الشيخ أصلا ولا يصح أن يختلف في هذا أو شبهه. وفي هذا أجاب سيدي أحمد بن عيسى. وقد تحدثت أنا مع سيدي أحمد بن إدريس وذكرت له ما يقول صاحبنا فوافق عليه وقال هذا حق لا يقال غيره»[(1014)] اهـ.

وهو إجماع كما مر بك في هذا الكتاب، والإجماع قطعي، وهو أسلم من تخبط وتوهم المشبه المجسم الجهوي.

وقال الحافظ الفقيه اللغوي مرتضى الزبيدي في شرحه على الإحياء، ما نصه: «من جعل الله تعالى مقدرا بمقدار كفر» اهـ.

وقال الشيخ محمد أمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسيره عند قوله تعالى {…ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار} : «ومن اعتقد أن وصف الله تعالى يشابه صفات الخلق فهو مشبه ملحد ضال»[(1015)] اهـ.

ويقول الإمام أحمد الرفاعي رضي الله عنه: «صونوا عقائدكم من التمسك بظاهر ما تشابه من الكتاب والسنة، فإن ذلك من أصول الكفر» [(1016)] اهـ.

ثم يقال لهم :

أ) وصف الله بالجسم أو بصفات الجسم تكذيب أم تصديق للآية {…ليس كمثله شيء… *} ؟. إنه – قطعا – تكذيب.

ب) وتكذيب النص القرءاني أليس كفرا بالإجماع؟.

ج) وصفات الجسمية من دلائل الحدوث ، فوصف الله بها، أو ببعضها لا يكون إلا وصفا لله بما هو دال على الحدوث، فلا يكون إذا وصف الله بها إلا تنقيصا في حقه تعالى، وذلك أي نسبة النقص والحدوث إلى الله تعالى كفر لا شك فيه.

ومثله ما تجده في بعض كتب الفخر الرازي ، ويكفي في كشف تزييف ذلك الوجه الفاسد المنسوب إليه في خاتمة كتابه أساس التقديس أن أنقل لك ما قاله الرازي نفسه في تفسيره، ونصه: «أما الإيمان بوجوده فهو أن يعلم أن وراء المتحيزات موجودا خالقا لها، وعلى هذا التقدير فالمجسم لا يكون مقرا بوجود الإله تعالى، لأنه لا يثبت ما وراء المتحيزات شيئا آخر، فيكون اختلافه معنا في إثبات ذات الله تعالى، أما الفلاسفة والمعتزلة فإنهم مقرون بإثبات موجود سوى المتحيزات موجد لها، فيكون الخلاف معهم لا في الذات بل في الصفات»[(1017)] اهـ.

وقال أيضا في تفسيره: «وأقول أما قوله المجسمة قد افتروا على الله الكذب فهو حق، وأما قوله: إن هذا افتراء على الله في صفاته فليس بصحيح، لأن كون الذات جسما ومتحيزا ليس بصفة، بل هو نفس الذات المخصوصة، فمن زعم أن إله العالم ليس بجسم، كان معناه أنه يقول جميع الأجسام والمتحيزات محدثة، ولها بأسرها خالق هو موجود ليس بمتحيز، والمجسم ينفي هذه الذات، فكان الخلاف بين الموحد والمجسم ليس في الصفة بل في نفس الذات، لأن الموحد يثبت هذه الذات والمجسم ينفيها»[(1018)] اهـ.

وقال أيضا: «والجواب: أن الدليل دل على أن من قال: إن الإله جسم، فهو منكر للإله تعالى، وذلك لأن إله العالم موجود ليس بجسم ولا حال في الجسم، فإذا أنكر المجسم هذا الموجود فقد أنكر ذات الإله تعالى، فالخلاف بين المجسم والموحد ليس في الصفة بل في الذات، فصح في المجسم أنه لا يؤمن بالله .

أما المسائل التي حكيتموها فهي اختلافات في الصفة فظهر الفرق، وأما إلزام مذهب الحلولية والحروفية فنحن نكفرهم قطعا ، فإنه تعالى كفر النصارى بسبب أنهم اعتقدوا حلول كلمة الله في عيسى، وهؤلاء اعتقدوا حلول كلمة الله في ألسنة جميع من قرأ القرآن، وفي جميع الأجسام التي كتب فيها القرآن، فإذا كان القول بالحلول في حق الذات الواحدة يوجب التكفير، فلأن يكون القول بالحلول في حق جميع الأشخاص والأجسام موجبا للقول بالتكفير كان أولى. والصفة الثانية من صفاتهم أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر»[(1019)] اهـ.

وقال في أصول الدين: «بل الأقرب أن المجسمة كفار، لأنهم اعتقدوا أن كل ما لا يكون متحيزا ولا في جهة فليس بموجود، ونحن نعتقد أن كل متحيز فهو محدث، وخالقه موجود ليس بمتحيز ولا في جهة، فالمجسمة نفوا ذات الشىء الذي هو الإله فيلزمهم الكفر» [(1020)] اهـ. وقد تقدم.

أما النص المنقول عن الفخر الرازي كما في بعض النسخ المطبوعة لأساس التقديس، فنصه كما يلي: الفصل الثالث في أن من يثبت كونه تعالى جسما متحيزا مختصا بجهة معينة. هل يحكم بكفره أم لا؟ للعلماء فيه قولان:

أحدهما : أنه كافر – وهو الأظهر – وهذا لأن مذهبنا : أن كل شىء يكون مختصا بجهة وحيز، فإنه مخلوق محدث، وله إله أحدثه وخلقه.

وأما القائلون بالجسمية والجهة الذين أنكروا وجود موجود آخر سوى هذه الأشياء التي يمكن الإشارة إليها، فهم منكرون لذات الموجود، الذي يعتقد أنه هو الإله. وإذا كانوا منكرين لذاته، كانوا كفارا لا محالة. وهذا بخلاف المعتزلي فإنه يثبت موجودا، وراء هذه الأشياء التي يشار إليها بالحس، إلا أنه خالفنا في صفات ذلك الموجود. والمجسمة يخالفوننا في إثبات ذات المعبود ووجوده، فكان هذا الخلاف أعظم. فيلزمهم الكفر، لكونهم منكرين لذات المعبود الحق ولوجوده. والمعتزلة في صفته لا في ذاته.

والقول الثاني : أنا لا نكفرهم. لأن معرفة التنزيه، لو كانت شرطا لصحة الإيمان لوجب على الرسول صلى الله عليه وسلم، أن لا يحكم بإيمان أحد إلا بعد أن يتفحص أن ذلك الإنسان هل عرف الله تعالى بصفات التنزيه، أو لا ؟ وحيث حكم بإيمان الخلق من غير هذا التفحص، علمنا: أن ذلك ليس شرطا للإيمان» اهـ.

وهذا الأخير نقل عن علماء لم يعينهم، معناه أن هذا القول ليس منسوبا لطبقة معينة يعول عليها في المذهب كالقول الأول، فيعود هذا القول للمجهول، أو لمن ليس لهم الإذن بالفتيا، فيتبين بأنه شاذ، ولا يخرق الإجماع بمثل ذلك.

وشاهدنا على أن القول الأول هو المعول عليه أن الفخر الرازي قال: «الأظهر» … ثم قال: «لأن مذهبنا» (أي معشر الشافعية)، وهذا معناه أن هذا القول هو النقل المعتمد عمن لهم دراية بأصول المذهب وحق الفتيا، ومن يعول عليهم في الأصول وفهم كلام الإمام أي الإمام الشافعي وأمثاله من الأئمة المجتهدين، أي ما يعول عليه والمنصوص عليه أي بالاعتماد على أصول أئمة المذهب أي الذين يثبت القول بهم – المذهب – المنصوص عليها من قبل الطبقة الثانية – وهو الأظهر – وهذا لأن مذهبنا – أن كل شىء يكون مختصا بجهة وحيز، فإنه مخلوق محدث، وله إله أحدثه وخلقه.

وهذا يكشف أن الرازي يعول على كلام أصحاب الوجوه، وهذا التعويل يبين درجته بأنه من دونهم، وإلا لتكلم الرازي مباشرة في كلام الإمام أي الشافعي، أو ما نقل عنه وتولاه بالتحميص والتدقيق ليخرج بحكم ما.

ونعلم أن الفخر الرازي على مذهب الشافعي، وشروط الاجتهاد كما روى الخطيب البغدادي: «قال الشافعي: لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلا عارفا بكتاب الله، بناسخه ومنسوخه، وبمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنـزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به وفيما أنزل، ثم يكون بعد ذاك بصيرا بحديث رسول الله بالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث ما عرف من القرآن، ويكون بصيرا باللغة، بصيرا بالشعر، وبما يحتاج إليه للعلم والقرآن، ويستعمل مع هذا الإنصاف وقلة الكلام، ويكون بعد هذا مشرفا على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فله أن يتكلم في العلم ولا يفتي»[(1021)]. انتهى بحروفه.

وفي أمر العقيدة يلاحظ أنه لا يجوز التعويل على مجرد نقل، خاصة إذا كان في مثل هذا الأمر العقدي، وإنما الأمر على ما فصلناه وبيناه في هذه الرسالة.

ويكفي في الرد على الخلاف المزعوم بأن تعلم أن «القرافي وغيره حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم، وهم حقيقون بذلك»[(1022)] اهـ.

وقد تقدم النقل عن جمهرة من الأعلام الذين لهذا الإجماع، فلا يلتفت بعد هذا إلى ما لا يعول عليه من النقول إما لعدم ثبوته عمن نسب إليه أو لنـزول القائل عن درجة الاحتجاج به ، لكونه ليس من أهل الاجتهاد ولا من أصحاب الوجوه في المذهب، أو خالف قوله قول إمامه، مع نزول القائل عن رتبة الاجتهاد، مهما تردد ذكرها في الكتب أو تكرر الاعتماد عليها من قبل بعض من شأنه أن يجمع الأقوال من غير تحقيق وضبط، ومن ذلك ما نبه إليه الزركشي: «ونقل صاحب الخصال من الحنابلة عن أحمد أنه قال: من قال: جسم لا كالأجسام كفر، ونقل عن الأشعرية أنه يفسق، وهذا النقل عن الأشعرية ليس بصحيح» [(1023)] اهـ.

وهو عين ما نبه إليه البرزلي المالكي بقوله: «وأنكر عليه شيخنا الإمام نقله عن بعض الأشعرية إنكارا شديدا»، وقال: «لم يقله أحد منهم فيما علمته واستقريته من كتبهم»[(1024)] اهـ، وذلك لأن الصواب الذي لا محيد عنه أنه يكفر لمعارضته صريح القرءان والسنة.

وهو منسجم تماما مع ما قاله تقي الدين الحصني: «إلا أن النووي جزم في صفة الصلاة من شرح المهذب بتكفير المجسمة[(1025)]، قلت (تقي الدين الحصني): وهو الصواب الذي لا محيد عنه، إذ فيه مخالفة صريح القرآن ، قاتل الله المجسمة والمعطلة، ما أجرأهم على مخالفة من {…ليس كمثله شيء وهو السميع البصير *} [(1026)]، وفي هذه الآية رد على الفرقتين»[(1027)] اهـ.

وقد قال العلامة فخر الدين أحمد بن حسن الجاربردي التبريزي (المتوفى سنة 746 هجرية): «اعلم أنه قال الأصوليون شرطه الإسلام. وإنما عدل المصنف إلى هذه العبارة لأن المجسمة كفار عند الأشاعرة»[(1028)] اهـ.

فأنت تلاحظ هنا الإطلاق، ولو كان الكلام موجبا للتخصيص لخصص، وانظر إلى من نسب الحكم بتكفير المجسم، نسبه إلى الأصوليين، ويكفيك ذلك دلالة.

قال المحدث العلامة السيد محمد بن محمد الحسيني الزبيدي الشهير بمرتضى رحمه الله ما نصه: «إذا أطلق أهل السنة والجماعة فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية . قال الخيالي في حاشيته على شرح العقائد: الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة، هذا هو المشهور في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الأقطار وفي ديار ما وراء النهر يطلق ذلك على الماتريدية أصحاب الإمام أبي منصور وبين الطائفتين اختلاف في بعض المسائل كمسئلة التكوين وغيرها – إلى أن قال: وذكر العز بن عبد السلام أن عقيدة الأشعري أجمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة ووافقه على ذلك من أهل عصره شيخ المالكية في زمانه أبو عمرو بن الحاجب، وشيخ الحنفية جمال الدين الحصيري، وأقره على ذلك التقي السبكي فيما نقله عنه ولده التاج. وفي كلام عبد الله الميوري المتقدم ما نصه: «أهل السنة من المالكية والشافعية وأكثر الحنفية بلسان أبي الحسن الأشعري يناضلون وبحجته يحتجون» .

إلى أن قال : «ثم قال التاج السبكي: وأنا أعلم أن المالكية كلهم أشاعرة لا أستثني أحدا، والشافعية أغلبهم أشاعرة لا أستثني إلا من لحق منهم بتجسيم أو اعتزال»[(1029)] اهـ.

فإذا كان المجسم كافرا عند الأشاعرة فيعني أنه كافر على مذهب أهل السنة والجماعة كما نص الطحاوي.

الطحاوي قال: «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر» ، فلو أن شخصا أثبت الجسمية للحق لقلنا إنه كافر، لأن الحدود والتحيز من معاني البشر، وليس ما اجتمع من لحم وعظم فقط.

وقد تقدم تعريف الجسم، وليس هو فقط ما اجتمع من لحم وعظم ودم، بل ما له طول وعرض وارتفاع وسمك كل هذا يدخل تحت تعريف الجسم المتفق عليه، فلا نرى من المحققين أو من السادة الأشاعرة من قال إن الجسم ما اجتمع من لحم وعظم فقط، ولو كان تعريف الجسم على هذا لسخر منا التيميون، وهذا التقسيم هو أساسا لابن تيمية حيث قال: «الجسم لفظ محدث لكن إن نفاه العلماء فيريدون ما اجتمع من لحم وعظم»، وهو يشير إلى أن معبوده له أبعاد ليست مركبة من لحم وعظم[(1030)]، مما يجعله خارقا للإجماع في تعريف الجسم، وخارقا للإجماع في تنـزيه الله عن المشابهة للحوادث.

وأما ما ينقل عن العز بن عبد السلام فقد رده البلقيني أيضا: فقد أورده الرملي قوله: وما في المجموع من تكفير من يصرح بالتجسيم أشار إلى تضعيفه، وكتب أيضا، كأنه احترز بالتصريح عمن يثبت الجهة فإنه لا يكفر، كما قاله الغزالي في كتاب التفرقة بين الإسلام والزندقة، وقال ابن عبد السلام في القواعد: إنه الأصح بناء على أن لازم المذهب ليس بمذهب. (الرملي)، وكتب أيضا.

قال البلقيني: الصحيح أو الصواب خلاف ما قال»[(1031)].

وقد نقل الشيخ العز بن عبد السلام في كتابه حل الرموز مقالة الإمام المجتهد أبي حنيفة رضي الله عنه في كتابه الفقه الأبسط ما نصه: «من قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش، ولا أدري العرش أفي السماء أو في الأرض»[(1032)] اهـ.

ووافقه على ذلك ثم قال: «لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانا، ومن توهم أن للحق مكانا فهو مشبه» اهـ. وذلك دليل على التغاير بين القولين المنقولين عنه، وأنت تلاحظ أن عبارة العز بن عبد السلام يمعن في هذا في التحذير من هذا الاعتقاد حيث يقول: «ومن توهم أن للحق مكانا فهو مشبه» اهـ، وهذا منه تعميم لكل من تصور أن الله في مكان أو جهة، وأي فرق بين المكان والجهة.

على أن المحدث الكوثري بين وجه ما قاله العز في هذه المسألة التي نقلت عنه حيث قال: «نعم يعد ابن عبد السلام في قواعده الكبرى العامي معذورا في الكلمة الموهمة ، لكن ناقشه المقبلي في ذلك في العلم الشامخ، وعلى كل حال لا يرضى هؤلاء -أي مشبهة عصره- أن يعدوا من العامة ليعذروا في كلماتهم الشاطحة، وقد ملأت مؤلفاتهم البقاع، فلا محيص عن عدهم واعين لما نطقوا به ، فتعين إلزامهم بما يترتب على تلك التقولات في نظر أهل البرهان الصحيح»[(1033)] اهـ.

فأنت تلاحظ أن الشيخ الكوثري يرد ذلك الى أمرين :

الأول: حصر الأمر الذي أفتى به العز بالكلمة الموهمة.

الثاني: فهم المعنى من تلك الكلمات الموهمة.

وهو كما ترى يدور في الفلك الذي رسمناه وبيناه، فكن على انتباه لهذا. ولعله يشبه ما قاله الزرقاني، ونصه: « ثم إن هؤلاء المتحمسين في السلف متناقضون لأنهم يثبتون تلك المتشابهات على حقائقها، ولا ريب أن حقائقها تستلزم الحدوث وأعراض الحدوث كالجسمية والتجزؤ والحركة والانتقال، لكنهم بعد أن يثبتوا تلك المتشابهات على حقائقها ينفون هذه اللوازم، مع أن القول بثبوت الملزومات ونفي لوازمها تناقض لا يرضاه لنفسه عاقل فضلا عن طالب أو عالم ، فقولهم في مسألة الاستواء الآنفة: إن الاستواء باق على حقيقته، يفيد أنه الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز، وقولهم بعد ذلك: ليس هذا الاستواء على ما نعرف يفيد أنه ليس الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز، فكأنهم يقولون: إنه مستو غير مستو، ومستقر فوق العرش غير مستقر أو متحيز غير متحيز وجسم غير جسم أو أن الاستواء على العرش ليس هو الاستواء على العرش، والاستقرار فوقه ليس هو الاستقرار فوقه إلى غير ذلك من الإسفاف والتهافت، فإن أرادوا بقولهم: الاستواء على حقيقته أنه على حقيقته التي يعلمها الله ولا نعلمها نحن فقد اتفقنا، لكن بقي أن تعبيرهم هذا موهم لا يجوز أن يصدر من مؤمن ، خصوصا في مقام التعليم والإرشاد، وفي موقف النقاش والحجاج، لأن القول بأن اللفظ حقيقة أو مجاز لا ينظر فيه إلى علم الله وما هو عنده، ولكن ينظر فيه إلى المعنى الذي وضع له اللفظ في عرف اللغة، والاستواء في اللغة العربية يدل على ما هو مستحيل على الله في ظاهره، فلا بد إذن من صرفه عن هذا الظاهر، واللفظ إذا صرف عما وضع له واستعمل في غير ما وضع له خرج عن الحقيقة إلى المجاز لا محالة ما دامت هناك قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي»[(1034)] اهـ. وما يروى وينقل عن أبي حامد الغزالي في هذا الموضع من عدم تكفير القائل بالجهة خطير جدا، علما أنه قد اتفقت كلمة أهل العلم قاطبة بلا خلاف بينهم ولا نكير على أن معتقد الحجم والجسمية أو الجهة والحيز كافر، وأن تكفيرهم واجب، وعللوا سبب ذلك بأنهم يقولون بأن لله حدا ونهاية من جهة السفل[(1035)]، أي لأنه يكون وصف الله بالحجم، وكذا من زعم أن لمعبوده صورة أو أن له حدا ونهاية أي حجما ومساحة أو أنه يجوز عليه الحركة والسكون، بل عبروا بأنه لا إشكال لذي لب في تكفير القائل بذلك[(1036)].

وها هو أبو حامد الغزالي يقول: «التقديس، ومعناه أنه إذا سمع اليد والأصبع، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خمر طينة آدم بيده»[(1037)]، و«إن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمـن»[(1038)]. فينبغي أن يعلم أن اليد تطلق لمعنيين، أحدهما هو الموضع الأصلي، وهو عضو مركب من لحم وعصب، واللحم والعظم والعصب جسم مخصوص وصفات مخصوصة، أعني بالجسم عبارة عن مقدار له طول وعرض وعمق يمنع غيره من أن يوجد بحيث هو إلا بأن يتنحى عن ذلك المكان، وقد يستعار هذا اللفظ أعني اليد لمعنى ءاخر ليس ذلك المعنى بجسم أصلا كما يقال: البلدة في يد الأمير فإن ذلك مفهوم وإن كان الأمير مقطوع اليد مثلا، فعلى العامي أن يتحقق قطعا ويقينا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد بذلك جسما هو عضو مركب من لحم ودم وعظم، وأن ذلك في حق الله تعالى محال وهو عنه مقدس، فإن خطر بباله أن الله جسم مركب من أعضاء فهو عابد صنم، فإن كل جسم فهو مخلوق، وعبادة المخلوق كفر، وعبادة الصنم كانت كفرا لأنه مخلوق، وكان مخلوقا لأنه جسم، فمن عبد جسما فهو كافر بإجماع الأمة السلف منهم والخلف »[(1039)] اهـ.

وقد قال أبو علي عمر بن محمد السكوني : «وليحترز من مواضع في كتاب «الإحياء» لأبي حامد الغزالي، ومن مواضع في كتاب «النفخ والتسوية» له أيضا، ومن مواضع في تآليفه أيضا دست في تآليفه، أو رجع عنها كما ذكره في كتابه المسمى بالمنقذ من الضلال» [(1040)] اهـ.

وبهذا يظهر أن ما ينسب للغزالي في هذه المسألة وإن وجد في بعض كتبه فإنه إما مدسوس عليه أو رجع عنه، وكيف يثبت عنه وقد رأيت هذا النص المبين آنفا من كلام أبي حامد الغزالي نفسه، وما نبه إليه السكوني تاليا من أمر الدس والتراجع، فتنبه.

وإذا وضح ما ذكرناه لك فإنه من المفيد أن نقف معا على ما يكشف اللبس الذي وقع فيه بعض الناس، من الضياع في أمر الفارق بين من ينطق بهذا اللفظ وهو فاهم لمعناه وبين من ينطق به وهو لا يفهم المعنى أو يظن أن لفظة جسم أو جهة فوق ترد في لسان العرب بمعنيين ، أحدهما المعنى الكفري الفاسد، والآخر المعنى الذي يوافق العقيدة السليمة، كما مر بك قريبا، على أنه تجدر الإشارة أن أغلب الناس اليوم ممن ينتسب للعربية يفهمون معنى الجسم والجهة إجمالا ، وعليه يأتي كلام بعض المشايخ إجماليا بما يؤدي للاضطراب في فهم كلامهم، وكان الأولى بمن يقرأ كلامهم أن يحرص على تلقيه وفهمه من أهل العلم لا أن يتجاسر على هذا الأمر الخطير الذي يؤدي به إلى التناقض في القول تارة بتكفير معتقد الحجم أو الجهة في حق الله، وتارة بأنه لا يكفر بمجرد إطلاق هذا اللفظ على الله، ووجه حل ذلك التناقض أن يقال: إن قائل هذا اللفظ إما أنه يعي ويفهم ما يقول، وإما أنه لا يعي ولا يفهم ما يقول .

وهو ما قاله الشيخ محمد الخضر الشنقيطي، ونصه: «وصرح العراقي بأن معتقد الجهة كافر، وقال إنه قول لأبي حنيفة ومالك والشافعي والأشعري والباقلاني، وقال بعض العلماء غيره بكفره أيضا لما يلزم على قوله من التجسيم المستحيل على الله تعالى، بل شدد بعضهم حتى قال: إن من اعتقد الجهة في حق الله تعالى كافر بالإجماع، ومن توقف في كفره فهو كافر، وما قاله من الإجماع مردود بما وقع بين الأئمة من الخلاف في تكفير أهل الأهواء[(1041)]، وقد حكى القاضي عياض وغيره جريان الخلاف في المشبهة وغيرهم من أهل الأهواء، والحق أن الخلاف في كفر القائل جار على الخلاف في لازم القول، هل هو كالقول أم لا ، قال ابن ميارة في التكميل:

«هل لازم القول يعد قولا

عليه كفر ذي هوى تجلى

وقيد بعض العلماء هذا الخلاف بما إذا كان اللزوم غير بين ، قال: وأما إن كان اللزوم بينا فهو كالقول بلا خلاف، والذي يظهر أن الجهة لازم عليها التجسيم لزوما بينا [(1042)].

قلت (أي الشنقيطي): ولعل هذا هو مستند من حكى الإجماع على كفر القائل بالجهة في حقه تعالى ، والتحرير أن قائل هذه المقالة التي هي القول بالجهة فوق إن كان يعتقد الحلول والاستقرار والظرفية أو التحيز فهو كافر، يسلك به مسلك المرتدين إن كان مظهرا لذلك ، وإن كان اعتقاده مثل أهل المذهب الثاني القائل بالجهة[(1043)]من غير تكييف ولا تحديد فقد تقرر الخلاف فيه، فعلى القول بالتكفير يرجع لما قبله، وعلى الصحيح ينظر فيه، فإن دعى الناس إلى ما هو عليه وأظهره وأشاعه فيصنع به ما قاله مالك رضي الله عنه فيمن يدعو إلى بدعته، ونص على ذلك في آخر الجهاد من المدونة وتأليف ابن يونس، وإن لم يدع إلى ذلك وكان يظهره فعلى من ولاه الله أمر المسلمين ردعه وزجره عن هذا الاعتقاد والتشديد عليه حتى ينصرف عن هذه البدعة»[(1044)] اهـ.

وهذا عينه هم ما نقله الشيخ ابن حجر الهيتمي، الذي قال بعد جمع نقول في هذه المسئلة ما نصه: «إذا تقرر هذا، فقائل هذه المقالة التي هي القول بالجهة فوق إن كان يعتقد الحلول والاستقرار والظرفية أو التحيز فهو كافر، يسلك به مسلك المرتدين إن كان مظهرا لذلك»[(1045)] اهـ.

فقول الشنقيطي وابن حجر: «إن كان يعتقد الحلول والاستقرار والظرفية أو التحيز فهو كافر»، كاف في تأكيد هذا المعنى مهما حاول بعض الناس اليوم أن يدوروا حول هذه المسئلة دوران التائه في تيه بني اسرائيل في سينا حين خالفوا أمر الله ونبي الله موسى عليه الصلاة والسلام.

بل يحسم هذه القضية ما قاله القرطبي، ونصه: «وقد قال هشام الجوالقي وطائفة من المجسمة: هو نور لا كالأنوار، وجسم لا كالأجسام، وهذا كله محال على الله تعالى عقلا ونقلا على ما يعرف في موضعه من علم الكلام.

ثم إن قولهم متناقض، فإن قولهم: جسم أو نور، حكم عليه بحقيقة ذلك، وقولهم: لا كالأنوار ولا كالأجسام نفي لما أثبتوه من الجسمية والنور، وذلك متناقض ، وتحقيقه في علم الكلام، والذي أوقعهم في ذلك ظواهر اتبعوها»[(1046)] اهـ.

وقال الشيخ تقي الدين الحصني: «وفي مواضع أغراضهم الفاسدة يجرون الأحاديث على مقتضى العرف والحس ويقولون ينزل بذاته وينتقل ويتحرك ويجلس على العرش بذاته ثم يقولون لا كما يعقل يغالطون بذلك من يسمع من عامي وسيء الفهم وذلك عين التناقض ومكابرة في الحس والعقل لأنه كلام متهافت يدفع آخره أوله وأوله آخره»[(1047)] اهـ.

قال الشيخ محمود خطاب السبكي: «(واعلم) أن من القواعد المقررة المعلومة بضرورة المشاهدة: أن من نهج منهج الضلال والإضلال، ليبطل الحق وينصر الباطل يتردى سريعا في ظلمات الخزي والدمار، بنفس كلامه الذي ينادى عليه أنه مبطل جاهل. وبذا يكفى المؤمن مؤنة الرد عليه بذكر الدلائل، ألا ترى ما وقع فيه ابن القيم وأمثاله من التناقض في قولهم إن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا وهو جالس على عرشه، فإن كونه تعالى على عرشه يناقض كونه في سماء الدنيا، وقولهم إنه تعالى يكون في سماء الدنيا وما زال العرش تحته، فهل العرش الذي هو أكبر المخلوقات ومنها السموات تحول إلى كونه أصغر من سماء الدنيا التي هي أصغر السموات وخرق الأفلاك حتى وصل إلى سماء الدنيا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. حقا إن هذه خرافات ووخيم ترهات وخزعبلات تضحك الثكلى. قال تعالى حكاية عن حال أهل النار {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير *} [(1048)]، فقل لهم أيها المؤمن، ما الذي دعاكم إلى ارتكاب هذه الجرائم المكفرة الشنيعة، التي آلت بمن اعتقدها إلى الوقوع في غياهب السعير والقطيعة، هل الله تعالى ليس قادرا على أن يغفر ويرحم ويقضي حوائج خلقه؟ وهو تعالى على ما كان عليه قبل خلق العالم، فحملتم الحديث على ظاهره فوقعتم في مهاوي تلك المهالك، وأوقعتم غيركم من ضعفاء العقول في صريح الكفر الحالك، ولم تتبعوا سبيل المؤمنين الذي كان عليه كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله سلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم وسلف الأمة المحمدية رحمهم الله تعالى، قال الله تعالى {…وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون *} [(1049)]، والحاصل أنه لا ريب في أن هذا الاعتقاد المذكور الذي عليه ابن القيم وأضرابه من فظيع البهتان والزور، نزغة شيطانية من أقبح النزغات، وعثرة من شنيع العثرات، أو وخيم أضغاث أحلام تخيلوها تحقيقات، وإلا فكيف يتصور من عنده أدنى شائبة عقل ودين، أن الإله القديم رب العالمين، يوصف بما يستحيل عليه من صفات الحوادث كالجلوس على العرش أو الحلول في السماء أو التحول والنزول، ويخالف إجماع المسلمين والمعقول والمنقول. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وعلا علوا كبيرا عما يعتقده المشبهون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى من كان بهديه من العاملين»[(1050)] اهـ.

وقال في موضع آخر: «(وبذكر) تلك النصوص والبراهين الناطقة بأن الله تبارك وتعالى يستحيل عليه الجلوس على العرش أو الحلول في السماء، أو في جهة من الجهات أو اتصافه بشىء من صفات الحوادث (تزداد) علما بكفر من يعتقد ذلك، كالمجسمة الذين كفر بسببهم كثير من جهلة العوام، نعوذ بالله تعالى من عمى البصيرة والعقائد الزائغة ونسأله السلامة من كل اعتقاد يخالف ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه، والسلف الصالح الذين منهم الأئمة المجتهدون رضي الله تعالى عنهم أجمعين»[(1051)] اهـ.

قال الشيخ عبد الرحمـن الجزيري: «المالكية قالوا: إن ما يوجب الردة ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: أن يقول كلمة كفر صريحة كقوله: إنه كفر بالله، أو برسول الله، أو بالقرآن، أو يقول: إن الإله اثنان، أو ثلاثة، أو المسيح ابن الله، أو عزير ابن الله.

الثاني: أن يقول لفظا يستلزم الكفر استلزاما ظاهرا، وذلك كأن ينكر شيئا معلوما من الدين بالضرورة، كفرضية الصلاة، فإنه وإن لم يكن كفرا صريحا ولكنه يستلزم تكذيب القرآن أو تكذيب رسول الله، أو يقول: إن الله جسم متحيز في مكان، لأن ذلك يستلزم أن يكون الإله محتاجا للمكان، والمحتاج حادث لا قديم ، ومن ذلك ما إذا أحل حراما معلوما من الدين بالضرورة، كشرب الخمر، والزنا، واللواط، وأكل أموال الناس بالباطل وغير ذلك.

الثالث: أن يفعل أمرا يستلزم الكفر استلزاما بينا، كأن يرمي مصحفا أو بعضه، ولو آية في شىء مستقذر تعافه النفس، ولو طاهرا كالبصاق والمخاط، أو يلطخه به بأن يبصق عليه، أو يراه ملطخا بالأقذار وهو قادر على إزالتها عنه فلم يفعل وتركه استخفافا وتحقيرا، فمدار الكفر على الاستخفاف والتحقير»[(1052)] اهـ. وبناء على ما تقدم من:

– بيان معنى تكذيب الدين ضمنا ومعنى.

– وبيان تقسيم الألفاظ إلى صريح وظاهر.

– وبيان من هم أهل القبلة.

– وبيان أن لازم المذهب في حال كونه بينا أي صريحا مذهب.

– وبيان أن لفظ الجسم والجهة صريح في إفادته معنى تشبيه الله بخلقه كما تقدم.

– وأن قائل هذه الألفاظ داخل تحت حكم المكذب للنصوص القطعية تواترا ودلالة من القرآن والسنة، بالإضافة لإنكار الحكم العقلي القاطع على تنـزيه الله عن مشابهة الخلق ومن ذلك تنـزيهه سبحانه عن الجسمية والمكان والجهة، فهو منكر لضروري من ضروريات الدين وقطعياته فلا يكون معدودا من أهل القبلة.

فلم يبق إلا النظر في فهم هذا القائل لهذا اللفظ، فإما أنه يفهم المعنى الفاسد حين تكلم به، وإما أنه لا يفهم ما يقول، ويحتمل أن يقال: إن من سمى الله بالجسم يظن أن معناه موجود أو قائم بالنفس أي مستغن عن غيره أو هو كمعنى شىء عنده أي متحقق الوجود، وهو وإن كان وهما من مطلقه على الله، لكنه إن لم يصرح بوصف الله بصفات الجسم وكان صادق الدعوى فيما يدعيه من ظنه ما تقدم بيانه في فهمه لمعنى الجسم، فهو كالأعجمي الذي لا يفهم ما يقول، وإلا بأن فهم ما يقول لكنه ادعى هذا المعنى للفظة الجسم أي ابتكره فلا عذر له، وهو بذلك متستر يخفي عقيدة التجسيم لا غير.

قال الأستاذ أبو منصور التميمي البغدادي رحمه الله: «وقد شاهدنا قوما من عوام الكرامية لا يعرفون من الجسم إلا اسمه، ولا يعرفون أن خواصهم يقولون بحدوث الحوادث في ذات الله البارئ تعالى، فهؤلاء -أي عوامهم- يحل نكاحهم وذبائحهم والصلاة عليهم»[(1053)] اهـ.

يساعدنا على هذا البيان ما قاله إمام الحرمين الجويني في الشامل: «وغلت طائفة من المثبتين، فاقتربوا من التشبيه، واعتقدوا ما يلزمهم القول بمماثلة القديم صنعه وفعله. فذهب ذاهبون إلى أن الرب سبحانه وتعالى جسم، ثم اختلفت مذاهب هؤلاء فزعم بعضهم أن معنى الجسم: الوجود، وأن المعنى بقولنا: إن الله جسم، أنه موجود. وصار آخرون إلى أن الجسم هو القائم بالنفس، وقد مال إلى هذين المذهبين طائفة من الكرامية. وذهب بعض المجسمة إلى وصف الرب تعالى بحقيقة أحكام الأجسام، وصار إلى أنه متركب متألف من جوارح وأبعاض، تعالى الله عن قولهم»[(1054)] اهـ.

وقال في موضع آخر[(1055)]: «القول في الجسم ومعناه.

اختلف الناس في حقيقة الجسم وحده. فالذي صار إليه الفلاسفة: أن الجسم هو الطويل العريض العميق، وإلى ذلك صار معظم المعتزلة. وربما عبروا عن هذا المعنى بعبارات ومحصول جميعها واحد. فقال بعضهم: الجسم هو الذهاب في الجهات، وعنى بالذهاب فيها ما قدمناه من جهة العرض والطول والعمق. وقال بعضهم: الجسم هو الذي له الأبعاد الثلاثة، وفسر الأبعاد بما قدمناه. وذهب الصالحي إلى: أن الجسم هو القائم بنفسه. وذهب هشام في آخر أقواله إلى أن الجسم إذا سمي به الإله تعالى وقيل: هو جسم لا كالأجسام، فالمراد به أنه شىء لا كالأشياء.

واختلفت مذاهب الكرامية في الجسم، فذهب شرذمة منهم إلى أن الجسم: هو الموجود. وصار آخرون إلى أن الجسم: هو القائم بالنفس ، وذهب الأكثرون منهم إلى أن الجسم: هو الذي يماس غيره من إحدى جهاته. وهؤلاء افترقوا فصار صائرون منهم إلى تجويز المماسة من جهة تحت ومنعها من سائر الجهات.

وذهب آخرون إلى تجويز المماسة من سائر الجهات، وألزم هؤلاء تجويز ذلك ليكون القديم محاطا بالأجسام، فالتزموا ذلك، ولم يكترثوا به.

والذي صار إليه أهل الحق أن: الجسم هو المؤلف والمتألف. والدليل على ما صرنا إليه أن نقول: وجدنا أهل اللسان إذا راموا الإنباء عن مفاضلة بين شخصين في الضخامة والعبالة[(1056)] وكثرة الأجزاء يقولون: هذا أجسم من هذا، فقد علمنا قطعا أنهم قصدوا بإطلاق هذه اللفظة التعرض لتفاضل بين الذاتين، ثم نظرنا في جملة صفات الذات وتتبعناها سبرا وتقسيما، فعلمنا أنهم لم يريدوا بالأجسم التفاضل في معنى، عدا كثرة الأجزاء والتأليف فيها» اهـ.

إلى أن قال[(1057)]: «وأما من قال: الجسم هو القائم بالنفس، فكل ما قدمناه رد عليه، إذ الجسم مما يسوغ التفاضل في معناه، وليس كذلك القائم بالنفس. وبقريب من ذلك نرد على هشام في تسميته وتفسيره الجسم بالشىء، ونزيده وجها آخر فنقول: أقصى ما تصير إليه أن الرب جسم لا كالأجسام، بمعنى أنه شىء لا كالأشياء، فيلزمك على طرد ذلك تسمية الأعراض أجساما من حيث كانت أشياء، هو يمنع تسمية العرض جسما، فإن اعترف بذلك، فقد نقض مذهبه، وإن أبى وامتنع من تسمية الأعراض أشياء فقد جحد اللغة، وراغم آيا من كتاب الله منها: {وكل شيء فعلوه في الزبر *} [(1058)]. والمراد بذلك تبديلهم وتحويلهم، وهو من أفعالهم وأفعال المحدثين أعراض. وقال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر *} [(1059)] إلى غير ذلك من الآيات. ووجه جحده اللغة واضح، فإن من أنكر تسمية اللون والأصوات أشياء، فقد راغم. ويتسرع إلى الرد عليه أقل من شدا طرفا من كلام العرب، وهذا سبيل الرد على الكرامية إذا زعموا أن الجسم: هو الموجود»[(1060)] اهـ.

قال الذهبي: «ومن بدع الكرامية قولهم في المعبود تعالى أنه جسم لا كالأجسام»[(1061)] اهـ.

وقال الحافظ البيهقي: «فإن قال قائل فإذا كان القديم سبحانه شيئا لا كالأشياء ما أنكرتم أن يكون جسما لا كالأجسام؟

قيل له: لو لزم ذلك للزم أن يكون صورة لا كالصور، وجسدا لا كالأجساد، وجوهرا لا كالجواهر، فلما لم يلزم ذلك لم يلزم هذا، وبعد فإن الشىء سمة لكل موجود، وقد سمى الله سبحانه وتعالى نفسه شيئا، قال الله عز وجل: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم… *} [(1062)] لم يسم نفسه جسما، ولا سماه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا اتفق المسلمون عليه، ونحن فلا نسمي الله عز وجل باسم لم يسم هو به نفسه ولا رسوله ولا اتفق المسلمون عليه ، قال الله عز وجل: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون *} [(1063)][(1064)] اهـ.

وقد اختصر هذا البحث الآمدي في أبكار الأفكار فقال ما نصه: «المسئلة الثانية في أن البارئ تعالى ليس بجسم. مذهب أهل الحق: إن البارئ – تعالى – ليس بجسم، وذهب بعض الجهال: إلى أنه جسم. ثم اختلفوا:

وذهب بعض الكرامية: إلى أنه جسم، بمعنى أنه موجود.

وذهب بعضهم: إلى أنه جسم، بمعنى أنه قائم بنفسه.

وذهب بعض المجسمة: إلى أنه جسم حقيقة، وأنه متصف بأحكام الأجسام (وأنه متصف بصفات الجسمية).

ثم إن منهم من قال: إنه مركب من لحم ودم، كمقاتل بن سليمان، وغيره. ومنهم من قال: إنه نور يتلألأ كالسبيكة البيضاء، وطوله سبعة أشبار بشبر نفسه. ومن المجسمة من غالى وقال: إنه على صورة إنسان.

لكن منهم من قال: على صورة شاب أمرد جعد قطط.

ومنهم من قال: إنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية، تعالى الله عن قول المبطلين»[(1065)] اهـ.

فإذا تبين ذلك كله عرف السبب في عدم حكم بعض العلماء بالكفر على من استجاز إطلاق لفظة الجسم على الله سبحانه، وإلا فإن الإجماع منعقد على تكفير من أفصح بوصف الله بالتركيب والحجم أو وصف الله بالجسمية وهو مدرك لمعناه الحقيقي في اللغة، فإنه لا تأويل لكلامه بالمرة، لا خلاف بينهم في هذا الحكم، فإن إطلاق لفظ الجسم على الله تعالى باختيار من قائله أي من غير إكراه مع العلم بما فيه من النقص استخفاف.

يوضح هذا ما قاله أبو المعين النسفي في التمهيد، ونصه: «ومن أطلق اسم الجسم على الله تعالى وعنى به القائم بالذات لا المتركب كما ذهب إليه الكرامية أخزاهم الله، وهو إحدى الراويتين عن هشام بن الحكم، فالخلاف بيننا وبينه في الاسم دون المعنى وهو مخطئ. لما أنه في اللغة اسم للمتركب، فمن أطلق اسم الجسم ولم يرد به معنى التركب فقد أمال الاسم عن موجبه لغة إلى غير موجبه، وهو معنى الإلحاد ، ولو جاز ذا لجاز لغيره أن يسميه رجلا، ويقول: عنيت به القائم بالذات وكذا في كل اسم مستنكر، وتجويزه خروج عن الدين ، والامتناع عنه تناقض، يحققه: أن معنى الاسم لو كان ثابتا من غير إحالة لامتنعنا عن إطلاق الاسم بدون الشرع الوارد به، لأننا ننتهي في أسماء الله تعالى إلى ما أنهانا إليه الشرع، ولهذا لا نسميه طبيبا، وإن كان عالما بالأدواء، والعلل والأدوية، ولا فقيها وإن كان عالما بالأحكام.

فإذا لم يكن الشرع بلفظ الجسم واردا، وكان معناه الثابت لغة مستحيلا على الله تعالى كان إطلاقه ممتنعا.

فأما لفظه الشىء فقد ورد بها الشرع، قال الله تعالى: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد… *} [(1066)]، ومعناه أيضا ثابت، لأنه اسم للموجود الثابت الذات، والله تعالى موجود وذاته ثابتة. فإطلاق اسم الجسم مع أن الشرع لم يرد به، واستحال أيضا معناه قياسا على إطلاق اسم الشىء، والشرع ورد به، ومعناه واجب غير مستحيل على الله تعالى، جهل فاحش. وقولهم: إنا نقول: إنه جسم لا كالأجسام، كما نقول: إنه شىء لا كالأشياء قول فاسد، لأنهم إن نفوا بقولهم: لا كالأجسام معنى التركيب، فقد أبطلوا قولهم: إنه جسم، وصاروا مناقضين، وصاروا قائلين: إنه جسم وليس بجسم، وإن لم ينفوا به معنى التركب لم ينفعهم قولهم: لا كالأجسام.

فأما قولنا: شىء لا ينفي بقولنا: لا كالأشياء معنى الثبوت والوجود الذي هو مقتضى لفظة الشىء، بل نفينا بقولنا: لا كالأشياء ما وراء مطلق الوجود من المعاني التي هي من دلالات الحدث كالجسمية والجوهرية والعرضية، فلم نعد بذلك ناقضين، وكان في قولنا: لا كالأشياء فائدة على أنا لما عنينا بقولنا: لا كالأشياء نفي الجسمية، فإلزامنا بإطلاق لفظ ننفي به الجسمية أن نجوز إطلاق لفظة الجسم جهل بحقائق الألفاظ والمعاني، والله الموفق» اهـ.

وقال أيضا: «ويستحيل أن يقال: إن الله جل ثناؤه وتعالى أصل للمتركبات، تتركب هي منه، فلم يكن جوهرا. ولا يقال: إنه اسم للقائم بالذات والله تعالى قديم قائم بالذات فيكون جوهرا لما أنه ليس في لفظ الجوهر ما ينبئ عن القائم بالذات لغة، بل هو ينبئ عن معنى الأصل، وتحديد اللفظ بما لا ينبئ عنه لغة، وإخراج ما ينبئ عنه لغة عن كونه حدا له جهل فاحش، والله تعالى الموفق» اهـ.

قال ابن حزم الذي هو منتقد عند أهل العلم فيما شذ فيه: «فإن قالوا لا فرق بين قولنا شىء وبين قولنا جسم.

قيل لهم: هذه دعوى كاذبة على اللغة التي بها يتكلمون ، وأيضا فهو باطل لأن الحقيقة أنه لو كان الشىء والجسم بمعنى واحد لكان العرض جسما، لأنه شىء وهذا باطل بيقين، والحقيقة هي أنه لا فرق بين قولنا شىء وقولنا موجود وحق ومثبت، فهذه كلها أسماء مترادفة على معنى واحد لا يختلف وليس منها اسم يقتضي صفة أكثر من أن المسمى بذلك حق ولا مزيد، وأما لفظة جسم فإنها في اللغة عبارة عن الطويل العريض العميق المحتمل للقسمة ذي الجهات الست التي هي فوق وتحت ووراء وأمام ويمين وشمال، وربما عدم واحدة منها وهي الفوق، هذا حكم هذه الأسماء في اللغة التي هذه الأسماء منها، فمن أراد أن يوقع شيئا منها على غير موضوعها في اللغة فهو مجنون وقاح، وهو كمن أراد أن يسمي الحق باطلا، والباطل حقا، وأراد أن يسمي الذهب خشبا، وهذا غاية الجهل والسخف إلا أن يأتي نص بنقل اسم منها عن موضوعه إلى معنى آخر فيوقف عنده، وإلا فلا، وإنما يلزم كل مناظر يريد معرفة الحقائق أو التعريف بها أن يحقق المعاني التي يقع عليها الاسم ثم يخبر بعد بها أو عنها بالواجب، وأما مزج الأشياء وقلبها عن موضوعاتها في اللغة فهذا فعل السوفسطائية الوقحاء الجهال الغابنين لعقولهم وأنفسهم»[(1067)] اهـ.

قال الفقيه المتكلم ابن المعلم القرشي: «إن قسما من القائلين بالتحيز بالجهة أطلقوا الجسمية ومنعوا التأليف والتركيب، وقالوا: «عنيت بكونه جسما وجوده»، وهؤلاء كفروا» [(1068)] اهـ. وإنما كفرهم لفهمهم ما تعطيه هذه اللفظة من التأليف والتركيب.

ومع ذلك فقد قال الدواني في شرحه للعقائد العضدية: «ومنهم من تستر بالبلكفة، فقال هو جسم لا كالأجسام، وله حيز لا كالأحياز، ونسبته إلى حيزه ليس كنسبة الأجسام إلى أحيازها، وهكذا ينفي جميع الخواص للجسم عنه، ولا يبقى إلا اسم الجسم، وهؤلاء لا يكفرون بخلاف المصرحين بالجسمية»[(1069)] اهـ.

(قيل) وفي قوله: «ومنهم من تستر بالبلكفة»، تنبيه على حال هؤلاء القوم من أنهم ادعوا أنهم يظنون أن لفظة جسم معناه الموجود أو القائم بنفسه، لاحظ قوله: «وهكذا ينفي جميع الخواص للجسم عنه، ولا يبقى إلا اسم الجسم» اهـ، فنبه العلماء أنه إن كان هذا هو حالهم حقيقة لا ادعاء كاذبا فإنهم لا يكفرون، معتبرين حالهم بأنهم في هذا كالأعاجم، أي هذا إن كانوا صادقين في دعواهم هذه، كما مر بيانه، لا أنهم يفهمون ما يراد من كلمة الجسم في لسان العرب ومع ذلك يبتكرون لها معنى آخر، وهو الموجود ونحوه، فليتنبه لهذا القيد فإنه دقيق.

(قيل) مع أن هناك مؤاخذة على تساهل الدواني في التعبير عن هذا المقام واختصاره له إلى حد الإخلال بقيوده وضوابطه التي كان ينبغي بيانها، لأن قوله شارحا حالهم فيما ادعوه: «ونسبته إلى حيزه ليس كنسبة الأجسام إلى أحيازها» اهـ، مشكل أي إشكال، لكن لعله مشى على التعبير عن دعواهم بأخصر عبارة.

ولا يجوز في مثل هذا الأمر الخطير والشأن الجلل أن يتناقض كلام أهل العلم، وإنما ينـزل على المعنى الذي كشفناه وبيناه، وإلا فهو قول بعدم تكفير من وصف الله بصفة من صفات الخلق كالتركيب والتأليف والصورة ونسبة الجهة إليه سبحانه وهو الكفر الصراح المتفق على اعتباره كفرا بين أهل الإسلام قاطبة[(1070)]، وهو قول متهافت ينقض بعضه بعضا، ولا ينصره صاحب فهم بدين الله تعالى، وهدي الكتاب والسنة، وما جرى عليه أعلام الأمة من التصريح بكفر المجسم لمعارضته ومصادمته لمعنى: {…ليس كمثله شيء… *} ، وصريح ما عليه العقل.

قال الزرقاني: «ولقد علمت أن حمل المتشابهات في الصفات على ظواهرها مع القول بأنها باقية على حقيقتها ليس رأيا لأحد من المسلمين ، وإنما هو رأي لبعض أصحاب الأديان الأخرى كاليهود والنصارى وأهل النحل الضالة كالمشبهة والمجسمة، أما نحن معاشر المسلمين فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ولا إلى مكان ولا إلى زمان ولا نحو ذلك. ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته، إذ يقول: {…ليس كمثله شيء… *} ، ويقول: {ولم يكن له كفوا أحد *} ، ويقول: {إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم} ، ويقول: {ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد *} ، وغير هذا كثير في الكتاب والسنة، فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها كما تبين لك فيما سلف.

ثم إن هؤلاء المتحمسين في السلف متناقضون لأنهم يثبتون تلك المتشابهات على حقائقها، ولا ريب أن حقائقها تستلزم الحدوث وأعراض الحدوث كالجسمية والتجزؤ والحركة والانتقال، لكنهم بعد أن يثبتوا تلك المتشابهات على حقائقها ينفون هذه اللوازم، مع أن القول بثبوت الملزومات ونفي لوازمها تناقض لا يرضاه لنفسه عاقل فضلا عن طالب أو عالم ، فقولهم في مسألة الاستواء الآنفة: إن الاستواء باق على حقيقته، يفيد أنه الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز، وقولهم بعد ذلك: ليس هذا الاستواء على ما نعرف يفيد أنه ليس الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز، فكأنهم يقولون: إنه مستو غير مستو، ومستقر فوق العرش غير مستقر أو متحيز غير متحيز وجسم غير جسم أو أن الاستواء على العرش ليس هو الاستواء على العرش، والاستقرار فوقه ليس هو الاستقرار فوقه إلى غير ذلك من الإسفاف والتهافت، فإن أرادوا بقولهم: الاستواء على حقيقته أنه على حقيقته التي يعلمها الله ولا نعلمها نحن فقد اتفقنا، لكن بقي أن تعبيرهم هذا موهم لا يجوز أن يصدر من مؤمن ، خصوصا في مقام التعليم والإرشاد، وفي موقف النقاش والحجاج، لأن القول بأن اللفظ حقيقة أو مجاز لا ينظر فيه إلى علم الله وما هو عنده، ولكن ينظر فيه إلى المعنى الذي وضع له اللفظ في عرف اللغة، والاستواء في اللغة العربية يدل على ما هو مستحيل على الله في ظاهره، فلا بد إذن من صرفه عن هذا الظاهر، واللفظ إذا صرف عما وضع له واستعمل في غير ما وضع له خرج عن الحقيقة إلى المجاز لا محالة ما دامت هناك قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.

ثم إن كلامهم بهذه الصورة فيه تلبيس على العامة وفتنة لهم، فكيف يواجهونهم به ويحملونهم عليه؟ وفي ذلك ما فيه من الإضلال وتمزيق وحدة الأمة ، الأمر الذي نهانا القرآن عنه، والذي جعل عمر يفعل ما يفعل بصبيغ أو بابن صبيغ، وجعل مالكا يقول ما يقول ويفعل ما يفعل بالذي سأله عن الاستواء، وقد مر بك هذا وذاك، ولو أنصف هؤلاء لسكتوا عن الآيات والأخبار المتشابهة، واكتفوا بتنزيه الله تعالى عما توهمه ظواهرها من الحدوث ولوازمه، ثم فوضوا الأمر في تعيين معانيها إلى الله وحده، وبذلك يكونوه سلفيين حـقا لكنها شـبهات عرضت لهم في هذا المقام فشوشت حالهم وبلبلت أفكارهم»[(1071)] اهـ.

قال الشيخ محمود محمد خطاب السبكي: «فقد اغتر كثير من بسطاء العقول بقول وتأليف بعض المنسوبين إلى العلم المتضمن تشبيه الله تعالى بخلقه، واعتقدوا أنه جسم يحل في الأمكنة وله جهة، وأنه تعالى جالس على العرش بذاته وكائن في السماء إلى غير ذلك من المكفرات. (ومن المعلوم) أن غالب العوام ليس عندهم من العلوم والمعارف ما يقيهم من الوقوع في العقائد الفاسدة وفي شرك الضالين. فترى زائغ العقيدة يقول للعامي (الله جالس على العرش) بدليل قوله تعالى: {الرحمان على العرش استوى *} ، وبدليل قول فلان المؤلف إن استوى على العرش بذاته، وإنه يحل في السماء بدليل قوله تعالى: {أأمنتم من في السماء} ، وبدليل إشارة الجارية إلى السماء حينما سألها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «أين الله»، والله له جهة بدليل قوله تعالى: {وهو القاهر فوق عباده} ، والله جسم والله يتصف بالتحول والانتقال بدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا» الحديث إلى غير ذلك من الشبه والتمويهات (ولتلك) الشرذمة دسائس وأذناب يتجولون في القرى والمدن ليضلوا ضعفة العقول من جهلة العوام ببث العقائد الفاسدة في أذهانهم، فيكفرون باعتقاد أن الله تعالى جسم شبيه بخلقه، جالس على عرشه، حال في سمائه، يتصف بالتحول والانتقال إلى غير ذلك من صفات الحوادث، مع العلم بأن الجاهل لا يعذر بجهله بأمور دينه ولا سيما ما يتعلق بالعقائد ، فالواجب عليه أن يتبين أمر دينه وأحكامه وعقائده حتى يقف على ما كان عليه سلف الأمة وخلفها من أن الله تعالى ليس كمثله شىء فلا مكان له ولا جهة ولا يتصف بالتحول والانتقال وليس جسما ولا جوهرا ولا عرضا، وعلى الجملة فكل ما خطر ببالك فالله بخلافه»[(1072)] اهـ.

وقال أيضا: «في الفتوحات .. ما ضل من ضل من المشبهة إلا بالتأويل – الفاسد -، وحمل ما وردت به الآيات والأخبار على ما يسبق منها إلى الفهم، من غير نظر فيما يجب لله تعالى من التنزيه، فقادهم ذلك إلى الجهل المحض والكفر الصراح، ولو طلبوا السلامة وتركوا الأخبار والآيات على ما جاءت من غير عدول منهم فيها إلى شىء ألبتة، ويكلون علم ذلك إلى الله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم»[(1073)] اهـ.

قال ابن المعلم القرشي: «وعن علي رضي الله عنه قال: سيرجع قوم من هذه الأمة عند اقتراب الساعة كفارا، فقال رجل: يا أمير المؤمنين كفرهم بماذا أبالإحداث أم بالإنكار؟ فقال: بل بالإنكار ينكرون خالقهم فيصفونه بالجسم والأعضاء»[(1074)] اهـ.

وفي كتاب محمد بن بدر الدين بن بلبان الدمشقي الحنبلي: «ويجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض». ثم قال: «فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في كل مكان أو في مكان فكافر»[(1075)] اهـ.

وقال الشيخ محمود محمد خطاب السبكي: «فقد علمت مما ذكره أولئك الأئمة المحققون من الأدلة والبراهين النقلية والعقلية أن الله عز وجل لا جهة له ولا مكان ولا يمر عليه زمان، إذ هو تعالى مخالف للحوادث. وردهم على أصحاب العقائد الزائغة المكفرة المعقدة أن الله تعالى جسم جلس على العرش أو حل في السماء، إلى غير ذلك من الكفر الصريح أجارنا الله تعالى من الضلال والإضلال وأهلهما.

(فمن) اعتقد أنه سبحانه وتعالى يشبه شيئا من الحوادث كالجلوس في مكان أو التحيز في جهة (فهو) ضال مضل كافر بالله عز وجل . نسأله تعالى السلامة من سوء الاعتقاد والتوفيق للعقائد الحقة التي ترضيه عز وجل»[(1076)] اهـ.

هذا وقد مر بك ما نقله القرافي من اتفاق الأئمة الأربعة على تكفير المجسم كما نقل ذلك عنه ابن حجر الهيتمي الذي قال: وهم حقيقون بذلك، وكذلك ما نقله السيوطي عن الشافعي في تكفير المجسم.

وقال الإمام مالك رضي الله عنه في أهل الأهواء كلهم: «أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا»، روى ذلك الحافظ المجتهد المطلق محمد بن المنذر في كتابه الإشراف[(1077)]، ومعناه أنهم كفار، وهم المجسمة والجهمية والخطابية والقدرية والقائلين بخلق الأفعال وبخلق القرءان على معنى أن الله ليس له كلام إلا ما يخلقه في غيره، فجعلوا القرءان مما يخلقه في غيره.

ولا يلتفت بعد هذا إلى ما لا يعول عليه من النقول إما لعدم ثبوته عمن نسب إليه أو لنـزول القائل عن درجة الاحتجاج به ، لكونه ليس من أهل الاجتهاد ولا من أصحاب الوجوه في المذهب، أو خالف قوله قول إمامه، مع نزول القائل عن رتبة الاجتهاد، مهما تردد ذكرها في الكتب أو تكرر الاعتماد عليها من قبل بعض من شأنه أن يجمع الأقوال من غير تحقيق وضبط، ومن ذلك ما نبه إليه الزركشي: «ونقل صاحب الخصال من الحنابلة عن أحمد أنه قال: من قال: جسم لا كالأجسام كفر، ونقل عن الأشعرية أنه يفسق، وهذا النقل عن الأشعرية ليس بصحيح» [(1078)] اهـ. وذلك لأن الصواب الذي لا محيد عنه أنه يكفر لمعارضته صريح القرءان والسنة.

وعلى ما عرفت مما تقدم من النصوص والبيان تعال نقرأ معا ما قاله القاضي البياضي في إشارات المرام[(1079)]، حيث نبه على ما نقله عن الإمام أبي حنيفة في حديث الجارية، وما عقب به عليه، ومما قاله: «وفرع عليه ببيان حكم المخالفة فيه، تشييدا لقواعد التنـزيه، وتنبيها على استلزام نسبة النقص في القول بالتحيز والتشبيه، فقال فيه: (فمن قال: لا أعرف ربي أفي السماء أم في الأرض فهو كافر)، لكونه قائلا باختصاص البارئ بجهة وحيز، وكل ما هو مختص بالجهة والحيز فإنه محتاج محدث بالضرورة، فهو قول بالنقص الصريح في حقه تعالى، (كذا من قال: إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض)، لاستلزامه القول باختصاصه تعالى بالجهة والحيز والنقص الصريح في شأنه، سيما في القول بالكون في الأرض، ونفي العلو عنه تعالى، بل نفي ذات الإله المنـزه عن التحيز ومشابهة الأشياء. وفيه إشارات:

الأولى: أن القائل بالجسمية والجهة منكر وجود موجود سوى الأشياء التي يمكن الإشارة إليها حسا، فمنهم منكرون لذات الإله المنـزه عن ذلك، فلزمهم الكفر لا محالة…

الثانية: إكفار من أطلق التشبيه والتحيز، وإليه أشار بالحكم المذكور لمن أطلقه، واختاره الإمام الأشعري، فقال في النوادر: من اعتقد أن الله جسم فهو غير عارف بربه، وإنه كافر به، كما في شرح الإرشاد لأبي قاسم الأنصاري، وفي الخلاصة أن المشبه إذا قال: له تعالى يد ورجل كما للعباد فهو كافر» اهـ.

إلى أن يقول في الثالثة كلاما كان ينبغي بيانه وإيضاحه لا إمراره هكذا بلا تنبيه على ما تقدم بيانه مع ما فيه من إشكال ، وقد تقدم في هذه الرسالة الإشارة إلى بيانه وتوضيحه، ونصه: «الثالثة: عدم إكفار من قال: هو جسم متحيز لا كالأجسام المتحيزة، كما ذهب إليه محمد بن الهيصم وبعض الحنابلة، وإليه أشار بعدم التعرض له في المقام، فهو مبتدع في إطلاق الجسم وليس بكافر، لرفعه إيهام النقصان، بقوله: لا كالأجسام، وقيل: يكفر بمجرد الإطلاق، كما في باب الإمامة من فتح القدير، وقد أطلق في الخانية والمحيط عدم جواز الاقتداء بالمشبه.

الرابعة: الرد على من أنكر إكفار المشبه مطلقا ذهابا إلى أن القائل بأنه جسم غالط فيه غير كافر، لأنه لا يطرد قوله بموجبه كما اختاره الباقلاني كما في شرح الإرشاد، واختاره الآمدي في الأبكار، فقال في خاتمته: إنما يلزم التكفير أن لو قال: إنه جسم كالأجسام وليس كذلك بل ناقض كلامه في فصل التنـزيه منه، ومن المنائح حيث قال فيه: ومن وصفه تعالى بكونه جسما: منهم من قال: إنه جسم: أي موجود لا كالأجسام، كبعض الكرامية. ومنهم من قال إنه على صورة شاب أمرد. ومنهم من قال: على صورة شيخ أشمط. وكل ذلك كفر وجهل بالرب، ونسبة للنقص الصريح إليه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا» اهـ.

فلو قورن هذا الكلام بما تقدم لكشف النقاب عنه ولظهر للقارئ وجوه الجواب، ولا يجوز القول بعدم تكفير من قال: هو جسم متحيز لا كالأجسام المتحيزة ، إلا أن يكون كالأعجمي أو يظن أن معنى الجسم والمتحيز في لغة العرب الموجود مثلا كما تقدم.

ثم لاحظ النص التالي: قال المناوي ناقلا عن الأصحاب: «والمشبه إذا قال له تعالى يد ورجل كما للعباد فهو كافر ملعون. وإن قال جسم لا كالأجسام فهو مبتدع، لأنه ليس فيه إلا إطلاق لفظ الجسم عليه، وهو موهم للنقص فرفعه بقوله: «لا كالأجسام»، فلم يبق إلا مجرد الإطلاق، وذلك معصية تنتهض سببا للعقاب لما قلنا من الإيهام، بخلاف ما لو قاله على التشبيه فإنه كافر، وقيل يكفر بمجرد الإطلاق أيضا، وهو حسن بل هو أولى بالتكفير. ….. انتهى من الخلاصة، إلا تعليل إطلاق الجسم مع نفي التشبيه.

إلى أن ختم بقوله: بخلاف مطلق اسم الجسم مع نفي التشبيه، فإنه يكفر لاختياره إطلاق ما هو موهم للنقص بعد علمه بذلك، ولو نفى التشبيه فلم يبق منه إلا التساهل والاستخفاف بذلك.

ومثله قال كمال الدين السيواسي: «والمشبه إذا قال: له تعالى يد ورجل كما للعباد فهو كافر ملعون، وإن قال: جسم لا كالأجسام، فهو مبتدع لأنه ليس فيه إلا إطلاق لفظ الجسم عليه، وهو موهم للنقص فرفعه بقوله: لا كالأجسام، فلم يبق إلا مجرد الإطلاق، وذلك معصية تنتهض سببا للعقاب، لما قلنا من الإيهام، بخلاف ما لو قاله على التشبيه فإنه كافر ، وقيل: يكفر بمجرد الإطلاق أيضا وهو حسن، بل هو أولى بالتكفير»[(1080)] اهـ.

(قيل) لاحظ قوله: «بخلاف ما لو قاله على التشبيه فإنه كافر» اهـ، فإنه يدلنا على أنه يرجع ذلك إلى فهم القائل لا قصده .

ربما يؤكد هذا قوله بعد أن أنجز الكلام على مسئلة عدم جواز الصلاة خلف المبتدع الذي وصل إلى الكفر، ونصه: «بخلاف مطلق اسم الجسم مع نفي التشبيه فإنه يكفر، لاختياره إطلاق ما هو موهم للنقص بعد علمه بذلك، ولو نفى التشبيه، فلم يبق منه إلا التساهل والاستخفاف بذلك»[(1081)] اهـ.

لاحظ قوله: « بعد علمه بذلك، ولو نفى التشبيه» اهـ، فإنه كالنص في بيان هذا الذي نحن فيه.

أما التشكيك بنقل العلماء عن مشاهير المشبهة، هل قالوا ما ينقل عنهم أم لا، فهو دوران ومرواغة لا تنفع، فإما أن يقول هذا المراوغ: إن القائل بالتركيب والحجم في حق الله كافر أيا كان قائله، وإن مات على ذلك فهو مخلد في نار جهنم، وإما أن يعاند ويجاهر بأنه ليس كذلك، وهو هلاك وكفر، والعياذ بالله تعالى.

ولا يجوز أن يكون المسلم في دينه مذبذبا تائها، لا يميز المسلم من غيره، وإلا خلط الإيمان بالكفر، وأدخل في دائرة الإيمان من رد قول الله سبحانه وتعالى: {…ليس كمثله شيء… *} [(1082)]، فما أجرأهم على التقول على الله وعلى دينه، والله أعلم بمكرهم، {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور *} [(1083)].

وإذا تبين ذلك كله تلخص : أنه لا بد من التحذير من إطلاق بعض المنتسبين للعلم ترك تكفير أهل الأهواء، وهو كلام مردود، وقد تقدم أنه ثبت عن الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل تكفير بعض أهل الأهواء. وربما يناسب تلخيص بعضا مما نقلناه لك قبل، أما أحمد بن حنبل فقال: «من قال الله جسم لا كالأجسام كفر»، وأما الشافعي فقال «لا يكفر أهل القبلة» واستثنى المجسم. ذكره السيوطي في «الأشباه والنظائر»[(1084)].

والنووي كفر المجسم في «شرح المهذب»[(1085)]، وكفر الشافعي القدري أي المعتزلي، والقائل بخلق القرءان الذي هو مذهب المعتزلة الذين يقولون: الله ليس له كلام إلا ما يخلقه في غيره. نقل ذلك صاحب البيان العمراني اليمني وهو قبل النووي.

وقال مالك: أرى أن يستتاب أهل الأهواء، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم.اهـ وهذا صحيح ثابت عنه، رواه عنه الإمام المجتهد أبو بكر بن المنذر في كتابه «الأوسط» وفي كتابه «الإشراف».

وكذلك قال كمال بن الهمام الحنفي في «فتح القدير»: «المجسم القائل جسم لا كالأجسام كافر» اهـ.

وقد تقدم أنه لا حجة في قول الشافعي: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية. وأنه محمول على من لم يصل منهم إلى الكفر، أي لم تثبت عليه قضية معينة تقتضي كفره، هذا هو محمل كلام الشافعي كما قال الحافظ سراج الدين البلقيني الشافعي في كتابه «حواشي الروضة».

بل قدمنا التحذير من الأخذ بما ينسب لبعض المتأخرين من الشافعية، كعز الدين بن عبد السلام والغزالي والرازي وغيرهم في أمر تكفير المجسم والجهوي، وبينا وجه التناقض فيما ينقل عنهم، واستشهدنا على ذلك بكلامهم وتنبيه بعض العلماء على عدم صحة هذه الأقوال أو النقول عنهم، خاصة وأن كلامهم خالف كلام الشافعي فلا يعتد به. والعبرة بكلام الإمام ومن وافقه من المنتسبين إليه كأبي حامد المروزي، إمام أصحاب الشافعي المراوزة، والإمام أبي منصور البغدادي، فإنه قال: «يجب تكفير كل زعيم من زعماء المعتزلة ». يعني بذلك أن المنتسبين إلى الاعتزال منهم من لا يعتقد مقالاتهم الكفرية، إنما يعتقد بعض مقالاتهم التي ليست كفرا، فإن منهم من لا يرى بعض أصول عقائدهم وهو منتسب إليهم، فإن المعتزلة لهم مقالات كفرية ومقالات دون الكفر مع كونها ضلالة وبدعة، وقد ذكرت قبل هذا في موضع من هذه الرسالة ما قاله الإمام عبد القاهر بن طاهر البغدادي في كتابه «تفسير الأسماء والصفات»[(1086)] وهو قوله: «فأما أصحابنا فإنهم وإن أجمعوا على تكفير المعتزلة والغلاة من الخوارج والنجارية والجهمية والمشبهة، فقد أجازوا لعامة المسلمين معاملتهم في عقود البياعات، والإجارات والرهون وسائر المعاوضات دون الأنكحة، فأما مناكحتهم، وموارثتهم والصلاة عليهم وأكل ذبائحهم فلا يحل شىء من ذلك، إلا الموارثة ففيها خلاف بين أصحابنا » انتهى.

وبهذا يعلم أن ما ذكر في كتاب «روضة الطالبين» للنووي من ترك تكفيرهم، وصحة الاقتداء بهم، خلاف ما ذكره المتقدمون من أصحاب الشافعي.

ومثل هذا ما هو مذكور في كتاب «الاقتصاد في الاعتقاد» المنسوب للغزالي ، من عدم تكفير أهل الأهواء على الإطلاق فإنه باطل، مخالف لقول الإمام الشافعي وسائر الأئمة الأربعة وغيرهم رضي الله عنهم.

وحكى القاضي عياض في «الشفا” عن الجاحظ وثمامة المعتزليين أنهما قالا: «إن كثيرا من العامة والنساء والبله، ومقلدة النصارى واليهود وغيرهم لا حجة لله عليهم، إذ لم تكن لهم طباع يمكن معها الاستدلال. وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفر أحدا من النصارى واليهود، وكل من فارق دين المسلمين، أو وقف في تكفيرهم أو شك. قال القاضي أبو بكر: لأن التوقيف والإجماع اتفقا على كفرهم، فمن وقف في ذلك فقد كذب النص، والتوقيف، أو شك فيه، والتكذيب أو الشك فيه لا يقع إلا من كافر»[(1087)] اهـ.

ـ[1005]  كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد: (ص/58 – 59)، الطبعة الأولى، مؤسسة الكتب الثقافية.

ـ[1006]  العقيدة النظامية (ص/).

ـ[1007]  كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة: (ص/59).

ـ[1008]  كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة (ص/59).

ـ[1009]  كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة (ص/60).

ـ[1010]  يقال: رجل عبل إذا كان غليظا، وكذلك كل غليظ من الدواب والمصدر العبالة والعبولة، وألقى فلان على فلان عبالته أي ثقله، يراجع: جمهرة اللغة (1/366).

ـ[1011]  كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة (ص/61 – 62).

ـ[1012]  الشامل في أصول الدين (ص/221 – 225)، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى، 1420هـ – 1999 .

ـ[1013]  المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب، لأحمد بن يحيى الونشريسي (2/382 – 385)، دار الغرب الإسلامي بيروت.

ـ[1014]  أضواء البيان (2/18).

ـ[1015]  البرهان المؤيد (ص/14).

ـ[1016]  التفسير الكبير (7/113 – 114).

ـ[1017]  التفسير الكبير (13/69).

ـ[1018]  التفسير الكبير (16/24).

ـ[1019]  معالم أصول الدين (ص/137) المسألة العشرون المختار عندنا أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة إلا بدليل منفصل.

ـ[1020]  الفقيه والمتفقه (2/331 – 332)، باب ذكر شروط من يصلح للفتوى.

ـ[1021]  المنهج القويم لابن حجر الهيتمي (ص/294)، فصل في صلاة النفل.

ـ[1022]  تشنيف المسامع شرح جمع الجوامع (4/648). تأليف: الإمام بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي المتوفى 794هـ، دراسة وتحقيق الدكتور سيد عبد العزيز والدكتور عبد الله ربيع، المدرسان بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، مكتبة قرطبة للبحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي القاهرة، توزيع المكتبة المكية مكة المكرمة.

ـ[1023]  الفتاوى الحديثية، لابن حجر الهيتمي (ص/111).

ـ[1024]  المجموع شرح المهذب (4/253)، ونصه: «فممن يكفر من يجسم تجسيما صريحا» اهـ.

ـ[1025]  سورة الشورى: 11 .

ـ[1026]  كفاية الأخيار، لتقي الدين الحصني (ص/495).

ـ[1027]  السراج الوهاج ..، وهو من تلاميذ ناصر الدين البيضاوي، وهو من مشايخ العضد الإيجي والشيخ الأردبيلي.

ـ[1028]  إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين (2/6 – 7).

ـ[1029]  بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية لأحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس (1/51).

ـ[1030]  حاشية الرملي (1/219).

ـ[1031]  الفقه الأبسط، ضمن مجموعة رسائل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري (ص/12)، وشرح الفقه الأكبر لملا علي القاري (ص/171)، والبرهان المؤيد للإمام أحمد الرفاعي (ص/18)، ودفع شبه من شبه وتمرد لتقي الدين الحصني (ص/18).

ـ[1032]  مقالات الكوثري (ص/261).

ـ[1033]  مناهل العرفان في علوم القرآن (2/209 – 211).

ـ[1034]  أصول الدين لأبي منصور البغدادي (ص/361).

ـ[1035]  الأسماء والصفات لأبي منصور البغدادي (ص/).

ـ[1036]  رواه ابن فورك في مشكل الحديث وبيانه (1/102)، ذكر خبر آخر في مثل هذا المعنى مما ذكر في خلق آدم عليه السلام.

ـ[1037]  أخرجه مسلم في صحيحه (4/2045)، (2654)، كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء.

ـ[1038]  إلجام العوام عن علم الكلام (ص/62 – 63)، من مجموعة رسائل الغزالي.

ـ[1039]  المختار من لحن العامة والخاصة في المعتقدات (ص/57 – 58) لأبي علي عمر بن محمد السكوني المالكي نزيل تونس المتوفى سنة 717هـ.

ـ[1040]  الظاهر أن وجه الخلاف في ذلك لجهة ما تقدم من عدم فهم بعض أتباع بعض أهل البدع لتلك العبارات الفاسدة لا أن ذلك مطلق، وذلك من باب التخوف من الحكم بالردة والكفر على من نطق بتلك الكلمات وهو غير فاهم لمعناها أو يظن أنها ترد في لسان العرب بمعنيين أحدهما غير كفر، كما مر في الأمثلة السابقة من نحو ظن بعضهم أنه يطلق على الله لفظ جسم بمعنى موجود أو أنه في جهة فوق بمعنى أنه عالي القدر، وإن كان كلامهم غير صحيح.

ـ[1041]  قال الشيخان عبد الكريم التتان ومحمد أديب كيلاني في شرحهما على جوهرة التوحيد: « وقد كفر العراقي وغيره مثبت الجهة لله تعالى وهو واضح، لأن معتقد الجهة لا يمكنه إلا أن يعتقد التحيز والجسمية، وإن قال غير ذلك فهو قول متناقض » اهـ.

ـ[1042]  أي لكونه لا يفهم ذلك المعنى الفاسد، لا أن ذلك مطلق في كل حال، على ما مر في كلام الجويني والمتولي والباقلاني والغزالي.

ـ[1043]  استحالة المعية بالذات وما يضاهيها من متشابه الصفات للمحدث الشيخ محمد الخضر بن ماياني الجكني نسبا الشنقيطي إقليما المدني مهاجرا (ص/376).

ـ[1044]  الفتاوى الحديثية، لابن حجر الهيتمي (ص/82).

ـ[1045]  تفسير القرطبي (12/256).

ـ[1046]  دفع شبه من شبه وتمرد (ص/7).

ـ[1047]  سورة الملك، الآية: 10 .

ـ[1048]  سورة الشعراء، الآية: 227 .

ـ[1049]  إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات (ص/165 – 166).

ـ[1050]  إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات (ص/175 – 176).

ـ[1051]  الفقه على المذاهب الأربعة (4/201 – 202).

ـ[1052]  أصول الدين (ص/363)، المسألة الرابعة عشر: في أنكحة أهل الأهواء وذبائحهم ومواريثهم.

ـ[1053]  الشامل في أصول الدين (ص/132)، تأليف إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني الشافعي المتوفى سنة 478هـ، وضع حواشيه عبد الله محمود محمد عمر، منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية بيروت – لبنان.

ـ[1054]  المرجع السابق (ص/208).

ـ[1055]  عبل عبالة: ضخم وابيض وغلظ.

ـ[1056]  المرجع السابق (ص/212).

ـ[1057]  سورة القمر: 52 .

ـ[1058]  سورة القمر: 49 .

ـ[1059]  المرجع السابق (ص/212).

ـ[1060]  لسان الميزان (5/354).

ـ[1061]  سورة الأنعام: جزء من الآية 19 .

ـ[1062]  سورة الأعراف: 180 .

ـ[1063]  شعب الإيمان (1/137 – 138).

ـ[1064]  أبكار الأفكار في أصول الدين (ص/447)، تأليف الإمام أبي ا لحسن علي بن محمد بن سالم المعروف بسيف الدين الآمدي المتوفى 631هـ، حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه أحمد فريد المزيدي، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان.

ـ[1065]  سورة الأنعام: 19 .

ـ[1066]  الفصل في الملل (2/93).

ـ[1067]  نجم المهتدي ورجم المعتدي (ص/544) مخطوط.

ـ[1068]  مجموعة الحواشي البهية على شرح العقائد النسفية المجلد الثالث وفيه الجزءان الثالث والرابع (ص/155).

ـ[1069]  كما بين الطحاوي في عقيدته: «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر» اهـ، وقد تقدم الكلام عليها في غير موضع.

ـ[1070]  مناهل العرفان في علوم القرآن (2/209 – 211).

ـ[1071]  إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات (ص/34).

ـ[1072]  إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات (ص/39 – 40).

ـ[1073]  نجم المهتدي ورجم المعتدي (ص/588) مخطوط.

ـ[1074]  مختصر الإفادات (ص/489).

ـ[1075]  إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات (ص/132).

ـ[1076]  الإشراف (3/260).

ـ[1077]  تشنيف المسامع شرح جمع الجوامع (4/648). تأليف: الإمام بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي المتوفى 794هـ، دراسة وتحقيق الدكتور سيد عبد العزيز والدكتور عبد الله ربيع، المدرسان بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، مكتبة قرطبة للبحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي القاهرة، توزيع المكتبة المكية مكة المكرمة.

ـ[1078]  إشارات المرام من عبارات الإمام أبي حنيفة النعمان في أصول الدين (ص/168).

ـ[1079]  شرح فتح القدير (1/350).

ـ[1080]  شرح فتح القدير (1/351).

ـ[1081]  سورة الشورى: 11 .

ـ[1082]  سورة فاطر: 10 .

ـ[1083]  الأشباه والنظائر (ص/598).

ـ[1084]  المجموع: (4/253).

ـ[1085]  تفسير الأسماء والصفات (ص/228).

ـ[1086]  الشفا بتعريف حقوق المصطفى: (2/280 – 281)، فصل في تحقيق القول في إكفار المتأولين.

ـ[1087]  رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (4/108)، كتاب الأحكام، والبيهقي في سننه الكبرى (6/95)، باب نصر المظلوم والأخذ على يد الظالم عند الإمكان.

تكفير المجسم

 في كتاب “الفتاوى الهندية” المعروفة بالفتاوى العالمكيرية في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان طبع دار الكتب العلمية ط١\ج٢\ص٢٨٢:

 “يكفر بإثبات المكان لله تعالى، فلو قال لا محل خالي من الله يكفر، ولو قال الله تعالى في السماء، فإن قصد به حكاية ما جاء فيه ظاهر الأخبار لا يكفر وإن راد به المكان يكفر”.

 قال الإمام أبو القاسم عبد الكريم القشيري في كتابه “الرسالة القشيرية” طبع مؤسسة الكتب الثقافية ط١\ص۱٠:

 “وسمعت الإمام أبا بكر ابن فورك رحمه الله يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول : كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة، فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي، فكتبت إلى أصحابنا بمكة أني أسلمت الآن إسلاما جديدا”.اهـ.

   كتاب الفقه الأبسط للإمام أبي حنيفة

 “من قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش. قال الكوثري: ولم يذكر في المتن وجه كفره فبينه الشارح أبو الليث السمرقندي بقوله: لأنه بهذا القول يوهم أن يكون له تعالى مكان فكان مشركا”

   كتاب الأشباه والنظائر للسيوطي. طبع دار الكتب العلمية ط١\ص٤٨٨

 “قال الشافعي: لا يكفر أحد من أهل القبلة، واستثنى من ذلك المجسم ومنكر علم الجزئيات”

   كتاب العقيدة الطحاوية لأبي جعفر الطحاوي

 “ومن وصف الله بمعنى [أي بصفة] من معاني البشر فقد كفر”

   كتاب شعب الإيمان للبيهقي. طبع مكتبة الرشد ج١\ص١٩٢

 “وأما البراءة من التشبيه بإثبات أنه -تعالى- ليس بجوهر ولا عرض فلأن قوما زاغوا عن الحق فوصفوا البارئ جل وعز ببعض صفات المحدثين [أي المخلوقين]، فمنهم من قال: إنه جوهر، ومنهم من قال إنه جسم، ومنهم من أجاز أن يكون على العرش كما يكون الملك على سريره، وكان ذلك في وجوب اسم الكفر لقائله كالتعطيل والتشريك”

   كتاب شرح عقيدة مالك الصغير للقاضي عبد الوهاب المالكي. طبع دار الكتب العلمية ط١\ص٢٨

 “ولا يجوز أن يثبت له (أي لله) كيفية لأن الشرع لم يرد بذلك ولا أخبر النبي عليه السلام فيه بشىء ولا سألته الصحابة عنه، ولأن ذلك يرجع إلى التنقل والتحول وإشغال الحيز والافتقار إلى الأماكن، وذلك يؤول إلى التجسيم وإلى قدم الأجسام، وهذا كفر عند كافة أهل الإسلام” اهـ. [أي أن الإجماع انعقد على أن من نسب إلى الله الجسمية فهو كافر، وأن القائل بقدم الأجسام وأزليتها كافر أيضا]

   كتاب الغنية في أصول الدين للمتولي. طبع مؤسسة الكتب الثقافية ص٧٤

 “والغرض من هذا الفصل نفي الحاجة إلى المحل والجهة خلافا للكرامية والحشوية والمشبهة الذين قالوا إن لله جهة فوق. وأطلق بعضهم القول بأنه جالس على العرش مستقر عليه تعالى الله عن قولهم. والدليل على أنه مستغني عن المحل أنه لو افتقر إلى المحل لزم أن يكون المحل قديما لأنه قديم، أو يكون حادثا كما أن المحل حادث وكلاهما كفر”. ثم قال: “والدليل عليه أنه لو كان على العرش على ما زعموا لكان لا يخلو إما أن يكون مثل العرش أو أصغر منه أو أكبر، وفي جميع ذلك إثبات التقدير والحد [أي الحجم] والنهاية وهو كفر”

   كتاب مجموعة رسائل الإمام الغزاليطبع المكتبة التوفيقية ص٣٢١

 “فإن خطر بباله أن الله جسم مركب من أعضاء فهو عابد صنم، فإن كل جسم مخلوق وعبادة المخلوق كفر، وعبادة الصنم كانت كفرا لأنه مخلوق، وكان مخلوقا لأنه جسم، فمن عبد جسما فهو كافر بإجماع الأمة السلف منهم والخلف”

   كتاب تبصرة الأدلة لأبي المعين النسفي

 “والله تعالى نفى المماثلة بين ذاته وبين غيره من الأشياء فيكون القول بإثبات المكان له ردا لهذا النص المحكم [ ﴿ليس كمثله شىء وهو السميع البصير﴾ ] الذي لا احتمال فيه بوجه ما سوى ظاهره وراد النص كافر عصمنا الله تعالى عن ذلك”

   كتاب أصول الدين للرازي . طبع المكتبة الأزهرية للتراث ص١٤٤

 “المجسمة كفار لأنهم اعتقدوا أن كل ما لا يكون متحيزا ولا في جهة ليس بموجود، ونحن نعتقد أن كل متحيز فهو محدث، وخالقه موجود ليس بمتحيز ولا في جهة. فالمجسمة نفوا ذات الشىء الذي هو الإله، فيلزمهم الكفر”

   كتاب التفسير الكبير للرازي. طبع دار الكتب العلمية ط٢\ج١٤\ص٩۳ :

 “وعدم وصفه بالمكان والجهة دين موسى، وسائر جميع الأنبياء، وجميع وصفه تعالى بكونه في السماء [أي ساكن السماء] دين فرعون وإخوانه من الكفرة”

   كتاب المفهم للقرطبي. دار الكلم الطيب ج٦\ص٦٩٧

 “و(قوله: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم) يعني: يتبعونه ويجمعونه طلبا للتشكيك في القرءان وإضلال العوام كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرءان، أو طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية، حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وإصبع تعالى الله عن ذلك، فحذر النبي ﷺ عن سلوك طريقهم” ثم قال: “فالصحيح القول بتكفيرهم، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور”

   كتاب حل الرموز للعز بن عبد السلام. طبع جريدة الإسلام ص٤٤

 “وقال أبو حنيفة: من قال (لا أعرف الله أفي السماء هو أم في الأرض هو) فقد كفر لأن هذا القول يوهم أن لله مكانا ومن توهم أن لله مكانا فهو مشبه”

   كتاب روضة الطالبين للنووي. في أول كتاب الردة

 “وأما التفصيل فقال المتولي: من اعتقد قدم العالم أو حدوث الصانع أو نفى ما هو ثابت للقديم بالإجماع ككونه عالما قادرا، أو أثبت ما هو منفي عنه بالإجماع كالألوان، أو أثبت له الاتصال والانفصال كان كافرا”

   كتاب الاختيار لتعليل المختار لابن مودود الموصلي الحنفي. طبع دار الكتب العلمية ج٢\ص١٤٩

 “ولا تقبل شهادة المجسمة لأنهم كفرة”

   كتاب البحر الرائق لحافظ الدين النسفي. طبع دار الكتب العلمية ج٥\ص٢٠٣

 “ويكفر بقوله يجوز أن يفعل الله فعلا لا حكمة فيه وبإثبات المكان لله تعالى فإن قال الله في السماء فإن قصد حكاية ما جاء في ظاهر الأخبار لا يكفر، وإن أراد المكان كفر، وإن لم يكن له نية كفر عند الأكثر وهو الأصح وعليه الفتوى”

   كتاب تشنيف المسامع للزركشي. طبع دار الكتب العلمية ج٢\ص٢٤٩

 “ونقل صاحب الخصال من الحنابلة عن أحمد أنه قال: من قال إن الله جسم لا كالأجسام كفر”  [صاحب الخصال هو أبو محمد البغدادي كما رواه الزركشي في تشنيف المسامع، وهو والد ابن أبي يعلى مؤلف كتاب طبقات الحنابلة]

   كتاب المنهج القويم لابن حجر الهيتمي. طبع دار المنهاج  ص٢٥٤

 “واعلم أن القرافي وغيره حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم، وهم حقيقون بذلك”

   كتاب منح الروض الأزهر لملا علي القاريطبع دار البشائر ص٣٥٥

 “فمن أظلم ممن كذب على الله أو ادعى ادعاء معينا مشتملا على إثبات المكان والهيئة والجهة من مقابلة وثبوت مسافة وأمثال تلك الحالة، فيصير كافرا لا محالة”

   كتاب فيض القدير للمناوي. طبع دار المعرفة ج١\ص٧٢

 عند الكلام على تقسيم البدعة إلى كفرية وغير كفرية قال ما نصه: “أما من كفر بها كمنكر العلم بالجزئيات وزاعم التجسيم أو الجهة أو السكون أو الاتصال بالعالم أو الانفصال عنه فلا يوصف عمله بقبول ولا رد، لأنه أحقر من ذلك”

   كتاب الفتاوى الهندية للشيخ نظام. طبع دار الكتب العلمية ط١\ج٢\ص٢٨٢

 “يكفر بإثبات المكان لله”

   كتاب المنهج الأحمد للقذومي. طبع دار الكتب العلمية ط١\ ص١٠٠

 “فمن اعتقد أن الله بذاته في كل مكان أو في مكان فهو كافر”. ثم قال “فمن شبهه بخلقه فقد كفر، كمن اعتقده تعالى جسما، أو قال: إنه تعالى جسم لا كالأجسام”

  كتاب إتحاف الكائنات لمحمود محمد خطاب السبكي

 قال فيمن يعتقد أن الله عز وجل له جهة وأنه جالس على العرش زاعما أن هذا عقيدة السلف: “أما بعد، فالحكم أن هذا الاعتقاد باطل ومعتقده كافر بإجماع من يعتد به من علماء المسلمين. والدليل العقلي على ذلك قدم الله تعالى ومخالفته للحوادث [أي عدم مشابهته للمخلوقات] . والنقلي قوله تعالى ﴿ليس كمثله شىء وهو السميع البصير﴾ فكل من اعتقد أنه تعالى حل في مكان أو اتصل به أو بشيء من الحوادث كالعرش والكرسي أو السماء أو الأرض أو غير ذلك فهو كافر قطعا ويبطل جميع عمله من صلاة وصيام وحج وغير ذلك وتبين منه زوجه ووجب عليه أن يتوب فورا [بتصحيح عقيدته والنطق بالشهادتين والندم على ما صدر منه والعزم على أن لا يعود إليه] وإذا مات على هذا الاعتقاد -والعياذ بالله تعالى- لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ومثله في ذلك كله من صدقه في اعتقاده أعاذنا الله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. وأما حمله الناس على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد المكفر وقوله لهم من لم يعتقد ذلك يكون كافرا فهو كفر وبهتان عظيم، واستدلاله على زعمه الباطل بهاتين الآيتين ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ و ﴿ءأمنتم من في السماء﴾ استدلال فاسد”.

 ثم قال:  “وعلى الجملة فهذا القائل المجازف وأمثاله قد ادعوا ما لا يقبل الثبوت لا عقلا ولا نقلا وقد كفروا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، والطامة الكبرى التي نزلت بهؤلاء دعواهم أنهم سلفيون، وهم عن سبيل الحق زائغون، وعلى خيار المسلمين يعيبون، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”.

 كتاب إتحاف الكائنات لمحمود محمد خطاب السبكي

 “وقد قال جمع من السلف والخلف: إن من اعتقد أن الله في جهة فهو كافر كما صرح به العراقي، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأبو الحسن الأشعري والباقلاني، ذكره العلامة ملا علي قاري في شرح المشكاة”

 كتاب طالع البشرى للمارغني

  “وخرج بـ “المطابق للواقع” الجزم الغير المطابق له، ويسمى الاعتقاد الفاسد، كاعتقاد قدم العالم، أو تعدد الإله، أو أن الله تعالى جسم. وصاحب هذا الاعتقاد مجمع على كفره”

   كتاب مقالات الكوثري. طبع المكتبة التوفيقية ص٢٦٩

 “وقال البياضي في (إشارات المرام): “قال أبو حنيفة من قال (لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض) فهو كافر، وكذا من قال (إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض) ثم ذكر وجه إكفاره فقال: “لكونه قائلا باختصاص البارئ تعالى بجهة وحيز، وكل ما هو مختص بالجهة والحيز فإنه محتاج محدث [أي مخلوق] بالضرورة: وهو قول بالنقص الصريح في حقه تعالى، والقائل بالجسمية والجهة منكر وجود موجود سوى الأشياء التي يمكن الإشارة إليها حسا، فهم منكرون لذات الإله المنزه عن ذلك فلزمهم الكفر لا محالة”

   كتاب مقالات الكوثري. طبع المكتبة التوفيقية ص٢٧٤

 “ولا إشكال لذي لب [أي عقل] في تكفير الكرامية مجسمة خراسان في قولهم إنه تعالى جسم له حد [أي حجم] ونهاية من تحته وأنه مماس لعرشه وأنه محل الحوادث”

   كتاب مقالات الكوثري. طبع المكتبة التوفيقية ص٢٧٩

 “وكفر من يثبت الحركة والقعود والحدود له تعالى، مما لا يتناطح فيه كبشان ولا يتنازع فيه مسلمان”

   كتاب مقالات الكوثري. طبع المكتبة التوفيقية ص٢٩٤

 “وليس القول بالتجسيم وما إلى ذلك بالأمر الهين عند أئمة أصول الدين، وقد جزم النووي في صفة الصلاة من شرح المهذب بتكفير المجسمة. ويقول عنهم ابن فرح القرطبي صاحب جامع أحكام القرآن في التذكار: والصحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور”

تجدون في هذه المجموعة ماذا قال العلماء في هذه المواضيع:

  الله موجود بلا مكان

 حديث الجارية

﴿ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض﴾

 الاستواء

قول الإمام مالك في الاستواء

 ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء

 ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾

 ﴿وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير﴾

﴿وجاء ربك﴾

 ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء

 ﴿ بل يداه مبسوطتان﴾

 ﴿يد ٱلله فوق أيديهم﴾

 ﴿والسماء بنيناها بأييد﴾

 ﴿يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى ٱلسجود فلا يستطيعون﴾

السماء قبلة الدعاء

 تفسير قوله تعالى ﴿ورافعك إلي﴾

 ﴿وهو العلي﴾

 ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾

 ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾

 ﴿وهو الله في السموات وفي الأرض﴾

 ﴿أويأتي ربك﴾ 

 ﴿كل شىء هالك إلا وجهه﴾

 تكفير المجسم

بيان أن الإجماع قائم على تكفير المجسم والجهوي

وقد نقل جمهرة من الأعلام الإجماع على تكفير المجسم والجهوي، وهذا التكفير لمثبت الجهة لله تعالى واضح، لأن معتقد الجهة لا يمكنه إلا أن يعتقد التحيز والجسمية، وإن قال غير ذلك فهو قول متناقض، وممن نقل ذلك:

قال الشيخ ابن حجر الهيتمي: «واعلم أن القرافي وغيره حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم ، وهم حقيقون بذلك»[(937)] أي جديرون بالحكم عليهم بالكفر.

قال الشيخ ابن حجر الهيتمي: عقيدة إمام السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأرضاه وجعل جنان المعارف متقلبه ومأواه وأفاض علينا وعليه من سوابغ امتنانه وبوأه الفردوس الأعلى من جنانه، موافقة لعقيدة أهل السنة والجماعة من المبالغة التامة في تنزيه الله تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا من الجهة والجسمية وغيرهما من سائر سمات النقص، بل وعن كل وصف ليس فيه كمال مطلق، وما اشتهر بين جهلة المنسوبين إلى هذا الإمام الأعظم المجتهد من أنه قائل بشىء من الجهة أو نحوها فكذب وبهتان وافتراء عليه، فلعن الله من نسب ذلك إليه، أو رماه بشىء من هذه المثالب التي برأه الله منها، وقد بين الحافظ الحجة القدوة الإمام أبو الفرج بن الجوزي من أئمة مذهبه المبرئين من هذه الوصمة القبيحة الشنيعة، أن كل ما نسب إليه من ذلك كذب عليه وافتراء وبهتان وأن نصوصه صريحة في بطلان ذلك وتنزيه الله تعالى عنه فاعلم ذلك فإنه مهم.

وإياك أن تصغى إلى ما في كتب ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وغيرهما ممن اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله، وكيف تجاوز هؤلاء الملحدون الحدودو وتعدوا الرسوم وخرقوا سياج الشريعة والحقيقة، فظنوا بذلك أنهم على هدى من ربهم وليسوا كذلك، بل هم على أسوأ الضلال وأقبح الخصال وأبلغ المقت والخسران وأنهى الكذب والبهتان فخذل الله متبعهم وطهر الأرض من أمثالهم.

وإياك أن تغتر أيضا بما وقع في الغنية لإمام العارفين وقطب الإسلام والمسلمين الأستاذ عبد القادر الجيلاني، فإنه دسه عليه فيها من سينتقم الله منه وإلا فهو برىء من ذلك وكيف تنروج عليه هذه المسألة الواهية مع تضلعه من الكتاب والسنة وفقه الشافعية والحنابلة حتى كان يفتي على المذهبين، هذا مع ما انضم لذلك من أن الله من عليه من المعارف والخوارق الظاهرة والباطنة وما أنبأ عنه ما ظهر عليه وتواتر من أحواله، ومنه ما حكاه اليافعي رحمه الله وقال: مما علمناه بالسند الصحيح المتصل أن الشيخ عبد القادر الجيلاني أكل دجاجة ثم لما لم يبق غير العظيم توجه إلى الله في إحيائها فأحياها الله إليه وقامت تجري بين يديه كما كانت قبل ذبحها وطبخها، فمن امتن الله عليه بمث هذه الكرامات الباهرة يتصور أو يتوهم أنه قائل بتلك القبائح التي لا يصدر مثلها إلا عن اليهود وأمثالهم ممن استحكم فيه الجهل بالله وصفاته وما يجب له وما يجوز وما يستحيل: {…سبحانك هذا بهتان عظيم *} [سورة النور] . ومما يقطع به كل عاقل أن الشيخ عبد القادر لم يكن غافلا عما في (رسالة القشيري) وإذا لم يجهل ذلك فكيف يتوهم فيه هذه القبيحة الشنيعة، وفيها عن بعض رجالها أئمة القوم السالمين عن كل محذور ولوم أنه قال: كان في نفسي شىء من حديث الجهة فلما زال ذلك عني كتبت إلى أصحابنا إني قد أسلمت الآن ، فتأمل ذلك واعتن به لعلك توفق للحق إن شاء الله تعالى وتجري على سنن الاستقامة»[(938)] اهـ.

ونقل السيوطي هذا المعنى فقال: «قاعدة: قال الشافعي: لا يكفر أحد من أهل القبلة، واستثنى من ذلك المجسم ، ومنكر علم الجزئيات، وقال بعضهم: المبتدعة أقسام:

الأول: ما نكفره قطعا، كقاذف عائشة رضي الله عنها، ومنكر علم الجزئيات، وحشر الأجساد، والمجسمة ، والقائل بقدم العالم.

الثاني: ما لا نكفره قطعا، كالقائل بتفضيل الملائكة على الأنبياء، وعلي على أبي بكر.

الثالث والرابع: ما فيه خلاف، والأصح التكفير أو عدمه، كالقائل بخلق القرآن صحح البلقيني التكفير والأكثرون عدمه، وساب الشيخين صحح المحاملي التكفير والأكثرون عدمه»[(939)] اهـ.

انظر إلى قوله: «ما نكفره قطعا» ثم عد المجسمة فيهم.

ثم ها هو الأصولي أبو جعفر الطحاوي المولود سنة 227هـ في عقيدته المشهورة والتي ارتضاها المسلمون ودرسوها في معاهدهم وجامعاتهم، والتي ذكر أنها عقيدة أهل السنة والجماعة حيث قال فيها: « تعالى (الله) عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، ولا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات »[(940)] اهـ.

ثم أوضح أن المتحيز في الجهة مشبه لسائر المبتدعات أي المخلوقات، وفي نفس المتن يقول: «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر» [(941)] اهـ.

وبالنظر إلى أنه قال في أول هذه الرسالة: إنها عقيدة أهل السنة والجماعة، ثم بين تكفير من وصف الله بصفة من صفات الخلق يتبين أنه ينقل إجماع أهل السنة على تكفير القائل بالجسمية والجهة في حق الله.

قال الحافظ البيهقي في شعب الإيمان ناقلا عن الحليمي: «وأما البراءة من التشبيه بإثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض، فلأن قوما زاغوا عن الحق فوصفوا البارئ جل وعز ببعض صفات المحدثين، فمنهم من قال: إنه جوهر. ومنهم من قال: إنه جسم. ومنهم من أجاز أن يكون على العرش قاعدا كما يكون الملك على سريره، وكل ذلك في وجوب اسم الكفر لقائله كالتعطيل والتشريك، فإذا أثبت المثبت أنه ليس كمثله شىء. وجماع ذلك أنه ليس بجوهر ولا عرض فقد انتفى التشبيه، لأنه لو كان جوهرا أو عرضا لجاز عليه ما يجوز على سائر الجواهر والأعراض، وإذا لم يكن جوهرا ولا عرضا لم يجز عليه ما يجوز على الجواهر من حيث إنها جواهر كالتأليف، والتجسيم وشغل الأمكنة والحركة والسكون، ولا ما يجوز على الأعراض من حيث إنها أعراض كالحدوث، وعدم البقاء»[(942)] اهـ.

قال القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد التنوخي المتوفى سنة 384 للهجرة، ما نصه: «حضرت مجلس أبي محمد المهلبي، وكانت العامة ببغداد قد هاجت في أيام وزارته وعظمت الفتنة وقبض على جماعة من العيارين وحملة السكاكين وجعلهم في زوارق مطبقة وحملهم إلى بيروذ[(943)] وحبسهم هناك. فاستهانوا بالقصة وكثف أمرهم وكثر كلام القصاص في الجوامع ورؤساء الصوفية فخاف من تجديد الفتنة، فقبض على خلق منهم وحبسهم، وأحضر أبا السائب قاضي القضاة إذ ذاك، وجماعة من القضاة والشهود، والفقهاء وكنت فيهم لمناظرتهم، وأصحاب الشرط لنأمن مضرتهم إذا قامت الحجج عليهم.

فاتفق أن بدئ برجل من رؤساء الصوفية يعرف بأبي إسحاق بن ثابت ينزل بباب الشام أحد الربانيين عند أصحابه، فقال له: بلغني أنك تقول في دعائك: «يا واحدي بالتحقيق يا جاري اللصيق» فمن لا يعلم بأن الله لا يجوز أن يوصف بأنه لصيق على الحقيقة فهو كافر لأن الملاصقة من صفات الأجسام ، ومن جعل الله جسما كفر، فمن يكون محله في العلم هذا يتكلم على الناس»[(944)] اهـ.

وقال القاضي عبد الحق بن عطية الإشبيلي: «العلي يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان لأن الله منزه عن التحيز، وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه، وهذا قول جهلة مجسمين ، وكان الوجه أن لا يحكى، وكذا «العظيم” هي صفة بمعنى عظم القدر والخطر لا على معنى عظم الأجرام»[(945)] اهـ.

ولا فرق بين الذي يقول: الله جسم، ويسكت وبين من يقول: الله جسم كالأجسام، أو الله جسم لا كالأجسام، أليس قال الله جسم؟ أليس الوصف بالجسم من صفات المخلوقات من بشر وجن وملائكة وحجر وجبل وهواء وروح وريح ونار ونور وغير ذلك؟

وقال الفخر الرازي: «بل الأقرب أن المجسمة كفار لأنهم اعتقدوا أن كل ما لا يكون متحيزا ولا في جهة فليس بموجود، ونحن نعتقد أن كل متحيز فهو محدث وخالقه موجود ليس بمتحيز ولا في جهة، فالمجسمة نفوا ذات الشىء الذي هو الإله فيلزمهم الكفر»[(946)] اهـ.

وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب البغدادي المالكي: «واعلم أن الوصف له تعالى بالاستواء إتباع للنص، وتسليم للشرع، وتصديق لما وصف نفسه تعالى به، ولا يجوز أن يثبت له كيفية، لأن الشرع لم يرد بذلك، ولا أخبر النبي عليه السلام فيه بشىء، ولا سألته الصحابة عنه، ولأن ذلك يرجع إلى التنقل والتحول وإشغال الحيز والافتقار الى الأماكن، وذلك يؤول إلى التجسم، وإلى قدم الأجسام، وهذا كفر عند كافة أهل الإسلام ، وقد أجمل مالك رحمه الله الجواب عن سؤال من سأله: الرحمـن على العرش استوى، كيف استوى؟ فقال: الاستواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، ثم أمر بإخراج السائل»[(947)] اهـ.

وقال ابن الملقن في شرح الجامع الصحيح: «ما ذكره في تفسير: {…ولتصنع على عيني *} [(948)] هو قول قتادة، وهو معروف في اللغة يقال: صنعت الفرس وصنعته إذا أحسنت القيام عليه، واستدلاله من هذه الآية والحديث على أن لله تعالى (صفة) سماها (عينا) ليست هو ولا غيره، وليست كالجوارح المعقولة بيننا، لقيام الدليل على استحالة وصفه بأنه ذو جوارح وأعضاء تعالى عن ذلك، خلافا لما تقوله المجسمة من أنه تعالى جسم لا كالأجسام ، واستدلوا على ذلك بهذه، كما استدلوا بالآيات المتضمنة لمعنى الوجه، واليدين. ووصفه لنفسه بالإتيان والمجيء والهرولة في حديث الرسول ، وذلك كله باطل وكفر من متأوله ، لقيام الدليل على تساوي الأجسام في دلائل الحدث القائم بها واستحالة كونه من جنس المحدثات، إذ المحدث إنما كان محدثا من حيث متعلق هو متعلق بمحدث أحدثه، وجعله بالوجود أولى منه بالعدم»[(949)] اهـ.

وقد قال ملا علي القاري في أثناء كلامه على مذهب العلماء في المتشابهات ما نصه: «بكلامه -أي النووي- وبكلام الشيخ الرباني أبي إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم من أئمتنا وغيرهم يعلم أن المذهبين متفقان على صرف تلك الظواهر، كالمجيء والصورة والشخص والرجل والقدم واليد والوجه والغضب والرحمة والاستواء على العرش والكون في السماء وغير ذلك مما يفهمه ظاهرها، لما يلزم عليه من محالات قطعية البطلان تستلزم أشياء يحكم بكفرها بالإجماع ، فاضطر ذلك جميع الخلف والسلف إلى صرف اللفظ عن ظاهره»[(950)] اهـ.

وضبط هذه المسئلة الشيخ محمد بن أحمد ميارة المالكي، فقال: «وأما القسم الثاني وهو الاعتقاد، فينقسم قسمين:

مطابق في نفس الأمر: ويسمى الاعتقاد الصحيح، كاعتقاد عامة المؤمنين المقلدين.

وغير مطابق: ويسمى الاعتقاد الفاسد، والجهل المركب كاعتقاد الكافرين، فالفاسد أجمعوا على كفر صاحبه، وأنه آثم غير معذور مخلد في النار، اجتهد أو قلد، ولا يعتد بخلاف من خالف في ذلك من المبتدعة»[(951)] اهـ. يلخص هذا كله ما قاله الشيخ تقي الدين الحصني رحمه الله، ونصه: «الكيف من صفات الحدث، وكل ما كان من صفات الحدث فالله عز وجل منزه عنه، فإثباته له سبحانه كفر محقق عند جميع أهل السنة والجماعة» [(952)] اهـ.

وقال محمد مرتضى الزبيدي: «وقال السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب: اعلم أن حكم الجواهر والأعراض كلها الحدوث، فإذا العالم كله حادث. وعلى هذا إجماع المسلمين بل كل الملل، ومن خالف في ذلك فهو كافر لمخالفته الإجماع القطعي ، وهذا المطلب مما يكفي السمع لعدم توقفه عليه لحصول العلم بوجود الصانع بإمكان العالم وإمكانه ضروري، ثم أقام البرهان على حدوث الجوهر وأن الجوهر لا يخلو عن عرض والعرض حادث، فالجوهر لا يخلو عن الحادث وما لا يخلو عن الحادث لا يسبقه إذ لو سبقه لخلا عنه وما لا يسبق الحادث حادث، فالجوهر حادث. قال: وهو أشهر حجج أهل النظر العقلي. قال: وقد يقال على وجه أخص وأتم وهو أن كل ما سوى الواجب ممكن وكل ممكن حادث، فالعالم حادث. أما المقدمة الأولى فظاهرة، وأما الثانية فلأن الممكن يحتاج في وجوده إلى موجد، والموجد لا يمكن أن يوجد حال وجوده، وإلا لكان إيجادا للموجد وهو محال. فيلزم أن يوجده حال لا وجوده فيكون وجوده مسبوقا بعدمه وذلك حدوثه وهو المطلوب»[(953)] اهـ. وقال النسفي في تفسيره المشهور عند تفسير ءاية: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون *} [(954)]ومن الإلحاد تسمية الله بالجسم والجوهر والعقل والعلة» [(955)] اهـ.

قال الشيخ محمد بن أحمد الفاسي المالكي الشهير بميارة والمتوفى سنة 1072هـ «وخرج بوصفه بالمطابق الجزم غير المطابق ويسمى الاعتقاد الفاسد والجهل المركب كاعتقاد الكافرين التجسيم أو التثليث أو نحو ذلك والإجماع على كفر صاحبه أيضا، وأنه ءاثم غير معذور مخلد في النار اجتهد أو قلد. قال في شرح الكبرى: ولا يعتد بخلاف من خالف في ذلك من المبتدعة»[(956)] اهـ.

وهذه نقول عن العلماء في بيان كفر من يعتقد أن الله يسكن السماء أو يتحيز فوق العرش أو في غير ذلك من الأماكن، لتأكيد ما نبهنا عليه من أمر الإجماع على هذه المسألة، وإنما خصصناها بمزيد من العناية والنقول لأن بعض الناس يتهاون فيها ما لا يتهاون في تكفير المجسم.

1 – قال الإمام المجتهد أبو حنيفة رضي الله عنه في كتابه الفقه الأبسط ما نصه: «من قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش، ولا أدري العرش أفي السماء أو في الأرض»[(957)] اهـ.

2 – ووافقه على ذلك الشيخ العز بن عبد السلام في كتابه حل الرموز فقال ما نصه: «لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانا، ومن توهم أن للحق مكانا فهو مشبه» اهـ.

3 – وارتضاه الشيخ ملا علي القاري الحنفي وقال ما نصه: «ولا شك أن ابن عبد السلام من أجل العلماء وأوثقهم، فيجب الاعتماد على نقله»[(958)] اهـ.

4 – وحكى القاضي حسين عن نص الشافعي أنه قال: «وهذا منتظم من كفره مجمع عليه، ومن كفرناه من أهل القبلة، كالقائلين بخلق القرآن، وبأنه لا يعلم المعدومات قبل وجودها، ومن لا يؤمن بالقدر، وكذا من يعتقد أن الله جالس على العرش »[(959)] اهـ.

5 – وقال أبو القاسم القشيري في رسالته القشيرية ما نصه: «سمعت الإمام أبا بكر بن فورك رحمه الله تعالى يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة، فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي، فكتبت إلى أصحابنا بمكة: إني أسلمت الآن إسلاما جديدا»[(960)] اهـ.

6 – وقال أبو منصور البغدادي: «إن أصحابنا أكفروا أهل البدع في صفات البارئ عز وجل بإجماع الأمة على إكفار من أنكر النبوات أو شك في عقائد الأنبياء، فما كان شكه في صفة من صفات بعض الناس يورثه الكفر فشكه في صفة لازمة لله تعالى أو جهله بها أولى بأن يوجب تكفيره» [(961)] اهـ.

7 – وقال رحمه الله تعالى: «وأما جسمية خراسان من الكرامية فتكفيرهم واجب لقولهم إن الله تعالى له حد ونهاية من جهة السفل ومنها يماس عرشه»[(962)] اهـ.

8 – أبو حامد الغزالي يقول: «فعلى العامي أن يتحقق قطعا ويقينا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد بذلك جسما هو عضو مركب من لحم ودم وعظم، وأن ذلك في حق الله تعالى محال وهو عنه مقدس، فإن خطر بباله أن الله جسم مركب من أعضاء فهو عابد صنم، فإن كل جسم فهو مخلوق، وعبادة المخلوق كفر، وعبادة الصنم كانت كفرا لأنه مخلوق، وكان مخلوقا لأنه جسم، فمن عبد جسما فهو كافر بإجماع الأمة السلف منهم والخلف »[(963)] اهـ. 9 – وقال الأسفراييني أبو المظفر: «وأما الهشامية فإنهم أفصحوا عن التشبيه بما هو كفر محض باتفاق جميع المسلمين ، وهم الأصل في التشبيه، وإنما أخذوا تشبيههم من اليهود حين نسبوا إليه الولد، وقالوا: عزير ابن الله، وأثبتوا له المكان والحد والنهاية والمجيء والذهاب، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» [(964)] اهـ.

10 – وقال لسان المتكلمين أبو المعين ميمون بن محمد النسفي الحنفي ما نصه: «والله تعالى نفى المماثلة بين ذاته وبين غيره من الأشياء، فيكون القول بإثبات المكان له ردا لهذا النص المحكم – أي قوله تعالى: {…ليس كمثله شيء… *} – الذي لا احتمال فيه لوجه ما سوى ظاهره، وراد النص كافر ، عصمنا الله عن ذلك»[(965)] اهـ.

11 – وقال الشيخ زين الدين الشهير بابن نجيم الحنفي ما نصه: «ويكفر بإثبات المكان لله تعالى، فإن قال: الله في السماء، فإن قصد حكاية ما جاء في ظاهر الأخبار لا يكفر، وإن أراد المكان كفر»[(966)] اهـ.

12 – وقال الشيخ ملا علي القاري الحنفي ما نصه: «فمن أظلم ممن كذب على الله، أو ادعى ادعاء معينا مشتملا على إثبات المكان والهيئة والجهة من مقابلة وثبوت مسافة وأمثال تلك الحالة، فيصير كافرا لا محالة»[(967)] اهـ. 13 – وقال: «من اعتقد أن الله لا يعلم الأشياء قبل وقوعها فهو كافر، وإن عد قائله من أهل البدعة، وكذا من قال: بأنه سبحانه جسم وله مكان ويمر عليه زمان ونحو ذلك كافر، حيث لم تثبت له حقيقة الإيمان»[(968)] اهـ.

14 – وقال أيضا ما نصه: «بل قال جمع منهم -أي من السلف- ومن الخلف إن معتقد الجهة كافر كما صرح به العراقي، وقال: إنه قول لأبي حنيفة ومالك والشافعي والأشعري والباقلاني»[(969)] اهـ.

15 – وقال الشيخ العلامة كمال الدين البياضي الحنفي في شرح كلام الإمام أبي حنيفة ما نصه: «فقال -أي أبو حنيفة- (فمن قال: لا أعرف ربي أفي السماء أم في الأرض فهو كافر) لكونه قائلا باختصاص البارئ بجهة وحيز وكل ما هو مختص بالجهة والحيز فإنه محتاج محدث بالضرورة، فهو قول بالنقص الصريح في حقه تعالى (كذا من قال إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض) لاستلزامه القول باختصاصه تعالى بالجهة والحيز والنقص الصريح في شأنه سيما في القول بالكون في الأرض ونفي العلو عنه تعالى بل نفي ذات الإله المنزه عن التحيز ومشابهة الأشياء. وفيه إشارات:

الأولى: أن القائل بالجسمية والجهة منكر وجود موجود سوى الأشياء التي يمكن الإشارة إليها حسا، فمنهم منكرون لذات الإله المنزه عن ذلك، فلزمهم الكفر لا محالة. وإليه أشار بالحكم بالكفر.

الثانية: إكفار من أطلق التشبيه والتحيز، وإليه أشار بالحكم المذكور لمن أطلقه، واختاره الإمام الأشعري فقال في النوادر: من اعتقد أن الله جسم فهو غير عارف بربه وإنه كافر به، كما في شرح الإرشاد لأبي قاسم الأنصاري»[(970)] اهـ.

16 – قال الشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي ما نصه: «وأما أقسام الكفر فهي بحسب الشرع ثلاثة أقسام ترجع جميع أنواع الكفر إليها، وهي: التشبيه، والتعطيل، والتكذيب… وأما التشبيه: فهو الاعتقاد بأن الله تعالى يشبه شيئا من خلقه، كالذين يعتقدون أن الله تعالى جسم فوق العرش، أو يعتقدون أن له يدين بمعنى الجارحتين، وأن له الصورة الفلانية أو على الكيفية الفلانية، أو أنه نور يتصوره العقل، أو أنه في السماء، أو في جهة من الجهات الست، أو أنه في مكان من الأماكن، أو في جميع الأماكن، أو أنه ملأ السموات والأرض، أو أن له الحلول في شىء من الأشياء، أو في جميع الأشياء، أو أنه متحد بشىء من الأشياء، أو في جميع الأشياء، أو أن الأشياء منحلة منه، أو شيئا منها. وجميع ذلك كفر صريح والعياذ بالله تعالى، وسببه الجهل بمعرفة الأمر على ما هو عليه»[(971)] اهـ.

17 – وقال الشيخ محمد بن أحمد عليش المالكي عند ذكر ما يوقع في الكفر والعياذ بالله ما نصه: «وكاعتقاد جسمية الله وتحيزه، فإنه يستلزم حدوثه واحتياجه لمحدث»[(972)] اهـ.

18 – وذكر هذا الحكم أيضا الشيخ العلامة المحدث الفقيه أبو المحاسن محمد القاوقجي الطرابلسي الحنفي في كتابه الاعتماد في الاعتقاد فقد قال: «ومن قال لا أعرف الله في السماء هو أم في الأرض كفر – لأنه جعل أحدهما له مكانا -»[(973)] اهـ.

19 – وفي كتاب الفتاوى الهندية لجماعة من علماء الهند ما نصه: «يكفر بإثبات المكان لله تعالى. ولو قال: الله تعالى في السماء، فإن قصد به حكاية ما جاء فيه ظاهر الأخبار لا يكفر، وإن أراد به المكان يكفر»[(974)] اهـ.

20 – وقال تقي الدين الحصني: «إلا أن النووي جزم في صفة الصلاة من شرح المهذب بتكفير المجسمة[(975)]، قلت (تقي الدين الحصني): وهو الصواب الذي لا محيد عنه، إذ فيه مخالفة صريح القرآن ، قاتل الله المجسمة والمعطلة، ما أجرأهم على مخالفة من {…ليس كمثله شيء وهو السميع البصير *} [(976)]، وفي هذه الآية رد على الفرقتين»[(977)] اهـ.

21 – وقال الشيخ محمود بن محمد بن أحمد خطاب السبكي المصري ما نصه: «سألني بعض الراغبين في معرفة عقائد الدين والوقوف على مذهب السلف والخلف في المتشابه من الآيات والأحاديث بما نصه: ما قول السادة العلماء حفظهم الله تعالى فيمن يعتقد أن الله عز وجل له جهة، وأنه جالس على العرش في مكان مخصوص، ويقول: ذلك هو عقيدة السلف، ويحمل الناس على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد، ويقول لهم: من لم يعتقد ذلك يكون كافرا مستدلا بقوله تعالى: {الرحمان على العرش استوى *} [(978)]، وقوله عز وجل: {أأمنتم من في السماء… *} [(979)]، أهذا الاعتقاد صحيح أم باطل؟ وعلى كونه باطلا أيكفر ذلك القائل باعتقاده المذكور ويبطل كل عمله من صلاة وصيام وغير ذلك من الأعمال الدينية وتبين منه زوجه، وإن مات على هذه الحالة قبل أن يتوب لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وهل من صدقه في ذلك الاعتقاد يكون كافرا مثله؟ فأجبت بعون الله تعالى، فقلت: بسم الله الرحمـن الرحيم الحمد لله الهادي إلى الصواب، والصلاة والسلام على من أوتي الحكمة وفصل الخطاب، وعلى ءاله وأصحابه الذين هداهم الله ورزقهم التوفيق والسداد. أما بعد: فالحكم أن هذا الاعتقاد باطل ومعتقده كافر بإجماع من يعتد به من علماء المسلمين ، والدليل العقلي على ذلك قدم الله تعالى ومخالفته للحوادث، والنقلي قوله تعالى: {…ليس كمثله شيء… *} ، فكل من اعتقد أنه تعالى حل في مكان أو اتصل به أو بشىء من الحوادث كالعرش أو الكرسي أو السماء أو الأرض أو غير ذلك فهو كافر قطعا ، ويبطل جميع عمله من صلاة وصيام وحج وغير ذلك، وتبين منه زوجه، ووجب عليه أن يتوب فورا، وإذا مات على هذا الاعتقاد والعياذ بالله تعالى لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ومثله في ذلك كله من صدقه في اعتقاده أعاذنا الله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. وأما حمله الناس على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد المكفر، وقوله لهم: من لم يعتقد ذلك يكون كافرا، فهو كفر وبهتان عظيم»[(980)] اهـ.

ثم قال الشيخ محمود محمد خطاب السبكي عقب هذه الفتوى: «هذا وقد عرضت هذه الإجابة على جمع من أفاضل علماء الأزهر فأقروها، وكتبوا عليها أسمائهم، وهم أصحاب الفضيلة:

الشيخ محمد النجدي شيخ السادة الشافعية.

والشيخ محمد سبيع الذهبي شيخ السادة الحنابلة.

والشيخ محمد العربي رزق المدرس بالقسم العالي.

والشيخ عبد الحميد عمار المدرس بالقسم العالي.

والشيخ علي النحراوي المدرس بالقسم العالي.

والشيخ دسوقي عبد الله العربي من هيئة كبار العلماء.

والشيخ علي محفوظ المدرس بقسم التخصص بالأزهر.

والشيخ إبراهيم عيارة الدلجموني المدرس بقسم التخصص بالأزهر.

والشيخ محمد عليان من كبار علماء الأزهر.

والشيخ أحمد مكي المدرس بقسم التخصص بالأزهر.

والشيخ محمد حسين حمدان»[(981)] اهـ.

22 – وقال أيضا: «إن من اعتقد وصفه تعالى بشىء من الجسمية أو الاستقرار على العرش أو الجهة … فهو كافر بإجماع السلف والخلف» [(982)] اهـ.

23 – وقال الشيخ محمد زاهد الكوثري وكيل المشيخة الإسلامية في دار الخلافة العثمانية ما نصه: «إن القول بإثبات الجهة له تعالى كفر عند الأئمة الأربعة هداة الأمة كما نقل عنهم العراقي على ما في شرح المشكاة لعلي القاري»[(983)] اهـ.

24 – وقال العلامة الشيخ المحدث الفقيه عبد الله الهرري المعروف بالحبشي حفظه الله ما نصه: «وحكم من يقول: (إن الله تعالى في كل مكان أو في جميع الأماكن) التكفير إذا كان يفهم من هذه العبارة أن الله بذاته منبث أو حال في الأماكن، أما إذا كان يفهم من هذه العبارة أنه تعالى مسيطر على كل شىء وعالم بكل شىء فلا يكفر. وهذا قصد كثير ممن يلهج بهاتين الكلمتين، ويجب النهي عنهما في كل حال»[(984)] اهـ.

25 – وقال أيضا: «ويكفر من يعتقد التحيز لله تعالى، أو يعتقد أن الله شىء كالهواء أو كالنور يملأ مكانا أو غرفة أو مسجدا، ونسمي المساجد بيوت الله لا لأن الله يسكنها بل لأنها أماكن يعبد الله فيها.

وكذلك يكفر من يقول: (الله يسكن قلوب أوليائه) إن كان يفهم الحلول.

وليس المقصود بالمعراج وصول الرسول إلى مكان ينتهي وجود الله تعالى إليه ويكفر من اعتقد ذلك، إنما القصد من المعراج هو تشريف الرسول صلى الله عليه وسلم باطلاعه على عجائب في العالم العلوي، وتعظيم مكانته ورؤيته للذات المقدس بفؤاده من غير أن يكون الذات في مكان»[(985)] اهـ.

قال الشيخ تقي الدين الحصني: «فإن الفوقية بإعتبار المكان لا تكون بالضرورة إلا في الأجرام والأجسام مركبة كانت أو بسيطة، والرب سبحانه وتعالى منزه عن ذلك إذ هو من صفات الحدث» [(986)] اهـ.

وكان قال قبل ذلك: «والعجب من قول هذا ما نحن مجسمة، وهو تشبيه محض، تعالى الله عز وجل عن المحل والحيز لاستغنائه عنهما ، ولأن ذلك مستحيل في حقه عز وجل، ولأن المحل والحيز من لوازم الأجرام، ولا نزاع في ذلك، وهو سبحانه وتعالى منزه عن ذلك لأن الأجرام من صفات الحدث وهو عز وجل منزه عن ذلك شرعا وعقلا ، بل هو أزلي لم يسبق بعدم بخلاف الحادث، ومن المعلوم أن الإستواء إذا كان بمعنى الإستقرار والقعود لا بد فيه من المماسة، والمماسة إنما تقع بين جسمين أو جرمين، والقائل بهذا شبه وجسم وما أبقى في التجسيم والتشبيه بقية كما أبطل دلالة: {…ليس كمثله شيء… *} ، ومن المعلوم في قوله تعالى: {لتستووا على ظهوره} ، أنه الاستقرار على الأنعام والسفن وذلك من صفات الآدميين فمن جعل الإستواء على العرش بمعنى الإستقرار والتمكن فقد ساوى بينه عز وجل وبين خلقه، وذلك من الأمور الواضحة التي لا يقف في تصورها بليد، فضلا عمن هو حسن التصور جيد الفهم والذوق، وحينئذ فلا يقف في تكذيبه: {…ليس كمثله شيء… *} ، وذلك كفر محقق» [(987)] اهـ.

فبان من هذه النصوص الواضحة عن جملة من علماء الأمة الإسلامية من السلف الصالح والخلف أن معتقد الجهة والمكان في حق الله تعالى مكذب للقرءان الكريم ولنبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم ومخالف لما اتفقت عليه كلمة هذه الأمة.

قال ابن منده: «ذكر الدليل على أن المجتهد المخطئ في معرفة الله عز وجل ووحدانيته كالمعاند، قال الله تعالى مخبرا عن ضلالتهم ومعاندتهم : {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا *الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا *} [(988)] وقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه لما سئل عن الأخسرين أعمالا فقال: «كفرة أهل الكتاب كان أوائلهم على حق، فأشركوا بربهم عز وجل وابتدعوا في دينهم، وأحدثوا على أنفسهم، فهم يجتمعون في الضلالة، ويحسبون أنهم على هدى، ويجتهدون في الباطل ويحسبون أنهم على حق، ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا». وقال علي رضي الله عنه: «منهم أهل حروراء»[(989)] اهـ.

فمن ادعى أن انحرافه في العقيدة من نحو اعتقاد الجسمية والجهة في حق الله اجتهاد منه فقد نادى على نفسه بالجهل والكفر والشذوذ عن إجماع الأمة.

ـ[937]   الفتاوى الحديثية (ص/144 – 145) الشيخ ابن حجر الهيثمي / دار الفكر، لبنان – بيروت.ـ[938] الأشباه والنظائر (1/488).

ـ[939]   العقيدة الطحاوية: 26 .

ـ[940]   العقيدة الطحاوية: 23 .

ـ[941]   شعب الإيمان (1/104)، الأول من شعب الإيمان و هو باب في الإيمان بالله عز وجل.

ـ[942]   بيروذ: وهي من نواحي أهواز، يراجع الأنساب (ص/429).

ـ[943]   نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة (2/153 – 154)، دار الكتب العلمية.

ـ[944]   المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/336).

ـ[945]   معالم أصول الدين (ص/138).

ـ[946]   شرح عقيدة الإمام مالك الصغير لأبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني للقاضي أبي محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المالكي (ص/28).

ـ[947]   سورة طه: جزء من الآية 39 .

ـ[948]   التوضيح لشرح الجامع الصحيح (المجلد33/255 – 256):كتاب التوحيد والرد على الجهمية، إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدارة الشؤون الإسلامية دولة قطر.

ـ[949]   مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: (2/136).

ـ[950]   الدر الثمين والمورد المعين للفقيه الشيخ محمد بن أحمد ميارة المالكي، شرح المرشد المعين للشيخ ابن عاشر المالكي، (ص/70).

ـ[951]   دفع شبه من شبه وتمرد (ص/18).

ـ[952]   إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين الجزء الثاني (ص/153): كتاب قواعد العقائد، دار الكتب العلمية.

ـ[953]   سورة الأعراف: 180 .

ـ[954]   تفسير النسفي: الجزء الثاني (ص/87).

ـ[955]   مختصر الدر الثمين والمورد المعين (ص/19 – 20) شركة دار المشاريع / بيروت – لبنان 1430هـ – 2009م.ـ[956] الفقه الأبسط، ضمن مجموعة رسائل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري (ص/12)، وشرح الفقه الأكبر لملا علي القاري (ص/171)، والبرهان المؤيد للإمام أحمد الرفاعي (ص/18)، ودفع شبه من شبه وتمرد لتقي الدين الحصني (ص/18).

ـ[957]   نقله ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر بعد أن انتهى من شرح رسالة الفقه الأكبر (ص/198).

ـ[958]   نجم المهتدي لابن المعلم القرشي (ص/551) مخطوط، وهو في كفاية النبيه شرح التنبيه في فقه الإمام الشافعي لابن الرفعة المتوفى سنة 710هـ (4/24).

ـ[959]   الرسالة القشيرية (ص/5).

ـ[960]   تفسير الأسماء والصفات (ق/187).

ـ[961]   أصول الدين المسألة الحادية عشرة من هذا الفصل في حكم المجسمة والمشبهة (ص/).

ـ[962]   إلجام العوام عن علم الكلام (ص/62 – 63)، من مجموعة رسائل الغزالي.

ـ[963]   التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية (ص/41).

ـ[964]   تبصرة الأدلة (1/169).

ـ[965]   البحر الرائق: باب أحكام المرتدين (5/129).

ـ[966]   شرح الفقه الأكبر بعد أن انتهى من شرح الرسالة (ص/215).

ـ[967]   المصدر السابق (ص/271 ـ 272).

ـ[968]   مرقاة المفاتيح (3/300).

ـ[969]   إشارات المرام (ص/200).

ـ[970]   الفتح الرباني والفيض الرحماني (ص/124).

ـ[971]   منح الجليل شرح مختصر خليل (9/206).

ـ[972]   الاعتماد في الاعتقاد (ص/5).

ـ[973]   الفتاوى العالمكيرية وهي الفتاوى الهندية (2/259).

ـ[974]   المجموع شرح المهذب (4/253)، ونصه:»فممن يكفر من يجسم تجسيما صريحا» اهـ.

ـ[975]   سورة الشورى: 11 . 

ـ[977]   سورة طه: 5 .

ـ[978]   سورة الملك: جزء من الآية 16 .

ـ[979]   إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات (ص/3 – 4) الطبعة الأولى، مطبعة الاستقامة.

ـ[980]   إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات (ص/8) الطبعة الأولى، مطبعة الاستقامة.

ـ[981]   الدين الخالص للشيخ محمود السبكي (ص/24).

ـ[982]   مقالات الكوثري (ص/222).

ـ[983]   الصراط المستقيم (ص/62).

ـ[984]   الصراط المستقيم (ص/62).

ـ[985]   دفع شبه من شبه وتمرد (ص/14).

ـ[986]   دفع شبه من شبه وتمرد (ص/9).

ـ[987]   سورة الكهف: آية رقم 103 .

ـ[988]   التوحيد لابن منده (ص/80).

ـ[989]   حيد أي ابتعاد.

التمايز بين المسلم المنـزه والمشبه المجسم الجهوي

ذلك أنك لو سئلت من هو المسلم؟ لقلت: هو المنـزه الموحد الذي ينفي عن الله الشبيه والجسمية والكيفية، والأعراض التي هي صفات الخلق من حركة وسكون واجتماع وافتراق واتصال وانفصال إلى غير ذلك مما لا يجوز في حق الخالق سبحانه، إلى غير ذلك مما هو شرط في صحة الإيمان، من نحو الإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

فلا يدخل المشبه بهذا الوصف لأنه يعبد جسما سواء تخيله في باله أم لم يتخيله، لكنه في المحصلة يعتقد أنه يعبد حجما كثيفا كالإنسان والحجر وغيرهما مما يمسك باليد، وسواء في ذلك اعتقد أنه كشىء من أعيان الأجسام الكثيفة التي يراها أو يتخيلها أم اعتقد أنه يخالفها في الشكل والكيف والحجم لكنه في النهاية يتصوره جسما، وسواء قال هو مركب أم ليس مركبا، وكذا لو اعتقد أنه جسم لطيف أي لا يمسك باليد كالضوء والظلام والروح والريح ونحو ذلك، وسواء حدد لمعبوده واحدة من هذه الكيفيات أم لم يحدد، لكنه اعتقده جسما لطيفا فهذا كافر ما شم رائحة الإيمان.

ثم هو لا يختلف عمن اعتقد أن معبوده صنم يراه أمامه ويعبده، لأن هذا العابد للصنم لو جعل صنمه في خزانة أو رفعه على سطح بيته أو برج إيفل أو فوق شاهق جبل أو أرسله في قمر صناعي إما ليبقى فيه أو ليجعل على سطح القمر أو غيره، فإنه يبقى وثني يعبد صنما وصورة، هذه حقيقته، وكذلك عابد جسم يتخيل أنه بذاته فوق العرش ساكن أو في السماء السابعة وسواء اعتقده مستقرا ثابتا كالزمن لا يستطيع الحراك أم اعتقده يتحرك ويتحول من حال إلى حال وينتقل فإنه لم يعرف الله ولم يعبده.

وفي هذا قال إمام الحرمين رحمه الله: «فذهبت طوائف إلى وصف الرب بما يتقدس في جلاله عنه، من التحيز في جهة حتى انتهى غلاة إلى التشكيل والتمثيل تعالى الله عن قول الزائغين. والذي دعاهم إلى ذلك طلبتهم ربهم من المحسوسات، وما يتشكل في الأوهام ويتقدر في مجاري الوساوس، وخواطر الهواجس ، وهذا حيد[(990)] بالكلية عن صفات الإلهية، وأي فرق بين هؤلاء وبين من يعبد بعض الأجرام العلوية» [(991)] اهـ.

وها هو القرطبي يكشف في تفسيره لقوله تعالى: {…فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله… *} [(992)] خطورة ما ذهبت إليه المشبهة فينقل عن شيخه أبي العباس رحمة الله عليه أن «من متبعي المتشابه من يتبعه طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه، كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع، تعالى الله عن ذلك، وأن الصحيح القول بتكفيرهم، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور ، ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد»[(993)] اهـ.

وقال الملا علي القاري: «وما أحسن المثل المضروب لمثبت الصفات من غير تشبيه ولا تعطيل باللبن الخالص السائغ للشاربين يخرج من بين فرث التعطيل ودم التشبيه، فالمعطل يعبد عدما، والمشبه يعبد صنما»[(994)] اهـ.

وقال البغدادي: «وإنما تبرؤوا – أي أهل السنة – من أهل الملل الخارجة عن الإسلام، ومن أهل الأهواء الضالة مع انتسابها إلى الإسلام، كالقدرية والمرجئة والرافضة والخوارج والجهمية والنجارية والمجسمة»[(995)] اهـ.

وقال الحافظ المدقق البحر العلامة ابن الجوزي: «وإنما يقع الإشكال في وصف من له أشكال، وإنما تضرب الأمثال لمن له أمثال، فأما من لم يزل ولا يزال فما للحس معه مجال، عظمته عظمت عن نيل كف الخيال، كيف يقال له كيف، والكيف في حقه محال، أنى تتخايله الأوهام وهي صنعه، كيف تحده العقول وهي فعله، كيف تحويه الأماكن وهي وضعه، انقطع سير الفكر، وقف سلوك الذهن، بطلت إشارة الوهم، عجز لطف الوصف، عشيت عين العقل، خرس لسان الحس، لا طور للقدم في طور القدم، عز المرقى فيأس المرتقى، بحر لا يتمكن منه غايص، ليل لا يبين للعين فيه كوكب.

مرام شط مرمى العقل فيه

فدون مداه بيد لا تبيد

جادة التسليم سليمة، وادي النقل بلا نقع، انزل عن علو غلو التشبيه ولا تعل، قلل أباطيل التعطيل، فالوادي بين جبلين. المشبه متلوث بفرث التجسيم، والمعطل نجس بدم الجحود، ونصيب المحق لبن خالص هو التنزيه ، تخمر في نفوس الكفار حب الأصنام، فجاء محمد فمحا ذلك بالتوحيد، وتخمر في قلوب المشبهة حب صورة وشكل حييت فمحوتها بالتنزيه، والعلماء ورثة الأنبياء، ما عرفه من كيفه، ولا وحده من مثله، ولا عبده من شبهه ، المشبه أعشى والمعطل أعمى»[(996)] اهـ.

وقال أيضا: «وكل من قاس صفة الخالق على صفات المخلوقين خرج إلى الكفر، فإن المجسمة دخلوا في ذلك لأنهم حملوا أوصافه على ما يعقلون»[(997)] اهـ.

وقال: «ومن تأمل حال بني إسرائيل رآهم قد أمروا بقول حطة، فقالوا: حنطة، وقيل لهم: {…ادخلوا الباب سجدا… *} [(998)] فدخلوا زحفا، وقالوا عن نبيهم: هو آدر[(999)].

ومن مذهبهم التشبيه والتجسيم، وهذا من أعظم التغفيل، لأن الجسم مؤلف ولا بد للمؤلف من مؤلف» [(1000)] اهـ.

وقال الشيخ تقي الدين الحصني: «الكيف من صفات الحدث، وكل ما كان من صفات الحدث فالله عز وجل منزه عنه، فإثباته له سبحانه كفر محقق عند جميع أهل السنة والجماعة» [(1001)] اهـ.

فأما أن يقال إن لله كيفا لكن نحن لا نستطيع أن نحدد ذلك الكيف فهو ضلال مبين، وهو تشبيه لله بخلقه من بعض الوجوه لأن الكيف معناه صفات الخلق، وإنما الذي يجب اعتقاده والقطع به أن الله تعالى لا كيف له بالمرة، فهو رب الكيف ورب الصور والهيئات والأشكال والألوان والأحجام.

ويقول أبو المظفر الأسفراييني: «والكرامية من جملة المشبهة لقولهم: بأنه جسم وله حد ونهاية، وأنه محل الحوادث، وأنه مماس للعرش ملاق له، فهؤلاء كلهم مشبهة ذاته بالذوات ، وأما مشبهة الصفات فهم المعتزلة البصرية الذين أثبتوا إرادة حادثة كإرادات الإنسان، قالوا: إنها من جنس إرادتهم، وشبهوا كلامه بكلام الخلق، وقالوا: أنه عرض حال في جسم، وكذلك الكرامية شبهوا في الصفات، فقالوا: إن إرادته وقوله عرض حادث من جنس كلام الخلق وإرادتهم.

والزرارية من الروافض أتباع زرارة بن أعين، زعموا أن حياته وعلمه وقدرته وسمعه وبصره كحياة الخلق وعلمهم وقدرتهم وسمعهم وبصرهم، وزعموا أنها كلها حادثة مثل صفات الأجسام.

والشيطانية من الروافض زعموا أن الله تعالى لا يعلم الشىء قبل أن يكون حتى يكون، وأن علمه محدث كعلوم العباد، ومن تأمل قول هؤلاء المشبهة علم كفرهم وضلالتهم ولم يبق له في ذلك شبهة فاستغنى بذكرها عن إقامة الحجة عليها» [(1002)] اهـ.

وقال الذهبي في تاريخه: «عبيد الله بن المحدث عبد الله بن الحسين البصري القاضي أبو القاسم المروزي قاضي نسف، قال المستغفري: كان صلب المذهب، لما دخل سبكتكين صاحب غزنة إلى بلخ، دعا فقهاءها إلى مناظرة الكرامية، وكان منهم القاضي عبيد الله، وهو يومئذ على قضاء بلخ، فقال سبكتكين: ما تقولون في هؤلاء الزهاد الأولياء يعني الكرامية؟ فقال القاضي: هؤلاء كفار. فقال: ما تقولون في إن كنت أعتقد مذهبهم؟ فقال: قولنا فيك كقولنا فيهم، فقام وضربهم بطبرزين حتى أدماهم، وشبح القاضي وقيدهم وحبسهم، ثم خاف الملامة فأطلقهم، وتوفي القاضي سنة ثمان وثمانين»[(1003)] اهـ.

وجاء في شرح النووي على صحيح مسلم: «قال القاضي عياض رحمه الله: هذا يدل على أنهم ليسوا بعارفين الله تعالى، وهو مذهب حذاق المتكلمين في اليهود والنصارى أنهم غير عارفين الله تعالى وإن كانوا يعبدونه ويظهرون معرفته، لدلالة السمع عندهم على هذا وإن كان العقل لا يمنع أن يعرف الله تعالى من كذب رسولا .

قال القاضي عياض رحمه الله : ما عرف الله تعالى من شبهه وجسمه من اليهود، أو أجاز عليه البداء أو أضاف إليه الولد منهم أو أضاف إليه الصاحبة والولد، وأجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج من النصارى، أو وصفه مما لا يليق به أو أضاف إليه الشريك والمعاند في خلقه من المجوس والثنوية فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله وإن سموه به، إذ ليس موصوفا بصفات الإله الواجبة له، فإذن ما عرفوا الله سبحانه»[(1004)] اهـ.

[990]    العقيدة النظامية (ص/).

ـ[991]   سورة آل عمران: جزء من الآية 7 .

ـ[992]   تفسير القرطبي (4/13 – 14).

ـ[993]   الرد على القائلين بوحدة الوجود (ص/45).

ـ[994]   الفرق بين الفرق (ص/354).

ـ[995]   المدهش (ص/137 – 138).

ـ[996]   صيد الخاطر (ص/256)، فصل: قياس صفات الخالق على صفات المخلوقين كفر.

ـ[997]   سورة النساء: 154 .

ـ[998]   الأدرة وزان غرفة انتفاخ الخصية، يقال: أدر يأدر من باب تعب فهو آدر، والجمع أدر، مثل أحمر وحمر. المصباح المنير (ص/9).

ـ[999]   التبصرة (1/491).

ـ[1000]  دفع شبه من شبه وتمرد (ص/18).

ـ[1001]  التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية (ص/120 – 121).

ـ[1002]  تاريخ الإسلام (27/168).

ـ[1003]  شرح النووي على صحيح مسلم (1/199 – 200).

ـ[1004]  المعيار المعرب (11/231).

(19) ما معنى قوله تعالى فى سورة النور ﴿الله نور السموات والأرض﴾.

      اعلم أن النور يطلق على الله بمعنى الهادى فمعنى قوله تعالى ﴿الله نور السموات والأرض﴾ أن الله تعالى هادى أهل السموات والأرض لنور الإيمان رواه البيهقى فى الأسماء والصفات عن عبد الله بن عباسٍ رضى الله عنهما أى أن الله تعالى أعطى الإيمان لأهل السموات وهم الملائكة ولمن شاء له الإيمان من أهل الأرض من الإنس والجن وقال قتادة ﴿الله نور السموات والأرض﴾ أى منير السموات والأرض ذكره ابن السمعانى فى تفسيره. وحكم من يعتقد أن الله نور بمعنى الضوء التكفير قطعا لأن الضوء مخلوق بدليل قوله تعالى فى سورة الأنعام ﴿الحمد لله الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ أما إذا قال قائل الله نور بمعنى الهادى فلا يعترض عليه لأن الله تعالى سمى نفسه بهذا الاسم قال تعالى فى سورة النور ﴿الله نور السموات والأرض﴾ وورد هذا الاسم فى تعداد أسماء الله الحسنى عند البيهقى وغيره.

(20) ما معنى قوله تعالى فى سورة التحريم ﴿فنفخنا فيه من روحنا﴾.

      اعلم أن الله تعالى هو خالق الروح والجسد فليس روحا ولا جسدا لكنه أضاف روح عيسى إلى نفسه على معنى الملك والتشريف أى التعظيم للدلالة على شرف روح عيسى عند الله فمعنى قوله تعالى ﴿فنفخنا فيه من روحنا﴾ أمرنا جبريل عليه السلام أن ينفخ فى مريم الروح التى هى ملك لنا ومشرفة عندنا لأن الأرواح قسمان أرواح مشرفة لها منزلة عظيمة عند الله كأرواح الأنبياء والأولياء والملائكة وأرواح خبيثة لا يحبها الله وهى أرواح الكفار. أما الذى يظن أن الله روح وأنه قطع قطعة من نفسه فنفخها فى هذا الشخص بواسطة النفس كما ينفخ الإنسان فقد شبه الله بخلقه وكان من الكافرين كمحمد متولى الشعراوى فإنه يقول فى كتابه أسئلة حرجة وأجوبة صريحة وقد جعل الله سبحانه وتعالى نفسا فقال تعالى ﴿ونفخت فيه من روحى﴾ والنفخ معناه إخراج الهواء من حيز الصدر إلى المنفوخ فيه إذا هناك شىء دخل إلى جسد الإنسان بكلمة كن ويقول الله خلقك ونفخ فيك من روحه فأنت فيك جزء من الله. وكلامه هذا كفر لا شك فيه لأن معناه أن الله روح فاقتطع منها قطعة فجعلها فى هذا الإنسان، هذا كأنه قال إن الله ولده. والله تعالى يقول فى ذم الكفار ﴿وجعلوا له من عباده جزءا﴾. كما أن الشعراوى يعتقد أن الله يخلق بلفظ كن الذى هو مركب من حرفين وهذا باطل لأن الله عز وجل يخلق فى اللحظة الواحدة ما لا يدخل تحت الحصر بقدرته الأزلية. فيجب الحذر من كلامه ومن كتبه التى نشر فيها الكفر والضلال.

(21) ما الدليل على أن الإسلام شرط لقبول الأعمال الصالحة.

      قال تعالى فى سورة النساء ﴿ومن يعمل من الصالحات من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا﴾ وجاء فى صحيح البخارى أن رجلا مشركا أراد أن يقاتل مع قومه المسلمين قال يا رسول الله أقاتل أم أسلم فقال له الرسول أسلم، فأسلم فقاتل فقتل فقال الرسول عمل قليلا وأجر كثيرا، أى لأنه نال الشهادة بعد أن هدم الإسلام كل ذنبٍ قدمه فالفضل للإسلام لأنه لو لم يسلم لم ينفعه أى عملٍ يعمله. قال الغزالى رحمه الله لا تصح العبادة إلا بعد معرفة المعبود أى أن من لم يعرف الله بل يشبهه بخلقه بالضوء أو غيره أو اعتقد أنه ساكن فى السماء أو أنه جالس على العرش أو وصفه بصفةٍ من صفات البشر فهذا عبادته تكون لشىءٍ توهمه فى مخيلته فيكون مشركا بالله فلا تصح عبادته كالوهابية. هؤلاء الوهابية عندهم إثبات أصل الجلوس لله ليس تشبيها له بخلقه فيقولون الله جالس لا كجلوسنا فأين عقولهم الجلوس كيفما كان هو من صفات الخلق كيف يقال الله جالس على العرش هذا شتم لله، على زعمهم عظموا الله هذا ليس تعظيما جعلوه كخلقه له نصف أعلى ونصف أسفل خلقه يجلسون البقر والحمار والكلب والخنزير والبشر والجن والملائكة يجلسون، جعلوه كخلقه ما مدحوه. فالذى يصف الله بصفةٍ من صفات البشر فقد شتم الله قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى شتمنى ابن ءادم ولم يكن له ذلك وفسر ذلك بقوله وأما شتمه إياى فقوله اتخذ الله ولدا، رواه البخارى.

(22) لماذا نحذر من أهل الضلال.

      اعلم أن تحذير المسلمين مما يضرهم فى دينهم أو دنياهم فرض مؤكد كتحذير من يمر بطريقٍ فيه قطاع طريقٍ يقتلون المسلمين ويأخذون أموالهم أو التحذير ممن يفتى الناس بخلاف شريعة الله أو يعلم الناس عقيدة تخالف عقيدة رسول الله ﷺ أما من يسكت عن هؤلاء ولم يحذر منهم فعليه ذنب كبير قال رسول الله ﷺ ليس منا من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر، أى ليس على نهجنا الكامل ليس على طريقتنا. والأمر بالمعروف معناه أمر الغير بأداء الواجبات أما النهى عن المنكر فمعناه نهيه عن فعل المحرمات فيحرم السكوت عن الأمر بالمعروف وعن النهى عن المنكر بلا عذرٍ شرعىٍ بأن كان قادرا على ذلك ولم يفعل. وليعلم أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يقرب أجلا ولا يقطع رزقا فينبغى للمؤمن أن ينكر المنكر الكفر وما دون الكفر من المحرمات معتمدا ومتوكلا على الله فالإنسان لا يموت إلا بأجله ولا يأتى الإنسان رزق إلا الذى كتب الله له. والله تعالى أمرنا بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ودعانا إلى إبطال الباطل وإحقاق الحق وعدم السكوت عن كل ما هو مخالف للشريعة لأن السكوت عن الباطل مع الاستطاعة على الإنكار مفسدة قال الله تعالى فى سورة ءال عمران ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ وقال أبو علىٍ الدقاق الساكت عن الحق شيطان أخرس. فيجب علينا أن نحذر ممن يدعو إلى الكفر والفسوق فمن لم يحذر فهو عاصٍ يستحق عذاب الله. الذى لا يزيل المنكر مع القدرة يستحق العذاب لذلك علينا أن نحذر الناس من دعاة الكفر لأن مكافحة الضلال فرض على كل من استطاع إلى أن يحصل القدر الذى هو فرض. وتعليم عقيدة أهل السنة والجماعة التى يعرف بها الكفر من الإيمان جهاد يكافح به كفر المجسمة والمشبهة وغيرهم من الضالين فالذى يتقاعس اليوم عن نشر علم أهل السنة كالفار من الزحف ذنبه كبير. جهاد هؤلاء بالبيان هو من أفرض الفروض فمن تكاسل عن هذا فليعلم أنه استحق عذاب الله. فمن أوكد الواجبات الدفاع عن دين الله بالرد على هؤلاء الضالين والتحذير منهم. والذى يقوم بإنكار المنكر الاعتقادى والعملى فى هذا الزمن أجره كأجر خمسين من الصحابة بالنسبة لإنكار المنكر قال رسول الله ﷺ فإن من ورائكم أيام الصبر للمتمسك فيها بمثل الذى أنتم عليه أجر خمسين قال أبو ثعلبة الخشنى يا رسول الله منا أو منهم قال بل منكم. هذا بالنسبة لثواب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لأن إنكار المنكر فى هذا الزمن أصعب من زمن الصحابة لأنه فى ذلك الزمن كان الأخ يساعد أخاه أما اليوم الأخ يحارب أخاه من أجل إنكار المنكر والعائلة قد تحاربك لأجل إنكار منكرٍ. فلا يجوز السكوت عمن ينتهك حدود الشريعة مع القدرة على الإنكار وخاصة فى هذا الزمن الذى كثر فيه المفسدون كالوهابية وحزب الإخوان وحزب التحرير الذين يحرفون الدين فهؤلاء يجب الحذر والتحذير منهم فقد روى البخارى أن حذيفة رضى الله عنه سأل الرسول ﷺ هل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قال حذيفة بن اليمان يا رسول الله صفهم لنا فقال هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. فهؤلاء أشد ضررا من الكفار المعلنين لأن تأثيرهم سريع فهم يدعون الإسلام ويقرؤون القرءان ويوردون ءاياتٍ منه أما الكافر المعلن الذى لا ينتسب إلى الإسلام إذا تحدث مع المسلمين المسلمون لا يأخذون كلامه فى أمر الدين. وقد جاء فى الحديث إن الإسلام بدأ غريبا (أى محاربا يحاربه الجهال فى الدين) وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء (أى خير عظيم للغرباء) قيل ومن الغرباء يا رسول الله قال الذين يصلحون من سنتى ما أفسد الناس، رواه مسلم والبيهقى. وفى هذا الحديث بشارة لمن يتمسك فى هذا الزمن الذى فسدت فيه الأمة بسنة الرسول أى شريعته وهى العقيدة والأحكام بتعلمها والعمل بها ونشرها بإخلاصٍ وصدقٍ.

(23) ابن تيمية سلف الوهابية وحزب الإخوان ليس من أهل السنة.

      اعلم أن أحمد بن تيمية الذى توفى قبل حوالى سبعمائة عامٍ حبس بفتوى من القضاة من المذاهب الأربعة وحكموا عليه بأنه ضال يجب التحذير منه لأنه خالف أهل السنة فى مسائل كثيرةٍ منها أنه يقول إن الله استوى على عرشه كاستوائى هذا ويعنى استواء جلوسٍ ويقول فى كتابه العرش وفى فتاويه إن الله يجلس على الكرسى وقد أخلى مكانا يقعد معه رسول الله ويدعى أن لا دليل على تنزيه الله عن الجسمية فيقول فى كتابه المسمى التأسيس فى رد أساس التقديس فمن المعلوم أن الكتاب والسنة والإجماع لم ينطق بأن الأجسام كلها محدثة وأن الله ليس بجسمٍ ولا قال ذلك إمام من أئمة المسلمين، وكذب فى ذلك فكيف لا يوجد دليل بزعمه والله تعالى يقول ﴿ليس كمثله شىء﴾ ويقول الإمام أبو الحسن الأشعرى فى كتابه النوادر من اعتقد أن الله جسم فهو غير عارفٍ بربه وإنه كافر به ويقول الإمام الشافعى المجسم كافر، رواه الحافظ السيوطى فى الأشباه والنظائر ويقول الإمام أحمد بن حنبلٍ من قال الله جسم لا كالأجسام كفر، رواه الحافظ بدر الدين الزركشى فى كتابه تشنيف المسامع ويقول الشيخ عبد الغنى النابلسى فى الفتح الربانى من اعتقد أن الله ملأ السموات والأرض أو أنه جسم قاعد فوق العرش فهو كافر وإن زعم أنه مسلم وقال النسفى فى تفسيره ومن الإلحاد (أى الكفر) تسمية الله بالجسم والجوهر والعقل والعلة. ويقول ابن تيمية فى كتابه المسمى موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله فى السماء وحدوه بذلك، وهذا كذب على المسلمين لأن الله تعالى لا يجوز عليه أن يكون محدودا أى ذا حجمٍ فإذا هو منزه عن أن يكون ساكنا فى السماء أو جالسا على العرش. كما أن ابن تيمية ينسب إلى الله الحركة والانتقال والنزول الحسى والعياذ بالله فيقول فى كتابه الموافقة ما نصه لأن الحى القيوم يفعل ما يشاء ويتحرك إذا شاء ويهبط ويرتفع إذا شاء ويقوم ويجلس إذا شاء لأن أمارة ما بين الحى والميت التحرك ويقول فى كتابه شرح حديث النزول الله على العرش وينزل إلى السماء ولا يخلو منه العرش وقد صرح فى بعض كتبه بأن الله تعالى بقدر العرش لا أكبر منه ولا أصغر. عجبا كيف يعتقد ابن تيمية أن الله جسم مستقر فوق العرش بقدر العرش وأنه ينزل بذاته كل ليلةٍ إلى السماء الأولى وقد ثبت فى الحديث أن السموات السبع بالنسبة للعرش كحلقةٍ فى أرضٍ فلاةٍ أى كحبةٍ صغيرةٍ بالنسبة إلى صحراء كبيرةٍ فعلى مقتضى كلامه أن الله يتصاغر حتى تسعه السماء الأولى والعياذ بالله. كما أنه جعل جنس العالم أى نوعه أزليا مع الله فيقول فى كتابه الموافقة فإن الأزلى اللازم هو نوع الحادث لا عين الحادث، أى يقول بحوادث لا أول لها وفى هذا تكذيب للقرءان والحديث وإجماع الأمة والقول بأزلية العالم نفى لخالقية الله وهو كفر بالإجماع نقل الإجماع بدر الدين الزركشى فى تشنيف المسامع. ويقول ابن تيمية فى كتابه المسمى موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول لم يزل متكلما بحروفٍ متعاقبةٍ، ويقول فى رسالته المسماة مذهب السلف القويم فى تحقيق مسألة كلام الله الكريم فلا تكون الحروف التى هى معانى أسماء الله الحسنى وكتبه المنزلة مخلوقة لأن الله تكلم بها ويقول فى فتاويه هو سبحانه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء، ويقول فى كتابه مجموع الفتاوى الملائكة أعوان الله وهذا كفر لأن الله منزه عن الأعوان ويقول إن نار جهنم تفنى لا يبقى فيها أحد كما نقل ذلك تلميذه ابن قيم الجوزية فى كتابه حادى الأرواح مؤيدا له ويقول ابن تيمية فى الفتاوى الكبرى إن السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أمر بها رسول الله وكذب فى ذلك كما أنه يحرم التوسل والاستغاثة بهم كما فى كتابه المسمى قاعدة جليلة فى التوسل والوسيلة ويقول إن نبينا عليه السلام ليس له جاه ولا يتوسل به أحد إلا ويكون مخطئا فاحذروه وحذروا الناس منه ولا يجوز تسميته شيخ الإسلام أو الترحم عليه.

(24) ما هى عقيدة الوهابية.

      اعلم أن الوهابية هم أتباع محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة ألفٍ ومائتين وستٍ للهجرة وهم مشبهة مجسمة يشبهون الله بالبشر والبهائم ويشتمونه بقولهم الله جالس على العرش أو الكرسى كما فى كتابهم فتح المجيد لعبد الرحمٰن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ويقولون بأن نفى الجسمية والجوارح والأعضاء عن الله من الكلام المذموم كما فى كتابهم المسمى تنبيهاتٍ فى الرد على من تأول الصفات لابن بازٍ ويقولون الله مستقر على العرش كما فى كتابهم المسمى نظراتٍ وتعقيباتٍ على ما فى كتاب السلفية لصالح الفوزان ويقول زعيمهم ابن العثيمين فى تفسيره ءاية الكرسى الكرسى موضع قدمى الله والعياذ بالله ويقول فى كتابه المسمى اللقاء الشهرى لا يجوز أن نثبت لله لسانا ولا أن ننفيه عنه لأنه لا علم لنا بذلك ويقول فى كتابه المسمى فتاوى العقيدة الله يتحرك أى ينتقل من أعلى إلى أسفل ومن أسفل إلى أعلى. ويقولون تبعا لابن تيمية العالم أزلى بنوعه كما فى شرح الطحاوية لابن أبى العز الذى أثنى عليه ابن بازٍ وهذا قول منهم بأن الله ما خلق جنس العالم وينكرون نبوة ءادم عليه السلام كما فى كتابهم المسمى الإيمان بالأنبياء جملة لعبد الله بن زيدٍ ويقولون إن النار تفنى لا يبقى فيها أحد كما فى كتابهم المسمى القول المختار لفناء النار لعبد الكريم الحميد كما أن الوهابية يحرمون التوسل بالأنبياء والأولياء بل يجعلون ذلك شركا يوجب الخلود فى نار جهنم كما فى كتابهم المسمى عقيدة المؤمن لأبى بكرٍ الجزائرى وكذا يحرمون التبرك بآثار الأنبياء والأولياء ويزعمون أن الاستغاثة بالأنبياء شرك كما فى كتابهم المسمى العقيدة الصحيحة وما يضادها لابن بازٍ ويحرمون على المسلمين الاحتفال بمولد النبى ﷺ مدعين أن هذا فيه تشبه باليهود كما فى كتابهم المسمى التحذير من البدع لابن بازٍ مع أن الوهابية يحتفلون بمولد شيخهم محمد بن عبد الوهاب أسبوعا كاملا ويجعلون زيارة قبر النبى ﷺ للتبرك زيارة شركية ويعتبرون الصلاة على النبى جهرا بعد الأذان بدعة يجب منعها كما فى تعليق ابن بازٍ على كتاب فتح البارى ويحرمون قراءة القرءان على قبر المسلم كما فى كتابهم المسمى توجيهاتٍ إسلامية ويحرمون تعليق ءاياتٍ من القرءان على الصدر كما فى كتابهم المسمى فتاوى مهمة لابن بازٍ ويصفون أهل السنة والجماعة بالمعطلة أى المنكرين لصفات الله كما فى كتابهم المسمى القواعد المثلى لابن العثيمين لأن أهل السنة تأولوا الآيات المتشابهة ولم يحملوها على الظاهر عملا بقوله تعالى ﴿ليس كمثله شىء﴾. وهذه الآية أصرح ءايةٍ فى تنزيه الله عن مشابة الخلق فيجب الحذر والتحذير من الوهابية وعقيدتهم فإن أكبر ضررٍ على المسلمين يأتى من ناحيةٍ باسم الدين من الوهابية وحزب الإخوان كفى الله المسلمين شرهم.

(25) كيف يرد على المشبهة الوهابية القائلين بأن تأويل الآيات والأحاديث المتشابهة تعطيل.

      اعلم أنه ورد فى القرءان أن سيدنا عيسى عليه السلام قال ﴿تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك إنك أنت علام الغيوب﴾ وهذه الجملة فيها استعمال اللفظ الواحد لمعنيين مختلفين لأن النفس يطلق ويراد به الغيب كما فى هذه الآية ﴿ولا أعلم ما فى نفسك﴾ أى ما فى غيبك أى ما أخفيته عن عبادك فلا يعلم كل الخفيات أحد إلا الله أما الوهابية المشبهة الذين لا يقبلون بهذا التأويل بل يحملون الآية على ظاهرها يكونون بهذا جوزوا على الله الموت لأن الله تعالى يقول ﴿كل نفسٍ ذائقة الموت﴾. وكذلك يعتقدون أن الله له عين حقيقية لأنهم لا يؤولون الآيات المتشابهة بل يحملونها على ظاهرها فماذا يقولون فى قول الله تعالى ﴿تجرى بأعيننا﴾. هؤلاء جعلوا تلك السفينة بما فيها من بشرٍ وبهائم وبقرٍ وحميرٍ فى ذات الله، حاشى لله ﴿تجرى بأعيننا﴾ أى بحفظنا لها وليس كما قالوا عين حقيقية. كان فى القرون الماضية رجل من رؤوس المشبهة القدماء يقال له بيان بن سمعان وكان يعتقد أن لله وجها بمعنى الجزء المركب على البدن وأن الله يفنى يوم القيامة ولا يبقى منه إلا وجهه. والوهابية كذلك يعتقدون أن الله جسم له وجه بمعنى الجزء المركب على البدن وإن لم يقولوا يفنى لكنهم يمنعون التأويل ويحملون الآيات المتشابهة على ظاهرها فماذا يقولون فى قوله تعالى فى سورة القصص ﴿كل شىءٍ هالك إلا وجهه﴾ فهل يقولون إن كل ما سوى الله وهو العالم يفنى ولا يبقى منه شىء وإن الله يفنى ولا يبقى منه إلا الوجه والعياذ بالله. هذا ابن بازٍ أحد زعماء الوهابية وكان أعمى قال له شخص أنتم تمنعون التأويل وتقولون إن التأويل للآيات والأحاديث المتشابهة تعطيل أى إنكار لها فلا يجوز، فما تقول فى قول الله تعالى ﴿ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى وأضل سبيلا﴾ فقال ابن بازٍ إلا هذه الآية فإنها تؤول أى لا تحمل على ظاهرها، وهذا يدل على سخافة العقيدة الوهابية.

(26) ما هو الدليل من الحديث على جواز التأويل.

      قال رسول الله ﷺ لابن عباسٍ اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب، رواه ابن ماجه وغيره بألفاظٍ متعددةٍ وأوله عند البخارى فلو كان التأويل غير جائزٍ لما دعا النبى ﷺ لابن عمه عبد الله بن عباسٍ أن يعلمه الله تأويل القرءان والحديث. قال الحافظ عبد الرحمٰن بن الجوزى الحنبلى فى كتابه المجالس ولا شك أن الله استجاب دعاء الرسول هذا، وشدد النكير والتشنيع أى أنكر على من يمنع التأويل إنكارا شديدا ووسع القول فى ذلك فليطالعه من أراد زيادة التأكد.

(27) ما هو دليل أهل السنة فى الرد على الوهابية الذين يصفون الله بالجسم والأعضاء.

      قال الله تعالى فى سورة الإخلاص ﴿قل هو الله أحد﴾ ومعنى الأحد الذى لا يقبل الانقسام أى ليس جسما والجسم ما له حجم إن كان كبيرا أو صغيرا وقال الإمام على رضى الله عنه سيرجع قوم من هذه الأمة عند اقتراب الساعة كفارا ينكرون خالقهم فيصفونه بالجسم والأعضاء رواه ابن المعلم القرشى فى كتابه نجم المهتدى ورجم المعتدى. أما الوهابية المشبهة فإنهم جعلوا الله جسما له أعضاء فنسبوا إليه القدم والرجل على معنى الجارحة والعضو وقالوا إن الله له قدم بمعنى العضو ويضعها فى جهنم فلا تحترق كما أن ملائكة العذاب فى النار لا يتأذون بها وقال ابن العثيمين فى تفسيره لآية الكرسى ما نصه والكرسى هو موضع قدمى الله عز وجل. وليعلم أن القدم فى لغة العرب يقال لما يقدم إلى الشىء وأما الرجل فتأتى بمعنى الفوج فيقال فى اللغة رجل من جرادٍ أى فوج من جرادٍ فالقدم الوارد فى حديث البخارى لا تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول قطٍ قط معناه الجماعة الذين يقدمهم الله للنار فتمتلئ بهم، ومعنى قطٍ قط اكتفيت اكتفيت. وكذلك ورد فى البخارى أن النار لا تمتلئ حتى يضع الله فيها رجله فتقول قطٍ قط فالمراد بالرجل هنا الفوج الذى يملأ الله بهم النار. ولا يجوز جعل القدم والرجل من باب الصفات بل الإضافة فيهما إضافة ملكٍ. فمن جعل لله قدما ورجلا بمعنى الجزء فقد جعل الله مثل خلقه وكذب قول الله تعالى عن الأصنام ﴿لو كان هؤلاء ءالهة ما وردوها﴾ فهذه الأصنام ترمى يوم القيامة فى جهنم إهانة للكفار الذين كانوا يعبدونها. فقد أفهمنا الله أن كل شىءٍ يرد النار فهو مخلوق ليس بإلهٍ. ولا يجوز إطلاق الفم أو الأذن على الله لأنها من قبيل الأجسام ويستحيل أن يكون الله جسما إذ لو كان جسما لجاز عليه ما يجوز على الأجسام كالفناء والتغير ولصحت الألوهية للشمس والقمر وغير ذلك من الأجسام.

(28) اذكر قول الإمام أحمد بن حنبلٍ فى تنزيه الله عن الجسم.

      قال الإمام أبو الفضل البغدادى التميمى فى كتابه اعتقاد الإمام أحمد وأنكر أحمد على من يقول بالجسم (أى فى حق الله) وقال إن الأسماء (أى أسماء الأشياء) مأخوذة من الشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم (أى أطلقوا لفظ الجسم) على ذى طولٍ وعرضٍ وسمكٍ وتركيبٍ وصورةٍ وتأليفٍ والله تعالى خارج عن ذلك كله (أى منزه عنه) فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجئ فى الشريعة ذلك (أى لم يجئ فى الشريعة إطلاق الجسم على الله) فبطل (أى تسميته بالجسم).

(29) كيف يرد على الوهابية الذين ينسبون إلى الله القعود على العرش.

      قول الوهابية الله قاعد على العرش شتم لله لأن القعود صفة من صفات البشر والبهائم والجن والملائكة ولا يكون إلا ممن له جزء أعلى وجزء أسفل ومقعدة يلامس بها ما يقعد عليه وكل صفةٍ من صفات المخلوق إذا وصف الله بها فهو شتم له. قال الحافظ الفقيه محمد مرتضى الزبيدى فى شرح إحياء علوم الدين من جعل الله تعالى مقدرا بمقدارٍ كفر، أى لأنه جعله ذا كميةٍ وحجمٍ والحجم والكمية من موجبات الحدوث أى يدلان على أن المتصف بهما حادث أى مخلوق، وهل عرفنا أن الشمس حادثة مخلوقة من جهة العقل إلا لأن لها حجما فلو كان لله تعالى حجم لكان مثلا للشمس فى الحجمية ولو كان كذلك ما كان يستحق الألوهية كما أن الشمس لا تستحق الألوهية.

(30) اذكر كيف يكسر عابد الشمس المشبهة الوهابية الذى يجعلون لله مكانا.

      لو طالب عابد الشمس المشبهة الوهابية بدليلٍ عقلىٍ على استحقاق الله الألوهية وعدم استحقاق الشمس الألوهية لم يكن عندهم دليل وغاية ما يستطيعون أن يقولوا قال الله تعالى ﴿الله خالق كل شىءٍ﴾ فإن قالوا ذلك لعابد الشمس يقول لهم عابد الشمس أنا لا أؤمن بكتابكم أعطونى دليلا عقليا على أن الشمس لا تستحق الألوهية فإن قال المشبه الوهابى معبودى جسم وله شكل وينزل ويصعد أجابه عابد الشمس ومعبودى كذلك غير أن معبودى جسم منير يراه ويحس بنفعه كل أحدٍ وأما معبودكم الذى تزعمون أنه جسم مستقر فوق العرش فلا أنا رأيته ولا أنتم رأيتموه ولا يحس أحد بنفعه فكيف تكون عبادتكم صحيحة وعبادتى باطلة فهنا ينقطعون ويعجزون عن إقامة الحجة على عابد الشمس.

(31) ماذا قال العلماء فى إطلاق الوجه واليد والعين والرضا والغضب فى القرءان على الله تعالى.

      قال العلماء نؤمن بإثبات ما ورد فى القرءان والحديث الصحيح كالوجه واليد والعين والرضا والغضب على أنها صفات يعلمها الله أى يعلم حقيقتها لا على أنها جوارح أى أعضاء وانفعالات كأيدينا ووجوهنا وعيوننا وغضبنا فيصح أن يقال لله يد لا كأيدينا ووجه لا كوجوهنا وعين لا كأعيننا على معنى الصفة كما فى قوله تعالى فى سورة الذاريات ﴿والسماء بنيناها بأيدٍ﴾ أى بقوةٍ وقوله تعالى فى سورة القصص ﴿كل شىءٍ هالك إلا وجهه﴾ أى إلا ملكه وقوله تعالى فى سورة القمر عن سفينة نوحٍ ﴿تجرى بأعيننا﴾ أى بحفظنا لها وقوله تعالى فى سورة الفتح ﴿وغضب الله عليهم ولعنهم﴾ فإن الغضب إذا وصف الله به فمعناه إرادة الانتقام وليس انفعالا أو تغيرا يحدث فى النفس فإن الجوارح والانفعالات مستحيلة على الله لقوله تعالى ﴿ليس كمثله شىء﴾. والرضا إذا وصف الله به فمعناه إرادة الرحمة ورحمة الله لعباده إسباغ النعم عليهم وليست رقة القلب. ومحبة الله معناها الإكرام وليست انفعالا أو تغيرا فإذا قيل الله يحب أولياءه معناه يكرمهم وكذلك إذا قيل الله يحب المساجد فقد ورد فى الحديث أن المساجد تزف إلى الجنة كما تزف العروس. فالكعبة تنقل إلى الجنة وكذلك المسجد الحرام ومسجد الرسول عليه السلام وكل المساجد التى بنيت من مالٍ حلالٍ.

(32) ما معنى قوله تعالى فى سورة طه ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾.

      فسره بعض العلماء بالقهر لكن لا يقطع بأن مراد الله بالاستواء على العرش القهر إنما يظن ظنا راجحا وقد ورد عنه ﷺ اعملوا بمحكمه وءامنوا بمتشابهه، رواه ابن حبان فى صحيحه. وءامنوا بمتشابهه أى من غير أن تتوهموا أن معانيه من صفات الأجسام فقد نقل البيهقى فى كتاب المعتقد بإسناده عن الأوزاعى ومالكٍ وسفيان والليث بن سعدٍ أنهم سئلوا عن الآيات المتشابهة فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيفيةٍ، أى ءامنوا بها ولا تفسروها تفسيرا فاسدا بنسبة الكيفية أى صفات المخلوقين إلى الله. فمعنى ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ قهر وحفظ وأبقى ولا يجوز تفسيره بالجلوس أو الاستقرار ونحو ذلك من صفات الخلق أما من يعتقد أن الله جالس على العرش أو أنه مستقر عليه أو محاذٍ له بوجود فراغٍ بينه وبين العرش فهو كافر لأنه لم يعرف الله. فتحمل الآية على القهر أو يقال استوى استواء يليق به أو استوى بلا كيفٍ. والكيف المنفى عن الله هو الجلوس والاستقرار والمحاذاة أى كون الشىءٍ فى مقابل شىءٍ والتحيز فى المكان وكل الهيئات من حركةٍ وسكونٍ وانتقالٍ. ومعنى قهر الله للعرش الذى هو أعظم المخلوقات أن العرش تحت تصرف الله هو أوجده وحفظه وأبقاه، حفظه من الهوى والسقوط ولولا حفظ الله له لهوى وتحطم. وليعلم أن الاستواء فى لغة العرب له خمسة عشر معنى منها ما لا يليق بالله كالجلوس والاستقرار ومنها ما يليق بالله كالقهر لقوله تعالى فى سورة الأنعام ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾.

(33) ما معنى قوله تعالى فى سورة الفجر ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾.

      معنى قوله تعالى ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ جاءت قدرته أى ءاثار القدرة من الأمور العظام التى تظهر يوم القيامة كجر الملائكة لجزءٍ كبيرٍ من جهنم إلى الموقف حتى يراه الكفار فيفزعوا وشهادة الأيدى والأرجل بما كسبه الكفار مع الختم على أفواههم وليس معناه مجىء الحركة والانتقال وإفراغ مكانٍ وملء ءاخر بالنسبة إلى الله ومن اعتقد ذلك يكفر فالله تعالى خلق الحركة والسكون وكل ما كان من صفات الحوادث أى المخلوقات فلا يوصف الله تعالى بالحركة ولا بالسكون فالحركة هى انتقال الحجم من مكانٍ إلى مكانٍ والسكون هو ثبوت الحجم فى مكانٍ وقد ثبت عن الإمام أحمد أنه قال فى قوله تعالى ﴿وجاء ربك﴾ إنما جاءت قدرته رواه البيهقى فى مناقب أحمد بالإسناد الصحيح. وأما مجىء الملائكة فهو المجىء المحسوس الذى هو حركة وانتقال.

(34) ما الدليل على أن من البدع ما هو حسن.

      قال الله تعالى فى سورة الحديد ﴿وجعلنا فى قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله﴾ ففى هذه الآية مدح الله المؤمنين من أمة عيسى لأنهم كانوا أهل رحمةٍ ورأفةٍ ولأنهم ابتدعوا الرهبانية وهى الانقطاع عن الشهوات المباحة زيادة على تجنب المحرمات حتى إنهم انقطعوا عن الزواج وتركوا اللذائذ من المطعومات والثياب الفاخرة وأقبلوا على الآخرة إقبالا تاما. فقوله تعالى ﴿ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله﴾ فيه مدح لهم على ما ابتدعوا. وقال رسول الله ﷺ من سن فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شىء، رواه مسلم. وروى البخارى أن عثمان بن عفان أحدث أذانا ثانيا يوم الجمعة ولم يكن هذا الأذان الثانى فى أيام رسول الله ﷺ وكذلك أحدث الصحابى الجليل خبيب بن عدىٍ صلاة ركعتين عند القتل فقد روى البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال فكان خبيب أول من سن الركعتين عند القتل. وروى البخارى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه جمع الناس على صلاة التراويح فى رمضان وكانوا فى أيام رسول الله يصلونها فرادى وقال عمر عن ذلك نعمت البدعة هذه. ومن البدع الحسنة تنقيط التابعى الجليل يحيى بن يعمر المصحف وكان من أهل العلم والتقوى توفى سنة مائةٍ وتسعٍ وعشرين وأقر ذلك العلماء واستحسنوه ولم يكن المصحف منقطا عندما أملى الرسول على كتبة الوحى بل كانوا يكتبون الباء والتاء ونحوهما بلا نقطٍ قال أبو بكر بن أبى داود صاحب السنن فى كتابه المسمى كتاب المصاحف أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر وهو من علماء التابعين. وكذلك عمر بن عبد العزيز الإمام التقى العادل رضى الله عنه عمل المحاريب المجوفة التى تدل على اتجاه القبلة للمساجد بعد نحو تسعين سنة من وفاة الرسول ﷺ وكل هذا لم يكن فى زمان رسول الله ﷺ. أما حديث وكل بدعةٍ ضلالة فقد قال الحافظ النووى فى شرح صحيح مسلمٍ إنه عام مخصوص والمراد به غالب البدع اهـ. فهو كقوله تعالى عن الريح ﴿تدمر كل شىءٍ بأمر ربها﴾ ولم تدمر هذه الريح السموات والأرض إنما دمرت كل شىءٍ مرت عليه من رجال عادٍ الكافرين وأموالهم، ونظير ذلك قوله ﷺ وكل عينٍ زانية. وليس المراد بهذا الحديث أن جميع الناس بلا استثناءٍ حتى الأنبياء والأعمى يقع فى معصية زنى العين وهو النظر المحرم بل المراد أن أغلب الناس يقعون فى هذه المعصية.

(35) ما معنى التبرك وما الدليل على جواز التبرك بآثار الأنبياء.

      التبرك هو طلب زيادة الخير من الله. والتبرك بآثار الأنبياء أمر جائز شرعا وجواز هذا الأمر يعرف من فعل الأنبياء فقد أخبر الله تعالى فى القرءان الكريم أن نبى الله يوسف عليه السلام قال ﴿اذهبوا بقميصى هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا﴾ إلى قوله ﴿فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا﴾ فقد حصل الشفاء لسيدنا يعقوب عليه السلام بإلقاء قميص ابنه يوسف على وجهه. فيعلم من ذلك أن التبرك بآثار الأنبياء أمر جائز شرعا وليس كفرا ولا شركا كما تدعى الوهابية الذين يسمون أنفسهم سلفية ليوهموا الناس أنهم على مذهب السلف ولا يجوز تسميتهم بهذا الاسم لأنهم شاذون عن الأمة. فهؤلاء كفروا سيدنا يوسف عليه السلام لأنه أرسل قميصه إلى أبيه يعقوب ليتبرك به وكفروا سيدنا يعقوب عليه السلام لأنه تبرك بقميص ابنه يوسف فحصلت له البركة والشفاء كما أخبر الله تعالى فى القرءان كما أنهم كفروا سيدنا محمدا ﷺ لأنه قسم شعره حين حلق فى حجة الوداع بين أصحابه ليتبركوا به كما روى ذلك البخارى ومسلم وكان الصحابة رضوان الله عليهم يتبركون بشعره المبارك فى حياته وبعد مماته ولا زال المسلمون إلى يومنا هذا على ذلك.

(36) ما معنى التوسل وما الدليل على جواز التوسل برسول الله فى حياته وبعد مماته.

      التوسل هو طلب حصول منفعةٍ أو اندفاع مضرةٍ من الله بذكر اسم نبىٍ أو ولىٍ إكراما للمتوسل به. والتوسل ليس عبادة لغير الله كما تدعى الوهابية لأن العبادة هى أقصى غاية الخشوع والخضوع كما قال الإمام تقى الدين السبكى فى فتاويه وقال بعضهم نهاية التذلل كما يفهم ذلك من كلام الراغب الأصبهانى فى مفرداته ونقله عنه مرتضى الزبيدى فى تاج العروس. وأما الدليل على جواز التوسل برسول الله فى حياته وبعد مماته فهو ما رواه الحافظ الطبرانى فى المعجم الصغير أن الرسول ﷺ علم الأعمى أن يتوسل به فذهب وتوسل به فى غير حضرته وعاد إلى مجلس الرسول وقد أبصر، وكان مما علمه رسول الله أن يقول اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمدٍ نبى الرحمة يا محمد إنى أتوجه بك إلى ربى فى حاجتى (ويسمى حاجته) لتقضى لى. وبهذا الحديث بطل زعم الوهابية أنه لا يجوز التوسل إلا بالحى الحاضر لأن الأعمى لم يكن حاضرا فى مجلس الرسول حين توسل به بدليل أن راوى الحديث عثمان بن حنيفٍ قال لما روى حديث الأعمى فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا المجلس حتى دخل علينا الرجل وقد أبصر. فقوله حتى دخل علينا الرجل يدل على أن الأعمى لم يكن حاضرا فى مجلس الرسول حين توسل به بقوله يا محمد. ومما يدل على أن الأعمى توسل بالرسول فى غير حضرته أنه ثبت النهى عن نداء الرسول باسمه فى وجهه لقوله تعالى ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾. وأما الدليل على جواز التوسل برسول الله بعد وفاته أن عثمان بن حنيفٍ علم رجلا هذا الدعاء الذى فيه توسل برسول الله لأنه كان له حاجة عند سيدنا عثمان بن عفان فى خلافته وما كان يتيسر له الاجتماع به حتى قرأ هذا الدعاء فتيسر أمره بسرعةٍ وقضى له سيدنا عثمان حاجته. قال الطبرانى والحديث صحيح. أما قول الألبانى إن مراد الطبرانى بقوله والحديث صحيح هو ما فعله الأعمى فى حياة رسول الله وليس ما فعله الرجل بعد وفاة الرسول أيام عثمان بن عفان فمردود لأن علماء مصطلح الحديث قالوا الحديث يطلق على المرفوع إلى النبى وعلى الموقوف على الصحابى أى أن كلام الرسول يسمى حديثا وقول الصحابى يسمى حديثا نص على ذلك غير واحدٍ من علماء الحديث منهم الحافظ ابن حجرٍ العسقلانى كما نقل عنه السيوطى فى تدريب الراوى وابن الصلاح فى مقدمته فى علوم الحديث وكذلك الإمام أحمد. وأخيرا نذكر ما قاله ابن تيمية شيخ المجسمة فى هذه المسئلة وليس لأنه من أهل السنة الذين يرجع إليهم فى معرفة أمور الدين بل ليكون كلامه حجة فى هذه المسئلة على الفرقة الوهابية أدعياء السلفية الذين يشنعون على المسلمين المتوسلين بالأنبياء والأولياء قال ابن تيمية فى كتابه الكلم الطيب فى الصحيفة الثالثة والسبعين ما نصه فصل فى الرجل إذا خدرت رجله عن الهيثم بن حنش قال كنا عند عبد الله بن عمر رضى الله عنهما فخدرت رجله فقال له رجل اذكر أحب الناس إليك فقال يا محمد فكأنما نشط من عقال. وكتابه الكلم الطيب ثابت أنه من تأليفه ذكر ذلك صلاح الدين الصفدى وكان معاصرا لابن تيمية ويتردد عليه وأثبت ذلك الألبانى فى مقدمة النسخة التى طبعها الوهابى تلميذ الألبانى زهير الشاويش، فإن قالوا ابن تيمية رواه من طريق راوٍ مختلفٍ فيه يقال لهم مجرد إيراده له فى هذا الكتاب دليل على أنه استحسنه لأن الذى يورد الباطل فى كتابه ولا يحذر منه فهو داعٍ إليه وتسميته للكتاب بالكلم الطيب أى الكلام الطيب دليل على أنه استحسن كل ما فيه. فهم وقعوا فى حيرةٍ لأن ابن تيمية أجاز قول يا محمد عند الضيق واستحسنه وهذا فيه استحباب الكفر والشرك عندهم وقائل هذا إمامهم الذى أخذوا منه أكثر عقائدهم، فماذا يقولون كفر لهذا أم لم يكفر، فإن قالوا كفر وهم يسمونه شيخ الإسلام فهذا تناقض يكفرونه ويسمونه شيخ الإسلام. إن قالوا نحن على صوابٍ وابن تيمية استحل الشرك والكفر، قلنا قد كفرتم شيخكم وتكونون اعترفتم بأنكم متبعون لرجلٍ كافرٍ تحتجون بكلامه فى كثيرٍ من عقائدكم فلماذا لا تتبرءون منه. وإن قالوا لم يكفر نقضوا عقيدتهم أى قالوا بخلاف عقيدتهم.

(37) ما حكم الاحتفال بمولد النبى ﷺ.

      اعلم أن الاحتفال بمولده ﷺ لم يكن فى عهد النبى إنما حدث فى القرن السابع الهجرى وهو بدعة حسنة وأول من أحدثه الملك المظفر ملك إربل أبو سعيدٍ كوكبرى وكان عالما تقيا فاستحسن ذلك العلماء فى مشارق الأرض ومغاربها منهم الحافظ ابن حجرٍ العسقلانى وتلميذه الحافظ السخاوى وكذلك الحافظ السيوطى وله رسالة سماها حسن المقصد فى عمل المولد قال وأصل عمل المولد الذى هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرءان ورواية الأخبار الواردة فى مبدإ أمر النبى وما وقع فى مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلونه هو من البدع الحسنة التى يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبى وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف ﷺ. وهذا ما عليه علماء الإسلام بخلاف الوهابية الذين يحرمون على المسلمين الاحتفال بمولده الشريف ﷺ. والدليل على مشروعية عمل المولد قوله تعالى ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ وقوله ﷺ من سن فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شىء.

(38) كيف نرد على شبهات الوهابية فى تحريمهم الاحتفال بمولد خير البرية ﷺ.

      اعلم أن علم الدين لا يؤخذ إلا من أهل المعرفة الثقات والوهابية ليس فيهم ثقة ولا عدل بل هم مشبهة مجسمة يشبهون الله بخلقه ويعتقدون أن الله جسم قاعد فوق العرش ويكفرون المسلمين المنزهين لله عن الحجم والشكل والمكان والجهة وعن كل صفات المخلوقين. واعلم أن الوهابية الذين يحرمون الاحتفال بمولد النبى ﷺ ويعتبرونه بدعة محرمة ابتدعوا دينا جديدا وعقيدة تخالف عقيدة الأنبياء وجميع المسلمين وهى عقيدة التشبيه والتجسيم فإنهم جعلوا الله جسما له أعضاء كاليد والعين والوجه كما فى كتاب فتاوى العقيدة لابن العثيمين. كما أنهم يحرمون الصلاة على النبى جهرا بعد الأذان بصوت المؤذن وقراءة القرءان على الأموات المسلمين والذكر الجماعى محتجين بقوله تعالى فى سورة المائدة ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى﴾. وهذه الآية نزلت فى حجة الوداع فى عرفات وعاش الرسول بعدها نحو ثلاثة أشهرٍ والوحى ينزل عليه أما ءاخر ءايةٍ نزلت فهى ءاية فى سورة البقرة ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفسٍ ما كسبت وهم لا يظلمون﴾ نزلت قبل وفاته ﷺ بنحو ثمانية أيامٍ. ومعنى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ أن قواعد الدين تمت واكتملت أى أكملت لكم ما تحتاجون إليه القواعد ومعظم ما تحتاجونه من تعلم الحلال والحرام وقوانين القياس والتوفيق بين الأمور بما يوافق شريعة الإسلام بحيث يستطيع مجتهدو الأمة من العلماء أن يقيسوا الأحكام المستجدة عليها ومن هذه القوانين حديث رسول الله ﷺ من سن فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شىء ومن سن فى الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شىء وحديث من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد أى من أحدث فى دين الإسلام رأيا لا يوافق ما جاء فى كتاب الله أو السنة النبوية فهو مردود على فاعله لبطلانه كما قال المناوى فى شرح الجامع الصغير ويسمى فعله بدعة سيئة وهذا الذى ذمه النبى ﷺ بقوله إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة كما ذكر الحافظ النووى والإمام الخطابى ففهم من هاتين القاعدتين أنه لا يجوز للمسلمين استحداث أمرٍ مخالفٍ لقواعد الشرع. وليس معنى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ أن الوحى انقطع ولم تنزل أحكام جديدة بعد نزول هذه الآية بل نزلت أحكام عديدة وءايات كثيرة بعد نزول هذه الآية كآية الكلالة فى المواريث وءايات تحريم الربا وهذا مما قاله علماء التفسير كالقرطبى والطبرى وكذلك الحافظ عبد الرحمٰن أبو الفرج بن الجوزى. فإن حرمتم ما أحدثه علماء الإسلام من البدع الحسنة بعد وفاة النبى ﷺ محتجين بآية ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ فقد ألغيتم تحريم الربا لأن ءايات تحريم الربا من ءاخر ما نزل من القرءان ونزلت بعد هذه الآية كما قال سيدنا عمر رضى الله عنه. كما أن الوهابية يموهون على الناس بقولهم لو كان المولد خيرا لفعله الرسول والصحابة ويحتجون بحديث وكل بدعةٍ ضلالة فى تحريمهم للمولد. فإن كان الأمر كما يزعمون فقد نسبوا الجهل إلى الرسول ﷺ واتهموه بأنه مدح الضلالة وقال إن فى الضلالة أجرا لأن الرسول ﷺ قال من سن فى الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده لا ينقص من أجورهم شىء ومن سن فى الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها بعده لا ينقص من أوزارهم شىء، رواه مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلى. بين الرسول ﷺ فى هذا الحديث أن من البدع ما هو حسن وأذن للعلماء من أمته أن يحدثوا بعده أمورا لا تخالف كتابا أو سنة أو إجماعا بدليل حديث مسلمٍ عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت قال رسول الله ﷺ من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، أى مردود وفى ذلك إشعار بأن من أحدث ما هو منه أى ما هو موافق له فليس مردودا وإلا فما فائدة تقييده بقول ما ليس منه. فإن قلتم كما قال شيخكم ابن بازٍ إن معنى من سن فى الإسلام سنة حسنة أحياها فقد خالفتم كلام علماء اللغة وشراح السنة النبوية وكلامكم مردود بحديث من أحيا سنتى عند فساد أمتى له أجر شهيد بدليل أن الرسول ﷺ لم يقل من سن سنتى عند فساد أمتى. ومعنى من أحيا سنتى نشرها ودعا الناس للتمسك بها أما سن فمعناه ابتدع وأحدث. ثم كيف تحرمون عمل المولد بدعوى أن الرسول ما فعله ولا الصحابة وأنتم تطبعون المصاحف المنقطة وتقرؤون بها. وأول من نقط المصحف التابعى الجليل يحيى بن يعمر كما قال أبو بكر بن أبى داود صاحب السنن فى كتابه المصاحف وأول من وضع له الشدات الحسن البصرى. فالتنقيط فى المصحف لم يفعله الرسول ولا أمر به ولا فعله الصحابة وكذا التعشير أى وضع علامةٍ بعد كل عشر ءاياتٍ وجعل القرءان أجزاءا ثلاثين والتحزيب أى جعل القرءان أحزابا ستين وعلامات السجدة وترقيم الآيات ووضع أسماء السور ومكية أو مدنية ووضع البسملة فى بداية السور، ثم أليس أنتم تقرؤون بمصاحف مطبوعةٍ ومزينةٍ ومزخرفةٍ وكل هذا لم يفعله الرسول ولا أمر به ولا فعله الصحابة وأنتم تفعلون. رأيتم كم أنكم غارقون فى الكذب والدجل والتحريف والتناقض وتضليل الأمة وتضحكون على الناس وتقولون عن عمل المولد بدعة محرمة. هل قال الرسول اعملوا منبرا للمسجد الحرام من عشر درجاتٍ يقف عليه الخطيب. المنبر أيام الرسول كان من ثلاث درجاتٍ، هل قال الرسول ضعوا مكبرات الصوت للمسجد الحرام وهل قال أنشؤوا هذه المآذن الضخمة فى المسجد الحرام، هل قال أنشؤوا منبرا نقالا وانصبوا محرابا فى هذا الموضع من الكعبة، هل أمر الرسول بنقل صلاة العشاء مباشرة من المسجد الحرام على الفضائيات وهل قال الرسول أنشؤوا المحاريب فى مساجد الحجاز وكل المساجد فى الحجاز لها محاريب ومآذن وكل هذا لم يفعله الرسول ولا قال افعلوه وأنتم تفعلون. ألستم تحتفلون بمناسبات أسيادكم ترقصون فيها بلحاكم الطويلة أياما وليالى تصرفون فيها أموالا طائلة وتجيزون ذلك وأما مولد رسول الله فتحرمون. تقولون ما لم يفعله الرسول لا نفعله هل قال الرسول تسموا بشيخ الإسلام، من أين جئتم باسم شيخ الإسلام لإمامكم المجسم ابن تيمية، وهل قال الرسول تسموا باسم المجدد الإمام، من أين جئتم باسم المجدد الإمام لمحمد بن عبد الوهاب. هل قال الرسول اطبعوا صحيح البخارى وصحيح مسلمٍ والكتب السبعة، هل قال الرسول أنشؤوا حلقاتٍ لختم صحيح البخارى وصحيح مسلمٍ وحلقاتٍ لختم موطإ مالكٍ وكل ذلك أنتم تفعلون. ألستم فى مكة والمدينة عند ختم القرءان فى تراويح رمضان تقرؤون دعاء تسمونه دعاء ختم قراءة القرءان وهذا لم يرد فى حديثٍ صحيحٍ أو ضعيفٍ أو موضوعٍ إنما هو مما ألفه بعض المسلمين وجمعه وأنتم تقولون لا توجد بدعة حسنة، إذا هو بدعة ضلالة بزعمكم أدخلتموها فى الصلاة ووضعتموها فى ءاخر المصحف ونشرتموها بين العباد. قال شيخكم ابن بازٍ هذا الدعاء لم يرد فى الحديث لكن هكذا تلقيناه عن شيوخنا، أما شيخكم الألبانى فقال فى كتابه المسمى سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة التزام دعاء ختم القرءان بدعة محرمة وأنتم تدخلونه فى الصلاة وتطبعونه فى المصاحف، واحتج الألبانى عليكم بظاهر حديث وكل بدعةٍ ضلالة وكل ضلالةٍ فى النار فضللكم لأجل ذلك. وأنتم تحتجون بآية ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ وتقولون لا توجد بدعة حسنة فماذا ستحكمون على إمامكم ابن تيمية الذى يقول فى كتابه المسمى الفتاوى الكبرى عمن يضبط عدد قراءة الآيات فى الصلاة بالمسبحة أو قراءة سورة الإخلاص بالمسبحة لا بأس بذلك، فهل ورد فى السنة الثابتة أو الإجماع اقرؤوا عددا معينا من سورة الإخلاص فى الصلاة واضبطوا العدد بالمسبحة، أليس هذه بدعة. وإمامكم ابن قيم الجوزية يقول فى كتابه مدارج السالكين وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية، أليست هذه التسمية بدعة.

(39) ما حكم الصلاة على النبى بعد الأذان وكيف يرد على من يحرمها.

      الصلاة على النبى سنة مستحبة لقوله تعالى ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ وقوله ﷺ من ذكرنى فليصل على، رواه الحافظ السخاوى فى كتابه القول البديع فى الصلاة على النبى الشفيع. الرسول يقول من ذكرنى فليصل على والمؤذن ذكره. فإذا أذن المسلم للصلاة ثم صلى على النبى فهذه الزيادة ليست من الأذان لأن الأذان ينتهى بقول لا إله إلا الله إنما هى بعد الأذان فهى زيادة فى الخير والله تعالى يقول ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ فهو كمن صلى الظهر ثم قام فصلى ركعتين. فإذا قال الوهابية لماذا تجعلونها عادة نقول لهم إذا جعل المؤذن عادته أنه كلما أذن وانتهى من الأذان التفت إلى إخوانه وقال لهم بارك الله فيكم كان جائزا، فكيف يكون الدعاء لكل فردٍ من أمة محمدٍ جائزا عندكم ولمحمدٍ محرما. الصلاة على النبى دعاء لرسول الله ﷺ.     

(40) ما هو أول واجبٍ على المكلف.

      أول ما يجب على المكلف إن كان كافرا الدخول فى دين الإسلام فورا ويكون بالتبرؤ من الكفر والنطق بالشهادتين باللسان إن كان قادرا على النطق ولا يجوز تأخير الدخول فى الإسلام لأجل الغسل أو غيره ولا يكون له عذرا أن يؤخر نفسه عن الدخول فى الإسلام ليفكر فى حقية الإسلام برهة من الزمن. ويجب عليه أن يثبت على الإسلام بأن يجتنب جميع أنواع الكفر لقوله تعالى ﴿يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ وقوله ﷺ من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، أى من أحب أن يبعده الله من نار جهنم ويدخله الجنة فليثبت على الإيمان بالله ورسوله إلى الممات، والحديث رواه البيهقى وابن حبان. ويجب على المكلف أيضا أن يؤدى جميع الواجبات وأن يجتنب جميع المحرمات.

(41) ما الدليل على أن الإسلام لا يسمح بحرية العقيدة كما يدعى بعض الجهلة.

      اعلم أن الإسلام جاء لإبطال كل دينٍ سواه ولكف الناس عن الفكر الذى يخالف الإسلام ولا يسمح بحرية العقيدة بدليل قوله تعالى فى سورة ءال عمران ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين﴾ وقوله تعالى فى سورة يوسف ﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ وقوله تعالى فى سورة البينة ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ وقوله تعالى فى سورة التوبة ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ وقوله تعالى فى سورة الإسراء ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ أى أمر ربك ألا تعبدوا إلا إياه وقوله تعالى فى سورة الذاريات ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ أى خلقهم ليأمرهم بعبادته وينهاهم عن معصيته وقال تعالى فى سورة ءال عمران ﴿يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ وقال تعالى فى سورة الزمر ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾. فالدين الذى رضيه الله لعباده وأمرنا باتباعه هو الإسلام قال تعالى فى سورة المائدة ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. ثم كيف يقول ذو عقلٍ يدعى الإسلام إن الإسلام جاء بحرية العقيدة ويسمح لكل إنسانٍ أن يدين بأى دينٍ يراه ويرتضيه ورسول الله ﷺ يقول أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله، وهو حديث متواتر رواه البخارى. فلو كان الإسلام يسمح بحرية العقيدة بمعنى أن الإنسان له أن يختار الإسلام أو غيره كما يدعى هؤلاء الجهلة ما كان قاتلهم رسول الله ﷺ، وهدف هؤلاء إلغاء نشر عقيدة الإسلام. وأما الآية ﴿لا إكراه فى الدين﴾ فمعناها أنك يا محمد لا تستطيع أن تكره قلوب الكفار على الإيمان أى لا تستطيع أن تهدى قلوبهم فيؤمنوا وليس فيها ترخيص للناس أن يكفروا وأن يعبدوا غير الله. لو كانت الآية لإباحة الكفر كما يزعم هؤلاء فلأى شىءٍ توعد الله الكافرين بجهنم، ولو كان للناس حرية الدين والفكر لما بعث الله الأنبياء ففى بعثة الأنبياء مصلحة ضرورية للعباد لأنهم يعلمون الناس ما ينجى فى الآخرة وما يهلك فى الآخرة. وكذلك الآية ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماءٍ كالمهل يشوى الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا﴾ فإنها نزلت على معنى التهديد والوعيد وليس فيها تخيير للإنسان بين أن يؤمن أو يكفر وسياق الآية يدل على هذا المعنى أى من يؤمن فله الجنة ومن يكفر فله العذاب الأليم فى جهنم. والظالمون فى الآية هم الكافرون قال تعالى فى سورة البقرة ﴿والكافرون هم الظالمون﴾. ومعنى قوله تعالى ﴿أحاط بهم سرادقها﴾ أن جهنم لها غشاوة لها غطاء ليزيد حرها والكفار فى جهنم من شدة العطش يطلبون الماء فيسقون من ماءٍ بلغ الغاية فى الحرارة. وليس الأمر كما يقول عمرو خالد بلغته العامية بأن الإنسان يعبد اللى هوا عايزه، فهذه دعوة إلى الإلحاد والكفر وليس كما يقول الوهابى عدنان العرعور من أراد أن يعبد حجرا فليعبد حجرا نحن لا إكراه عندنا فى الدين، وكلامه فيه الرضا بكفر الغير ومن رضى بكفر غيره كفر وليس الأمر كما يقول محمد متولى الشعراوى فى كتابه الفتاوى بأن المرأة لها حرية العقيدة تعتقد ما تشاء، ويقول فى كتابه المسمى أسئلة حرجة وأجوبة صريحة وشرف الإسلام وقوته أنه أول من حارب من أجل حرية الرأى وحرية العقيدة، وليس الأمر كما يقول عدنان إبراهيم بأن الله أعطى الناس الحرية فى أن يختاروا دينهم وعقيدتهم فهؤلاء كذبوا الله ورسوله والعياذ بالله.

(42) ما معنى قوله تعالى فى سورة البقرة ﴿لا إكراه فى الدين﴾.

      قوله تعالى ﴿لا إكراه فى الدين﴾ ليس معناه أنه يجوز لكل إنسانٍ أن يعتقد ما يشاء إنما الآية فيها ثلاثة أقوالٍ الأول أنها منسوخة حكما لا تلاوة أى تتلى على أنها ءاية من القرءان لكن نسخ حكمها وهو النهى عن قتال الكفار بآيات القتال كقوله تعالى ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ أى قاتلوا الكفار حتى يدخلوا فى دين الإسلام ولا يفتنوا المسلمين عن دينهم فيكونوا سببا فى إخراج بعض المسلمين عن الدين والثانى أنها نزلت فى أهل الكتاب اليهود والنصارى فيكون المعنى أنه ليس لنا أن نكره اليهود والنصارى الذين التزموا دفع الجزية لإمام المسلمين على الإسلام بقوة السلاح. والثالث ﴿لا إكراه فى الدين﴾ أى أنك يا محمد لا تستطيع أن تكره قلوب الكفار على الإيمان أى لا تستطيع أن تهدى قلوبهم فيؤمنوا إنما تستطيع أن تكره ظواهرهم أى أن تجبرهم بقوة السلاح على النطق بالشهادتين. وأما قوله تعالى ﴿لكم دينكم ولى دين﴾ أى لكم دينكم الباطل فاتركوه ولى دينى الصحيح وهو الإسلام فاتبعوه.

(43) كيف يكون الدخول فى الإسلام.

      الدخول فى الإسلام يكون بالنطق بالشهادتين باللسان مع التصديق بمعناهما بالقلب لقوله ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، رواه البخارى. قال الحافظ النووى من صدق بقلبه ولم ينطق بلسانه فهو كافر مخلد فى النار بالإجماع، كأبى طالبٍ عم النبى ﷺ فإن النبى دخل عليه فى مرض وفاته وقال له يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله، رواه البخارى فلم يفعل بل قال لولا أن تعيرنى بها نساء من قريش لأقررت بها عينك إنى على ملة عبد المطلب أى على عبادة الأصنام. وكان عبد المطلب جد النبى مشركا من أهل الفترة ولم يكن مسلما ولو كان مسلما لما سكت له الرسول كان قال له عبد المطلب لم يكن على دينكم، ثم لما مات أبو طالبٍ جاء سيدنا على إلى الرسول ﷺ فقال يا رسول الله إن عمك الشيخ الضال قد مات وفى روايةٍ الشيخ الكافر فقال له الرسول اذهب فواره، أى فادفنه رواه أبو داود ولم يترحم عليه ولا استغفر له. وليعلم أن الله تعالى عصم الأنبياء من أن تميل قلوبهم إلى محبة ذات كافرٍ فالأنبياء لا يحبون ذوات الكفار. والكافر إن اعتقد الحق ولم ينطق لعجزٍ فهو كمن نطق.

(44) كيف ندعو الكافر إلى الإسلام.

      من المعلوم أن الشىء الذى يميز الإنسان عن البهائم أن الإنسان له عقل، فلو فكر الإنسان بعقله فى هذا العالم لعرف أن هذا العالم مخلوق لأنه مؤلف من أجسامٍ وصفاتٍ للأجسام. والجسم مخلوق وليس خالقا أى وجد بعد أن كان معدوما. والجسم لا بد له من صفاتٍ كالحركة والسكون ولا يخلو الجسم منهما وهـما حادثان أى مخلوقان لأنه بحدوث أحدهـما ينعدم الآخر. فإذا ثبت أن العالم مخلوق علمنا أنه محتاج إلى خالقٍ خلقه لأن الشىء لا يخلق نفسه، فإذا كان لا يعقل وجود كتابةٍ وبناءٍ من غير فاعلٍ فكيف يعقل وجود هذا العالم بلا خالقٍ. فيجب اعتقاد أن لهذا العالم خالقا خلقه أى أوجده وأبرزه من العدم إلى الوجود أى صار موجودا بإيجاد الخالق له بعد أن لم يكن وهذا الخالق لا يشبه العالم بأى وجهٍ من الوجوه، لا يتصور فى العقول والأذهان، لا يستطيع الإنسان أن يتصوره لأنه ليس كمثله شىء، فكما أن الإنسان لا يستطيع أن يتصور وجود وقتٍ ليس فيه نور ولا ظلام قبل أن يخلقا ولا يستطيع أن يتصور الروح التى فى جسده وهى جسم لطيف نؤمن ونصدق بوجوده فكيف يستطيع أن يتصور الخالق الذى ليس كمثله شىء. كل ما يتصوره الإنسان بباله فهو مخلوق والخالق لا يشبه المخلوق، لو كان مشابها لشىءٍ من مخلوقاته ما استطاع أن يخلقها ولجاز عليه ما يجوز عليها من الفناء والتغير ولصحت الألوهية للشمس والقمر، فالخالق ليس جسما ولا روحا ولا ريحا ولا هواء ولا غيما ولا ضوءا ولا ظلاما منزه عن الحجم والكمية واللون والشكل والهيئة والأعضاء والولد لا يسكن السماء ولا العرش لأنه ليس حجما يملأ فراغا فهو موجود بلا جهةٍ ولا مكانٍ. وليس من شرط صحة الإيمان بالشىء أن يتصور بالعقل أو أن يرى بالعين فيجب علينا أن نؤمن بوجود الخالق وإن كنا لا نراه بأعيننا فى الدنيا فهذا العالم دليل على وجود الخالق سبحانه ولا يستحق أحد العبادة إلا هو لأنه الخالق ولا خالق سواه وهو وحده الأزلى الذى لا ابتداء لوجوده ولا أزلى سواه. فإذا ءامن الإنسان بوجود الخالق سبحانه وأنه لا يشبه شيئا ءامن بأنه أرسل رسولا إلى كافة الإنس والجن وهو محمد بن عبد الله ليدعوهم إلى الإسلام ويأمرهم بالإيمان بشريعته ويتبعوه فى كل ما جاء به فيجب الإيمان أنه صادق فى كل ما أخبر به عن ربه كأمور الآخرة أو أخبار الأمم السابقة أو تحليل شىءٍ أو تحريمه لأن خبر من ثبتت رسالته بالمعجزات لا بد أن يكون صدقا. ويجب الإيمان أن الله تعالى وهو الخالق أرسل أنبياء كآدم ونوحٍ وإبراهيم وعيسى وموسى ومحمدٍ ليدعوا الناس إلى الدين الذى رضيه لهم وهو الإسلام أى إلى عبادة الخالق وحده وأن لا يشركوا به شيئا والأنبياء جملهم ربنا بصفاتٍ حميدةٍ وأخلاقٍ حسنةٍ ونزههم عن الصفات الذميمة فليس فيهم كافر أو كاذب أو خائن أو جبان أو فاسق أو خسيس أو سفيه أو رذيل أو زانٍ أو يشبه القرود أو لا يحسن النطق. وكل نبىٍ مرسلٍ لا بد يكون صادقا فى كل ما جاء به والدليل على صدقه أن ربنا سبحانه وتعالى أيده بمعجزاتٍ أى أظهر له خوارق لا يستطيع المكذبون له أن يأتوا بمثل ما جاء به. أما كيف عرفنا بهذه المعجزات فنقول انتقل إلينا خبرها بواسطة عددٍ كبيرٍ من الناس ينقل عن عددٍ كبيرٍ شهد المعجزة وهكذا إلى أن وصل الخبر إلينا. فيقال لمن لم يؤمن بذلك كما أنك صدقت بوجود أناسٍ كانوا فى الزمن الماضى مع أنك لم ترهم فنحن أيضا صدقنا بوجود هؤلاء الأنبياء وأنهم دعوا الناس إلى الإسلام فالإسلام هو الدين الصحيح المقبول عند الخالق سبحانه ولا دين صحيح إلا الإسلام فالإنسان البالغ العاقل الذى بلغه أصل دعوة الإسلام وهو الشهادتان إن كان على غير دين الإسلام يجب عليه أن يدخل فى الإسلام فإن أسلم ومات على الإسلام فإنه يدخل الجنة وينعم فيها أما إذا بقى على غير الإسلام إلى أن مات فإنه يعذب فى نار جهنم عذابا أبديا. والدخول فى الإسلام يكون بالنطق بالشهادتين باللسان للقادر على الإتيان بها مع اعتقاد معناهما بالقلب والتخلى عن كل ما يبطل الإسلام كأن يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله أو لا إله إلا الله محمد رسول الله أو ما يعطى معناهما ولو بغير اللغة العربية. ومن عجز عن النطق بحرف الحاء فقال مهمد رسول الله بالهاء يقال له قل أبو القاسم رسول الله ويصح أن يقول أبو القاسم رسول الله بقافٍ معقودةٍ كما يلفظها أهل اليمن.

(45) إذا جاءك كافر يريد الدخول فى الإسلام ماذا تفعل.

      من عرف أن الله موجود لا كالموجودات واعتقد أنه لا يستحق أحد أن يعبد إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنه صادق فى كل ما جاء به فهو مؤمن أما إن كان اعتقاده يخالف الشهادتين فهو كافر فإذا جاءك كافر أصلى كبوذىٍ أو يهودىٍ يريد الدخول فى الإسلام فإن علمت أنه لا يعرف العقيدة الصحيحة تعلمه القدر الذى لا بد منه ليكون على عقيدةٍ صحيحةٍ ثم تطالبه بالتشهد أما إن علمت أنه عرف الحق وتخلى عن الكفر فتأمره بالتشهد أى بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله وأما إن كنت لا تعلم حاله فتأمره فورا بالنطق بالشهادتين ثم تبين له عقيدة الإسلام.  

(46) ما الرد على الوهابية الذين قسموا التوحيد إلى ثلاثة أقسامٍ توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.

      اعلم أن الوهابية أدخلت فى دين الله بدعة سيئة وهى قولهم التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسامٍ توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وتوحيد الألوهية وحده لا يكفى للإيـمان بل لا بد من توحيد الربوبية وهذا ضد قول رسول الله ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها رواه البخارى. فالرسول ﷺ جعل اعتراف العبد بتفريد الله بالألوهية وبوصف رسول الله بالرسالة كافيا ولم يشرط توحيدين وكان رسول الله ﷺ إذا نطق الكافر بهذا يحكم بإسلامه وإيـمانه ثم يأمره بالصلاة قبل غيرها من أمور الدين للحديث الذى رواه البيهقى فى كتاب الاعتقاد. وليعلم أن توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية بدليل أنه جاء فى سؤال القبر حديثان حديث بلفظ الله ربى رواه ابن حبان فى صحيحه أى يسأله الملكان فى القبر من ربك فيقول المؤمن الله ربى وحديث بلفظ الشهادة رواه الترمذى فى سننه عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال قال رسول الله ﷺ إذا قبر الميت أو الإنسان أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما منكر وللآخر نكير فيقولان له ما كنت تقول فى هذا الرجل محمدٍ فهو قائل ما كان يقول فإن كان مؤمنا قال هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وهذا دليل على أن شهادة أن لا إله إلا الله شهادة بربوبية الله. وما أعظم مصيبة المسلمين بهذه الفرقة الضالة.

(47) ما المراد بالشهادتين.

      المراد بالشهادتين نفى الألوهية عما سوى الله أى نفى أن يكون شىء سوى الله يستحق العبادة وإثباتها لله تعالى وحده مع الإقرار أى الاعتراف والإيمان برسالة سيدنا محمدٍ ﷺ أى فى كونه مرسلا من عند الله لأن الإيمان بمحمدٍ لا بد منه ليكون العبد مؤمنا عند الله قال الله تعالى فى سورة الفتح ﴿ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا﴾ أى هيأنا لهم نار جهنم لكفرهم فدلت هذه الآية على أن من لم يؤمن بالله ورسوله محمدٍ فهو كافر ولو كان من أهل الكتاب المنتسبين للتوراة والإنجيل فإن القرءان سماهم أهل الكتاب وسماهم كافرين لأنهم لم يؤمنوا بمحمدٍ ﷺ قال الله تعالى فى سورة ءال عمران ﴿قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون﴾ وقال تعالى فى سورة المائدة ﴿ولو أن أهل الكتاب ءامنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم﴾ وقال رسول الله ﷺ ما من يهودىٍ أو نصرانىٍ يسمع بى ثم لا يؤمن بى وبما جئت به إلا كان من أصحاب النار رواه مسلم.

(48) ما هو الدين السماوى.

      اعلم أن الدين السماوى الذى نزل به سيدنا جبريل عليه السلام على أنبياء الله من ءادم إلى محمدٍ عليهم الصلاة والسلام هو الإسلام وهو الدين الذى رضيه الله أى أحبه الله لعباده من الإنس والجن والملائكة وأمرنا باتباعه قال تعالى فى سورة المائدة ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. والإسلام هو الدين الصحيح المقبول عند الله ولا دين صحيح إلا الإسلام قال تعالى فى سورة ءال عمران ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ وقال تعالى فى سورة ءال عمران ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين﴾ فدلت الآية أن كل من اتخذ دينا غير دين الإسلام فهو خاسر فى الآخرة ودينه باطل فلا يجوز أن يقال عنه إنه دين سماوى لأن الدين السماوى أى الدين المنزل من عند الله هو الإسلام فقط قال رسول الله ﷺ الأنبياء إخوة لعلاتٍ دينهم واحد وأمهاتهم شتى، رواه الإمام أحمد. شبه الرسول الأنبياء بالإخوة لعلاتٍ أى كما أن الإخوة لعلاتٍ أبوهم واحد وأمهاتهم مختلفات كذلك الأنبياء إخوة فى الدين دينهم واحد أى عقيدتهم واحدة وشرائعهم مختلفة، فيجب التحذير من قول بعض الناس الأديان السماوية وأحيانا يقولون الأديان السماوية الثلاثة يريدون بذلك دين الإسلام ودين النصارى ودين اليهود وهذا باطل. لكن يجوز أن يقال شرائع سماوية أو كتب سماوية. والشرائع هى الأحكام التى تنزل بالوحى وشرائع الأنبياء مختلفة أما الكتب التى أنزلها الله على أنبيائه كالقرءان والإنجيل أى الأصلى والتوراة أى الأصلية والزبور فهى جميعها تدعو إلى دينٍ واحدٍ وهو الإسلام.

(49) هل يشترط للدخول فى دين الإسلام لفظ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.

      لا يشترط هذا اللفظ بعينه بل يكفى لا إله إلا الله محمد رسول الله أو ما يعطى معناه كقول لا رب إلا الله محمد نبى الله. ومن عجز عن النطق بحرف الحاء فقال أشهد أن مهمدا رسول الله بالهاء يقال له قل أشهد أن أبا القاسم رسول الله. أما الذى يقول أشهد أن لا إله إلا الله بتشديد النون لم تصح شهادته لعدم إقراره بوحدانية الله فإنه كلام مبتور كمن قال أشهد أن زيدا وسكت من غير أن يأتى بالخبر.

(50) ما هى الشهادة الخاصة.

      روى البخارى ومسلم أن رسول الله ﷺ قال من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل، أى وفقه الله إذا داوم على هذه الشهادة كل يومٍ إلى العمل الصالح بحيث يحسن حاله وختامه فيدخل الجنة بلا عذابٍ. وكلمته ألقاها إلى مريم أى أن عيسى بشارة الله لمريم التى بشرتها بها الملائكة بأمره قبل أن تحمل به، وروح منه أى أن روح عيسى روح مشرف أى عظيم عند الله صادر من الله خلقا وتكوينا، والجنة حق والنار حق أى أنهما موجودتان وباقيتان وأنهما دارا جزاءٍ فالجنة دار نعيمٍ للمؤمنين والنار دار عقابٍ للكافرين.

(51) ماذا يجب على المسلم المكلف.

      يجب على المسلم المكلف أى البالغ العاقل أن يثبت على الإسلام وأن يؤدى جميع الواجبات كتعلم القدر الواجب من علم الدين وأداء الصلوات الخمس وأن يجتنب جميع المحرمات كشرب الخمر وعقوق الوالدين.

(52) ما معنى أشهد أن لا إله إلا الله إجمالا.

      معنى أشهد أن لا إله إلا الله إجمالا أى من غير تفصيلٍ أعترف بلسانى وأعتقد بقلبى أن لا معبود بحقٍ إلا الله أى لا يستحق أحد أن يعبد أى أن يتذلل له نهاية التذلل إلا الله وفسرها الإمام أبو الحسن الأشعرى بقوله لا خالق لشىءٍ من الأشياء إلا الله وهذا التفسير أحسن ذكره الإمام البيهقى فى كتاب الاعتقاد.

(53) اذكر دليلا عقليا إجماليا على وجود الله.

      قال العلماء يجب على كل مكلفٍ معرفة الدليل العقلى الإجمالى على وجود الله وهو كأن يقول الشخص فى نفسه الكتابة لا بد لها من فاعلٍ والبناء لا بد له من فاعلٍ والكتابة والبناء جزء من هذا العالم فهذا العالم بالأولى لا بد له من خالقٍ خلقه لا يشبهه بوجهٍ من الوجوه. ويروى أن رجلا ينكر وجود الله أتى إلى أحد الخلفاء وقال له إن علماء عصرك يقولون إن لهذا الكون صانعا (أى خالقا) وأنا مستعد أن أثبت لهم أن هذا الكون لا صانع له. فبعث الخليفة إلى عالمٍ كبيرٍ يعلمه بالخبر ويأمره بالحضور فتعمد العالم أن يتأخر قليلا عن الوقت ثم حضر فاستقبله الخليفة وأجلسه فى صدر المجلس فقال الرجل لم تأخرت فى مجيئك فقال العالم أرأيت (أى ماذا تقول) لو قلت لك إنه قد حصل لى أمر عجيب فتأخرت وذلك أن بيتى وراء نهر دجلة فجئت لأعبر النهر فلم أجد سوى سفينةٍ عتيقةٍ قد تكسرت ألواحها الخشبية ولما وقع نظرى عليها تحركت الألواح واجتمعت واتصل بعضها ببعضٍ وصارت سفينة صالحة للسير بلا مباشرة نجارٍ ولا عمل عاملٍ فقعدت عليها وعبرت النهر وجئت إلى هذا المكان. فقال الرجل اسمعوا أيها الناس ما يقول عالمكم فهل سمعتم كلاما أكذب من هذا كيف توجد السفينة بدون أن يصنعها نجار هذا كذب محض. فقال العالم أيها الكافر إذا لم يعقل أن توجد سفينة بلا صانعٍ ولا نجارٍ فكيف تقول بوجود العالم بدون صانعٍ فسكت الرجل الملحد ولزمته الحجة وعاقبه الخليفة لسوء اعتقاده.

(54) اذكر أهمية معرفة الأدلة العقلية للرد على أهل الضلال.

      اعلم أن معرفة الأدلة العقلية على وجود الله وأنه لا يشبه شيئا من المخلوقات بأى وجهٍ من الوجوه من الأمور المهمة فى دين الله فالدليل العقلى يرشد إلى معرفة الله كما بينه الله تعالى بقوله فى سورة ءال عمران ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون فى خلق السموات والأرض﴾ لأن الذى يتفكر فى مخلوقات الله يصل إلى معرفة الدليل على وجود الله وقدرته وأنه لا يشبه شيئا فالعقل الصحيح لا يقبل أن تكون هذه المخلوقات دخلت فى الوجود من غير خالقٍ أبرزها من العدم إلى الوجود. والله تعالى مدح فى القرءان الدليل العقلى فقال عن حجة إبراهيم عليه السلام التى رد فيها على النمرود ﴿وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه﴾. لما قال النمرود لسيدنا إبراهيم وما الله قال إبراهيم ﴿ربى الذى يحى ويميت﴾ فقال النمرود أنا أحيى وأميت فأطلق سجينا وقتل ءاخر فقال أحييت هذا وأمت هذا فغلبه سيدنا إبراهيم عليه السلام بالدليل العقلى فقال له ﴿فإن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذى كفر﴾. وليس من شرط صحة الإيمان بالشىء أن يتصور بالعقل أو أن يرى بالعين فيجب علينا أن نؤمن بالله وإن كنا لا نراه بأعيننا فى الدنيا فهذا العالم دليل على وجود الله فالله تعالى لا يتصور بالعقل لا يستطيع الإنسان أن يتصوره لأنه ليس كمثله شىء كما لا نستطيع أن نتصور وجود وقتٍ ليس فيه نور ولا ظلام قبل أن يخلقا لأنهما خلقا بعد خلق الماء والعرش والقلم واللوح وكما لا نستطيع أن نتصور الروح التى فى أجسادنا وهى جسم لطيف نؤمن ونصدق بوجوده. فينبغى أن نتعلم الأدلة العقلية للرد على الملحدين الذين يريدون أن يشككوا المسلمين فى دينهم وما أكثرهم فى هذا الزمان، هؤلاء إن قلت لهم قال الله تعالى ﴿أفى الله شك﴾ يقولون لك نحن أصلا لا نؤمن بالقرءان فتقول لنا قال الله فلا يليق بنا أن لا نعرف الجواب للدفاع عن ديننا.

(55) ما معنى الواحد إذا أطلق على الله.

      معنى الواحد أن الله لا شريك له فى الألوهية أى لا يستحق العبادة أحد إلا الله قال الله تعالى فى سورة البقرة ﴿وإلهكم إله واحد﴾ فلو لم يكن الله واحدا وكان متعددا لم يكن العالم منتظما لكن العالم منتظم فوجب أن الله واحد كما قال تعالى فى سورة الأنبياء ﴿لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا﴾ أى لو كان للسموات والأرض ءالهة غير الله لفسدتا أى ما كانتا تستمران على انتظامٍ وروى الحاكم فى المستدرك أن النبى ﷺ كان إذا تعار من الليل (أى استيقظ بالليل) قال لا إله إلا الله الواحد القهار رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار. وليس المراد بوحدانية الله وحدانية العدد لأن الجسم الواحد له أجزاء بل المراد أنه لا مثيل ولا شبيه له.

(56) ما معنى الأحد إذا أطلق على الله.

      قال تعالى فى سورة الإخلاص ﴿قل هو الله أحد﴾ ومعنى الأحد الذى لا يقبل الانقسام أى ليس جسما والجسم ما له حجم إن كان كبيرا أو صغيرا. لو كان الله جسما ما استطاع أن يخلق شيئا من العالم ولو كان جسما لجاز عليه ما يجوز على الأجسام من الفناء والتغير ولصحت الألوهية للشمس والقمر. فمن اعتقد أن الله جسم فهو كافر قال تعالى فى ذم الكفار ﴿وجعلوا له من عباده جزءا﴾ وقال الإمام أبو الحسن الأشعرى فى كتابه النوادر من اعتقد أن الله جسم فهو غير عارفٍ بربه وإنه كافر به وقال الإمام الشافعى المجسم كافر، رواه الحافظ السيوطى فى الأشباه والنظائر وقال الإمام أحمد بن حنبلٍ من قال الله جسم لا كالأجسام كفر، رواه الحافظ بدر الدين الزركشى فى كتابه تشنيف المسامع وقال الشيخ عبد الغنى النابلسى فى الفتح الربانى من اعتقد أن الله ملأ السموات والأرض (أى من اعتقد أن الله جسم ملأ السموات والأرض) أو أنه جسم قاعد فوق العرش فهو كافر وإن زعم أنه مسلم. وقال النسفى فى تفسيره ومن الإلحاد (أى الكفر) تسمية الله بالجسم والجوهر والعقل والعلة. والعجب من علىٍ الجفرى الذى يعتقد أن الوهابية مجسمة ويقولون الله جسم قاعد فوق العرش ويكفرون المسلمين بغير حقٍ ثم يقول لكن هم مسلمون وحاشا لله أن نكفرهم. الوهابية يشتمون الله تعالى ويعبدون الأجسام وهو لا يكفرهم. ثم يقول إن الله إذا أحب عبدا يعطيه القوة فيقول للشىء كن فيكون وهذا كفر صراح لأنه جعل الإنسان شريكا لله فى التخليق ويقول إن الله يقول فإذا أحببته كنته يعنى بزعمه إذا أحب الله عبدا صار الله هو هذا العبد وينسب هذا الكلام إلى الله. والجفرى هو ممن قال فيهم رسول الله ﷺ أناس من جلدتنا يتكلمون بألسنتنا تعرف منهم وتنكر دعاة على أبواب جهنم من استجاب لهم قذفوه فيها. ومصيبة المسلمين فى هذا الزمان كثرة الجهل وكثرة أدعياء العلم الذين ينشرون الجهل والضلال باسم الدين والإسلام فيجب الحذر والتحذير منهم.

(57) اذكر الدليل العقلى على تنزيه الله عن الحد والمقدار.

      يجب اعتقاد أن الله عز وجل موجود منزه عن الحد والمقدار والحد معناه الكمية أى مقدار الحجم فإذا قال علماء أهل السنة إن الله ليس بمحدودٍ فمعناه إنه ليس شيئا له كمية لأن كل شىءٍ له كمية من الذرة إلى العرش يحتاج إلى من أوجده على هذه الكمية، الشمس لها كمية لها حد ومقدار تحتاح إلى من جعلها على هذا الحد والمقدار ولا يصح فى العقل أن تكون هى أوجدت نفسها على هذا الحد الذى هى عليه، العقل لا يقبله لأن الشىء لا يخلق نفسه ولما كانت الشمس مع عظم نفعها لا تصلح أن تكون إلها للعالم وجب أن يكون خالقها لا كمية له ليس شيئا له كمية، العرش الكريم له كمية أعظم كميةٍ فى المخلوقات يحتاج إلى من أوجده على ذلك الحد الذى هو عليه ولا يصح فى العقل أن يكون هو خلق نفسه وكذلك ما بين الذرة والعرش يحتاج إلى من أوجده على الكمية التى هو عليها فموجد هذه العوالم يجب عقلا أن يكون ليس شيئا له كمية لأنه لو كان له كمية لاحتاج إلى من جعله على هذه الكمية وهذا لا يرتاب أى لا يشك فيه ذو عقلٍ صحيحٍ أما هؤلاء المجسمة الوهابية وأشباههم الذين يعتقدون أن الله جرم أى جسم له كمية بقدر العرش لا أصغر ولا أكبر هؤلاء ما عرفوا الله، الله تبارك وتعالى لو كان له كمية لاحتاج إلى من جعله وأوجده على تلك الكمية كما أن العرش محتاج لمن جعله على الكمية والحد الذى هو عليه وهذا شىء يفهم من قول الله تعالى ﴿ليس كمثله شىء﴾ لأنه لو كان له حد وكمية لكان له أمثال لا تحصى لكان الإنسان مثلا له والشمس لكانت مثلا له والعرش لكان مثلا له فلذلك عملا بهذه الآية الشريفة ووقوفا عند الدليل العقلى وجب تنزيه الله عن الحد والكمية وهذا شىء ثبت فى عبارات السلف الصالح أهل القرون الثلاثة الأولى قرن الصحابة وقرن التابعين وقرن أتباع التابعين قال سيدنا على رضى الله عنه من زعم أن إلهنا محدود فقد جهل الخالق المعبود، رواه الحافظ أبو نعيمٍ فى الحلية. هذا هو كلام السلف أما الوهابية الذين يدعون زورا وكذبا أنهم سلفية فليسوا على عقيدة السلف فقد قال إمامهم ابن بازٍ فى تعليقه على العقيدة الطحاوية إن الله له حد لا يعلمه إلا هو سبحانه وكلامه هذا فيه تكذيب للقرءان وإجماع الأمة. وقد قال قبل ذلك سلفه ابن تيمية بأن الله محدود ولا يعلم حده إلا هو وقد صرح فى بعض كتبه بأن الله تعالى بقدر العرش لا أكبر منه ولا أصغر. عجبا كيف يعتقد ابن تيمية أن الله جسم مستقر فوق العرش بقدر العرش وأنه ينزل بذاته كل ليلةٍ إلى السماء الأولى وقد ثبت فى الحديث أن السموات السبع بالنسبة للعرش كحلقةٍ فى أرضٍ فلاةٍ أى كحبةٍ صغيرةٍ بالنسبة إلى صحراء كبيرةٍ فعلى مقتضى كلامه أن الله يتصاغر حتى تسعه السماء الأولى والعياذ بالله.

(58) ما هو دليل أهل السنة فى الرد على المشبهة القائلين بأن نفى المكان عن الله نفى لوجود الله.

      يكفى فى تنزيه الله عن المكان والحيز والجهة قوله تعالى فى سورة الشورى ﴿ليس كمثله شىء﴾ لأنه لو كان له مكان لكان له أمثال وأبعاد طول وعرض وعمق ومن كان كذلك كان محدثا أى مخلوقا. وروى البخارى وابن الجارود والبيهقى بالإسناد الصحيح أن رسول الله ﷺ قال كان الله ولم يكن شىء غيره، أى كان الله موجودا فى الأزل أى فى ما لا بداية له ولم يكن معه غيره لا أرض ولا سماء ولا كرسى ولا عرش ولا مكان ولا جهات فهو تعالى موجود قبل المكان بلا مكانٍ وهو الذى خلق المكان فلا يحتاج إليه. وليس محور الاعتقاد على الوهم أى أن الاعتقاد الصحيح لا يبنى على الوهم بل على ما يقتضيه العقل الصحيح السليم الذى هو شاهد للشرع أى يدل على صحة الشرع وذلك أن المحدود محتاج إلى من حده بذلك الحد أى أن كل ما له حجم فهو محتاج إلى من جعله على هذا الحجم فلا يكون إلها فيجب اعتقاد أن الله ليس له حد ولا كمية ولا يتحيز فى مكانٍ أو جهةٍ فكما صح وجود الله تعالى بلا مكانٍ ولا جهةٍ قبل خلق الأماكن والجهات فكذلك يصح وجوده تعالى بعد خلق الأماكن والجهات بلا مكانٍ ولا جهةٍ واعتقاد أن الله موجود بلا مكانٍ ولا جهةٍ لا يكون نفيا لوجود الله كما زعمت المشبهة ومنهم الوهابية فالتحيز فى المكان هو أخذ مقدارٍ من الفراغ فالله تعالى بما أنه ليس جسما كثيفا ولا لطيفا لا يجوز فى حقه أن يأخذ قدرا من الفراغ والتحيز فى المكان نقص فى حق الله لأنه يلزم من التحيز أن يكون له حد أى حجم ومقدار ولو كان ذا حدٍ ومقدارٍ لاحتاج إلى من جعله بذلك الحد والمقدار والمحتاج لا يكون إلها.

(59) ما هو دليل أهل السنة فى الرد على الوهابية القائلين بأن الله فوق العرش بذاته.

      اعلم أن الوهابية مشبهة يعتقدون أن الله فى جهةٍ فوق العرش بذاته ذكر هذا الاعتقاد الفاسد ابن العثيمين فى كتابه المسمى فتاوى العقيدة وابن بازٍ فى مجلة الحج فكذبوا الله ورسوله ﷺ قال الله تعالى فى سورة العلق ﴿كلا لا تطعه واسجد واقترب﴾ وقال رسول الله ﷺ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد رواه مسلم. وهذا الحديث صريح فى أن الساجد أقرب إلى الله ولا يصح حمله على الظاهر أى بإثبات المسافة لله بالحلول على العرش فلو كان الله بذاته فوق العرش لكان الواقف أقرب إليه من الساجد. والقرب المذكور فى هذا الحديث هو القرب المعنوى أى الساجد أقرب إلى رحمة الله وأقرب إلى استجابة الدعاء أما على اعتقاد الوهابية يكون القائم أقرب إلى الله من الساجد وهذا خلاف حديث رسول الله ﷺ. فهذا الحديث حجة قوية فى نقض عقيدتهم لأن الفضل عند الوهابية للجهة فعلى موجب قولهم ما كان أقرب إلى العرش أفضل مما سواه فيكون المسافرون بالطائرة من الكفار على مقتضى قولهم أقرب إلى الله من المسلمين الساجدين لله فى بيوتهم ومساجدهم. والله تعالى يوصف بالقريب قال تعالى فى سورة البقرة ﴿وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ فلو كان الله بذاته فوق العرش لكان بعيدا ولم يكن قريبا. ثم المكان هو ما يشغله الحجم من الفراغ فلو كان الله فى مكانٍ لكان حجما ولو كان حجما لاحتاج إلى من جعله على هذا الحجم والمحتاج لا يكون إلها ولو جاز أن يعتقد أن خالق العالم حجم لجاز أن تعتقد الألوهية للشمس والقمر. قال الشيخ عبد الغنى النابلسى فى الفتح الربانى من اعتقد أن الله (جسم) ملأ السموات والأرض أو أنه جسم قاعد فوق العرش فهو كافر وإن زعم أنه مسلم، وقال الإمام الشافعى المجسم كافر ونقل صاحب الخصال الحنبلى عن الإمام أحمد أنه قال من قال الله جسم لا كالأجسام كفر. فيعلم من ذلك أن الوهابى لا يستطيع أن يقيم الحجة على عابد الشمس الذى لا يؤمن بالقرءان بأن الشمس لا تستحق الألوهية لأنه يعتقد أن الله جسم متحيز فوق العرش وعابد الشمس كذلك يعبد جسما متحيزا فى الفضاء.

(60) ما حكم من يقول الله فى كل مكانٍ.

      اعلم أن الله تعالى ليس جسما كثيفا كالإنسان والحجر ولا جسما لطيفا كالنور والظلام فلا يجوز فى حقه أن يأخذ قدرا من الفراغ فلا يتحيز ربنا فى جهةٍ أو مكانٍ ولا فى جميع الأماكن لا يجوز أن يملأ جميع الأمكنة قال الشيخ عبد الغنى النابلسى فى كتابه الفتح الربانى من اعتقد أن الله (جسم) ملأ السموات والأرض أو أنه جسم قاعد فوق العرش فهو كافر وإن زعم أنه مسلم. أما قول الله فى كل مكانٍ فليس من كلام علماء الإسلام إنما هو قول شخصٍ كافرٍ يسمى جهم بن صفوان الذى كان يقول عن الله هو هذا الهواء وعلى كل شىءٍ فكفره المسلمون وقتل بسبب الردة وتبعه فى ذلك سيد قطب فقال فى كتابه المسمى فى ظلال القرءان فى قول الله تعالى ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ ما نصه وهى كلمة على الحقيقة لا على الكناية والمجاز والله تعالى مع كل شىءٍ ومع كل أحدٍ فى كل وقتٍ وفى كل مكانٍ. وكلامه هذا كفر صريح لا شك فيه لأنه جعل الله منتشرا فى العالم أما الآية ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ فمعناها الإحاطة بالعلم لا بالجهة أى عالم بكم أين ما كنتم. أما من يقول الله فى كل مكانٍ ويظن أنها تعنى أن الله عالم بكل شىءٍ فلا يكفر لكن يجب نهيه عنها، بخلاف ما إذا قال الله موجود فى كل مكانٍ فإنه يكفر لأنه لفظ صريح فى إثبات المكان لله. قال الإمام ابن فورك فى كتاب مشكل الحديث اعلم أنه لا يجوز أن يقال إن الله تعالى فى مكانٍ أو فى كل مكانٍ وقال الإمام عبد الوهاب الشعرانى فى كتابه اليواقيت والجواهر قال على الخواص لا يجوز القول إنه تعالى بكل مكانٍ كما تقول المعتزلة وقال مثله أبو حامدٍ الغزالى فى أصول الدين. فالذى يعتقد فى الله التحيز فى كل مكانٍ جعل الله منتشرا فى الأماكن النظيفة والأماكن القذرة ولا يقول بذلك مسلم قط فمن نسب لله المكان جعله حجما فلا يكون مسلما. أما المسلمون أهل التنزيه فإنهم يعتقدون أن الله موجود بلا مكانٍ لأنه ليس حجما فالمكان هو ما يملأه الحجم من الفراغ فأنا حجم أملأ فراغا فأنا فى مكانٍ وهذه الغرفة حجم تملأ فراغا فهى فى مكانٍ والشمس حجم تملأ فراغا فهى فى مكانٍ أما الله تعالى فليس حجما يملأ فراغا فهو موجود بلا مكانٍ.

(61) بين عقائد سيد قطب التى خالف فيها أهل السنة والجماعة.

      اعلم أن سيد قطب زعيم حزب الإخوان لم يكن عالما ولا مفسرا بل كان جاهلا فى الدين وكتبه تشهد عليه فإنه يشبه الله بخلقه ويصفه بما لا يليق به فإنه يسمى الله بالعقل المدبر وبالريشة المعجزة وبالريشة الخالقة والمبدعة وبمهندس الكون الأعظم وفى هذا تكذيب لقوله تعالى ﴿ليس كمثله شىء﴾. ويقول فى كتابه المسمى فى ظلال القرءان فى قول الله تعالى ﴿قل هو الله أحد﴾ إنها أحدية الوجود فليس هناك حقيقة إلا حقيقته وليس هناك وجود حقيقى إلا وجوده وكلامه هذا صريح بالحلول والوحدة المطلقة وهو من أشد أنواع الكفر، يعنى أن الله تعالى حل بالأشياء واتحد معها فصار هو عين الأشياء فقوله ليس هناك حقيقة إلا حقيقته يعنى أن العالم وهم أو معدوم أو يعنى أن الله والعالم شىء واحد وهو فى الحالين تكذيب لقوله تعالى ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ الذى فيه إثبات وجود الله وإثبات وجود العالم حقيقة. ويقول سيد قطب فى قوله تعالى ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ ما نصه وهى كلمة على الحقيقة لا على الكناية والمجاز والله تعالى مع كل شىءٍ ومع كل أحدٍ فى كل وقتٍ وفى كل مكانٍ. وكلامه هذا فيه تكذيب للقرءان وإجماع الأمة لأنه جعل الله منتشرا فى العالم والعياذ بالله أما المسلمون فيعتقدون أن الله موجود بلا مكانٍ ولا جهةٍ. ويقول فى كتابه المسمى فى ظلال القرءان إن تعلم الفقه مضيعة للعمر والأجر وقوله هذا فيه معارضة للقرءان والحديث وإجماع الأمة قال تعالى ﴿قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ أى لا يستوون وقال رسول الله ﷺ يا أيها الناس تعلموا فإنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه فمن يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين رواه البخارى، أى من أراد الله به خيرا أى رفعة فى الدرجة رزقه العلم بأمور دينه. كما أن سيد قطب يطعن فى أنبياء الله ويحتقرهم ويتهمهم بالشرك فيقول فى كتابه المسمى التصوير الفنى فى القرءان عن سيدنا موسى عليه السلام لنأخذ موسى إنه نموذج للزعيم المندفع العصبى المزاج يعنى سيئ الخلق ويتهم نبى الله يوسف عليه السلام بأنه كاد يضعف أمام امرأة العزيز ويتهم نبى الله إبراهيم عليه السلام بأنه كان مشركا يعبد غير الله فيقول والعياذ بالله وإبراهيم تبدأ قصته فتى ينظر فى السماء فيرى نجما فيظنه إلهه. وليعلم أن سيد قطب كفر المسلمين قاطبة حتى المؤذنين والمصلين كما أن أتباعه حزب الإخوان يعتبرون أنفسهم أنهم هم فقط المسلمون وكل من سواهم كفارا لذلك يسمون أنفسهم الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية وأسماء أخرى غيرها. فيجب الحذر والتحذير منهم فإن أكبر ضررٍ على المسلمين يأتى من ناحيةٍ باسم الدين من حزب الإخوان والوهابية كفى الله المسلمين شرهم.

(62) لماذا ترفع الأيدى إلى السماء فى الدعاء.

        نرفع الأيدى فى الدعاء للسماء لأنها قبلة الدعاء ومهبط الرحمات والبركات أى تنزل علينا البركة والرحمة منها وليس لأن الله موجود بذاته فى السماء كما أننا نستقبل الكعبة الشريفة فى الصلاة لأن الله تعالى أمرنا بذلك فهى قبلة الصلاة وليس لأن الله يسكنها. ويكفر من يعتقد أن الله يتحيز فى مكانٍ أو جهةٍ أو يعتقد أن الله شىء كالهواء أو كالنور يملأ مكانا أو غرفة أو مسجدا. ونسمى المساجد بيوت الله لأنها أماكن معدة لذكر الله وعبادته لا لأن الله يسكنها فالإضافة إضافة تشريفٍ ولا يجوز تسمية المعابد الدينية للكفار بيوت الله لأنها أماكن بنيت للشرك والكفر فلا تكون معظمة عند الله.

(63) ما معنى الأول والقديم إذا أطلقا على الله.

      معنى الأول والقديم إذا أطلقا على الله الذى لا ابتداء لوجوده قال تعالى فى سورة الحديد ﴿هو الأول﴾. وأجمعت الأمة على جواز إطلاق القديم على الله ذكر ذلك الإمام محمد مرتضى الزبيدى فى شرح إحياء علوم الدين وقال الإمام أبو جعفرٍ الطحاوى فى عقيدته قديم بلا ابتداءٍ. فيجب اعتقاد أن الله قديم أى لم يسبق وجوده عدم لأنه لو كان سبقه العدم لكان حادثا أى مخلوقا والحدوث أى الوجود بعد عدمٍ مستحيل على الله فلا يقال له متى كان أو متى وجد لأنه لا ابتداء له أما المخلوق فيقال له متى وجد لأنه كان معدوما ثم صار موجودا وقد جاء يهودى إلى سيدنا علىٍ رضى الله عنه فقال له متى كان الله فقال له سيدنا على لا يقال عن الله تعالى متى كان إنما يقال متى كان عما لم يكن ثم كان، رواه أبو نعيمٍ فى الحلية. هذا اليهودى أراد الامتحان لأنه كان اطلع فى التوراة الأصلية على هذا الكلام فلما أجابه سيدنا على بهذا الجواب الذى هو مذكور فى التوراة ما تمالك نفسه عن أن يسلم فتشهد فى المجلس قال فى نفسه على ما له اطلاع على التوراة من أين عرف الجواب لولا أن دينه صحيح.

(64) ما معنى الحى فى حق الله.

      معنى الحى فى حق الله أن الله متصف بحياةٍ أزليةٍ أبديةٍ أى لا بداية ولا نهاية لها ليست بروحٍ وجسدٍ قال الله تعالى فى سورة الفرقان ﴿وتوكل على الحى الذى لا يموت﴾. فلو لم يكن الله حيا لم يوجد شىء من هذا العالم لأن من ليس حيا لا يتصف بالعلم والقدرة والإرادة ومن لم يتصف بهذه الصفات لا يكون خالقا.

(65) ما معنى القيوم فى حق الله.

      القيوم من الأسماء الخاصة بالله لا يسمى به غيره. ومعنى القيوم الذى لا يحتاج إلى غيره وقال بعضهم القيوم أى الدائم قال الله تعالى فى سورة البقرة ﴿الله لا إله إلا هو الحى القيوم﴾. وليس معنى القيوم القائم فينا كما يقول أهل الحلول ومنهم طائفة تسمى الشاذلية اليشرطية فإنهم يعتقدون أن الله داخل فى كل شخصٍ ذكرٍ أو أنثى وهذا من أشنع الكفر والعياذ بالله وقد قال الشيخ محيى الدين بن عربى من قال بالحلول فدينه معلول وقال الشيخ عبد الغنى النابلسى فى الفيض الربانى من قال إن الله انحل منه شىء أو حل فى شىءٍ فقد كفر.

(66) ما معنى الدائم فى حق الله.

      معنى الدائم الذى لا يلحقه ولا يجوز عليه الفناء وبمعناه الباقى قال الله تعالى ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أى ذاته أى يبقى الله. وذات الله أى حقيقة الله الذى لا يشبه الحقائق أى ليس جسما كثيفا كالإنسان والحجر ولا جسما لطيفا كالنور والهواء. فالله تعالى يستحيل عليه الفناء ولا دائم بهذا المعنى إلا الله فلا شريك لله فى الديمومية أى البقاء إلى ما لا نهاية لأن بقاء الله بقاء ذاتى أى ليس بإبقاء غيره له وأما ديمومية غيره كالجنة والنار فهى ليست ذاتية بل هما شاء الله لهما البقاء أما من حيث ذاتهما فيجوز عليهما الفناء عقلا لكن ورد فى الشرع بقاؤهما بنص القرءان والسنة وإجماع الأمة ولذلك فإن القول بفنائهما أو فناء النار دون الجنة كفر. وخالف فى ذلك ابن تيمية فقال إن النار تفنى لا يبقى فيها أحد، ذكر ذلك فى رسالةٍ له ونقله عنه تلميذه ابن قيم الجوزية فى كتابه حادى الأرواح إلى بلاد الأفراح. وكذب ابن تيمية بذلك القرءان والإجماع قال تعالى ﴿إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا﴾.

(67) ما معنى الخالق.

      معنى الخالق الذى أبرز جميع المخلوقات من العدم إلى الوجود أى صارت موجودة بإيجاد الله لها بعد أن لم تكن. فيجب اعتقاد أن الله تعالى يخلق بمعنى الإبراز من العدم إلى الوجود بقدرته الأزلية بلا جارحةٍ ولا حركةٍ ولا ءالةٍ ولا مباشرةٍ ولا مماسةٍ لشىءٍ فالله تعالى خلق العالم من غير مباشرةٍ ليس مثل العباد العباد إذا أرادوا أن يعملوا شيئا يمسكون الشىء بأيديهم أو يمسكون الآلة ثم الآلة تتصل بذلك الشىء الذى يعملونه أما الله تعالى فليس هكذا. فالعباد حركاتهم وسكناتهم وأفكارهم ونواياهم وعلومهم وخواطرهم التى تطرأ عليهم بدون إرادتهم ونظرهم إلى شىءٍ هى بخلق الله قال الله تعالى فى سورة الرعد ﴿قل الله خالق كل شىءٍ﴾ وقال تعالى فى سورة فاطرٍ ﴿هل من خالقٍ غير الله﴾ أى لا خالق إلا الله. وخالف فى ذلك المعتزلة ومن سلك مسلكهم كحزب التحرير فقالوا إن العبد يخلق أفعاله الاختيارية أى يحدثها من العدم إلى الوجود وكلامهم هذا تكذيب لقوله تعالى فى سورة فاطرٍ ﴿هل من خالقٍ غير الله﴾ وقوله تعالى فى سورة الصافات ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ وقوله ﷺ إن الله صانع كل صانعٍ وصنعته، أى أن الله خالق كل عاملٍ وعمله والحديث رواه الحاكم فى المستدرك والبيهقى فى شعب الإيمان.

(68) اذكر ما جاء فى الحديث عن بدء الخلق.

      قال رسول الله ﷺ عندما سئل عن بدء الخلق كان الله ولم يكن شىء غيره وكان عرشه على الماء وكتب فى الذكر كل شىءٍ ثم خلق السموات والأرض، رواه البخارى. كان الله ولم يكن شىء غيره أى أن الله أزلى ولا أزلى سواه والسائل هم أناس من أهل اليمن رحلوا إليه ليتفقهوا فى الدين فبين لهم رسول الله ﷺ أن الله عز وجل موجود لا ابتداء لوجوده وأن كل ما سواه حادث له بداية ثم أجابهم عن سؤالهم فقال وكان عرشه على الماء أى وجد عرشه على الماء أى أن الماء خلق قبل العرش وبوجود الماء وجد الزمان والمكان. ثم قال رسول الله ﷺ وكتب فى الذكر كل شىءٍ أى أمر القلم أن يكتب على اللوح المحفوظ ما كان وما يكون إلى يوم القيامة وبعد ذلك بخمسين ألف سنةٍ خلق السموات والأرض أى خلقهما وما بينهما فى ستة أيامٍ كما قال تعالى فى سورة ق ﴿ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيامٍ وما مسنا من لغوبٍ﴾ وكل يومٍ من هذه الأيام قدر ألف سنةٍ قال تعالى فى سورة الحج ﴿وإن يوما عند ربك كألف سنةٍ مما تعدون﴾. والسموات سبع والأرضون سبع وكل سماءٍ منفصلة عن الأخرى بفراغٍ واسعٍ وكل أرضٍ منفصلة عن الأخرى بفراغٍ واسعٍ. خلق الله الأرض فى اليومين الأولين وهما يوما الأحد والاثنين ثم خلق السموات السبع فى اليومين التاليين وهما الثلاثاء والأربعاء وخلق فى اليومين الأخيرين وهما الخميس والجمعة مرافق الأرض من جبالٍ وأنهارٍ ووديانٍ وأشجارٍ وما أشبه ذلك.

(69) بين معنى السبب والعلة وأنه لا يجوز تسمية الله سببا أو علة.

      السبب شىء حادث أى مخلوق يتوصل به إلى حادثٍ كالدواء فإنه سبب للشفاء أما العلة فهى ما يوجد المعلول بوجودها ويعدم بعدمها كالإصبع الذى فيه خاتم فإن حركة الإصبع علة لحركة الخاتم لأن حركة الخاتم تتبع حركة الإصبع فتوجد بوجودها وتعدم بعدمها. والعلة مثل السبب والفرق بينهما أن السبب قد يتخلف عنه مسببه فقد يأخذ المريض الدواء ولا يتعافى أما العلة فلا يتخلف معلولها فإذا وجدت وجد المعلول وإذا عدمت عدم المعلول ولا يلزم من ذلك أن تكون العلة خالقة لمعلولها فالعلة لا يصح أن تكون خالقة لشىءٍ من الأشياء لأنه لا إرادة لها ولا مشيئة ولا اختيار وكذلك الأسباب لا تخلق مسبباتها فالدواء لا يخلق الشفاء والنار لا تخلق الإحراق والأكل لا يخلق الشبع ولا يقال سبب أو علة إلا للمخلوق أما الله تعالى فلا يسمى سببا ولا علة. وأما الفلاسفة فإنهم قالوا الله موجود وإنه علة لسائر الموجودات وسبب لها. وتبع الفلاسفة فى هذا القول محمد سعيد البوطى فإنه سمى الله بالعلة الكبرى والسبب الأول ذكر ذلك فى كتابه كبرى اليقينيات الكونية وتسمية الله سببا أو علة كفر. قال العلامة ركن الإسلام على السغدى وهو من أكابر الحنفية من سمى الله علة أو سببا كفر، نقل ذلك الفقيه المحدث محمد مرتضى الزبيدى فى شرح إحياء علوم الدين وقال النسفى فى تفسيره ومن الإلحاد (أى الكفر) تسمية الله بالجسم والجوهر والعقل والعلة.

(70) اذكر الدليل على أن الأسباب لا تخلق مسبباتها.

      اعلم أن الأسباب لا تخلق مسبباتها وأن السبب قد يتخلف عنه مسببه فهذا إبراهيم عليه السلام أجرى السكين على حلق ولده إسماعيل فلم تقطع ورماه قومه فى النار العظيمة فلم تحرقه ولا ثيابه وإنما أحرقت القيد الذى قيدوه به وأبو مسلمٍ الخولانى رضى الله عنه رماه الأسود العنسى فى النار فلم يحترق وعبد الرحمٰن بن أبى نعم الولى الصالح حبسه الحجاج بن يوسف فى سجنٍ خمسة عشر يوما من غير أكلٍ وشربٍ ثم أمر بإخراجه فوجده صحيحا فأعفاه من القتل ورحمة بنت إبراهيم التى عاشت دهرها ولا أكل يدخل جوفها وهى امرأة من نساء الشهداء رأت رؤيا كأنها أطعمت فى منامها شيئا فهى لا تأكل شيئا ولا تشرب فالأكل لا يخلق الشبع وترك الأكل لا يخلق الضرر فهذا يدل على أن الأسباب لا تخلق مسبباتها وأن الأشياء تحصل بخلق الله ومشيئته. فمذهب أهل السنة أن خالق الأسباب والمسببات هو الله تعالى قال تعالى فى سورة الرعد ﴿قل الله خالق كل شىءٍ﴾ وقال تعالى فى سورة الفرقان ﴿وخلق كل شىءٍ﴾ أى أحدثه من العدم إلى الوجود.

(71) ما معنى الرازق فى حق الله.  

      معنى الرازق الذى يوصل الأرزاق إلى عباده من غير أن تلحقه مشقة أو تعب لأن الله يخلق الأشياء بلا جارحةٍ ولا ءالةٍ ولا حركةٍ ولا مماسةٍ لشىءٍ قال تعالى فى سورة هودٍ ﴿وما من دابةٍ فى الأرض إلا على الله رزقها﴾ وقال تعالى فى سورة الذاريات ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾. والرزاق والرازق من الأسماء الخاصة بالله لا يجوز تسمية غير الله بها. والرزق ما ينفع حسا ولو كان محرما فليس الرزق مقصورا على الحلال بل يشمل الحلال والحرام وإن كان بينهما فرق من حيث العاقبة فإن الرزق الحلال ليس فيه وبال على صاحبه وأما الحرام فإنه وبال على صاحبه أى يستحق العقوبة عليه قال الرازى فى مختار الصحاح الرزق ما ينتفع به وقال البيهقى فى كتاب الاعتقاد وما مكنها (أى النفس) من الانتفاع به من مباحٍ وغير مباحٍ رزق لها.

(72) ما معنى العالم فى حق الله.

      معنى العالم المتصف بالعلم وعلم الله لا يزيد ولا ينقص قال الله تعالى ﴿وأن الله قد أحاط بكل شىءٍ علما﴾. ولا يكتسب الله علما جديدا بل هو عالم فى الأزل بكل شىءٍ عالم بذاته وصفاته وما يحدثه من مخلوقاته يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف يكون كما قال تعالى فى سورة الأنعام فى حق الكفار ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ أى لو ردوا إلى الدنيا لعادوا إلى كفرهم.

(73) ما معنى القدير فى حق الله.

      معنى القدير المتصف بالقدرة التامة فالله تعالى قادر على كل شىءٍ لا يعجزه شىء قال الله تعالى فى سورة المائدة ﴿وهو على كل شىءٍ قدير﴾ وقال تعالى فى سورة الحج ﴿إن الله لقوى عزيز﴾ والقوى أى التام القدرة الذى لا يعجزه شىء وليس معناه قوى الجسد لأن الله ليس جسما. ولا يجوز تسمية الله بالقوة كما فعل سيد قطب فى تفسيره فإنه سمى الله بالقوة الخالقة وهذا إلحاد وكفر لأنه جعل الله صفة فالقوة بمعنى القدرة صفة لله والله ليس صفة وكذلك الشعراوى المصرى سمى الله قوة فإنه قال فى كتابه الفتاوى وخضوعا وخشوعا للقدرة الكبرى والقوة الكبرى التى نعبدها وهى الله. ولا يعذر أحد فى الجهل بقدرة الله ونحوها من صفاته الواجبة له إجماعا مهما بلغ الجهل بصاحبه لأن العقل وحده يدل على أن الله قادر على كل شىءٍ وإن لم يسمع نصا قرءانيا أو حديثيا قال الحافظ ابن الجوزى من نفى قدرة الله على كل شىءٍ كافر بالاتفاق، أى بلا خلافٍ.

(74) ما حكم من نفى قدرة الله على كل شىءٍ.

      لا يعذر أحد فى الجهل بقدرة الله مهما بلغ الجهل بصاحبه لأن العقل وحده يدل على أن الله قادر على كل شىءٍ وإن لم يسمع نصا قرءانيا أو حديثيا قال الحافظ ابن الجوزى من نفى قدرة الله على كل شىءٍ كافر بالاتفاق، أى بلا خلافٍ وكذا من شك فى قدرته تعالى على كل شىءٍ. أما ما ذكره ابن قتيبة وابن تيمية من أن الجاهل إذا أنكر قدرة الله على كل شىءٍ لا يكفر فهو خرق للإجماع قال ابن قتيبة وقد يغلط فى بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفرون بذلك، يعنى بذلك قصة الرجل الذى أخبر عنه النبى ﷺ بقوله كان رجل يسرف على نفسه فلما حضره الموت قال لبنيه إذا أنا مت فأحرقونى ثم اطحنونى ثم ذرونى فى الريح فوالله لئن قدر الله على ليعذبنى عذابا ما عذبه أحدا فلما مات فعل به ذلك فأمر الله الأرض فقال اجمعى ما فيك منه ففعلت فإذا هو قائم فقال ما حملك على ما صنعت قال يا رب خشيتك فغفر له، رواه البخارى ورواه ابن حبان بلفظ توفى رجل كان نباشا فقال لولده أحرقونى (أى كان ينبش القبور ليأخذ الكفن وما يترك مع الميت من ذهبٍ ونحوه) فظن ابن قتيبة أن هذا الرجل شك فى قدرة الله عليه. واختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث فقالت طائفة لا يصح حمله على أنه أراد نفى قدرة الله فإن الشاك فى قدرة الله كافر وقد قال فى ءاخر الحديث إنه فعل ذلك من خشية الله والكافر لا يخشى الله وقيل قوله لئن قدر الله على أى ضيق فهو كقوله تعالى فى سورة الطلاق ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ أى ضيق، أو يكون قوله لئن قدر على بتشديد الدال أى لئن قدر على العذاب ليعذبنى. وقال الحافظ ابن حجرٍ فى فتح البارى عند شرحه لهذا الحديث وأظهر الأقوال أنه قال ذلك فى حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله لما يقول، أى قال ذلك من شدة جزعه وخوفه كما غلط ذلك الآخر أى سبق لسانه فقال اللهم أنت عبدى وأنا ربك.

(75) بين أقسام الحكم العقلى.

      أقسام الحكم العقلى ثلاثة أى أن العقل يحكم على كل أمرٍ من الأمور بحكمٍ من ثلاثةٍ الوجوب والاستحالة والجواز فالواجب العقلى هو ما لا يقبل العقل عدمه وهو الله وصفاته والمستحيل العقلى هو ما لا يقبل العقل وجوده كوجود شريكٍ لله والجائز العقلى هو ما يتصور فى العقل وجوده وعدمه وهو كل ما سوى الله.

(76) ما معنى أن الله فعال لما يريد. 

      معنى الفعال لما يريد أن الله يفعل ما يريد لا يعجزه شىء ولا يحتاج إلى استعانةٍ بغيره قال الله تعالى فى سورة هودٍ ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ وقال تعالى فى سورة البقرة ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾.

(77) ما معنى ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

      أى ما أراد الله فى الأزل وجوده لا بد أن يوجد سواء فى ذلك الخير والشر والطاعة والمعصية والكفر والإيمان وما لم يرد الله وجوده لا يدخل فى الوجود قال الله تعالى فى سورة التكوير ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ وروى أبو داود فى سننه أن النبى ﷺ علم بعض   بناته ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ومعنى المشيئة تخصيص الممكن العقلى ببعض ما يجوز عليه دون بعضٍ. ومشيئة الله لا تتغير بدعاء داعٍ ولا بصدقة متصدقٍ لأن التغير من صفات المخلوقين. وأما قوله تعالى فى سورة الرحمٰن ﴿كل يومٍ هو فى شأنٍ﴾ فقد فسره الرسول ﷺ بقوله يكشف كربا ويغفر ذنبا ويرفع قوما ويضع ءاخرين وليس معناه أن الله يغير مشيئته باختلاف الأزمان والأحوال إنما معناه كل يومٍ يغير فى خلقه ولا يتغير فى علمه ومشيئته فالله تعالى يغير أحوال العباد من مرضٍ إلى صحةٍ ومن فسادٍ إلى صلاحٍ ومن فقرٍ إلى غنى على حسب مشيئته الأزلية.

(78) ما هو دليل أهل الحق على أن الله تعالى لا يغير مشيئته لدعاء داعٍ.

      قال رسول الله ﷺ سألت ربى أربعا فأعطانى ثلاثا ومنعنى واحدة سألته أن لا يكفر أمتى جملة فأعطانيها وسألته أن لا يهلك أمتى بما أهلك به الأمم قبلهم فأعطانيها وسألته أن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها. وهذا الحديث مما استدل به أهل الحق على أن الله تعالى لا يغير مشيئته لدعاء داعٍ لأن الله لو كان يغير مشيئته بدعوةٍ لغيرها لحبيبه المصطفى ﷺ. وقوله عليه السلام سألته أن لا يكفر أمتى جملة فأعطانيها أى أن أمته ﷺ لا يكفرون كلهم ولا جمهورهم أى الأكثر عددا وإن كفر بعضهم الذين هم الأقل. وقوله ﷺ وسألته أن لا يهلك أمتى بما أهلك به الأمم قبلهم فأعطانيها أى سأل الله أن لا يسلط على أمته عذابا يستأصلهم جملة بالغرق أو المجاعة أو غير ذلك كما حصل فى أمة نوحٍ الذين كذبوا نبيهم نوحا عليه السلام فأهلكهم الله بالطوفان وأمة هودٍ وهم قوم عادٍ الذين كذبوا نبيهم هودا فأهلكهم الله بريحٍ صرصرٍ عاتيةٍ أى ريحٍ شديدةٍ باردةٍ تحرق ببردها كإحراق النار وأمة صالحٍ وهم قوم ثمود الذين كذبوا نبيهم صالحا فأهلكوا بصيحةٍ كالصاعقة صاحها بهم جبريل فتقطعت قلوبهم فماتوا. وقوله ﷺ وسألته أن لا يظهر عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها أى سأل الله أن لا يسلط على أمته عدوا كافرا يستأصلهم كلهم فلا يستطيع الكفار ولو اجتمعوا من بين مشارق الأرض ومغاربها أن يبيدوا أمة محمدٍ ويفنوهم من على وجه الأرض لأن الله لا يمكنهم من ذلك. وأما قوله ﷺ وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها فمعناه أن النبى ﷺ طلب من الله أن لا يجعل أمته يقتل بعضهم بعضا فلم يعطه الله ذلك وفى روايةٍ لمسلمٍ قال يا محمد إنى إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، معناه لا أعطيك هذا الطلب لأنى شئت فى الأزل أن يصير فى أمتك قتال بين بعضهم البعض.

(79) ما معنى لا حول ولا قوة إلا بالله.

      فسرها النبى ﷺ بقوله لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله أى أن الإنسان لا يستطيع أن يتجنب المعصية إلا أن يحفظه الله ولا يستطيع أن يفعل الخير والطاعة إلا أن يعينه الله.

(80) اذكر بعض فوائد كلمة لا حول ولا قوة إلا بالله.

      ورد فى الحديث أنها كنز من كنوز الجنة قال رسول الله ﷺ لأبى موسى الأشعرى رضى الله عنه ألا أدلك على كلمةٍ هى كنز من كنوز الجنة قال بلى يا رسول الله قال لا حول ولا قوة إلا بالله، رواه الإمام أحمد. وأطلق الكنز على الحوقلة لأن أجرها مدخر لقائلها. وورد فى حديثٍ رواه الحاكم فى المستدرك أن لا حول ولا قوة إلا بالله تنفع لتسعين داء أقلها الهم أى أنها تزيل الهم فهى من أفضل ما يشتغل به الإنسان المصاب بالهم وهى أيضا تنفع لمن ابتلى بالوسوسة بإذن الله، إن واظب وثبت عليها لا بد أن يرى الفرج وينقلب عسره يسرا فالله تعالى جعل لها سرا كبيرا ونفعا عظيما. وروى أحمد عن أبى أيوب الأنصارى رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ ليلة أسرى به مر على إبراهيم فقال له إبراهيم عليه السلام مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة قال وما غراس الجنة قال لا حول ولا قوة إلا بالله. فالمؤمن كلما قالها تغرس له شجرة فى الجنة ساقها من ذهبٍ. وقال ابن عباسٍ رضى الله عنهما من قال حين يصبح وحين يمسى ثلاث مراتٍ بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله، بسم الله ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله، بسم الله ما شاء الله ما كان من نعمةٍ فمن الله، بسم الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله ءامنه الله من الغرق والحرق والسرق ومن الشياطين والحية والعقرب. وقد ورد أن الخضر وإلياس عليهما السلام لا يزالان حيين فى الأرض ما دام القرءان فى الأرض فإذا رفع ماتا وأنهما يجتمعان عند الكعبة فى كل سنةٍ ويقولان عند افتراقهما بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله بسم الله ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله بسم الله ما شاء الله ما كان من نعمةٍ فمن الله بسم الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله.

(81) قال العلماء الله تعالى موصوف بكل كمالٍ يليق به، لماذا قيدت كلمة كمالٍ بعبارة يليق به.

      قيدت كلمة كمالٍ بعبارة يليق به لأن الوصف برجاحة العقل مثلا كمال ومدح فى حق الإنسان لكنه ليس كمالا فى حق الله فلا يجوز أن يوصف الله به كما فعل سيد قطب فإنه سمى الله بالعقل المدبر وهو صفة من صفات البشر وقد قال الإمام أبو جعفرٍ الطحاوى أحمد بن سلامة المصرى فى عقيدته ومن وصف الله بمعنى من معانى البشر (أى بصفةٍ من صفات البشر) فقد كفر وقال الإمام النسفى فى تفسيره ومن الإلحاد (أى الكفر) تسمية الله بالجسم والجوهر والعقل والعلة.

(82) تكلم عن تنزيه الله عن النقائص.

      الله تعالى منزه عن كل نقصٍ أى عن كل ما لا يليق به تعالى كالحجم والشكل واللون والهيئة والحركة والسكون والقيام والقعود وغير ذلك من صفات المخلوقات قال الله تعالى فى سورة الشورى ﴿ليس كمثله شىء﴾.

(83) ما معنى قوله تعالى ﴿ليس كمثله شىء﴾.

      أى أن الله تعالى لا يشبه المخلوقات بأى وجهٍ من الوجوه ليس جسما ولا يوصف بصفات الأجسام قال الإمام ذو النون المصرى وأحمد بن حنبلٍ مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك، أى لا يشبه ذلك. أما من شبه الله بخلقه كأن اعتقد أن الله جسم قاعد فوق العرش فهو كافر مكذب لـلا إله إلا الله معنى ولو قالها لفظا لأنه نسب الألوهية إلى هذا الجسم الذى تصوره وهو ليس الله فلا يكون أقر بألوهية الله ولا عبده بل عبد شيئا تخيله وتوهمه.

(84) ما معنى المثلية التى نفاها الله عن نفسه بقوله ﴿ليس كمثله شىء﴾.

      المثلية المنفية عن الله هى المثلية من جميع الوجوه فقوله ﴿ليس كمثله شىء﴾ أى لا يوجد شىء يماثله من جميع الوجوه ولا من بعض الوجوه فلا يوجد ذات مثل ذاته لأن ذاته ليس جسما مؤلفا من أجزاءٍ وليس لغيره صفة كصفته أو فعل كفعله بدليل قوله تعالى فى سورة الشورى ﴿ليس كمثله شىء﴾ أى أن الله تعالى لا يشبهه شىء من المخلوقات بأى وجهٍ من الوجوه لأن الله تعالى ذكر لفظ شىءٍ فى سياق النفى والنكرة إذا جاءت فى سياق النفى فهى للشمول فالله تعالى نفى بهذه الجملة عن نفسه مشابهة كل أفراد المخلوقات ولم يقيد نفى الشبه عنه بنوعٍ من أنواع المخلوقات قال تعالى ﴿هل تعلم له سميا﴾ أى مثلا أى ليس له مثيل ولا شبيه وقال الإمام أبو حنيفة فى الفقه الأكبر أنى يشبه الخالق مخلوقه، أى لا يشبه الخالق مخلوقه ويشمل نفى مشابهة الله لخلقه تنزيهه تعالى عن الكمية والكيفية والتنزيه هو نفى ما لا يليق بالله عن الله. والكمية هى مقدار الحجم وأما الكيفية فهى كل ما كان من صفات الخلق. أما الاتفاق باللفظ كأن يقال عن الله حى وعن المخلوق حى فليس ذلك مماثلة لأن حياة الله أزلية ليست بروحٍ وجسدٍ وإذا قيل عن الله موجود وعن المخلوق موجود فليس ذلك مماثلة لأن وجود الله أزلى ووجود المخلوق حادث.

(85) ما معنى قوله تعالى ﴿وهو السميع البصير﴾.

      أى أن الله موصوف بالسمع والبصر فيجب اعتقاد أن الله تعالى يسمع كل المسموعات من غير حاجةٍ إلى أذنٍ أو ءالةٍ أخرى ويرى كل المرئيات من غير حاجةٍ إلى حدقةٍ أو شعاع ضوءٍ والحدقة هى العين بمعنى الجسم.

(86) ما معنى قول العلماء الله قديم وما سواه حادث.

      أى أن الله تعالى أزلى لا بداية لوجوده وأن كل ما سواه مخلوق له بداية أى وجد بعد أن لم يكن موجودا. قال رسول الله ﷺ عندما سئل عن بدء الأمر كان الله ولم يكن شىء غيره وكان عرشه على الماء وكتب فى الذكر كل شىءٍ ثم خلق السموات والأرض، رواه البخارى. كان الله ولم يكن شىء غيره أى أن الله أزلى ولا أزلى سواه والسائل هم أناس من أهل اليمن رحلوا إليه ليتفقهوا فى الدين فبدأ الرسول ﷺ بذكر ما هو أهم من جواب سؤالهم فبين لهم أن الله عز وجل موجود لا ابتداء لوجوده وأن كل ما سواه حادث له بداية ثم بعد ذلك أجابهم عن سؤالهم فقال وكان عرشه على الماء أى وجد عرشه على الماء أى أن الماء خلق قبل العرش وبوجود الماء وجد الزمان والمكان. ثم قال رسول الله ﷺ وكتب فى الذكر كل شىءٍ أى أمر الله القلم أن يكتب على اللوح المحفوظ ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ثم بعد ذلك بخمسين ألف سنةٍ خلق السموات والأرض، أى خلقهما وما بينهما فى ستة أيامٍ كما قال تعالى فى سورة ق ﴿ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيامٍ وما مسنا من لغوبٍ﴾ أى تعبٍ وكل يومٍ من هذه الأيام قدر ألف سنةٍ قال تعالى فى سورة الحج ﴿وإن يوما عند ربك كألف سنةٍ مما تعدون﴾.  

(87) تكلم عن كلام الله تعالى.

      قال تعالى فى سورة النساء ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ وقال رسول الله ﷺ ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربه يوم القيامة، رواه البخارى. فيجب اعتقاد أن الله متكلم بكلامٍ لا يشبه كلامنا ليس حرفا ولا صوتا ولا لغة ليس له ابتداء وليس له انتهاء لا يطرأ عليه سكوت أو تقطع قال الإمام أبو حنيفة فى الفقه الأكبر ونحن نتكلم بالآلات والحروف والله تعالى يتكلم بلا ءالةٍ ولا حروفٍ والحروف مخلوقة وكلام الله تعالى غير مخلوقٍ. والآلات هى مخارج الحروف. أما قوله تعالى فى سورة يس ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ فمعناه أن الله يخلق الأشياء بسرعةٍ بدون تعبٍ ولا مشقةٍ وبدون ممانعة أحدٍ له وليس معناه أن الله ينطق بلفظ كن بعدد مخلوقاته لأن الله عز وجل يخلق فى اللحظة الواحدة ما لا يدخل تحت الحصر فالآية ﴿كن فيكون﴾ تدل على سرعة الإيجاد. ويطلق كلام الله على اللفظ المنزل الذى نزل به جبريل على الأنبياء وأخذه من اللوح المحفوظ وهو عبارة عن كلام الله الذاتى وليس من تأليف ملكٍ ولا تصنيف بشرٍ.

(88) ما هو دليل أهل الحق على أن كلام الله ليس صوتا ولا حروفا متعاقبة.

        استدل أهل الحق على أن كلام الله ليس صوتا ولا حروفا متعاقبة بقوله تعالى فى سورة الأنعام ﴿وهو أسرع الحاسبين﴾ وبقوله ﷺ ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربه يوم القيامة، رواه البخارى. فالله تعالى يكلم كل إنسانٍ يوم القيامة فيفهم العبد من كلام الله السؤال عن أفعاله وأقواله واعتقاداته. فلو كان حساب الله لخلقه من إنسٍ وجنٍ بالحرف والصوت ما كان ينتهى حسابهم فى مائة ألف سنةٍ لأن الخلق كثير ويأجوج ومأجوج وحدهم يوم القيامة البشر كلهم بالنسبة لهم كواحدٍ من مائةٍ وفى روايةٍ كواحدٍ من ألفٍ ومن الإنس من عاش ألفى سنةٍ ومنهم من عاش ألفا وزيادة ومنهم من عاش مئاتٍ من السنين وبعض الجن يعيشون ءالافا من السنين وحساب العباد ليس على القول فقط بل على القول والفعل والاعتقاد فلو كان الله يكلمهم بالحرف والصوت لاستغرق حسابهم زمانا طويلا جدا ولم يكن الله أسرع الحاسبين بل لكان أبطأ الحاسبين لكن الله تعالى يقول ﴿وهو أسرع الحاسبين﴾ أى أن الله تعالى أسرع من كل حاسبٍ.

(89) هل يقال عن القرءان بمعنى اللفظ المنزل إنه كلام الله.

      قال الله تعالى فى سورة التوبة ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ أى إن جاءك يا محمد أحد من المشركين واستأمنك أى طلب منك الأمان ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرءان فأمنه أى أعطه الأمان ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ أى حتى يسمع اللفظ المنزل ويتدبره. فالقرءان بمعنى اللفظ المنزل على سيدنا محمدٍ يقال له كلام الله لأنه يدل على كلام الله الأزلى ولأنه ليس من تأليف ملكٍ ولا بشرٍ وليس معناه أن الله نطق به بالحرف والصوت كما نحن نقرؤه بدليل قوله تعالى ﴿إنه لقول رسولٍ كريمٍ﴾ أى أن القرءان هو مقروء جبريل. الله تعالى أجرى القلم بقدرته من غير إمساكٍ لأن الله لا يمس ولا يمس لا يصح أن يمس ولا أن يمس لأن المس لا يحصل إلا باتصال جسمٍ بجسمٍ فكتب فى اللوح المحفوظ القرءان والتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب السماوية ثم أمر الله جبريل بعد أن خلق الأنبياء أن يأخذ هذه الكتب وأن ينزلها على أنبيائه.

(90) ما الرد على المعتزلة القائلين الله متكلم بمعنى أنه خالق الكلام فى غيره.

      المعتزلة نفوا الكلام عن الله فجعلوه أبكم وقالوا إن الحرف والصوت حادثان فلو كان الله يتكلم لكان حادثا أى مخلوقا لذلك قالوا فى قوله تعالى ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ إنه مجاز أى خلق الله الكلام فى الشجرة التى كان موسى عندها فسمع موسى كلام الله من الشجرة وهذا باطل فلو كان الأمر كما يزعمون ما أكد الله الفعل بالمصدر وفى ذلك نفى للمجاز. والمجاز هو استعمال اللفظ فى غير معناه الأصلى قال أبو حيان الأندلسى فى البحر المحيط ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ هذا إخبار بأن الله شرف موسى بكلامه وأكد بالمصدر دلالة على وقوع الفعل على حقيقته لا على مجازه، فيجب اعتقاد أن موسى عليه السلام سمع كلام الله الأزلى الذى ليس حرفا ولا صوتا كما يرى المؤمنون ذات الله فى الآخرة من غير أن يكون جوهرا فردا أو مركبا ومن غير أن يكون عرضا أى صفة للجوهر لأن العقل لا يحيل سماع ما ليس بحرفٍ ولا صوتٍ وإن كنا لا نستطيع تصوره. والجوهر الفرد هو الجزء الذى لا يتجزأ من تناهيه فى القلة أما المركب من أجزاءٍ فهو الجسم.

(91) ما معنى أن الله مباين لجميع المخلوقات فى الذات والصفات والأفعال.

      الله مباين لجميع المخلوقات أى غير مشابهٍ لها فلا يوجد ذات مثل ذاته لأن الله ليس جسما وليس لغيره صفة كصفته أو فعل كفعله قال تعالى فى سورة الشورى ﴿ليس كمثله شىء﴾ وقال تعالى فى سورة النحل ﴿ولله المثل الأعلى﴾ أى لله صفات لا تشبه صفات غيره وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله فعله تعالى (أى تخليقه) صفة له فى الأزل والمفعول (أى المخلوق) حادث.

(92) ما معنى قول العلماء سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

      أى تنزه الله تنزها كاملا عما يقول الكافرون فى حق الله مما لا يليق به كالزوجة والولد. وأكبر الظلم هو ظلم الكافرين فالكافرون بلغوا الغاية فى الظلم ولما كان الكفر أكبر الظلم وأشده أطلق الله فى القرءان الظالمين وأراد به الكافرين قال تعالى فى سورة البقرة ﴿والكافرون هم الظالمون﴾.

(93) تكلم عن صفات الله تعالى.

      الله تعالى متصف بصفات الكمال اللائقة به قال تعالى فى سورة الأعراف ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ أى له الأسماء التى تدل على الكمال ﴿وذروا الذين يلحدون فى أسمائه﴾ أى اتركوا الذين يحرفون ويغيرون فى أسماء الله أى لا تتبعوهم فى ذلك وقال تعالى فى سورة النحل ﴿ولله المثل الأعلى﴾ أى لله صفات الكمال التى لا تشبه صفات غيره. وصفات الله تعالى كلها أزلية أبدية أى لا بداية ولا نهاية لها قال الإمام أبو حنيفة رضى الله عنه فى كتابه الفقه الأكبر من قال بحدوث صفات الله أو شك أو توقف فهو كافر، أى من قال إن الله حدثت له صفات لم يكن متصفا بها فى الأزل أو شك فيها كأن قال لعلها أزلية ولعلها حادثة أو توقف فيها كأن قال لا أقول إنها حادثة ولا أقول إنها أزلية فهو كافر.

(94) قال العلماء بوجوب معرفة ثلاث عشرة صفة لله تعالى، ما هى هذه الصفات.

      الوجود والوحدانية والقدم أى الأزلية والبقاء وقيامه بنفسه أى أنه لا يحتاج إلى غيره والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والحياة والكلام والمخالفة للحوادث أى عدم مشابهته للمخلوقات.

(95) تكلم عن صفة الوجود لله.

      يجب اعتقاد أن الله موجود لا شك فى وجوده ووجوده تعالى ليس بإيجاد موجدٍ لأنه لم يسبق وجوده عدم قال الله تعالى فى سورة إبراهيم ﴿أفى الله شك﴾ أى لا شك فى وجوده.

(96) تكلم عن صفة الوحدانية لله.

      يجب اعتقاد أن الله واحد لا شريك له ولا معبود بحقٍ سواه وليس جسما مؤلفا من أجزاءٍ. فالله تعالى لا شريك له فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى فعله فلا يوجد ذات مثل ذاته وليس لغيره صفة كصفته أو فعل كفعله قال الله تعالى فى سورة البقرة ﴿وإلهكم إله واحد﴾. وليس المراد بوحدانية الله وحدانية العدد لأن الجسم الواحد له أجزاء بل المراد أنه لا شبيه له قال الإمام أبو حنيفة رضى الله عنه فى الفقه الأكبر والله واحد لا من طريق العدد ولكن من طريق أنه لا شريك له.

(97) تكلم عن صفة القدم لله.

      قال الله تعالى فى سورة الحديد ﴿هو الأول﴾ أى أن الله وحده الأول الذى لا ابتداء لوجوده وشرح رسول الله ﷺ الآية بقوله كان الله ولم يكن شىء غيره رواه البخارى، أى أن الله أزلى ولا أزلى سواه فيجب اعتقاد أن الله قديم بمعنى أنه لا ابتداء لوجوده وأن كل ما سواه حادث أى وجد بعد أن لم يكن. وليس معنى القديم فى حق الله أنه مضى عليه زمان طويل قال الإمام أبو جعفرٍ الطحاوى فى عقيدته قديم بلا ابتداءٍ. فلو لم يكن الله قديما لكان حادثا أى مخلوقا والحادث محتاج إلى من أوجده والمحتاج إلى غيره لا يكون إلها. وقد ورد أن الرسول ﷺ كان يقول إذا أراد دخول المسجد أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، والحديث إسناده حسن. فإذا ثبت جواز إطلاق القديم على سلطان الله الذى هو صفته جاز إطلاقه على الذات. فيدل قدم الله أنه كان موجودا قبل العرش والسموات وسائر الخلق بلا مكانٍ ولا جهةٍ والله لا يتغير فلم يزل كما كان فى الأزل موجودا بلا مكانٍ ولا جهةٍ.

(98) تكلم عن صفة البقاء لله.

      يجب اعتقاد أن الله لا يلحقه فناء لأنه لو جاز عليه الفناء لكان مخلوقا ولم يكن أزليا لكن الله أزلى أى لا ابتداء لوجوده فلا يجوز عليه الفناء قال الله تعالى فى سورة الرحمٰن ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أى ذات ربك أى يبقى الله. وبقاء الله بقاء ذاتى أى ليس بإبقاء غيره له أما بقاء الجنة والنار فهو ليس بقاء ذاتيا بل هما باقيتان بإبقاء الله لهما فلا شريك لله تعالى فى صفة البقاء.

(99) تكلم عن صفة القيام بالنفس لله.

      يجب اعتقاد أن الله مستغنٍ عن كل ما سواه فلا يحتاج إلى أحدٍ من خلقه ولا ينتفع ربنا بطاعة الطائعين ولا ينضر بعصيان العصاة وكل شىءٍ سوى الله محتاج إليه لا يستغنى عن الله طرفة عينٍ قال الله تعالى فى سورة ءال عمران ﴿فإن الله غنى عن العالمين﴾ وقال تعالى فى سورة فاطرٍ ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنى الحميد﴾.

(100) تكلم عن صفة القدرة لله.

        يجب اعتقاد أن الله قادر على كل شىءٍ لا يعجزه شىء قال الله تعالى فى سورة الشورى ﴿وهو على كل شىءٍ قدير﴾. والله تعالى لو لم يكن قادرا لكان عاجزا والعجز نقص والنقص مستحيل على الله. ولا يجوز تسمية الله بالقوة أو القدرة لأن القوة بمعنى القدرة صفة لله والله تعالى ليس صفة.

(101) تكلم عن صفة الإرادة لله.

        الإرادة بمعنى المشيئة صفة لله يخصص بها الممكن العقلى بالوجود بدل العدم وبصفةٍ دون صفةٍ. والإرادة شاملة لأعمال العباد الخير منها والشر فكل ما دخل فى الوجود من خيرٍ وشرٍ فبمشيئة الله وقع وحصل ولولا تخصيص الله تعالى للحسنات بالوجود ما وجدت وكذلك الكفريات والمعاصى لولا تخصيص الله تعالى لها بالوجود ما وجدت. ولا يقاس الخالق على المخلوق ففعل العبد للشر قبيح من العبد لأنه منهى عن فعله أما خلق الله للشر فليس قبيحا من الله وكذلك إرادة الله لوجود القبيح ليس قبيحا من الله إنما القبيح فعله وإرادته من العباد. فالله تعالى هو الآمر الناهى الذى لا ءامر له ولا ناهٍ وليس عليه محكومية لأحدٍ قال تعالى ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ فالله مالك كل شىءٍ وله التصرف بما يملك كما يشاء ولا يوصف بالظلم.

(102) اذكر قول الإمام أبى حنيفة فى كسر القدرية القائلين بأن الله ما شاء حصول المعاصى والشرور.

        قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله الكلام بيننا وبين القدرية فى حرفين يقال لهم هل علم الله ما يكون من العباد قبل أن يفعلوا فإن قالوا لا كفروا لأنهم جهلوا ربهم وإن قالوا علم يقال لهم هل شاء خلاف ما علمه فإن قالوا نعم كفروا لأنهم قالوا شاء أن يكون جاهلا وإن قالوا لا رجعوا إلى قولنا.

(103) تكلم عن صفة العلم لله.

        يجب اعتقاد أن الله عالم بكل شىءٍ بعلمه الأزلى فهو عالم بذاته وصفاته وما يحدثه من مخلوقاته لأنه لو لم يكن عالما لكان جاهلا والجهل نقص والله منزه عن النقص قال الله تعالى فى سورة الطلاق ﴿وأن الله قد أحاط بكل شىءٍ علما﴾ ولا يقبل علمه الزيادة ولا النقصان لأن الله لو كان علمه يزيد وينقص لكان مثل خلقه.

(104) تكلم عن صفة السمع لله.

        يجب اعتقاد أن الله يسمع بسمعه الأزلى كل المسموعات فهو تبارك وتعالى يسمع كلامه الأزلى وكلام المخلوقات وأصواتهم من غير حاجةٍ إلى أذنٍ أو ءالةٍ أخرى قال تعالى فى سورة الشورى ﴿وهو السميع البصير﴾.

(105) تكلم عن صفة البصر لله.

        يجب اعتقاد أن الله يرى برؤيته الأزلية كل المرئيات فهو تبارك وتعالى يرى ذاته الأزلى ويرى جميع المخلوقات من غير حاجةٍ إلى حدقةٍ أو شعاع ضوءٍ لأن الله لو كان له عين بمعنى الجسم لكان مثلا لنا ولجاز عليه ما يجوز علينا من الموت والفناء والتغير.

(106) تكلم عن صفة الحياة لله.

        يجب اعتقاد أن الله حى بحياةٍ لا تشبه حياتنا ليست بروحٍ وجسدٍ قال الله تعالى فى سورة البقرة ﴿الله لا إله إلا هو الحى القيوم﴾ فلو لم يكن الله حيا لم يوجد شىء من هذا العالم لأن من ليس حيا لا يتصف بالعلم والقدرة والإرادة ومن لم يتصف بهذه الصفات لا يكون خالقا.

(107) تكلم عن صفة الكلام لله.

        يجب اعتقاد أن الله يتكلم بلا لسانٍ ولا شفتين وكلامه ليس حرفا ولا صوتا ولا لغة ليس له ابتداء وليس له انتهاء لا يطرأ عليه سكوت أو تقطع قال الله تعالى فى سورة النساء ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾. ولا يجوز تسمية الله بالناطق بل يسمى متكلما لأن النطق لا يكون إلا بالحرف والصوت.

(108) ما معنى مخالفة الله للحوادث.

        أى عدم مشابهته للمخلوقات فالله تعالى لا يشبه شيئا من المخلوقات بأى وجهٍ من الوجوه ليس حجما ولا يوصف بصفات الأحجام بدليل قوله تعالى ﴿ليس كمثله شىء﴾ فلا يشبه ربنا ذوى الأرواح من إنسٍ وجنٍ وملائكةٍ وغيرهم ولا يشبه الجمادات من الأجرام العلوية والسفلية ولا يتصف بصفاتها.

(109) ما هى الآيات المحكمات والآيات المتشابهات.

        قال الله تعالى فى سورة ءال عمران ﴿هو الذى أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾. والمحكم هو ما لا يحتمل بحسب وضع اللغة إلا معنى واحدا أو عرف المعنى المراد منه بوضوحٍ كقوله تعالى ﴿ليس كمثله شىء﴾. أما المتشابه فيحتمل معانى عديدة ولم يعرف المعنى المراد منه بوضوحٍ فيحتاج إلى نظر أهل الفهم الذين لهم دراية بالنصوص الشرعية ومعانيها لمعرفة المعنى المراد منه لحمله على الوجه المطابق للمحكم كقوله تعالى فى سورة طه ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ مع تنزيه الله عن استواء المخلوقين كالجلوس والاستقرار والمحاذاة أى كون الشىءٍ فى مقابل شىءٍ.

(110) بين أقسام المتشابه.

        المتشابه قسمان أحدهما ما لا يعلمه إلا الله كوجبة القيامة أى وقت وقوعها وخروج الدجال على التحديد والثانى يعلمه الله والراسخون فى العلم كمعنى الاستواء المذكور فى قوله تعالى ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ فإن الراسخين فى العلم فسروه بالقهر.

(111) ما معنى قوله تعالى ﴿فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون فى العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا﴾.  

        ﴿فأما الذين فى قلوبهم زيغ﴾ أى ضلال وهم المبتدعة فى الاعتقاد كالمشبهة وغيرهم ﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾ أى المتشابه من القرءان ﴿ابتغاء الفتنة﴾ أى ابتغاء إيقاع المؤمن فى اعتقادهم الباطل ﴿وابتغاء تأويله﴾ أى تأويلا باطلا وهو محاولتهم معرفة وقت حصول القيامة وخروح الدجال على التحديد ﴿وما يعلم تأويله﴾ أى وقت حصوله ﴿إلا الله﴾ أى أن القرءان فيه ءايات متشابهات تتعلق بأمورٍ لم يطلع الله أحدا من الخلق على وقت حصولها كوقت قيام الساعة وخروج الدجال على التحديد ﴿والراسخون فى العلم﴾ أى المتمكنون فيه ﴿يقولون ءامنا به﴾ أى بالقرءان كله المحكم منه والمتشابه ﴿كل من عند ربنا﴾ أى كل من المحكم والمتشابه وحى من عند ربنا.

(112) ما هو مسلك السلف فى تأويل الآيات المتشابهة.

        السلف هم أهل القرون الثلاثة الأولى قرن الصحابة وقرن التابعين وقرن أتباع التابعين ومسلك أكثرهم أنهم يؤولون الآيات المتشابهة تأويلا إجماليا أى بالإيمان بها واعتقاد أن لها معنى يليق بالله من غير أن يعينوا لها معنى كآية ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ فيقولون استوى بلا كيفٍ أو على ما يليق به أى من غير أن يكون بهيئةٍ كالجلوس والاستقرار. قال الإمام الشافعى رضى الله عنه فى الآيات المتشابهة ءامنت بما جاء عن الله على مراد الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله، أى على المعنى الذى يليق بالله وليس على المعنى الذى يؤدى إلى تشبيه الله بخلقه.

(113) كيف يرد على من نفى التأويل التفصيلى عن السلف.

        نفى التأويل التفصيلى عن السلف مردود بما فى صحيح البخارى فى كتاب تفسير القرءان وعبارته ﴿كل شىءٍ هالك إلا وجهه﴾ إلا ملكه ويقال ما يتقرب به إليه. وملك الله صفة من صفاته الأزلية ليس كالملك الذى يعطيه للمخلوقين فملك أحباب الله كسليمان وذى القرنين وملك أعداء الله كنمرود وفرعون يفنى أما ملك الله فلا يفنى. وملك الله أى سلطانه فإن الله تعالى له سلطان على هذا العالم وسلطانه لا يفنى. وقوله ما يتقرب به إليه أى الأعمال الصالحة فإنها تبقى لقوله تعالى فى سورة الكهف ﴿والباقيات الصالحات خير عند ربك﴾. وأول البخارى الضحك الوارد فى الحديث الذى فيه ضحك الله الليلة بالرحمة نقل ذلك عنه الخطابى فقال وقد تأول البخارى الضحك فى موضعٍ ءاخر على معنى الرحمة وهو قريب وتأويله على معنى الرضا أقرب. وثبت عن الإمام أحمد أنه قال فى قوله تعالى ﴿وجاء ربك﴾ إنما جاءت قدرته، أى ءاثار القدرة من الأمور العظام التى تظهر يوم القيامة كجر الملائكة لجزءٍ كبيرٍ من جهنم إلى الموقف حتى يراه الكفار فيفزعوا وشهادة الأيدى والأرجل بما كسبه الكفار مع الختم على أفواههم. وهذا الأثر عن الإمام أحمد صحح سنده الحافظ البيهقى.

(114) ما هو مسلك الخلف فى تأويل الآيات المتشابهة.

        الخلف هم من جاءوا بعد القرون الثلاثة الأولى وهؤلاء يؤولون الآيات المتشابهة تفصيلا بتعيين معانٍ لها ولا يحملونها على ظواهرها ولا بأس بسلوكه ولا سيما عند الخوف من تزلزل العقيدة عند إلقاء الشبه على العوام حفظا لهم من التشبيه. وهذا التأويل التفصيلى هو مثل تأويل قوله تعالى فى سورة ص فى توبيخ إبليس ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى﴾ فيجوز أن يقال المراد باليدين العناية والحفظ أى ما منعك يا إبليس أن تسجد لما خلقت بعنايتى وحفظى أى لمن أكرمته وأردت له المقام العالى والخير العظيم وهو ءادم عليه السلام.

(115) ما معنى قوله تعالى فى سورة البقرة ﴿وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون الله يستهزئ بهم﴾.

        أى يجازى الكفار المنافقين على استهزائهم فإنهم كانوا يجتمعون بأمثالهم ويتكلمون بذم الإسلام وكراهيته ويستهزئون به وبعباد الله المسلمين وليس معناه أن الله تعالى يستخف بالمنافقين كما يستخف العباد بعضهم ببعضٍ. وليعلم أنه لا يجوز تسمية الله بالمستهزئ لأنه استخفاف بالله.

(116) ما معنى قوله تعالى فى سورة التوبة ﴿نسوا الله فنسيهم﴾.

        أى تركوا طاعة الله بالإيمان به وبرسوله محمدٍ ﷺ فتركهم الله من رحمته خالدين فى نار جهنم لا يخفف عنهم عذابها. ولا يجوز تسمية الله بالناسى لأنه استخفاف بالله.

(117) ما معنى قوله تعالى ﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾.

        اعلم أن مكر الله ليس كمكر العباد مكر الله لا يذم لأن الله لا يجوز عليه الظلم لا يكون ظالما إن انتقم من عباده الظالمين بما شاء وأما المكر بمعنى الاحتيال فمستحيل على الله. قال الله تعالى فى سورة ءال عمران ﴿ومكروا﴾ أى الكفار فعلوا حيلة وخبثا وخداعا لإيصال الضرر للمسلمين بطريقٍ خفىٍ ﴿ومكر الله﴾ أى عاقبهم على مكرهم ﴿والله خير الماكرين﴾ أى الله أقوى فى إيصال الضرر إلى الماكرين من كل ماكرٍ جزاء لهم على مكرهم. ولا يجوز تسمية الله ماكرا فمن سمى الله ماكرا كفر لأنه استخف بالله.

(118) ما معنى قوله تعالى فى سورة فاطرٍ ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾.

        ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ أى الكلم الطيب كلا إله إلا الله يصعد إلى محل كرامته أى إلى المكان المشرف عند الله وهو السماء، ﴿والعمل الصالح يرفعه﴾ أى أن الكلم الطيب يرفع العمل الصالح أى أن كلمة التوحيد هى الأصل والأساس لرفع الأعمال الصالحة أى لقبولها وهذا التفسير منطبق ومنسجم مع الآية المحكمة ﴿ليس كمثله شىء﴾ فتفسير الآيات المتشابهة يجب أن يرد إلى الآيات المحكمة أى أن يكون موافقا لها وهذا فى المتشابه الذى يجوز للعلماء أن يعلموه كقوله تعالى فى سورة الفجر ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ وأما المتشابه الذى أريد بقوله تعالى فى سورة ءال عمران ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ على قراءة الوقف على لفظ الجلالة فهو ما كان مثل وجبة القيامة أى وقت وقوعها وخروح الدجال على التحديد.

(119) ما معنى قوله تعالى فى الكعبة ﴿بيتى﴾.

        قال الله تعالى فى سورة البقرة فى الكعبة ﴿بيتى﴾ أى أنها بيت مشرف أى معظم عند الله فالإضافة هنا إضافة ملكٍ للتشريف وليس معناه أن الله يسكنها لاستحالة الملامسة أو المماسة بين الله والكعبة فإضافة البيت إلى الله ليست من هذا القبيل.

(120) ما معنى قوله تعالى فى سورة الحديد ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾.

        معنى قوله تعالى ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ الإحاطة بالعلم لا بالجهة أى عالم بكم أينما كنتم وتأتى المعية أيضا بمعنى النصرة والكلاءة أى الحفظ وهى خاصة بالمؤمنين الأتقياء كقوله تعالى فى سورة النحل ﴿إن الله مع الذين اتقوا﴾ أى ينصرهم ويحفظهم وليس معناه يمشى وينتقل معهم فإن الله تعالى نصر الأولياء وحفظهم من أن يغرقهم الشيطان فى المعاصى وليس المعنى بالمعية الحلول والاتصال ويكفر من يعتقد ذلك لأنه سبحانه وتعالى منزه عن الاتصال والانفصال بالمسافة لقوله تعالى ﴿ليس كمثله شىء﴾ فلا يقال إنه تعالى متصل بالعالم ولا منفصل عنه بالمسافة لأن الاتصال والانفصال من صفات الجسم وهو حادث أى مخلوق.

(121) ما معنى قوله تعالى ﴿ألا إنه بكل شىءٍ محيط﴾.

        معناه إحاطة العلم والقدرة أى أنه لا يخرج شىء عن قدرة الله وعلمه وليس معناه أن الله محيط بالعالم كإحاطة الحقة بما فيها والحقة شىء مستدير توضع فيه الأشياء الثمينة.

(122) ما معنى قوله تعالى فى سورة النحل ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾.

        معنى قوله تعالى ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ فوقية القهر وليس فوقية المكان والجهة لأن الله منزه عن المكان والجهة.

(123) ما معنى قوله تعالى ﴿وهو العلى الكبير﴾.

        اعلم أن الله تعالى لا يوصف بالكبر حجما ولا بالصغر ولا بالطول ولا بالقصر لأنه مخالف للحوادث أى لا يشبه المخلوقات بأى وجهٍ من الوجوه أما قول الله تعالى فى سورة سبإٍ ﴿وهو العلى الكبير﴾ فمعناه كبير القدر فيجب طرد كل الخواطر التى تفضى إلى وصف الله بالمقدار والشكل والهيئة لأن الله منزه عن ذلك كله فقد قال رسول الله ﷺ لا فكرة فى الرب رواه أبو القاسم الأنصارى معناه أن الله تعالى لا يدركه الوهم.

(124) ما معنى أشهد أن محمدا رسول الله.

        معنى أشهد أن محمدا رسول الله أعترف بلسانى وأعتقد بقلبى أن محمد بن عبد الله مرسل من عند الله إلى جميع الخلق من إنسٍ وجنٍ أى أن الله أرسله إلى كافة البشر من عربٍ وغيرهم وإلى كافة الجن ليأمرهم بالإيمان بشريعته ويتبعوه فى كل ما جاء به قال الله تعالى فى سورة الفرقان ﴿ليكون للعالمين نذيرا﴾ والإنذار هو التخويف بالنار على المعصية وهذا الإنذار للإنس والجن فقط أما الملائكة فلا يعصون الله أبدا ولا يختارون إلا الطاعة بمشيئة الله فلا يحتاجون إلى إنذارٍ. وأما من كان قبل محمدٍ من الأنبياء فلم يكن مرسلا إلى الإنس والجن لقوله ﷺ كان النبى يرسل إلى قومه وأرسلت إلى الناس كافة رواه البخارى، وليس معناه أن الأنبياء السابقين كانوا لا يأمرون بمعروفٍ ولا ينهون عن منكرٍ إلا من كان من أممهم بل الأنبياء كلهم كانوا يبلغون أقوامهم ومن استطاعوا من غيرهم لأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب على كل من استطاع من أفراد المكلفين وفى حق الأنبياء أوكد فيجب اعتقاد أن الأنبياء مأمورون بالتبليغ فقد كان النبى ﷺ يقول للناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. أما الجن فقد أمر النبى ﷺ بالخروج إليهم فاجتمع بهم ليلا وأخبره الله بالوحى أنه جاء إليه نفر أى جماعة من الجن فاستمعوا القرءان فآمنوا قال الله تعالى فى سورة الجن ﴿قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرءانا عجبا يهدى إلى الرشد فآمنا به﴾.

(125) اذكر بعض نسب النبى ومن أى قبيلةٍ هو وأين ولد وأين مات ودفن.

        هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد منافٍ القرشى ﷺ. ومعرفة نسبه إلى عبد منافٍ من فروض الكفاية أما معرفة أنه محمد بن عبد الله العربى فهو فرض على كل مكلفٍ بعينه. ويجب اعتقاد أنه ولد بمكة وكانت ولادته فى الثانى عشر من شهر ربيعٍ الأول فى عام الفيل وهو العام الذى غزا فيه أبرهة الحبشى الكعبة فأهلكه الله وجيشه قبل أن يدخل مكة. وبعث الرسول بمكة أى نزل عليه الوحى بالنبوة وهو مستوطن فيها وكان عمره أربعين سنة وهاجر إلى المدينة المنورة بأمر الله ومات ودفن فيها فى حجرة السيدة عائشة رضى الله عنها أى دفن حيث مات ﷺ لأن الأنبياء يدفنون حيث يموتون وهذا من خصائص الأنبياء التى خصهم الله بها قال ﷺ الأنبياء يدفنون حيث يموتون.

(126) تكلم عن هجرة النبى ﷺ إلى المدينة المنورة.

        خرج النبى ﷺ من بيته فى مكة فذهب إلى بيت أبى بكرٍ رضى الله عنه وأخبره أنه قد أذن له بالهجرة فطلب أبو بكرٍ من النبى ﷺ أن يصحبه معه فوافق النبى ﷺ فبكى أبو بكرٍ من شدة الفرح بذلك ثم ركبا على ناقتين كان قد أعدهما أبو بكرٍ وانطلقا حتى وصلا إلى غار ثورٍ فدخلاه. وأمر الله شجرة فنبتت عند مدخل الغار فسترته وأمر حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار وأمر العنكبوت فنسجت عليه وكان الكفار يتبعونهما فلما اقتربوا منهما أرسلوا رجلا لينظر فى الغار فلما رأى الحمامتين والشجرة ونسيج العنكبوت رجع إلى أصحابه وأخبرهم أنه لا يوجد أحد فى الغار. وبعد أن ذهب الكفار بمدةٍ أكمل النبى ﷺ وصاحبه طريقهما إلى المدينة فلحقهما سراقة بن مالكٍ بعد أن علم أن كفار قريشٍ وضعوا جائزة لمن يأتيهم بهما فلما اقترب منهما دعا النبى ﷺ عليه فساخت فرسه فى الأرض فطلب سراقة من النبى أن يدعو له ووعد النبى أنه لن يخبر أحدا عنهما فدعا له النبى ﷺ فرجعت فرسه إلى حالها ورجع هو إلى أصحابه. وفى طريقه ﷺ إلى المدينة كان معه أبو بكرٍ وعامر بن فهيرة مولى أبى بكرٍ وابن أريقطٍ يدلهم على الطريق ومروا بأم معبدٍ الخزاعية وكانت لا تعرفهم فقال لها الرسول ﷺ يا أم معبدٍ هل عندك من لبنٍ فقالت لا والله فرأى شاة فى البيت فسألها عنها فقالت شاة خلفها الجهد وهى لا تحلب فمسح النبى ﷺ ظهرها وضرعها ثم دعا بإناءٍ فحلب فيه وملأه فسقى أصحابه ثم حلب فى الإناء وتركه عندها وارتحل. وكان المسلمون فى المدينة قد سمعوا بخروج النبى ﷺ فأخذوا ينتظرون قدومه كل يومٍ حتى كان اليوم الذى جاء فيه النبى ﷺ فانتظروا حتى قويت عليهم حرارة الشمس فرجعوا إلى بيوتهم. وبعد رجوعهم قدم النبى ﷺ وأبو بكرٍ فرءاهما رجل فنادى بأعلى صوته يخبر الأنصار بمجىء النبى ﷺ فخرجوا لاستقباله. ودخل الرسول ﷺ المدينة وهو راكب على ناقته فتركها حتى بركت على البقعة التى بنى عليها مسجده الشريف وأقام عند أبى أيوب الأنصارى وهو خالد بن زيدٍ حتى انتهى من بناء مسجده ومساكن أزواجه. وكانت هجرته ﷺ تنفيذا لأمر الله تعالى وليس جبنا ولا هربا من الكفار ولا طلبا للراحة والاستجمام. وكانت الهجرة فرضا على كل من استطاع من المسلمين لنصرة النبى وتأسيس دولة الإسلام. فالهجرة دروس وعبر فيها الحث على البذل والصبر والثبات والتمسك بتعاليم الإسلام وتغرس ذكراها فى القلوب علو الهمة فى نشر الإسلام والدفاع عن الدين فى زمان غربة الإسلام.

(127) ما معنى الأمى فى حق الرسول ﷺ.

        اعلم أن الرسول ﷺ كان أميا لا يكتب ولا يقرأ المكتوب وهذا معدود فى جملة معجزاته ﷺ وقد وصف الله تعالى نبيه بالأمى بقوله ﴿الذين يتبعون الرسول النبى الأمى﴾ وثبتت أميته بنص الحديث عند أول نزول الوحى عليه لما قال له جبريل اقرأ فقال ما أنا بقارئٍ. والأمية فى حق غيره ليست مدحا أما فى حقه ﷺ فهى مدح له لأنه مع كونه أميا أعجز بلغاء العرب وتحداهم بلغتهم فعجزوا عن التحدى ولجؤوا إلى الافتراء والحرب. وقد جاء فى الحديث أن الرسول ﷺ قال إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. وليس المراد منه مدح الأمية وإنما المراد حساب النجوم لمعرفة أوائل الشهور. وأما استدلال المعترض بهذه الآية ﴿هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم يتلو عليهم ءاياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ وقوله كيف يعلمهم وهو لا يحسن ذلك فلا وجه له لأن الآية ليس فيها أنه يعلمهم القراءة والكتابة وإنما يعلمهم ما ءاتاه الله تعالى من القرءان والحديث.

(128) تكلم عن صفة النبى الخلقية.

        الرسول عليه السلام أبيض شديد البياض وبياضه فيه حمرة وشعره أسود شديد السواد ليس بجعدٍ ولا سبطٍ إنما هو شعر معتدل الخلقة معتدل الشكل حلق حلق، أحيانا كان يصل شعره إلى شحمة أذنه وأحيانا إلى كتفيه ولم يحلق بالموسى إلا فى الحج أو العمرة لم يشب منه إلا عشرون شعرة فى رأسه ووجهه وكان عليه السلام مربوع القامة إلى الطول أى طوله معتدل لم يكن سمينا ولا نحيفا وكان سواء البطن والصدر بعيد ما بين المنكبين أى عريض ما بين المنكبين وكان وجهه أميل إلى الاستدارة كأن الشمس تجرى فى وجهه دقيق الحاجبين أى حاجباه لم يكونا عريضين شثن الكفين والقدمين أى كفه ممتلئة ليست نحيفة وقدماه كذلك لم تكونا نحيفتين أدعج العينين أى شديد سواد العينين أهدب الأشفار أى طويل الأشفار والأشفار هو الشعر النابت على الأجفان وكان على ذراعيه ومنكبيه وأعالى صدره شعر وكان له مسربة وهو شعر دقيق ينزل من الصدر إلى السرة كث اللحية أى لحيته كثيفة لا يرى الجلد من خلالها أقنى الأنف أى أنفه فيه ارتفاع من غير إفراطٍ ضليع الفم أى واسع الفم مفلج الأسنان أى ما بين ثناياه انفراج ليس السن ملتصقا بالسن. فمن رءاه فى المنام على هذه الصفة لا بد أن يموت على الإيمان ولا يعذب فى القبر ولا فى الآخرة.

(129) تكلم عن أخلاق النبى ﷺ.

        قال الله تعالى فى سورة القلم ﴿وإنك لعلى خلقٍ عظيمٍ﴾ وقالت عائشة رضى الله عنها عندما سئلت عن خلق رسول الله ﷺ إن خلق رسول الله ﷺ كان القرءان رواه مسلم، معناه كل خصلة خيرٍ فى القرءان ذكرت كانت فى رسول الله ﷺ. وروى البخارى ومسلم عن البراء بن عازبٍ رضى الله عنه أنه قال كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا، فقد كان رسول الله ﷺ أحلم الناس وأعدل الناس وأعف الناس وكان أسخى الناس لا يبيت عنده دينار ولا درهم ولا يدخر شيئا لغدٍ من شدة ثقته بالله وتوكله على الله، وإن فضل شىء ولم يجد من يعطيه وفجأه الليل لم يأو إلى منزله حتى يرسله إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ مما ءاتاه الله إلا قوت عامه فقط من أيسر ما يجد من التمر والشعير ويضع سائر ذلك فى سبيل الله لا يسأل شيئا إلا أعطاه، من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بكلامٍ يخفف عنه. وكان رسول الله ﷺ أشد الناس حياءا لا يثبت بصره فى وجه أحدٍ وكان عليه الصلاة والسلام رحيما فى تعامله حتى مع الأطفال. وكان أشد الناس تواضعا يجالس الفقراء والمساكين ويؤاكلهم ولا يستكبر أن يمشى مع الأرملة والمسكين والعبد المملوك حتى يقضى لهم حاجتهم. يركب البغلة والحمار ويمشى فى بعض المرات راجلا بلا رداءٍ ولا عمامةٍ. ما كان يمد رجله فى وجه أصحابه، أكثر ضحكه التبسم وأكثر نظره إلى الأرض من كثرة تفكره وتواضعه وكان كثير الأحزان دائما يفكر فى أهوال يوم القيامة يبكى فى صلاته من خشية الله وهو أفضل خلق الله. وكان إذا كلمه أحد يلتفت إليه بكل جسمه من شدة تواضعه. يجيب دعوة العبد والحر ويقبل الهدية ويكافئ عليها ويأكلها ولا يأكل الصدقة وما عاب رسول الله ﷺ طعاما قط إن أعجبه أكله وإن كرهه تركه وكان ربما قام فأخذ ما يأكل بنفسه أو يشرب. يعود المرضى ويشهد الجنائز ويتفقد أصحابه ويكرم أهل الفضل ويمشى وحده بين أعدائه بلا حارسٍ ولا ينتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله بل كان يعفو ويصفح. يبدأ من لقى بالسلام ولا يقوم ولا يجلس إلا على ذكرٍ، لا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه ولا يقطع على أحدٍ حديثه حتى يكون هو المنصرف.

(130) ما الدليل على صدق النبى ﷺ.

        يجب اعتقاد أن النبى ﷺ صادق فى جميع ما أخبر به وبلغه عن الله تعالى. أما الدليل على صدق النبى فهو المعجزة وهى أمر خارق للعادة يأتى على وفق دعوى من ادعى النبوة سالم من المعارضة بالمثل. أمر خارق للعادة أى مخالف لها أما ما كان من الأمور عجيبا ولم يكن خارقا للعادة فليس بمعجزةٍ كالغوص تحت الماء لمدة خمس دقائق بنفسٍ واحدٍ وكذلك ما كان خارقا لكنه لم يقترن بدعوى النبوة كالخوارق التى تظهر على أيدى الأولياء فإنه ليس بمعجزةٍ بل يسمى كرامة لأن الولى لا يدعى أنه نبى وإلا لما حصلت له هذه الخوارق. والأمر الخارق للعادة الذى هو معجزة يأتى على وفق دعوى من ادعى النبوة أى مصدقا له فى دعواه النبوة أما ما لم يكن موافقا للدعوى فلا يسمى معجزة كالذى حصل لمسيلمة الكذاب الذى ادعى النبوة أنه مسح على وجه رجلٍ أعور فعميت العين الأخرى، سالم من المعارضة بالمثل أى لا يستطيع المكذبون للنبى أن يأتوا بمثل ما جاء به من الخوارق. أما العلم بالمعجزات فيحصل بالمشاهدة لمن شاهدوها أو بلوغ خبرها بطريق التواتر فى حق من لم يشهدها. والتواتر معناه انتقال الخبر بواسطة عددٍ كبيرٍ ينقل عن عددٍ كبيرٍ شهد المعجزة وهكذا إلى أن يصل الخبر إلينا بحيث لا يمكن إتفاقهم جميعا على الكذب فى هذا الخبر.

(131) اذكر بعض معجزات الرسول ﷺ.

        من معجزاته ﷺ حنين الجذع وهو خبر متواتر فقد كان الرسول ﷺ يستند حين يخطب إلى جذع نخلٍ فى مسجده قبل أن يعمل له المنبر ثم قيل له يا رسول الله لو عملنا لك منبرا فقال افعلوا إن شئتم فلما عمل له المنبر صعد الرسول ﷺ عليه فبدأ بالخطبة وهو قائم على المنبر فحن الجذع أى بكى كبكاء الطفل الصغير شوقا إلى رسول الله ﷺ الله تعالى خلق فى هذا الجذع حياة بلا روحٍ وخلق فيه شعورا وإحساسا فحن لرسول الله ﷺ حتى سمع حنينه من فى المسجد فنزل رسول الله ﷺ فالتزمه أى ضمه واعتنقه فسكت. ومن معجزاته ﷺ إنطاق العجماء أى البهيمة فقد روى الإمام أحمد فى مسنده والبيهقى فى دلائل النبوة بإسنادٍ صحيحٍ من حديث يعلى بن مرة الثقفى رضى الله عنه أنه قال بينما كنا نسير مع النبى ﷺ إذ مر بنا بعير يسنى عليه أى يحمل عليه الماء فلما رءاه البعير أى لما رأى النبى ﷺ جرجر أى أصدر صوتا من حلقه فوضع جرانه أى خفض مقدم عنقه فوقف عنده النبى ﷺ ثم قال أين صاحب هذا البعير فجاءه فقال النبى ﷺ بعنيه فقال بل نهبه لك يا رسول الله وإنه لأهل بيتٍ ما لهم معيشة غيره أى يحصلون معيشتهم من الأجرة التى يأخذونها للنقل عليه فقال النبى ﷺ أما ما ذكرت من أمره فإنه شكا إلى كثرة العمل وقلة العلف فأحسنوا إليه. ومن معجزاته ﷺ تفجر الماء من بين أصابعه وهو لم يحصل لغير نبينا ﷺ من الأنبياء حيث إن الماء نبع من عظمه وعصبه ولحمه ودمه وهو أعجب من تفجر المياه من الحجر الذى ضربه موسى بعصاه لأن خروج الماء من الحجارة معهود بخلافه من بين اللحم والدم. وخبر تفجر الماء من يده الشريفة ﷺ رواه جابر وأنس وابن مسعودٍ وابن عباسٍ وأبو ليلى الأنصارى وأبو رافعٍ. ومن معجزاته ﷺ رد عين قتادة بعد انقلاعها فقد روى البيهقى فى دلائل النبوة عن قتادة بن النعمان رضى الله عنه أنه أصيبت عينه يوم بدرٍ أى فى معركة بدرٍ فسالت حدقته على وجنته أى سالت عينه على خده فأرادوا أن يقطعوها فسألوا رسول الله ﷺ فقال لا أى لا تقطعوها فدعا به فغمز حدقته براحته أى ردها براحة يده فتعافى فكان لا يدرى أى عينيه أصيبت. ومن معجزاته ﷺ تسبيح الطعام فى يده كما روى ذلك البخارى من حديث ابن مسعودٍ، وانشقاق القمر فإن الكفار طلبوا من رسول الله ﷺ أن يريهم ءاية فأشار إلى القمر فانشق فلقتين وشاهد ذلك من كان بمكة وخارجها.

(132) تكلم عن معجزة الإسراء والمعراج.

        معجزة الإسراء ثابتة بنص القرءان والحديث فيجب الإيمان بأن الله أسرى بعبده محمدٍ ليلا بروحه وجسده يقظة من المسجد الحرام فى مكة إلى المسجد الأقصى فى فلسطين. جاء إليه جبريل عليه السلام وأركبه على البراق وهو دابة من دواب الجنة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع رجله حيث يصل نظره فانطلقا حتى وصلا إلى بيت المقدس. وفى المسجد الأقصى جمع الله عز وجل لسيدنا محمدٍ جميع الأنبياء فصلى بهم إماما. ورأى الرسول ﷺ وهو فى طريقه إلى بيت المقدس عجائب منها أنه رأى الدنيا بصورة عجوزٍ ورأى شيئا متنحيا عن الطريق يدعوه وهو إبليس وشم رائحة طيبة من قبر ماشطة بنت فرعون وكانت مؤمنة صالحة ورأى قوما يزرعون ويحصدون فى يومين فقال له جبريل هؤلاء المجاهدون فى سبيل الله ورأى أناسا تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من نارٍ فقال له جبريل هؤلاء خطباء الفتنة أى الذين يدعون الناس إلى الضلال والفساد ورأى قوما ترضخ رءوسهم أى تكسر ثم تعود كما كانت فقال له جبريل هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن تأدية الصلاة ورأى قوما يخمشون وجوههم وصدورهم بأظفارٍ نحاسيةٍ فقال له جبريل هؤلاء الذين كانوا يغتابون الناس. وأما المعراج من بيت المقدس إلى السموات السبع وإلى ما فوقها فقد ورد فيه قوله تعالى فى سورة النجم ﴿ولقد رءاه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى﴾ أى رأى محمد جبريل مرة ثانية على هيئته الأصلية عند سدرة المنتهى. والقصد من المعراج هو تشريف الرسول ﷺ بإطلاعه على عجائب فى العالم العلوى وتعظيم مكانته. وعرج النبى ﷺ بالمرقاة وهو شبه السلم إلى السماء الأولى فرأى فيها ءادم عليه السلام ثم إلى السماء الثانية فرأى فيها عيسى ويحيى عليهما السلام ثم إلى السماء الثالثة فرأى فيها يوسف عليه السلام ثم إلى الرابعة فرأى فيها إدريس عليه السلام ثم إلى الخامسة فرأى فيها هارون عليه السلام ثم إلى السادسة فرأى فيها موسى عليه السلام ثم إلى السابعة فرأى فيها إبراهيم عليه السلام. ورأى الرسول ﷺ فى المعراج مالكا خازن النار ورأى البيت المعمور وهو بيت مشرف وهو لأهل السماء كالكعبة لأهل الأرض يدخله كل يومٍ سبعون ألف ملكٍ يصلون فيه ثم يخرجون ولا يعودون أبدا ورأى ﷺ فى السماء السابعة سدرة المنتهى وهى شجرة عظيمة بها من الحسن ما لا يصفه أحد من خلق الله يغشاها فراش من ذهبٍ وأصلها فى السماء السادسة وتصل إلى السابعة ودخل الرسول ﷺ الجنة ورأى فيها الحور العين فقلن له نحن خيرات حسان أزواج قومٍ كرامٍ ورأى فيها الولدان المخلدين وهم خلق من خلق الله ليسوا من البشر ولا من الملائكة ولا من الجن ورأى العرش وهو أعظم المخلوقات حجما وحوله ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله وله قوائم كقوائم السرير يحمله أربعة من أعظم الملائكة. خلقه الله إظهارا لقدرته لا ليتخذه مكانا لذاته لأن الله منزه عن الحجم والمكان والجهة وسائر صفات الخلق، ثم وصل الرسول ﷺ إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام التى تنسخ بها الملائكة فى صحفها من اللوح المحفوظ. وفى المعراج سمع رسول الله ﷺ كلام الله تعالى الأزلى الأبدى الذى ليس حرفا ولا صوتا ولا لغة ورأى ربه بقلبه أى جعل الله له قوة البصر بالقلب من غير أن يكون الله فى مكانٍ أو جهةٍ.

(133) تكلم عن عذاب القبر.

        يجب الإيمان بعذاب القبر كعرض النار على الكافر كل يومٍ مرتين مرة أول النهار ومرة ءاخر النهار يتعذب بنظره ورؤيته لمقعده الذى يقعده فى الآخرة قال الله تعالى فى سورة غافرٍ ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا﴾ أى أن ءال فرعون وهم أتباعه الذين عبدوه واتبعوه على الكفر يعرضون على النار فى البرزخ أى فى مدة القبر كل يومٍ مرتين حتى يمتلئوا رعبا ﴿ويوم تقوم الساعة﴾ يقال للملائكة ﴿أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب﴾ وقال تعالى فى سورة طه ﴿ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا﴾ أى أن الكافر الذى أعرض عن الإيمان بالله ورسوله أى لم يؤمن بالله ورسوله يعذب فى قبره وهذا هو المراد بالآية ﴿معيشة ضنكا﴾ أى معيشة ضيقة فى القبر وقد فسرها النبى ﷺ بعذاب القبر كما روى ذلك ابن حبان والطبرانى من طريق أبى هريرة رضى الله عنه. ومن عذاب القبر ضغطة القبر فيقترب حائطا القبر من جانبيه حتى تتداخل أضلاعه وتسلط عليه الأفاعى والعقارب وحشرات الأرض فتنهش وتأكل من جسده وتدخل الأفعى فى فمه ولا يستطيع أن يدفعها عنه لأن أعصابه من شدة الهول تسترخى ومفاصله تنحل فتأكل من فمه وأمعائه وتخرج من دبره فقد روى الطبرانى عن رسول الله ﷺ أنه قال ويسلط عليه عقارب وثعابين لو نفخ أحدهم فى الدنيا ما أنبتت شيئا تنهشه فتؤمر الأرض فتضم حتى تختلف أضلاعه. وأما عصاة المسلمين من أهل الكبائر الذين ماتوا قبل التوبة فهم صنفان صنف يعفيهم الله من عذاب القبر فلا يصيبهم وصنف يعذبهم الله فى القبر ثم ينقطع عنهم العذاب ويؤخر لهم بقية عذابهم إلى الآخرة. ومن عذاب القبر انزعاج بعض عصاة المسلمين من ظلمة القبر ووحشته فقد روى البخارى ومسلم والترمذى وأبو داود والنسائى عن ابن عباسٍ رضى الله عنهما أنه مر رسول الله ﷺ على قبرين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان فى كبير إثمٍ أى بحسب ما يتوهم بعض الناس ليس ذنبهما شيئا كبيرا لكنه فى الحقيقة ذنب كبير لذلك قال بلى أما أحدهما فكان يمشى بالنميمة وهى نقل الكلام بين اثنين للإفساد بينهما وأما الآخر فكان لا يستتر من البول أى لا يتنزه منه بل يلوث جسده به ثم دعا رسول الله بعسيبٍ رطبٍ أى غصن نخلٍ أخضر فشقه اثنين فغرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا ثم قال لعله يخفف عنهما أى لعل عذاب القبر يخفف عنهما ما دام هذان الشقان رطبين. فقد ورد فى الحديث أن النبات الأخضر يسبح الله فإذا وضع على القبر يخفف عن صاحب القبر بتسبيحه إن كان فى نكدٍ فينبغى وضع الشجر الأخضر على القبر لأنه يسبح الله لكن نحن لا نسمعه. كان فى أيام الصحابة رجل من أهل اليمن اسمه أبو مسلمٍ الخولانى هو من الأولياء الكبار لقى الصحابة ولم يلق رسول الله، مرة كان يسبح الله بسبحةٍ فنام فصارت السبحة تدور فى يده وتقول سبحانك يا منبت النبات ويا دائم الثبات أى يا دائم الوجود أى الذى وجوده لا نهاية له ولا يتغير وليس معناه أن الله ساكن بلا حركةٍ. ثم استيقظ فوجدها تسبح وتدور على ذراعه فنادى زوجته أم مسلمٍ قال يا أم مسلمٍ تعالى فانظرى إلى أعجب الأعاجيب فلما جاءت سكتت السبحة.

(134) ما حكم من أنكر عذاب القبر.

        اعلم أن عذاب القبر ثابت بالقرءان والحديث وإجماع الأمة من أنكره فهو كافر مكذب لله ورسوله وممن نقل الإجماع على وجود عذاب القبر الإمام الكبير أبو الحسن الأشعرى فى الإبانة والإمام الحافظ الفقيه أبو جعفرٍ الطحاوى فى عقيدته وابن القطان فى كتابه الإجماع وقال الإمام أبو منصورٍ البغدادى المتوفى سنة أربعمائةٍ وتسعٍ وعشرين فى كتابه الفرق بين الفرق وقطعوا أى أهل السنة والجماعة بأن المنكرين لعذاب القبر يعذبون فى القبر أى لكفرهم وقال ابن العطار الشافعى فى العدة فى شرح العمدة فى أحاديث الأحكام ما نصه فقوله ﷺ عند مروره بالقبرين (أى قبرى اثنين مسلمين) إنهما ليعذبان دليل على إثبات عذاب القبر وهو مذهب أهل السنة وهو مما يجب اعتقاد حقيقته وهو مما نقلته الأمة متواترا فمن أنكر عذاب القبر أو نعيمه فهو كافر لأنه كذب الله ورسوله ﷺ فى خبرهما. والكافر المكلف الذى مات من غير توبةٍ من كفره يعذب فى قبره ويكون عذابه بالروح والجسد قال الله تعالى فى سورة غافرٍ ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب﴾ وقال تعالى فى سورة طه ﴿ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا﴾ أى من أعرض عن الإيمان بالله ورسوله يعذب فى قبره وهذا هو المراد بالآية ﴿معيشة ضنكا﴾ أى معيشة ضيقة فى القبر كما فسرها النبى ﷺ وروى ذلك ابن حبان والطبرانى من طريق أبى هريرة رضى الله عنه. وروى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها أن النبى ﷺ كان يدعو فى الصلاة اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات وروى مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال قال رسول الله ﷺ إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربعٍ من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر المسيح الدجال. فيعلم من ذلك أن عدنان إبراهيم الذى يدعى الإسلام وينكر عذاب القبر هو مكذب لله ورسوله فهو لا يستحى من الله ولا من المسلمين فإنه يدعو إلى الخروج على القرءان الذى أثبت عذاب القبر وإلى الخروج على حديث رسول الله ﷺ وإلى الخروج على الإجماع وهل بعد الإجماع إلا الضلال.

(135) ما الدليل على أن سورة الملك تنجى من عذاب القبر بإذن الله.

        روى الترمذى فى جامعه من حديث ابن عباسٍ رضى الله عنهما أن رجلا ضرب خيمة أى نصب خيمة على قبرٍ فصار يسمع من القبر قراءة تبارك الذى بيده الملك حتى ختمها فذهب إلى رسول الله ﷺ فأخبره بما حصل فقال مصدقا له هى المانعة هى المنجية أى تمنع عن صاحبها عذاب القبر وتنجيه من أهواله. وروى الضياء المقدسى عن أنسٍ وابن حبان عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال إن فى القرءان ثلاثين ءاية تستغفر لصاحبها حتى يغفر له تبارك الذى بيده الملك. فالذى يثبت على قراءتها كل ليلةٍ لا يعذب فى قبره ولا فى الآخرة بإذن الله. ومن فضل الله ورحمته أن المرأة التى تداوم على قراءتها إلا فى حال الحيض والنفاس لا يمنعها من حصول السر لها.

(136) بين أن الشهادة سبب للنجاة من عذاب القبر.

        اعلم أن من نال من المسلمين نوعا من أنواع الشهادات لا يعذب فى قبره ولا فى الآخرة والشهيد هو من شهد الله له بالجنة ومن شهدت له الملائكة بالجنة. والشهداء أنواع فمن قتل فى سبيل الله فى المعركة فهو شهيد معركةٍ ومن قتل دون ماله أى دافع عن ماله لرد معتدٍ يريد أخذه ظلما فقتل فهو شهيد ومن قتل دون دمه أى دافع عن نفسه لرد ظالمٍ أراد أن يقتله فقاتل فقتل فهو شهيد ومن قتل دون دينه أى قتل لدينه فهو شهيد ومن قتل دون أهله كأن دافع عن زوجته ليمنع الاعتداء عليها بالزنا فقتله المعتدى الذى يريد الفاحشة فهو شهيد. ومن مات بغرقٍ أو بحرقٍ فهو شهيد ومن قتله بطنه كأن مات بسبب إسهالٍ أو احتباسٍ لا يخرج منه ريح ولا غائط فهو شهيد لحديث الترمذى من قتله بطنه لم يعذب فى قبره. ومن مات غريبا عن بلده وأهله فهو شهيد لحديث ابن ماجه موت الغريب شهادة. ومن قتله الطاعون أو مات بمرض ذات الجنب أو مات تحت الهدم أو بالتردى من علوٍ إلى سفلٍ فهو شهيد وكذلك المرأة التى ماتت بجمعٍ أى بألم الولادة.

(137) تكلم عن نعيم القبر.

        يجب الإيمان بنعيم القبر كتوسيع القبر سبعين ذراعا طولا فى سبعين ذراعا عرضا للمؤمن التقى وتنويره بنورٍ يشبه نور القمر ليلة البدر ورؤية مقعده فى الجنة كل يومٍ مرتين مرة أول النهار ومرة ءاخر النهار وغير ذلك كشم رائحة الجنة التى تكون له ألذ من كل لذات الدنيا قال رسول الله ﷺ إذا قبر الميت أو الإنسان أتاه ملكان أسودان أزرقان (أى لونهما أسود ممزوج بزرقةٍ) يقال لأحدهما منكر وللآخر نكير فيقولان له ما كنت تقول فى هذا الرجل محمدٍ فهو قائل (أى فى الجواب لهما) ما كان يقول (أى قبل الموت) فإن كان مؤمنا قال هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فيقولان له إن كنا لنعلم أنك لتقول ذلك (أى كنا نعلم قبل أن تجيب أنك كنت على هذا الاعتقاد) ثم يفسح له فى قبره سبعون ذراعا فى سبعين ذراعا (أى يوسع له قبره سبعين ذراعا فى سبعين ذراعا) وينور له فيه فيقال له نم فينام كنوم العروس الذى لا يوقظه إلا أحب أهله (إليه أى ينام نومة هنيئة كنوم الرجل العروس لا يحس بقلقٍ ولا وحشةٍ) حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، رواه ابن حبان. وبعض الناس يتسع قبرهم مد البصر كما حصل مع الصحابى الجليل العلاء بن الحضرمى الذى كان من أكابر الأولياء فإنه خرج للجهاد فى سبيل الله وكان قائدا للجيش فأراد أن يلحق بالكفار فلم يجد سفينة لأنهم أخذوا السفن وهربوا بها فقال بسم الله يا على يا كريم وخاض البحر فلم تبتل ركبه الله جعله كالأرض اليابسة ثم قال للجيش خوضوا فخاضوا فقطعوا من دون أن يلحقهم تعب فلحقوا بالعدو فظفروا بهم وكسروهم ثم بعد ذلك فى أثناء السفر توفى هذا القائد فى أرضٍ بريةٍ فحفروا له لأن إكرام الميت التعجيل بدفنه حفروا له فدفنوه ثم بعد أن تجاوزوا محل الدفن لقوا شخصا من أهل تلك الناحية قال لهم لما علم أنهم قاموا عن دفنه من هذا الذى دفنتموه قالوا هذا العلاء بن الحضرمى فقال ما جزاء صاحبكم أن تتركوه بهذه الأرض هذه الأرض فيها سباع السباع تحفر لتأكل الجثة فقالوا لا نتركه هنا بهذه الأرض فرجعوا فحفروا فلم يجدوه إنما وجدوا القبر ممتدا مد البصر يتلاطم نورا القبر كله أنوار أما جسده فلم يروه رفع إلى حيث يشاء الله.

(138) تكلم عن سؤال الملكين منكرٍ ونكيرٍ.

        يجب الإيمان بسؤال الملكين منكرٍ ونكيرٍ للميت بعد دفنه. والمؤمن الكامل لا يلحقه فزع ولا انزعاج من سؤالهما لأن الله يثبت قلبه وهما لا ينظران إليه نظرة غضبٍ فلا يخاف من منظرهما المخيف فإنهما كما جاء فى الحديث الذى رواه ابن حبان فى صحيحه أسودان أزرقان، وهو أخوف ما يكون من الألوان ولهما أعين حمر كقدور النحاس وصوتهما كالرعد القاصف والمؤمن الكامل يفرح برؤيتهما وسؤالهما يسألانه من ربك ومن نبيك وما دينك فيقول الله ربى ومحمد نبيى والإسلام دينى أما المسلم العاصى فيجيب الملكين كما يجيب المسلم التقى لكن يخاف من منظرهما وأما الكافر فيقول لا أدرى فتضربه الملائكة بمطرقةٍ من حديدٍ بين أذنيه لو ضرب بها الجبل لاندك أى تحطم فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين وهم الإنس والجن فقد روى البخارى ومسلم عن أنسٍ عن النبى ﷺ أنه قال إن العبد إذا وضع فى قبره وتولى عنه أصحابه (أى انصرفوا عنه) وإنه ليسمع قرع نعالهم (أى يسمع صوت طرق نعالهم) إذا انصرفوا أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له ما كنت تقول فى هذا الرجل محمدٍ فأما المؤمن (أى الكامل) فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال له انظر إلى مقعدك من النار (أى لو مت على الكفر) أبدلك الله به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا (فيعرف حينئذٍ فضل الإسلام معرفة عيانية كما كان يعرف فى الدنيا معرفة قلبية) وأما الكافر (أى المعلن وهو الذى يظهر الكفر) أو (الكافر) المنافق (وهو الذى يظهر الإسلام ويخفى الكفر فى قلبه) فيقول لا أدرى كنت أقول ما يقول الناس فيه فيقال له (أى تقول له الملائكة إهانة له) لا دريت ولا تليت (والمعنى واحد أى لا عرفت) ثم يضرب بمطرقةٍ من حديدٍ بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه (أى من بهائم وطيورٍ) إلا الثقلين (وهم الإنس والجن فإن الله تعالى حجب تلك الصيحة عن أسماعهم) وتسيخ به الأرض حتى يصل إلى الأرض السابعة ثم تلفظه الأرض فيرجع إلى القبر. ويستثنى من السؤال النبى ﷺ لشرفه أى لعظيم قدره والطفل وهو الذى مات دون البلوغ لأنه ليس مكلفا وشهيد المعركة لأن روحه تصعد مباشرة إلى الجنة. وورد أن من يموت يوم الجمعة أو ليلته وكان عاصيا لا يسأل فى قبره وبالأولى إذا مات فى رمضان فى ليلة الجمعة لحديث من مات يوم الجمعة أو ليلته أمن الفتانين وعن عبد الله بن عمرٍو أنه قال قال رسول الله ﷺ ما من مسلمٍ يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر رواه الترمذى.

(139) ما هو البعث.

        البعث هو خروج الموتى من القبور بعد إحيائهم أى بعد إعادة الجسد الذى أكله التراب إن كان من الأجساد التى يأكلها التراب فيعاد تركيب الجسد على عظمٍ صغيرٍ قدر حبة خردلةٍ يسمى عجب الذنب قال رسول الله ﷺ ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل أى يختلط هذا الماء بالتراب وبعجب الذنب فيعيد الله الأجساد التى أكلها التراب. وهذا العظم لا يبلى ولو سلط عليه نار شديدة قال رسول الله ﷺ ليس من الإنسان شىء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة وفى روايةٍ عند ابن حبان يأكل التراب كل شىءٍ من الإنسان إلا عجب ذنبه قيل وما هو يا رسول الله قال مثل حبة خردلٍ منه ينشأ، أى أن عجب الذنب هو أول عظمٍ يتكون فى الجنين وعليه يركب سائر جسد الإنسان. أما الأنبياء فلا تبلى أجسادهم لقوله ﷺ إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فالأنبياء أحياء فى قبورهم يصلون تلذذا بعبادة الله قال ﷺ الأنبياء أحياء فى قبورهم يصلون، رواه البيهقى. وكذلك شهداء المعركة وبعض الأولياء لا تبلى أجسادهم لما تواتر من مشاهدة بعض الأولياء ومنهم الحافظ أبو عمرو بن الصلاح الذى شوهدت جثته صحيحة لم يتغير منها شىء وقد مضى على وفاته أكثر من ثمانمائة سنةٍ. وأول من ينشق عنه القبر هو سيدنا محمد ﷺ ثم بعده الأنبياء. وأهل مكة والمدينة والطائف من أول من يبعث ويحصل البعث بعد أن ينفخ الملك إسرافيل عليه السلام النفخة الثانية فيقوم الأموات من قبورهم بعد عود الأرواح إلى أجسادهم.

(140) ما هو الروح.

        الروح جسم لطيف أى لا يقبض باليد، لا يعلم حقيقته إلا الله قال الله تعالى فى سورة الإسراء ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾. وهو خلق من خلق الله، بعض جهلة المتصوفة سموا الله روحا وهذا إلحاد وكفر والعياذ بالله، وقد أجرى الله العادة أن تستمر الحياة فى أجسام الملائكة والإنس والجن والبهائم ما دامت الأرواح مجتمعة معها، وخالف فى ذلك محمد متولى الشعراوى فقال إن البهائم لا أرواح لها، ذكر ذلك فى كتابيه التفسير والفتاوى وهو تكذيب للقرءان والحديث وإجماع الأمة. والروح حادث مخلوق لكنه لا يفنى. والمؤمن التقى إذا مات وبلى جسده ولم يبق منه إلا عجب الذنب يكون روحه فى الجنة أما شهيد المعركة فيصعد روحه فورا إلى الجنة. وتكون أرواح عصاة المسلمين أى أهل الكبائر الذين ماتوا بلا توبةٍ بعد بلى الجسد فيما بين السماء والأرض وبعضهم فى السماء الأولى أما الشهيد العاصى فيصعد روحه فورا إلى الجنة. وتكون أرواح الكفار بعد أن تبلى أجسادهم فى سجين وتبقى هناك إلى يوم القيامة وسجين مكان مظلم وموحش فى الأرض السابعة تسجل فيه أسماء الكفار.

(141) ما هو الحشر.

        الحشر هو أن يجمع الناس بعد البعث إلى مكانٍ وقد ورد أنه الشام لكنه يوسع ذلك اليوم ليسع الجميع قال تعالى فى سورة ق ﴿وجاءت كل نفسٍ معها سائق وشهيد﴾ أى ملك يسوقه إلى موقف القيامة وملك يشهد عليه ثم ينقلون عند دك الأرض إلى ظلمةٍ عند الصراط فإن هذه الأرض تدك يوم القيامة أى تزلزل مرة بعد مرةٍ فينهدم كل بناءٍ عليها وينعدم ثم بعد أن تبدل الأرض غيرها يعيد الله البشر إليها ويقضى بينهم. ويكون الحشر على الأرض المبدلة وهى أرض مستوية كالجلد المشدود لا جبال فيها ولا وديان أكبر وأوسع من أرضنا هذه بيضاء كالفضة ويكون الناس فى الحشر على ثلاثة أحوالٍ فقسم من الناس طاعمون كاسون راكبون على نوقٍ رحائلها أى سروجها من ذهبٍ وهم الأتقياء وقسم يحشرون حفاة عراة وهم المسلمون الفاسقون أى أهل الكبائر وقسم يحشرون حفاة عراة ويجرون على وجوههم أى تسحبهم الملائكة على وجوههم وهم الكفار، الكافر يوم القيامة فى بعض الأوقات يمشى على وجهه، كما أمشاه الله فى الدنيا على رجليه يمشيه الله على وجهه حتى يظهر أنه حقير وعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ قال يبعث الناس (أى أغلب الناس) يوم القيامة حفاة عراة غرلا أى غير مختونين فقالت عائشة فكيف بالعورات قال ﴿لكل امرئٍ منهم يومئذٍ شأن يغنيه﴾ أى أن لكل واحدٍ حالا يشغله عن النظر فى حال غيره. وتسلط الشمس على الكفار التى تكون واقفة فى الفضاء بلا غروبٍ ولا شروقٍ فيغرقون فى العرق حتى يصل عرق أحدهم إلى فمه ولا يتجاوز إلى شخصٍ ءاخر بل يقتصر عليه حتى يقول الكافر من شدة ما يقاسى من حر الشمس رب أرحنى (أى من هذا العذاب) ولو إلى النار فقد روى ابن حبان عن عبد الله بن مسعودٍ رضى الله عنه عن النبى ﷺ أنه قال إن الكافر ليلجمه العرق يوم القيامة فيقول أرحنى ولو إلى النار. لكن بعد دخوله جهنم يجد العذاب الأكبر قال تعالى فى سورة الزمر ﴿ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون﴾. أما التقى فلا يصيبه أدنى انزعاجٍ. فالإنس يحشرون وكذلك الجن والبهائم قال تعالى فى سورة التكوير ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ أى بعثت للقصاص وقال رسول الله ﷺ لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء رواه مسلم، أى أن الله تعالى يأخذ الحقوق لأهلها حتى يؤخذ حق الشاة الجلحاء من الشاة القرناء التى ضربتها فى الدنيا والشاة الجلحاء هى الشاة التى ليس لها قرن أما القرناء فلها قرن ولكن ليس معنى ذلك أن تؤخذ القرناء التى ضربت الأخرى إلى النار إنما هذه تضرب هذه كما ضربتها فى الدنيا ثم تموت ولا تدخل الجنة ولا النار إنما تعود ترابا.

(142) تكلم عن القيامة.

        القيامة هى قيام الموتى للحساب وأولها من خروج الناس من قبورهم إلى استقرار أهل الجنة فى الجنة وأهل النار فى النار. ومقدار القيامة خمسون ألف سنةٍ قال الله تعالى فى سورة المعارج ﴿فى يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنةٍ﴾ والتقى لا يحس بطول الوقت لأن الله ملأ قلبه سرورا، الله تعالى يجعل هذا اليوم الطويل للتقى كتدلى الشمس للغروب قدر ساعةٍ تقريبا. وقسم من يوم القيامة لا يسأل أحد فيه عن ذنبه يكونون وقوفا بلا كلامٍ حتى يأذن الله لهم وهذا الوقت الذى لا يسأل فيه أحد قدر ألف سنةٍ قال تعالى فى سورة الرحمٰن ﴿فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾. ووجبة القيامة أى وقت وقوعها لا يعلمه على التحديد إلا الله. والقيامة تقوم على الكفار وقبل ذلك بمائة عامٍ تأتى ريح وتدخل تحت إبط كل مسلمٍ فيموت المسلمون ويبقى الكفار فتقوم القيامة عليهم ينفخ الملك إسرافيل عليه السلام فى الصور أى فى البوق فتتقطع قلوب الكفار فيموتون وكذلك الجن الكفار يموتون تلك الساعة فلا يبقى بشر ولا جن على وجه الأرض إلا وقد مات. ثم بعد موت البشر والجن يموت الملائكة وءاخرهم موتا ملك الموت عزرائيل عليه السلام. ثم بعد ذلك يحيى الله إسرافيل فينفخ مرة ثانية فيقوم الأموات من قبورهم للسؤال والحساب. ويوم القيامة تدك هذه الأرض دكا أى تتحطم هذه الأرض جبالها وأشجارها والأبنية التى كانت عليها، الجبال تصير غبارا ناعما إلا ما كان من جبل أحدٍ فإنه ينقل إلى الجنة والمساجد أيضا تنقل إلى الجنة وقد ورد فى الحديث أن المساجد تزف إلى الجنة كما تزف العروس، والسموات تتشقق وتوضع فى الجنة والبحار تشتعل نارا. والكفار فى حالٍ من الأحوال يوم القيامة يختم الله على أفواههم أى يمنع أفواههم من الكلام لأنهم يسألون فينكرون ما كانوا عليه من الكفر فتنطق جوارحهم وجلودهم فتشهد عليهم بما عملوا كما قال تعالى فى سورة فصلت ﴿وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذى أنطق كل شىءٍ﴾. والأرض التى فعل عليها الإنسان من حسنةٍ أو معصيةٍ فى هذه الدنيا، الله تعالى يعيدها فتشهد عليه تنطق وتقول فلان فعل على كذا وكذا فى وقت كذا وكذا.

(143) اذكر أشراط الساعة الكبرى.

        أشراط الساعة الكبرى أى علامات القيامة عشرة خروج الدجال ونزول المسيح من السماء وخروج يأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها وخروج دابة الأرض وهى تكلم الناس وتميز المؤمن من الكافر ودخان ينتشر فى الأرض يكاد الكافرون يموتون من شدة هذا الدخان وثلاثة خسوفٍ خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وهى تقع فى أوقاتٍ متقاربةٍ ويحتمل أن تقع فى ءانٍ واحدٍ بعد خروج الدجال ونزول المسيح من السماء. والخسوف معناه انشقاق الأرض وبلع من عليها ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المغرب.

(144) من هم يأجوج ومأجوج.

        يأجوج ومأجوج قبيلتان من البشر كفار ومكانهم فى الأرض محجوب عن الناس حجزهم الصعب ذو القرنين عن قوم ما بين الجبلين بطلبٍ منهم ليمنع عنهم عدوانهم. والصعب ذو القرنين عليه السلام كان من أكابر الأولياء بنى سدا أى حاجزا من حديدٍ ثم أذيب عليه النحاس فصار أمتن فلا يستطيع أحد من البشر أن يترقاه بطريق العادة. ويأجوج ومأجوج يحاولون كل يومٍ أن يخترقوه فلا يستطيعون ويقولون كل يومٍ بعد طول عملٍ وجهدٍ غدا نكمل فيعودون فى اليوم التالى فيجدون ما فتحوه قد سد إلى أن يقولوا غدا نكمل إن شاء الله فيعودون فى اليوم التالى فيجدون ما بدؤوا به قد بقى على حاله فيكملون الحفر ويخرجون. ويحصل هذا بعد نزول سيدنا عيسى من السماء بمدةٍ. ويأجوج ومأجوج لا يموت أحدهم حتى يلد ألفا من صلبه أو أكثر كما ذكر الرسول ﷺ فيصير عددهم قبل خروجهم كبيرا جدا حتى إن بقية البشر يوم القيامة بالنسبة لهم كواحدٍ من مائةٍ. ولا يتجرأ المسلمون لحربهم فيذهب سيدنا عيسى عليه السلام ومعه المؤمنون إلى جبل الطور يدعون الله أن يهلكهم ويستغيثون به منهم فينزل الله عليهم دودا يدخل رقبة كل واحدٍ منهم فيسقط ميتا ثم يرسل الله تعالى طيورا فتحملهم وترميهم فى البحر ثم ينزل مطر يجرف ءاثارهم إلى البحر.

(145) من هو الأعور الدجال.

        الأعور الدجال رجل كافر عظيم الجسد من بنى إسرائيل إحدى عينيه طافية كالعنبة والأخرى ممسوحة. وهو محبوس فى جزيرةٍ فى البحر ليست معروفة، الملائكة حبسوه. ويقال له المسيح الدجال لكثرة سياحته أى تنقله فى الأرض، الله تعالى يسهل له التنقل فى الأرض بطريقٍ غريبٍ فيضل خلقا كثيرا لأنه يقول للناس أنا ربكم ويدعو الناس إلى الإيمان به لكنه لا يستطيع أن يدخل مكة والمدينة فقد ثبت أن الدجال يأتى إلى المدينة فيجد على كل نقبٍ من أنقابها ملكا معه سيف مسلط فيفر. الله تعالى ابتلاء منه يظهر على يديه خوارق منها أنه يقول للسماء أمطرى فتمطر ويقول للأرض أخرجى زرعك فتخرجه ويشق رجلا من المؤمنين يكذبه فى وجهه نصفين ثم يحييه بإذن الله فيقول الرجل لم أزدد بهذا إلا تكذيبا لك. والدجال معه نهران واحد من نارٍ وهو برد على المؤمنين وواحد من ماءٍ وهو نار عليهم. وقبل ظهوره بثلاث سنواتٍ تمسك السماء ثلث مائها ثم بعد سنةٍ تمسك ثلثى مائها ثم قبل ظهوره بسنةٍ تمسك كل مائها. والأعور الدجال يصادف نبى الله عيسى عليه السلام بفلسطين فيقتله نبى الله عيسى عليه السلام بباب لدٍ، ولد قرية من قرى فلسطين.

(146) تكلم عن دعوة سيدنا عيسى عليه السلام وعن صفاته الخلقية والخلقية.

        سيدنا عيسى عليه السلام هو عبد الله ورسوله إلى بنى إسرائيل وهو ءاخر أنبياء بنى إسرائيل. خلقه الله تعالى من غير أبٍ كما خلق ءادم من غير أبٍ وأمٍ قال الله تعالى فى سورة ءال عمران ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من ترابٍ﴾. وأمه الولية الطاهرة مريم بنت عمران أفضل نساء العالمين. لما بلغ عيسى عليه السلام الثلاثين من العمر أوحى الله إليه أن يدعو الناس إلى عبادة الله فقام يدعو الناس إلى عبادة الله وحده وأن لا يشركوا به شيئا وإلى الإيمان به عليه السلام أنه رسول الله مؤيدا بالمعجزات الدالة على نبوته فآمن به اثنا عشر شخصا يسمون الحواريين فصاروا يدعون الناس إلى الإسلام. علمه الله التوراة وأنزل عليه كتابا سماويا هو الإنجيل فيه الأمر باتباع محمدٍ عليه السلام إذا ظهر وفيه الأمر بعبادة الله وحده وأن لا يشرك به شىء وفيه بيان أحكام شريعته كتحريم الربا وكل ضارٍ للعقل أو البدن وأكل لحم الخنزير وفيه الأمر بالصلاة والصيام وغير ذلك من أمور الدين. وكان سيدنا عيسى عليه السلام جميل الشكل حسن الصوت مربوع القامة أى طوله معتدل، ءادم اللون أى ذا سمرةٍ خفيفةٍ مع شىءٍ من الحمرة وبياضٍ خفيفين، سبط الشعر أي شعره مسترسل ناعم، وكان زاهدا لا يبالى بنعيم الدنيا وملذاتها الفانية بل كان قلبه متعلقا بطاعة ربه والعمل للآخرة ، وكان عليه السلام يلبس الشعر ويأكل من ورق الشجر من نحو الملوخية والهندباء من غير طبخٍ، وكان لا يدخر عنده شيئا بل ينفقه على الفقراء والمساكين، ولم يتخذ منزلا يأوى إليه بل كان بيته المساجد. وكان عليه السلام كثير البكاء من خشية الله شديد التوكل على الله، يتحرى الطعام الحلال وقيل إنه كان يأكل من غزل أمه مريم عليها السلام. وسمى بالمسيح لكثرة سياحته أى تنقله فى الأرض ليعلم الناس دين الله ويدعوهم إلى عبادة الله وحده وقيل سمى بذلك لأنه كان يمسح بيده الشريفة على الأبرص والأكمه أى الذى يولد أعمى فيشفى بإذن الله وليس معناه أن عيسى عليه السلام كان على غير الإسلام.

(147) تكلم عن رفع سيدنا عيسى عليه السلام إلى السماء.

        اعلم أن سيدنا عيسى عليه السلام لم يقتل ولم يصلب إنما رفعه الله إلى السماء الثانية قال تعالى فى سورة النساء ﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾ وقال تعالى ﴿وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه﴾ أى إلى محل كرامته أى إلى المكان الذى هو مشرف عنده وهو السماء وليس معناه أن الله يسكن السماء لأنه موجود بلا مكانٍ ولا جهةٍ وقال تعالى فى سورة ءال عمران ﴿إنى متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا﴾ أى رافعك إلى السماء ومتوفيك بعد إنزالك إلى الأرض وهو قول عبد الله بن عباسٍ وهذا القول هو الموافق للأحاديث. ﴿ومطهرك من الذين كفروا﴾ أى مخلصك من الذين كفروا وهم اليهود، أوحى الله إليه أن اليهود يريدون قتله فقد روى ابن أبى حاتـمٍ والنسائى بإسنادٍ صحيحٍ عن عبد الله بن عباسٍ أنه قال كان عيسى مع اثنى عشر من أصحابه فى بيتٍ فقال إن منكم من يكفر بى بعد أن ءامن ثم قال أيكم يلقى عليه شبهى ويقتل مكانى فيكون رفيقى فى الجنة فقام شاب أحدثهم سنا فقال أنا قال اجلس ثم عاد (عيسى عليه السلام مقالته) فعاد (الشاب وقال أنا) فقال اجلس ثم عاد (عيسى عليه مقالته) فعاد (الشاب) الثالثة (أى قال أنا) فقال أنت هو فألقى عليه شبهه (أى ألقى الله شبه عيسى عليه السلام على الشاب) فأخذ الشاب فصلب (أى دخل عليه الكفار فى البيت فأخذوه ثم علقوه على خشبةٍ ثم قتلوه) بعد أن رفع عيسى عليه السلام من روزنةٍ فى البيت. والروزنة نافذة فى السطح يصعد إليها تكون فى زاويةٍ من البيت. فيفهم من ذلك أن بعض أمته عليه السلام كفروا بعد أن ءامنوا. وبعد أن ينزل سيدنا عيسى عليه السلام إلى الأرض يمكث فيها أربعين سنة ثم يتوفى فيصلى عليه المسلمون ويدفن فى الحجرة الشريفة بجوار سيدنا محمدٍ ﷺ.

(148) ما الدليل على نزول سيدنا عيسى عليه السلام من السماء.

        قال الله تعالى فى سورة الزخرف ﴿وإنه لعلم للساعة﴾ أى أن نزول سيدنا عيسى من السماء علامة من العلامات الكبرى ليوم القيامة وقال رسول الله ﷺ ليوشكن أن ينزل فيكم عيسى ابن مريم حكما مقسطا وليسلكن فجا حاجا أو معتمرا وليأتين قبرى حتى يسلم على ولأردن عليه، رواه الحاكم فى المستدرك. فيجب اعتقاد أن سيدنا عيسى عليه السلام ينزل إلى الأرض ويحكم بشريعة محمدٍ ﷺ وعندما ينزل من السماء يكون واضعا يديه على أجنحة ملكين ويكون المهدى فى شرق دمشق قد تهيأ لصلاة الفجر فيراه المهدى فينتظر فلما يصل سيدنا عيسى إلى الأرض يتأخر المهدى فيقول له سيدنا عيسى تقدم لك أقيمت فيصلى سيدنا عيسى عليه السلام خلف المهدى إعلاما للناس أنه نزل ليحكم بالإسلام ويعمل بشريعة محمدٍ ﷺ وبعد تلك المرة يصلى سيدنا عيسى بالناس إماما لأنه نبى والنبى أفضل من الولى أما المهدى فهو ولى من أولياء الله تعالى. وفى زمان عيسى تحصل معجزة باهرة فى تأييد الإسلام كل موضعٍ يصل إليه نظر عيسى يصل إليه نفسه فيموت الكفار ولا يبقى على وجه الأرض كافر.

(149) من هو المهدى المنتظر.

        اعلم أن القيامة لا تقوم حتى تحصل أشراط الساعة الصغرى والكبرى أما العلامات الصغرى فمنها قلة العلم وكثرة الجهل أى الجهل بعلم الدين وكثرة القتل والظلم وكثرة الأمراض التى ما كان يعرفها الناس سابقا وكثرة الدجالين وخطباء السوء وادعاء أناسٍ النبوة وتداعى الأمم على أمة محمدٍ كتداعيهم على قصعة الطعام يحيطون بهم من كل صوبٍ وهذا كله حصل. ومن ءاخرها ظهور المهدى وهو ثابت فى الحديث الصحيح الذى رواه ابن حبان فى صحيحه وأبو داود فى سننه والترمذى فى جامعه والحاكم فى المستدرك من حديث عبد الله بن مسعودٍ رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال لا تقوم الساعة حتى يملك الناس رجل من أهل بيتى يواطئ اسمه اسمى واسم أبيه اسم أبى فيملأها (أى الأرض) قسطا وعدلا. والمهدى عليه السلام هو محمد بن عبد الله وهو حسنى أو حسينى من ولد فاطمة رضى الله عنها وهو رجل طويل القامة ءادم أى أسمر وجهه كالكوكب الدرى فى الحسن والوضاءة أجلى الجبهة أقنى الأنف أكحل العينين واسعهما دقيق الحاجبين طويلهما مفروق الحاجبين غير مقرونهما فى خده الأيمن خال أسود كث اللحية براق الثنايا يولد بالمدينة المنورة وينشأ بها ثم يأتى إلى مكة المكرمة فيبايعه الأولياء. وقد ورد فى الأثر أنه يسير معه فى أول أمره ملك ينادى يا أيها الناس هذا خليفة الله المهدى فى الأرض فاتبعوه وورد فى الأثر أن المهدى عليه السلام أول ما يخرج يخرج من المدينة المنورة ويخرج معه ألف من الملائكة يمدونه ثم يذهب إلى مكة المكرمة حيث ينتظره ثلاثمائةٍ من الأولياء هم أول من يبايعه ويخرج جيش لغزوه فيخسف الله بذلك الجيش الأرض فيما بين مكة والمدينة بعد ذلك يأتى إلى بر الشام وفى أيام المهدى تحصل مجاعة والمؤمن الكامل فى ذلك الوقت يشبع بالتسبيح والتقديس أى بذكر الله وتعظيمه. ويكون بين عيسى والمهدى سبع أو تسع سنواتٍ.

(150) تكلم عن الحساب.

        الحساب هو عرض أعمال العباد عليهم أى يعرض عليهم ما عملوا فى الدنيا فيعطى كل إنسانٍ كتاب عمله. المؤمن يأخذ كتابه بيمينه والكافر يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره وهذا الكتاب هو الذى كتبه الملكان رقيب وعتيد فى الدنيا. ويكون الحساب بتكليم الله للعباد جميعهم كما ورد فى الحديث الصحيح الذى رواه أحمد والترمذى ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربه يوم القيامة، أى أن الله تعالى يكلم كل إنسانٍ يوم القيامة فيسمع العبد كلام الله الأزلى الذى ليس حرفا ولا صوتا ولا لغة فيفهم العبد من كلام الله السؤال عن أفعاله وأقواله واعتقاداته فيسر المؤمن التقى ولا يسر الكافر بل يغلب عليه الخوف والقلق وينتهى حسابهم فى وقتٍ قصيرٍ. فلو كان حساب الله لخلقه من إنسٍ وجنٍ بالحرف والصوت ما كان ينتهى حسابهم فى مائة ألف سنةٍ لأن الخلق كثير وحساب العباد ليس على القول فقط بل على القول والفعل والاعتقاد فلو كان حسابهم بالحرف والصوت لاستغرق حسابهم زمانا طويلا جدا ولم يكن الله أسرع الحاسبين بل لكان أبطأ الحاسبين لكن الله تعالى يقول ﴿وهو أسرع الحاسبين﴾ أى أن الله تعالى أسرع من كل حاسبٍ.

(151) ما معنى الثواب.

        الثواب هو الجزاء الذى يجازاه المؤمن فى الآخرة على العمل الصالح مما يسره. والثواب فضل من الله ولا يجب على الله أن يثيب الطائعين لكنه وعدهم بالثواب ووعده حق ولا يخلف الله وعده.

(152) ما معنى العذاب.

        العذاب هو الجزاء الذى يجازاه العبد فى الآخرة مما يسوؤه على ما عمل من سيئاتٍ كأذى حر الشمس فإن الشمس تدنو من الأرض يوم القيامة حتى تكون بمقدار ميلٍ أى ألفى ذراعٍ فقد روى ابن حبان عن عقبة بن عامرٍ أنه قال رأيت رسول الله ﷺ يقول تدنو الشمس من الأرض فيعرق الناس فمن الناس من يبلغ عرقه كعبيه ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه ومنهم من يبلغ إلى العجز ومنهم من يبلغ إلى الخاصرة ومنهم من يبلغ عنقه ومنهم من يبلغ وسط فيه (أى فمه) ومنهم يغطيه عرقه. فمن عاقبه الله فبعدله ولا يظلم الله أحدا لأنه المالك الحقيقى لكل شىءٍ وهو يفعل فى ملكه ما يشاء فلا يتصور منه الظلم لأن الظلم يتصور ممن له ءامر وناهٍ كالعباد إذ الظلم هو مخالفة أمر ونهى من له الأمر والنهى والله تعالى ليس له ءامر ولا ناهٍ قال تعالى فى سورة فصلت ﴿وما ربك بظلامٍ للعبيد﴾.

(153) تكلم عن الميزان.

        يجب الإيمان بالميزان الذى توزن به أعمال العباد يوم القيامة والذى يتولى وزنها الملكان جبريل وميكائيل والذى يوزن هو الصحائف التى كتب عليها الحسنات والسيئات. والميزان من حيث التركيب كميزان الدنيا لكنه أكبر حجما له قصبة وعمود وكفتان كفة للحسنات وكفة للسيئات فتوضع صحائف الحسنات فى كفةٍ وصحائف السيئات فى الكفة الأخرى فمن رجحت حسناته على سيئاته فهو من أهل النجاة والفوز يدخل الجنة من غير عذابٍ ومن تساوت حسناته وسيئاته فهو من أهل النجاة أيضا لكن يكون أقل مرتبة. ومن رجحت سيئاته على حسناته فهو تحت مشيئة الله إن شاء عذبه مدة فى النار ثم أدخله الجنة وإن شاء غفر له وأدخله الجنة من غير عذابٍ. وأما الكافر فتوضع سيئاته فى كفةٍ من الكفتين فترجح كفة سيئاته لأنه لا حسنات له فى الآخرة فالكافر يجازى فى هذه الدنيا بالرزق وصحة الجسم ونحو ذلك على أعماله الحسنة قال رسول الله ﷺ وأما الكافر فيطعم بحسناته فى الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له منها نصيب، رواه مسلم.

(154) تكلم عن النار.

        يجب الإيمان بالنار أى جهنم وهى دار العذاب الدائم للكافرين ويعذب فيها بعض عصاة المسلمين مدة ثم يخرجون منها ويدخلون الجنة ومكانها تحت الأرض السابعة وهى موجودة الآن لقوله تعالى ﴿أعدت للكافرين﴾ لا تفنى ولا يفنى أهلها لقول الله تعالى ﴿إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا﴾ وقوله تعالى ﴿وما هم بخارجين من النار﴾ ومن قال بفناء النار فقد كذب القرءان وكفر. ولا يخفف العذاب عن الكفار كأبى لهبٍ لقوله تعالى ﴿خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب﴾. ويزيد الله فى حجم الكافر فى النار ليزداد عذابا حتى يكون ضرسه كجبل أحدٍ وما بين منكبيه مسيرة ثلاثة أيامٍ وغلظ جلده سبعين ذراعا تأكله النار كل يومٍ سبعين ألف مرةٍ فلو كانت خلقته كما هى فى الدنيا لذاب بلحظةٍ ولا يموت الكفار فى النار فيرتاحون من العذاب ولا يحيون حياة هنيئة طيبة بل هم دائما فى نكدٍ وعذابٍ. ونار جهنم تأكل اللحم وتكسر العظم ثم تستولى على القلوب فلا يوجد شىء أكثر وأشد تألما من القلب إذا استولت عليه نار جهنم قال تعالى ﴿التى تطلع على الأفئدة﴾. وطعام الكفار فى جهنم من ضريعٍ وهو شجر كريه المنظر والطعم والرائحة قال تعالى ﴿ليس لهم طعام إلا من ضريعٍ﴾ وكذلك يأكل أهل النار من شجرة الزقوم قال تعالى ﴿إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلى فى البطون كغلى الحميم﴾ وهذه الشجرة منظرها قبيح جدا ورائحتها كريهة جدا لا تطاق. وأما شراب أهل النار فهو الماء المتناهى فى الحرارة قال الله تعالى ﴿لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا﴾ أى أن الكفار فى جهنم لا يذوقون الشراب البارد المستلذ ﴿إلا حميما وغساقا﴾ والحميم هو الماء المتناهى فى الحرارة والغساق هو ما يسيل من جلود أهل النار ملائكة العذاب يسقونهم منه فتتقطع أمعاؤهم. وثياب الكفار من نارٍ قال تعالى ﴿فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نارٍ﴾. ويوجد فى جهنم حيات الحية الواحدة كالوادى وعقارب كالبغال لا تتأثر بالنار تلسع الكفار وتعذبهم فوق عذابهم بالنار. اللهم أجرنا من النار.

(155) ما الدليل على أن النار باقية لا تفنى.

        أجمعت الأمة على أن النار باقية إلى ما لا نهاية له نقل الإجماع الحافظ المجتهد تقى الدين السبكى فى رسالته الاعتبار ببقاء الجنة والنار ونقل ابن حزمٍ الإجماع على ذلك وأن من خالفه كافر بالإجماع وقال الإمام أبو حنيفة فى الفقه الأكبر والجنة والنار مخلوقتان الآن ولا تفنيان أبدا. وهذا هو المذهب الحق وخالف فى ذلك ابن تيمية فقال إن النار تفنى لا يبقى فيها أحد وتبعه فى هذه المقالة الفاسدة الوهابية ذكروا ذلك فى كتابهم المسمى القول المختار لفناء النار لعبد الكريم الحميد وقولهم هذا تكذيب للقرءان قال الله تعالى فى سورة الأحزاب ﴿إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا﴾ وقال تعالى فى سورة البقرة ﴿وما هم بخارجين من النار﴾ فلو كانت النار تفنى والكفار يخرجون منها فأين يذهبون بزعمهم وقد حرم الله الجنة على الكافرين إذ لا يوجد فى الآخرة إلا منزلتان إما جنة وإما نار.

(156) ما الدليل على أن الكافر محروم من رحمة الله فى الآخرة ولا يخفف عنه العذاب فى جهنم.

        اعلم أن الكافر محروم من رحمة الله فى الآخرة لقوله تعالى فى سورة الأعراف ﴿ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة﴾ أى أهل النار ينادون أهل الجنة إما يرونهم عيانا مع بعد المسافة بين الجنة والنار فى وقتٍ من الأوقات وإما يسمعون صوتهم فيطلبون من الضيق الذى هم فيه ﴿أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين﴾ أى حرم على الكافرين الرزق النافع والماء المروى فى الآخرة فلا يجدون ماء باردا مرويا إنما يشربون الحميم وهو الماء المتناهى فى الحرارة وما يسيل من جلود أهل النار لأنهم أعرضوا عن الإيمان بالله ورسوله فكفروا وقصدوا البقاء على الكفر فكان جزاؤهم عذابا لا ينقطع. وقال تعالى فى سورة الأعراف ﴿ورحمتى وسعت كل شىءٍ﴾ أى أن رحمة الله وسعت فى الدنيا كل مؤمنٍ وكافرٍ ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾ أى أخصها فى الآخرة للذين يجتنبون الشرك وسائر أنواع الكفر. ولا يخفف العذاب عن الكفار فى جهنم لقوله تعالى ﴿خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب﴾ وقوله تعالى فى سورة فاطرٍ ﴿ولا يخفف عنهم من عذابها﴾ وقد ورد أن الكفار فى جهنم يستغيثون بمالكٍ خازن النار فيجيبهم بعد ألف سنةٍ إذلالا لهم واستغاثتهم به ليست للخروج بل يطلبون الموت من شدة العذاب قال تعالى ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون﴾. أما ما يدعيه خالد الجندى أن الله يرحم الكافرين فى الآخرة وأن الكفار يخفف عنهم العذاب فى جهنم فهو تكذيب للقرءان ورد للنصوص الشرعية ورد النصوص كفر كما قال النسفى رحمه الله.

(157) تكلم عن الصراط.

        يجب الإيمان بالصراط وهو جسر عريض يمد فوق جهنم فيرده الناس جميعا فمنهم من ينجو ومنهم من يقع فيها فالكفار يقعون منه فى ابتداء ورودهم وبعض عصاة المسلمين يمشون عليه مسافة ثم يقعون منه ومنهم من تأخذه الكلاليب الموجودة على جانبيه فيكاد يقع ثم تفلته فيمر على الصراط ومن الناس من يعبر الصراط مشيا ومنهم من يرده ورود مرورٍ فى هوائه من غير أن تمسه قدمه وهؤلاء منهم من يـمر كالبرق الخاطف ومنهم من يـمر كطرفة عينٍ على حسب عمله. والأنبياء والصالحون والأتقياء والشهداء والأطفال لا يدخلون النار قال تعالى ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾. والصراط أحد طرفيه فى الأرض المبدلة والطرف الآخر فيما يلى الجنة بعد النار أى قبل الجنة وبعد النار وقد ورد فى صفة الصراط أنه دحض مزلة أى أملس تزل منه الأقدام أما ما ورد أنه أحد من السيف وأدق من الشعرة كما روى مسلم عن أبى سعيدٍ الخدرى فليس المراد ظاهره بل هو عريض وإنـما المراد أن خطره عظيم فإن يسر العبور عليه وعسره على قدر الطاعات والمعاصى فقد ورد فى صحيح مسلمٍ أنه تجرى بهم أعمالهم.

(158) تكلم عن الحوض.

        يجب الإيمان بالحوض وهو مكان أعد الله فيه شرابا لأهل الجنة يشربون منه بعد عبور الصراط وقبل دخول الجنة فلا يصيبهم بعد ذلك ظمأ فمنهم من يشرب تلذذا وهم الأتقياء ومنهم من يشرب عطشا وهم العصاة ولكل نبىٍ من أنبياء الله حوض تشرب منه أمته وأكبر الأحواض حوض نبينا ﷺ طوله مسيرة شهرٍ وعرضه كذلك وعليه أكواب كعدد نجوم السماء وينصب فيه من ماء الجنة فقد روى البخارى عن عبد الله بن عمرٍو أنه قال قال رسول الله ﷺ حوضى مسيرة شهرٍ ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء من شرب منه لا يظمأ أبدا.

(159) تكلم عن الشفاعة فى الآخرة.

        يجب الإيمان بالشفاعة وهى طلب إسقاط العقاب عن بعض العصاة من المسلمين فيشفع الأنبياء والملائكة والعلماء العاملون وشهداء المعركة ويشفع نبينا ﷺ لأهل الكبائر من أمته قال رسول الله ﷺ شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى رواه الحاكم. والشفاعة تكون لبعض العصاة قبل دخولهم النار ولبعضٍ بعد دخولهم لإخراجهم منها قبل أن تمضى المدة التى يستحقون ويدل على ذلك قوله ﷺ يخرج ناس من النار بشفاعة محمدٍ رواه البخارى. فيعلم من ذلك أنه لا بد أن يدخل بعض عصاة المسلمين النار فلا يجوز الدعاء بنجاة جميع المسلمين من دخول النار. أما الأتقياء والذين ماتوا تائبين فلا يحتاجون للشفاعة. وأما الكفار فلا شفاعة لهم يوم القيامة لقوله تعالى فى سورة الأنبياء ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ أى إلا لمن ارتضى الإسلام دينا أى لا يشفعون إلا لمن مات على الإيمان. ويدل على ذلك قوله ﷺ لابنته فاطمة أول ما نزل عليه القرءان يا فاطمة بنت محمدٍ سلينى ما شئت من مالى لا أغنى عنك من الله شيئا رواه البخارى معناه لا أستطيع أن أنقذك من النار إن لم تؤمنى أما فى الدنيا فأستطيع أن أنفعك بمالى. ولنبينا محمدٍ الشفاعة العظمى وهى عامة لا تختص بأمته بل ينتفع بها غير أمته من المؤمنين وهى لتخليصهم من حر الشمس يوم القيامة فإن الناس فى ذلك الموقف يقول بعضهم لبعضٍ تعالوا لنذهب إلى أبينا ءادم ليشفع لنا إلى ربنا فيأتون إلى ءادم ويقولون يا ءادم أنت أبو البشر خلقك الله بيده (أى بعنايةٍ منه) وأسجد لك ملائكته فاشفع لنا إلى ربنا فيقول لهم لست فلانا (أى أنا لست صاحب هذه الشفاعة) اذهبوا إلى نوحٍ فيأتون نوحا فيطلبون منه أن يشفع لهم فيقول ايتوا إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقول لهم لست فلانا فيأتون موسى فيقول لهم لست فلانا ثم يقول لهم ايتوا عيسى فيأتون عيسى فيقول لهم لست فلانا ولكن اذهبوا إلى محمدٍ فيأتون النبى ﷺ فيسجد النبى لربه فيقال له ارفع رأسك واشفع تشفع وسل تعط.

(160) تكلم عن الجنة.

        يجب الإيمان بالجنة وهى دار النعيم الدائم للمؤمنين ومكانها فوق السماء السابعة وهى موجودة الآن لقوله تعالى ﴿أعدت للمتقين﴾ لا تفنى ولا يفنى أهلها. ونعيم الجنة قسمان نعيم عام لكل أهل الجنة ونعيم خاص لا يناله إلا الأتقياء أما النعيم العام فهو أن أهل الجنة كلهم أحياء لا يموتون أبدا وكلهم فى صحةٍ لا يمرضون أبدا وكلهم شباب لا يهرمون أبدا وكلهم فى نعيمٍ لا يبأسون أبدا قال رسول الله ﷺ إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى منادٍ إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، رواه مسلم. وأما النعيم الخاص فهو الذى أعده الله لعباده الصالحين كما جاء فى الحديث القدسى قال رسول الله ﷺ قال الله عز وجل أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشرٍ، رواه البخارى. والجنة هى الدار المطهرة من الأقذار كالبول والغائط والحيض والنفاس والبصاق والمنى. فطعام أهل الجنة وشرابهم لا يتحول إلى بولٍ أو غائطٍ إنما يفيض من جسمهم عرقا كالمسك قال رسول الله ﷺ إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون قالوا فما بال الطعام قال جشاء ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس. وأهل الجنة على صورة أبيهم ءادم ستون ذراعا طولا فى سبعة أذرعٍ عرضا وقد ورد فى الحديث الذى رواه الترمذى فى سننه أن أهل الجنة جرد مرد فى عمر ثلاثةٍ وثلاثين عاما، أى لا شعر على أجسادهم إلا شعر الرأس والأجفان والحاجبين كأنهم فى عمر ثلاثةٍ وثلاثين عاما. والزيارات فى الجنة سهلة فأحيانا سرير الشخص يطير به إلى حيث يريد وأحيانا يركب خيولا لها أجنحة تطير به. ثم أعين أهل الجنة قوية ترى الشخص من مسافة ألف سنةٍ وأكثر. اللهم ارزقنا الجنة.

(161) تكلم عن صفة الجنة.

        قال رسول الله ﷺ لأصحابه هل مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها ثم قال فى وصفها هى ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد وفاكهة كثيرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة فى مقامٍ أبدىٍ فى حبرةٍ ونضرةٍ، رواه ابن حبان. وقوله ﷺ هل مشمر للجنة أى هل من مجتهدٍ فى طاعة الله ومستعدٍ للجنة فإن الجنة لا خطر لها أى لا مثل لها هى ورب الكعبة نور يتلألأ أى أقسم برب الكعبة على أنها نور يتلألأ أى أنها منورة لا يوجد فيها ظلام فلا تحتاج الجنة إلى شمسٍ ولا قمرٍ، إذا كانت المرأة من نساء الجنة كما وصفها رسول الله بحيث لو اطلعت على هذه الدنيا لأضاءت ما بين المشرق والمغرب فمن أين يكون فيها ظلام. ووصف الرسول الجنة بأنها ريحانه تهتز أى ذات خضرةٍ كثيرةٍ معجبة المنظر. وكل شجرةٍ فى الجنة ساقها من ذهبٍ وأشجار الجنة عندما تتحرك يصدر لها صوت جميل جدا تميل إليه النفوس. ووصف الرسول الجنة بأنها قصر مشيد أى فيها قصور عالية مرتفعة. أما قوله عليه السلام ونهر مطرد أى أنهار الجنة جارية فالجنة فيها أنهار من ماءٍ وأنهار من لبنٍ أى حليبٍ وأنهار من عسلٍ مصفى. وقوله عليه السلام وفاكهة نضيجة أى فيها من الفواكه كل ما تشتهيه النفس وكل ما فيها من الفواكه نضيج. وقوله عليه السلام وزوجة حسناء جميلة أى فيها للمؤمنين أزواج حسان جميلات. وقوله عليه السلام فى مقامٍ أبدىٍ أى فى حياةٍ دائمةٍ لا نهاية لها وقوله فى حبرةٍ أى سرورٍ دائمٍ وأما قوله نضرةٍ فمعناه أن وجوه أهلها جميلة. وفى نهاية هذا الحديث قال الصحابة لرسول الله نحن المشمرون يا رسول الله فقال قولوا إن شاء الله. اللهم ارزقنا الجنة.

(162) تكلم عن الرؤية لله تعالى فى الآخرة.

        يجب الإيمان بأن الله يرى فى الآخرة يراه المؤمنون وهم فى الجنة بلا كيفٍ ولا مكانٍ ولا جهةٍ أى من غير أن يكون متصفا بصفات المخلوقين ومن غير أن يكون فى مكانٍ أو جهةٍ قال الله تعالى فى سورة القيامة ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ أى أن المؤمنين يرون ربهم ذلك اليوم يرون من ليس كمثله شىء، لا يرونه حجما لطيفا كالنور ولا حجما كثيفا كالإنسان ولا يرونه مستقرا حالا فى الجنة ولا خارجها ولا يرونه متحيزا فى مكانٍ أو جهةٍ فلا يرونه متحيزا عن يمينهم ولا عن يسارهم ولا فى جهة فوقٍ ولا فى جهة تحتٍ ولا فى جهة أمامٍ ولا فى جهةٍ خلفٍ يرونه من غير أن يكون له حجم وكمية ومقدار ومساحة وحد لأنه ليس جسما مؤلفا من أجزاءٍ وليس له أعضاء يرونه من غير أن يكون له طول وعرض وعمق وسمك ولون وشكل وهيئة وكيفية يرونه بلا وصف قيامٍ وقعودٍ واتكاءٍ وتعلقٍ واتصالٍ وانفصالٍ وساكنٍ ومتحركٍ ومماسٍ ومن غير أن يكون بينه وبين خلقه مسافة. رؤية المؤمنين لله فى الآخرة ليس اجتماعا بالله كاجتماع المصلين بإمامهم فى المسجد لأن الله تعالى يستحيل عليه السكنى فى مكانٍ. رؤية المؤمنين لربهم فى الآخرة جائزة عقلا بدليل أن موسى عليه السلام سأل ربه الرؤية بقوله ﴿رب أرنى أنظر إليك﴾، فلو كانت الرؤية مستحيلة لم يسأل موسى ربه أن يراه أما قوله تعالى لموسى ﴿لن ترانى﴾ أى فى الدنيا وموسى عليه السلام لما طلب من ربه أن يراه بعينه لم يكن أوحى إليه بأن الله لا يرى بالعين الفانية فى الدنيا. قال رسول الله ﷺ إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون فى رؤيته، رواه مسلم. شبه الرسول ﷺ رؤية المؤمنين لربهم من حيث عدم الشك برؤية القمر ليلة البدر ولم يشبه الله بالقمر أى أنهم يرونه رؤية لا شك فيها لا يشكون هل الذى رأوه هو الله أم غيره كما أن مبصر القمر ليلة البدر إذا لم يكن سحاب يراه رؤية لا شك فيها. لا تضامون فى رؤيته أى لا تتزاحمون فى رؤيته وهذا شأن من لا مكان له لأن الناس إذا أرادوا رؤية من فى مكانٍ يتزاحمون ويتدافعون ليروه فيراه الأقربون منه ولا يراه الأبعدون فيتدافعون.

(163) تكلم عن الإيمان بالملائكة.

        يجب الإيمان بالملائكة أى بوجودهم وهم أجسام لطيفة لا تجس باليد خلقهم الله من نورٍ لهم أرواح وعقول وإرادة. ليسوا ذكورا ولا إناثا لا يأكلون ولا يشربون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا ينامون ولا يتعبون ولا يتناكحون ولا يتوالدون وهم مسلمون مكلفون وعباد لله طائعون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون يصلون الصلوات الخمس ويذكرون الله كثيرا. أعطاهم الله القدرة على التشكل بصور الرجال من بنى ءادم من غير ءالة الذكورية لكنهم لا يتشكلون بأشكال الإناث ولا بأشكال البهائم البشعة كالحية والعقرب والكلب والخنزير. وكل ملكٍ له جناحان أو أربع أو ست أو غير ذلك من العدد قال الله تعالى فى سورة فاطرٍ ﴿أولى أجنحةٍ﴾ فسيدنا جبريل عليه السلام له ستمائة جناحٍ وقد رءاه الرسول ﷺ بمكة بمكانٍ يقال له أجياد فقال له جبريل اطلب من ربك أن ترانى على صورتى الأصلية فطلب الرسول ذلك فظهر له من المشرق فسد ما بين المشرق والمغرب فصعق رسول الله ﷺ أى غشى عليه ثم أخذه جبريل عليه السلام وقد تحول إلى الصورة البشرية فضمه إليه ثم قال رسول الله ﷺ يا جبريل ما ظننت أن الله تعالى خلق أحدا على مثل هذه الصورة فقال جبريل عليه السلام إن الله خلقنى على ستمائة جناحٍ وما نشرت منها إلا جناحين وإن الله خلق إسرافيل على ستمائة جناحٍ الجناح الواحد منها مثل كل أجنحتى. ويوجد فى الملائكة من هو أعظم خلقة كحملة العرش قال رسول الله ﷺ أذن لى أن أحدث عن ملكٍ من ملائكة الله من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عامٍ رواه أبو داود، أى بخفقان الطير المسرع وهذا الملك كتفه عند العرش ورجله فى الأرض السابعة.

(164) من هم الجن.

        اعلم أن الجن أجسام لطيفة لا يراهم أحد من البشر على هيئتهم الأصلية لقوله تعالى فى إبليس وذريته ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ لكن يجب الإيمان بوجودهم لأن وجودهم ثابت بالقرءان والحديث فمن أنكر وجودهم كفر. الله تعالى أعطاهم القدرة على التشكل بأشكالٍ مختلفةٍ وخلق فيهم شهوة الأكل والشرب والجماع فهم يأكلون ويشربون ويتناكحون ويتوالدون ولا ينامون. والجنى أول ما يولد يولد مكلفا. وإبليس هو أبو الجن خلق قبل ءادم خلقه الله من لهيب النار الصافى لقوله ﷺ خلقت الملائكة من نورٍ وخلق الجان من مارجٍ من نارٍ وخلق ءادم مما وصف لكم، أى من تراب هذه الأرض، رواه مسلم عن عائشة رضى الله عنها. فمن هنا يعلم أن الملائكة والجن ليسوا من جنسٍ واحدٍ فإبليس ليس ملكا ولا طاووسا للملائكة فلا يجوز اعتقاد أن إبليس كان طاووس الملائكة أو رئيسهم كما يقول بعض الجهال بل هو كافر بنص القرءان قال تعالى فى سورة البقرة ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾. والجن فيهم التقى والفاسق والكافر وليس فيهم أنبياء إنما أنبياء البشر هم أنبياء الجن. أما الشياطين فهم الكفار من الجن منهم القرين الذى يوكل بالشخص بعد ولادته فإنه يدخل فى صدر غير النبى من غير أن يشعر ويوسوس له ويأمره بالشر. الوسوسة تكون فى الصدر وليس فى الأذن، الشيطان له حديث بكلامٍ خفىٍ مع نفس الإنسان فى الصدر، الأذن لا تسمعه هو يحدث النفس فتفهم عنه لكنه لا يعلم الغيب ولا يعلم بما يحدث به الشخص نفسه. والقرين يلازم العبد إلى وفاته ليلا ونهارا فإذا بات العبد بات القرين على خيشومه الذى هو منتهى الأنف فإذا استيقظ العبد يقفز القرين إلى جهة الصدر لذلك يستحب عند الاستيقاظ إذا توضأ الشخص أن يبالغ فى الاستنشاق لإزالة أثر مبيت القرين هناك إلا أن يكون صائما. أما القرين الذى مع الأنبياء فلا يستطيع أن يدخل فى أجسادهم ولا يبيت عند خياشيمهم إنما يدور حولهم ويوسوس لهم من الخارج والشيطان ليس له سلطان على الأنبياء ولا على الأولياء فلا يستطيع أن يغرقهم فى المعاصى. والظاهر أن قرناء الأنبياء سوى سيدنا محمدٍ كانوا شياطين كفارا أما قرين النبى ﷺ فقد أسلم قال رسول الله ﷺ إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم فلا يأمرنى إلا بخيرٍ. ويوجد غير القرين من الشياطين يشوش على المسلم فى الصلاة يقال له خنزب فعن عثمان بن أبى العاص الثقفى رضى الله عنه أنه أتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إن الشيطان حال بينى وبين صلاتى وقراءتى قال ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله من شره واتفل على يسارك ثلاثا رواه الإمام أحمد. وعن أبى بن كعبٍ عن النبى ﷺ أنه قال إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء رواه الترمذى. وينبغى أن لا يسترسل الإنسان مع الوسواس بل ينبغى أن يلجأ إلى الله فى دفعه وأن يعرض عنه وأن يبادر إلى قطعه بالاشتغال بغيره حتى لا تتنكد عيشته وينبغى أن لا يقعد وحده بل يقعد مع الصالحين.

(165) بين أن إبليس لم يكن قط من الملائكة.

        يجب اعتقاد أن إبليس لم يكن ملكا من الملائكة بل هو أبو الجن، وقد جاءت الآيات صريحة فى بيان أن إبليس اعترض على الله فكفر به كقوله تعالى ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾. وأما الملائكة فلا يعصون الله طرفة عينٍ بل هم كما قال الله فيهم ﴿لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون﴾ فلو كان إبليس ملكا لكان كل ما يعمله بأمرٍ من الله عز وجل ولكان اعتراضه على الله من جملة ما أمره الله به وذلك باطل فإن الله تعالى لا يأمر بالكفر والفسوق والعصيان قال الله تعالى (ولا يرضى لعباده الكفر) وقال تعالى (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء). والرسول ﷺ أخبر أن الملائكة خلقوا من نورٍ وإبليس خلق من نارٍ فهو نوع ءاخر مختلف فظهر من ذلك أنه لا يجوز أن يكون إبليس من الملائكة بل هو أكفر خلق الله وأشدهم عذابا فى الآخرة.

(166) تكلم عن الإيمان بالرسل.

        اعلم أن الأنبياء عليهم السلام أرسلهم الله للدعوة إلى دين الإسلام وهو الدين الذى رضيه الله لعباده وأمرنا باتباعه وأول الأنبياء ءادم عليه السلام وءاخرهم محمد ﷺ وبينهما جم غفير من الأنبياء منهم من ذكرهم الله فى القرءان وهم ءادم وإدريس ونوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون ويونس وأيوب وذو الكفل وإلياس واليسع وداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وعلى جميع إخوانه الأنبياء وسلم. والأنبياء هم أفضل خلق الله وأفضلهم سيدنا محمد ﷺ منهم من كان نبيا رسولا ومنهم من لم يكن رسولا والنبى الرسول هو من أوحى إليه بشرعٍ جديدٍ وأمر بتبليغه أما النبى غير الرسول فهو من أوحى إليه باتباع شرع الرسول الذى قبله وأمر بتبليغه. والنبى لا يكون إلا رجلا من البشر فلا نبى من الملائكة ولا من الجن قال تعالى ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم﴾. جملهم الله بصفاتٍ حميدةٍ وأخلاقٍ حسنةٍ ونزههم عن الصفات الذميمة فلا يكذبون ولا يغشون ولا يأكلون أموال الناس بالباطل وليس فيهم من هو رذيل يختلس النظر إلى النساء الأجنبيات بشهوةٍ وليس فيهم من هو سفيه يتصرف بخلاف الحكمة أو يقول ألفاظا شنيعة تستقبحها النفس وليس فيهم من هو جبان ضعيف القلب أو ضعيف الفهم عصمهم الله من سبق اللسان فى أمور الدين وغيرها فلا يتكلمون بكلامٍ لا يريدون قوله.

(167) ما الدليل على نبوة ءادم عليه السلام.

        يجب اعتقاد أن سيدنا ءادم عليه السلام هو أول الأنبياء والمرسلين قال الله تعالى فى سورة ءال عمران ﴿إن الله اصطفى ءادم ونوحا وءال إبراهيم وءال عمران على العالمين﴾ أى اختار ءادم ونوحا للنبوة والرسالة وقال تعالى فى سورة نوحٍ ﴿إنا أرسلنا نوحا إلى قومه﴾ فنوح بنص القرءان رسول فيفهم من قوله تعالى ﴿إن الله اصطفى ءادم ونوحا﴾ أن اصطفاء ءادم هو من نفس جنس اصطفاء نوحٍ الذى هو بالرسالة والنبوة. ويشهد لنبوته حديث الترمذى ءادم فمن سواه من الأنبياء تحت لوائى يوم القيامة، وأجمع المسلمون على نبوته فمن أنكر نبوته فهو كافر بالإجماع كما فى كتاب مراتب الإجماع.

(168) ما الدليل على أن سيدنا ءادم عليه السلام لم يكن قردا ثم تطور.

        سيدنا ءادم عليه السلام هو أول البشر وأول الأنبياء والمرسلين لم يكن قردا ثم تطور ولا شبيها بالقرد بل كان جميل الشكل حسن الصوت منتصب القامة ولم يكن كالبهائم التى تمشى على أربعٍ فقد قال رسول الله ﷺ كان طول ءادم ستين ذراعا طولا فى سبعة أذرعٍ عرضا، رواه أحمد فى مسنده. أما قول بعض الملحدين إن أول البشر كان على صورة القرد فإنه تكذيب للقرءان قال تعالى فى سورة التين ﴿لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويمٍ﴾ أى فى أحسن صورةٍ أى أنه حسن التركيب منتصب يمشى برجليه ويأكل بيديه وقال تعالى فى سورة الإسراء ﴿ولقد كرمنا بنى ءادم﴾ أى أن الله خلق الإنسان وكرمه وجعل خلقته أحسن من خلقة غيره وقال تعالى ﴿إنى خالق بشرا من طينٍ﴾ وروى مسلم عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ قال خلقت الملائكة من نورٍ وخلق الجان من مارجٍ من نارٍ وخلق ءادم مما وصف لكم، أى من تراب هذه الأرض. ثم كيف يكون ءادم نبيا ويكون قردا هذا ينفر الناس منه ومن دعوته فلو كان قردا بزعمهم لكان هذا بابا للطعن فيه وانتقاصه وهذا لا يليق بالأنبياء.

(169) ما الدليل على أن دين الأنبياء جميعهم هو الإسلام.

        قال الله تعالى فى سورة ءال عمران ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ أى أن الدين الصحيح المقبول عند الله هو الإسلام وقال تعالى فى سورة ءال عمران ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين﴾ وقال تعالى فى سورة البقرة ﴿ووصىٰ بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنى إن الله اصطفىٰ لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ وقال تعالى فى سورة ءال عمران ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين﴾ وقال سيدنا يوسف عليه السلام ﴿توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين﴾ وقال رسول الله ﷺ الأنبياء إخوة لعلاتٍ دينهم واحد وأمهاتهم شتى، رواه الإمام أحمد. شبه الرسول الأنبياء بالإخوة لعلاتٍ أى كما أن الإخوة لعلاتٍ أبوهم واحد وأمهاتهم مختلفات كذلك الأنبياء إخوة فى الدين دينهم واحد أى عقيدتهم واحدة وشرائعهم مختلفة.

(170) ما الدليل العقلى على أن الإسلام هو دين جميع الأنبياء.

        اعلم أن الله تعالى أرسل نبيه محمدا ﷺ للدعوة إلى دين الإسلام وأيده بمعجزاتٍ عظيمةٍ وأعظم معجزاته ﷺ هى معجزة القرءان الكريم فهى دليل على صدق دعواه عليه الصلاة والسلام لأنه تحدى المشركين من العرب فى زمن الفصاحة والبلاغة أن يأتوا بمثله فعجزوا قال تعالى فى سورة الإسراء ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيرا﴾ وتحداهم أن يأتوا بمثل أقصر سورةٍ منه فعجزوا قال تعالى فى سورة البقرة ﴿وإن كنتم فى ريبٍ مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ معناه إذا كنتم لا تقدرون أنتم ولا مناصروكم ومعاونوكم بالإتيان بسورةٍ من مثله فكيف تزعمون أنه من جنس كلامكم وكيف يلحقكم فى ذلك ارتياب وشك أنه من عند الله. أما المعجزة فهى أمر خارق للعادة صالح للتحدى لا يستطيع أحد من المكذبين للنبى أن يأتى بمثل ما جاء به من المعجزات وهو نازل منزلة قول الله تعالى صدق عبدى فى كل ما يبلغ عنى أى كأن الله تعالى قال صدق عبدى محمد فى كل ما يبلغ عنى. أما كيف وصل إلينا خبر هذه المعجزات فبطريق التواتر ومعنى التواتر انتقال الخبر بواسطة عددٍ كبيرٍ ينقل عن عددٍ كبيرٍ شهد المعجزة وهكذا إلى أن يصل الخبر إلينا بحيث لا يمكن إتفاقهم جميعا على الكذب فى هذا الخبر. وهذا النبى المرسل الذى أيده الله بالمعجزات التى تدل على صدقه نزل عليه بالوحى القرءانى ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ أى أن الدين الذى رضيه الله لعباده هو الإسلام ونزل عليه بالوحى القرءانى ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين﴾ فدل ذلك على أن الله لا يقبل دينا غير دين الإسلام فلا يعقل أن يرسل إنسانا يدعو إلى دينٍ غير مقبولٍ عنده فمن أراد السلامة والنجاة فى الآخرة فعليه أن يتبع دين الإسلام فهو سبب للسعادة الأبدية.

(171) ما الدليل على أن عيسى عليه السلام كان على الإسلام ولماذا سمى بالمسيح.

        قال تعالى فى سورة ءال عمران ﴿فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله﴾ أى أنصار دين الله ﴿ءامنا بالله واشهد بأنا مسلمون﴾ والحواريون هم تلاميذ عيسى فقد كانوا على الإسلام بدليل قولهم ﴿واشهد بأنا مسلمون﴾ وهذا دليل على أن عيسى عليه السلام كان على الإسلام لأنه هو الذى علمهم هذا الدين ثم كيف يكون عيسى على دينٍ ءاخر غير الإسلام كما يقول بعض الجهلة والله تعالى يقول ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين﴾ فإذا على زعمهم عيسى النبى المرسل يكون فى الآخرة من الخاسرين لكن الله يقول ﴿وكلا فضلنا على العالمين﴾ أى أن أنبياء الله هم أفضل الخلق. أما تسمية عيسى بالمسيح فقد قيل لكثرة سياحته أى تنقله فى الأرض ليعلم الناس دين الله ويدعوهم إلى عبادة الله وحده وقيل سمى بذلك لأنه كان يمسح بيده الشريفة على الأبرص والأكمه أى الذى يولد أعمى فيشفى بإذن الله وليس معناه أن عيسى عليه السلام كان على غير الإسلام.

(172) ما الدليل على أن موسى عليه السلام كان على الإسلام.

        يجب اعتقاد أن سيدنا موسى عليه السلام لم يكن يهوديا بل كان على الإسلام كغيره من الأنبياء بدليل أن السحرة لما ءامنوا بموسى وأسلموا دعوا الله أن يثبتهم على الإيمان والإسلام فقالوا ﴿ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين﴾.

(173) تكلم عن الإيمان بالكتب السماوية.

        يجب الإيمان بالكتب السماوية المنزلة على رسل الله وهى مائة وأربعة وأشهرها القرءان الذى أنزل على سيدنا محمدٍ بالعربية والتوراة أى الأصلى الذى أنزل على سيدنا موسى بالعبرانية والإنجيل أى الأصلى الذى أنزل على سيدنا عيسى بالسريانية والزبور الذى أنزل على سيدنا داود بالعبرانية. فقد روى ابن حبان فى صحيحه من حديث أبى ذرٍ أنه قال قلت يا رسول الله كم كتابا أنزل الله قال مائة كتابٍ وأربعة كتبٍ أنزل على شيثٍ خمسون صحيفة وأنزل على أخنوخ (أى إدريس) ثلاثون صحيفة وأنزل على إبراهيم عشر صحائف وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والقرءان. والتوراة والإنجيل مزقا وحرفا ولا يقال رفعا ويوجد كتب رفعت فقد جاء عن سيدنا علىٍ رضى الله عنه أنه قال إن المجوس كان لهم كتاب وعلم يدرسونه، رواه أبو داود من حديث ابن عمر، أى كانوا على الإسلام وكان لهم كتاب سماوى وعلم يدرسونه ثم ملكهم شرب الخمر فسكر فوقع على أخته ثم لما صحا تسامع الناس بأمره فجمع رؤساء من رعيته فقال لهم ءادم أيضا كان يزوج بنيه من بناته فلا يجوز لنا أن نقبح ما فعله ءادم فقالوا له لكن أنت ما فعلته حرام أما ما فعله ءادم فهو حلال فبعضهم خالفوه وأنكروا عليه وبعضهم وافقوه فرضى عنهم وعذب الآخرين فقتل من قتل منهم حتى مشى رأيه. قال سيدنا على فلما فعلوا ذلك أسرى بكتابهم أى رفع من بينهم وفقدوه وأخذ من قلوبهم ذلك العلم الذى كان فيهم وهو علم الإسلام فعبدوا النار. أما القرءان الكريم فقد حفظه الله من التحريف لقوله تعالى ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ وفى ءاخر الزمان يرفع القرءان إلى السماء ولا تبقى ءاية منه فى الأرض.

(174) تكلم عن الإيمان بالقدر خيره وشره.

        يجب الإيمان بالقدر خيره وشره أى أن كل ما دخل فى الوجود من خيرٍ وشرٍ فهو بتقدير الله الأزلى أى أن الله أوجده على حسب علمه الأزلى ومشيئته الأزلية. قال رسول الله ﷺ الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، رواه مسلم. والقدر يطلق ويراد به صفة الله أى التقدير ويطلق ويراد به المقدور أى ما قدره الله تعالى من المخلوقات وهذا هو المقصود بقوله ﷺ وتؤمن بالقدر خيره وشره. ذكر القدر أولا بمعنى تقدير الله ثم أعيد الضمير إليه بمعنى المقدور لأن تقدير الله حسن ليس شرا قال الإمام أبو حنيفة فى الفقه الأكبر والطاعة كلها ما كانت واجبة بأمر الله تعالى ومحبته وبرضائه وعلمه ومشيئته وقضائه وتقديره والمعاصى كلها بعلمه وقضائه وتقديره ومشيئته لا بمحبته ولا برضائه ولا بأمره. فيجب اعتقاد أن كل شىءٍ يحصل بقضاء الله وقدره أى بخلق الله ومشيئته قال الله تعالى ﴿إنا كل شىءٍ خلقناه بقدرٍ﴾ وقال تعالى ﴿وخلق كل شىءٍ فقدره تقديرا﴾ وقال رسول الله ﷺ كل شىءٍ بقدرٍ، رواه مسلم. وخالف فى ذلك محمد راتب النابلسى فقال ولكن هذه الأعمال التى تقترفونها ليست من قضاء الله وقدره بل هى من اختياركم أنتم. وكلامه هذا تكذيب للقرءان والحديث وإجماع الأمة.

(175) اذكر حديثا فيه تكفير من لم يؤمن بالقدر.

        جاء فى الحديث الصحيح الذى رواه أحمد فى مسنده وأبو داود فى سننه وابن حبان فى صحيحه عن ابن الديلمى أنه قال أتيت أبى بن كعبٍ أى صاحب رسول الله ﷺ فقلت يا أبا المنذر إنه حدث فى نفسى شىء من هذا القدر أى خطر لى خاطر خبيث يتعلق بالقدر فحدثنى لعل الله ينفعنى أى بكلامك قال أبى بن كعبٍ إن الله لو عذب أهل أرضه وسمواته أى لو شاء الله فى الأزل أن يعذب كل عباده من إنسٍ وجنٍ وملائكةٍ لعذبهم وهو غير ظالمٍ لهم ولو رحمهم أى من العذاب كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم أى من يرحمه الله وينعمه فى الآخرة يكون تنعمه بفضل الله وكرمه وإحسانه ولا يكون شيئا واجبا على الله بسبب عمله، ثم قال له أبى ولو أنفقت مثل جبل أحدٍ ذهبا أى للجهاد فى سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك أى من رزقٍ أو مصيبةٍ لم يكن ليخطئك أى لا يخطئك شىء قدر الله وشاء أن يصيبك وما أخطأك لم يكن ليصيبك أى وما لم يصبك فقد أراد الله أن لا يصيبك ولو مت على غير هذا أى على غير هذا الاعتقاد لكنت من الكفار ودخلت النار، قال ابن الديلمى ثم أتيت عبد الله بن مسعودٍ فحدثنى مثل ذلك ثم أتيت حذيفة بن اليمان فحدثنى مثل ذلك ثم بعد ذلك أتيت زيد بن ثابتٍ فحدثنى مثل ذلك عن النبى ﷺ.

(176) ما الرد على من يدعى أن الله يحب كل عباده.

        قال الله تعالى فى سورة ءال عمران ﴿قل أطيعوا الله والرسول﴾ أى قل يا محمد لهؤلاء الكافرين ءامنوا بالله والرسول ﴿فإن تولوا﴾ أى فإن أعرضوا عن الإيمان بالله ورسوله ﴿فإن الله لا يحب الكافرين﴾ أى فهم كفار ولا يحب الله من تولى عن الإيمان بالله ورسوله ولو أحبهم أى لو أراد لهم الخير فى الآخرة لرزقهم الإيمان بالله ورسوله قال رسول الله ﷺ إن الله يعطى المال لمن يحب ولمن لا يحب ولا يعطى الإيمان إلا لمن يحب رواه الحاكم فى المستدرك، وهذا الحديث دليل على أن من لم يؤمن بالله ورسوله محمدٍ ﷺ فهو كافر وأن الله تعالى لا يحبه لكفره مهما حسن خلقه وأحسن إلى الناس ومن ادعى غير ذلك فهو مكذب لله ورسوله كمحمد راتب النابلسى فإنه قال إن الله يحب كل عباده فيقال له الله تعالى خلق الجميع لكن لا يحب الكل كما يدل على ذلك حديث ابن حبان لا تحلفوا بآبائكم الذين ماتوا فى الجاهلية والذى نفسى بيده (أى تحت مشيئته وتصرفه) إن الذى يدهدهه (أى يدحرجه) الجعل بأنفه خير من هؤلاء المشركين. والجعل حشرة صغيرة سوداء تسوق القذر الذى يخرج من بنى ءادم وتجعله حبيباتٍ لتتقوت به. وقال تعالى فى سورة الأنفال ﴿إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون﴾ والدواب هى كل ما يمشى على وجه الأرض من إنسانٍ وبهائم وحشراتٍ ومعنى الآية أن الكفار هم أحقر وأخس خلق الله وإن كانت صورتهم صورة البشر لأنهم أعرضوا عن الإيمان بالله ورسوله فكفروا بالله عز وجل.

(177) تكلم عن بعض ما يتعلق بالإيمان برسالة نبينا محمدٍ ﷺ.

        يجب الإيمان أنه رسول الله وأنه خاتم النبيين أى ءاخرهم قال تعالى فى سورة الأحزاب ﴿وخاتم النبيين﴾ وقال ﷺ وختم بى النبيون، رواه مسلم. وخالف فى ذلك جماعة يقال لها الأحمدية ويقال لها القاديانية وهم أتباع غلام أحمد القاديانى الذى كان فى الهند وتوفى منذ نحو قرنٍ ونصفٍ ادعى أنه نبى يوحى إليه فقام عليه المسلمون ليقتلوه فاحتمى بالانكليز ثم قال فيما ادعى أنه وحى من الله يجب علينا شكر الدولة البريطانية لأنهم أحسنوا إلينا بأنواع الإحسان وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان وحرام علينا وعلى جميع المسلمين قتال الانكليز. أتباعه يعتقدون أنه نبى مجدد وأحيانا يقولون نبوته نبوة ظلية أى تحت ظل محمدٍ أى ليس مستقلا إنما هو منتسب إلى سيدنا محمدٍ وكل هذا كفر فإنه لا يجوز أن ينبأ أى أن ينزل الوحى على شخصٍ بعد محمدٍ استقلالا ولا تجديدا لنبوة محمدٍ فهؤلاء القاديانية يموهون على الناس بقولهم إن معنى قوله تعالى ﴿وخاتم النبيين﴾ زينة النبيين وينكرون أن معناه ءاخر الأنبياء. ومما يدل على أن المراد بقوله تعالى ﴿وخاتم النبيين﴾ أنه ءاخرهم قراءة الآية بالكسر ﴿وخاتم النبيين﴾ وقوله ﷺ وختم بى النبيون رواه مسلم. فيقال ختم به الحضور أى كان ءاخر من حضر ولا يقال لغة ختم بالخاتم إنما يقال تختم بالخاتم فبطل تفسيرهم للآية بأنه زينة النبيين. فيجب اعتقاد أن النبى ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين أى ءاخرهم وأنه سيد البشر لقوله ﷺ أنا سيد ولد ءادم يوم القيامة ولا فخر، أى لا أقول ذلك افتخارا إنما تحدثا بنعمة الله. والحديث رواه الترمذى.

(178) اذكر بعض الصفات الواجبة للأنبياء.

        يجب اعتقاد أن كل نبىٍ من أنبياء الله يجب أن يكون متصفا بالصدق والأمانة والشجاعة والفصاحة والفطانة أى الذكاء.

(179) تكلم عن صفة الصدق للأنبياء.

        يجب للأنبياء الصدق ويستحيل عليهم الكذب لأن الكذب نقص لا يليق بمنصب النبوة فقد كان سيدنا محمد ﷺ معروفا بين أهل مكة بالأمين لما عرف به من الصدق والأمانة والنزاهة فلم تحصل منه كذبة قط. أما قول إبراهيم عليه السلام عن زوجته سارة إنها أختى وهى ليست أخته فى النسب فكان لأنها أخته فى الدين بغرض صيانتها من أذى الملك الجبار الظالم فليس هذا كذبا من حيث الباطن والحقيقة إنما هو صدق هو قصد أنها أخته فى الدين فليس كذبا أليس الله يقول ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ فلا يجوز اعتقاد أن إبراهيم عليه السلام كذب لأن الأنبياء منزهون عن الكذب. إبراهيم عليه السلام قال عن زوجته سارة إنها أختى لما جاء إلى أرض جبارٍ من جبابرة الكفار فكان من عادة هذا الملك أى امرأةٍ جميلةٍ تدخل أرضه تحمل إليه ليزنى بها وسارة كانت من أجمل النساء. هذا الملك كان من عادته أنه إذا كانت المرأة أخت الرجل يتركها وإلا يأخذها. بعض سماسرته قال له اليوم جاءت امرأة من أحسن البشر إلى أرضك فقال ايتوا بها فلما رءاها ما تمالك نفسه مد يده إليها فيبست يده أى ما كان يستطيع أن يحركها فقال لها ادعى لى فدعت الله فصحت يده ثم لم يتمالك نفسه مد يده إليها ثانية فيبست يده فقطع الأمل جزم أن لا يحاول بعد هذا. قال لها ادعى لى لا أعود إليك فصحت يده.

(180) ما معنى قوله تعالى حكاية عن نبى الله إبراهيم ﴿بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون﴾.

        يجب اعتقاد أن الأنبياء منزهون عن الكذب أما ما ورد فى أمر إبراهيم فى هذه الآية فليس كذبا بل هو صدق من حيث الباطن والحقيقة فقومه كانوا يعبدون الأصنام فأراد إبراهيم عليه السلام أن يفعل بأصنامهم شيئا يقيم به الحجة عليهم لعلهم يفيقون من غفلتهم وكان من عادة قومه أن يقيموا لهم عيدا خارج بلدهم فلما حل عيدهم خرجوا فذهب إبراهيم عليه السلام إلى بيت الأصنام فوجد صنما كبيرا وأصناما أخرى صغيرة فأمسك بيده فأسا وأخذ يهوى على الأصنام الصغيرة يكسرها ويحطمها حتى جعلها حطاما وعلق الفأس على عنق الصنم الكبير حتى إذا رجع قومه يظهر لهم أن الأصنام لا تدفع عن نفسها ضررا وبذلك يقيم سيدنا إبراهيم عليه السلام الحجة على قومه الكافرين. قال تعالى فى سورة الأنبياء ﴿قالوا﴾ أى قومه الكفار ﴿ءأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون﴾ فقالوا ﴿لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم﴾. أقام الحجة عليهم لأنهم يعلمون أن الأصنام لا ينطقون ولا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم ضررا فهم عاجزون والعاجز لا يكون إلها فلا يستحق العبادة. وهو عليه السلام أراد بقوله ﴿بل فعله كبيرهم﴾ المعنى المجازى أى أن قومه كانوا يبالغون فى تعظيم الصنم الكبير فحمله ذلك على أن يكسر الأصنام الصغيرة ويهين الكبير أى من شدة اغتياظه منه كما لو قلت قتل الملك فلانا مع أن الملك لم يقتله بنفسه وهذا ليس كذبا فقد أسند الفعل إليه إسنادا مجازيا أى قتل بأمره ولم يرد سيدنا إبراهيم عليه السلام أن الصنم الكبير هو حقيقة كسر الأصنام الصغيرة لأنه يعلم أن الصنم الكبير ليس له القدرة على فعل شىءٍ. فلما غلبهم بالحجة قرروا أن يحرقوه بالنار لكن الله تعالى نجاه فلم تحرقه النار ولا ثيابه إنما أحرقت القيد الذى قيدوه به.

(181) تكلم عن صفة الشجاعة للأنبياء.

        يجب اعتقاد أن الأنبياء هم أشجع خلق الله فليس فيهم من هو جبان ضعيف القلب وقد قال بعض الصحابة كنا إذا حمى الوطيس فى المعركة نحتمى برسول الله ﷺ أى كنا نحتمى به إذا اشتدت المعركة فقد أعطى الله نبينا محمدا ﷺ قوة أربعين رجلا من الأشداء. أما الخوف الطبيعى فلا يستحيل على النبى كالتخوف من تكالب الكفار عليه حتى يقتلوه كما جاء فى القرءان عن سيدنا موسى عليه السلام أنه قال ﴿ففررت منكم لما خفتكم﴾ والفرار لا يشعر بالجبن وهو غير الهرب المشعر بالجبن. والأنبياء يخافون الله خوف الإجلال والتعظيم لكنهم يوم القيامة لا يخافون أن يصيبهم أذى.

(182) تكلم عن فصاحة الأنبياء.

        يجب اعتقاد أن الأنبياء كلهم فصحاء يتكلمون بكلامٍ واضحٍ مفهومٍ وليس فيهم من لا يحسن النطق أو من يعجل فى كلامه فلا يطاوعه لسانه وليس فى ألسنتهم علة تجعل كلامهم غير مفهومٍ للسامعين. وقد كان ءادم عليه السلام فصيح اللسان ويتكلم كل اللغات وكان يتفاهم مع أولاده بالكلام الواضح وليس بالإشارة بدليل قوله تعالى فى سورة البقرة ﴿وعلم ءادم الأسماء كلها﴾ وقوله تعالى فى سورة إبراهيم ﴿وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ وقوله ﷺ إن الله علم ءادم أسماء كل شىءٍ رواه الحاكم فى المستدرك. وكان عليه السلام حسن الصوت قال رسول الله ﷺ ما بعث الله نبيا إلا حسن الوجه حسن الصوت وإن نبيكم أحسنهم وجها وأحسنهم صوتا، رواه الإمام أحمد. وروى مسلم عن جبير بن مطعمٍ رضى الله عنه أنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقرأ ﴿والطور﴾ فكاد قلبى يطير، أى من حسن صوته عليه الصلاة والسلام. أما سيدنا موسى عليه السلام فقد تأثر لسانه بالجمرة التى تناولها ووضعها فى فمه حين كان طفلا أمام فرعون أى أثرت تلك الجمرة شيئا قليلا فى اللحم ولم تؤثر على فصاحته ولا على بلاغته ولا على حسن نطقه ولا على مخارج حروفه بل كان يتكلم على الصواب وكان كلامه واضحا مفهما لا يبدل حرفا بحرفٍ ولم يكن فيه شىء بحيث يكون معيبا عند الناس فدعا الله تعالى لما نزل عليه الوحى فقال ﴿واحلل عقدة من لسانى﴾ فذهب ذلك الأثر من لسانه.

(183) تكلم عن صفة الفطانة للأنبياء.

        يجب للأنبياء الفطانة أى الذكاء ويستحيل عليهم البلادة أى الغباوة فلا يليق بهم أن يكونوا أغبياء لأن الله أرسلهم ليبلغوا الرسالة ويبينوا الحق ويقيموا الحجة على الكفار المعاندين فلو كانوا أغبياء لنفر الناس منهم لغباوتهم والله حكيم لا يجعل النبوة والرسالة فى الأغبياء.

(184) تكلم عن بعض ما لا يجوز على أنبياء الله من الصفات.

        يجب اعتقاد أن الله تعالى حفظ الأنبياء من الكذب والخيانة والرذالة والسفاهة والجبن والبلادة أى الغباوة وحفظهم من الكفر والكبائر وصغائر الخسة أى الذنوب الصغيرة التى فيها خسة ودناءة نفسٍ كسرقة حبة عنبٍ قبل النبوة وبعدها خلافا لقول حزب التحرير بجواز ذلك على الأنبياء قبل النبوة فإن من جملة كفرهم وضلالهم ما ذكره زعيمهم تقى الدين النبهانى فى كتابه المسمى الشخصية الإسلامية ونص كلامه إلا أن هذه العصمة للأنبياء والرسل وإنما تكون بعد أن يصبح نبيا أو رسولا بالوحى إليه أما قبل النبوة والرسالة فإنه يجوز عليهم ما يجوز على سائر البشر لأن العصمة هى للنبوة والرسالة. فعلى قوله تصح النبوة لمن كان لصا سراقا أو لائطا. فمن كانت له سوابق من هذا القبيل لا يصلح للنبوة ولو تخلى عنها فيما بعد فيعلم من ذلك أن الله تعالى لا يختار لهذا المنصب إلا من هو سالم من الرذالة والسفاهة والخيانة لأن الله عز وجل لا يرسل إنسانا مطعونا فيه بسفاهةٍ أو خيانةٍ أو رذالةٍ أو كذبٍ لهداية عباده بل يرسل إنسانا نشأ على الصدق والعفة والنزاهة فى العرض والخلق وحسن معاملة الناس.

(185) ما معنى الخيانة والرذالة والسفاهة والجبن.

        الخيانة ضد النصيحة وقد تكون بالفعل كأكل الأمانة أو بالقول كجحد الأمانة أى إنكارها أو بالحال كمن يوهم الناس أنه من أهل الأمانة وهو ليس كذلك. والرذالة هى صفات الأسافل الدون من الناس كاختلاس النظر إلى المرأة الأجنبية بشهوةٍ. أما السفاهة فهى التصرف بخلاف الحكمة أو التلفظ بألفاظٍ شنيعةٍ تستقبحها النفس. وأما الجبن فهو ضعف القلب.

(186) ما معنى قوله تعالى إخبارا عن يوسف ﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه﴾.

        قال بعض المفسرين من أهل الحق ﴿ولقد همت به﴾ أى همت امرأة العزيز بدفعه ليزنى بها ﴿وهم بها﴾ أى هم يوسف بدفعها ليخلص منها ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ أى أن الله أعلمه أنك يا يوسف لو دفعتها لقالت لزوجها دفعنى ليجبرنى على الفاحشة فلم يدفعها بل أدار لها ظهره ذاهبا فشقت قميصه من خلفٍ فكان الدليل عليها. فيجب اعتقاد أن الأنبياء معصومون من الكبائر ومن الهم بها فليس فيهم من يقع فى الزنى أو يهم به أى يقصده أما ما يروى كذبا من أن يوسف هم بالزنى وأنه حل إزاره وجلس من امرأة العزيز مجلس الرجل من زوجته أى كما يجلس الرجل مع زوجته وكذلك ما قاله سيد قطب فى كتابه المسمى التصوير الفنى فى القرءان بأن يوسف كاد يضعف أمام امرأة العزيز فإن هذا باطل لا يليق بنبىٍ من أنبياء الله.

(187) ما الدليل على براءة يوسف مما نسب إليه.

        يجب اعتقاد أن يوسف عليه السلام كسائر الأنبياء عصمه الله تعالى أى حفظه من الفواحش والرذائل وهو عليه السلام أقام فى بيت العزيز وزير مصر وكان فائق الحسن والجمال فلما شب وكبر أحبته امرأة العزيز زليخة حبا جما وعشقته. وذات يومٍ وقيل كان عمره سبعة عشر عاما أرادت امرأة العزيز أن تحمله على مواقعتها وهى فى غاية الحسن والجمال والشباب فتهيأت له وتصنعت ولبست أحسن ثيابها ودعته صراحة إلى نفسها من غير حياءٍ وطلبت منه ما لا يليق بحاله ومقامه فأبى وامتنع وقال معاذ الله أى أعوذ بالله أن أفعل ذلك فأمسكت به تريد أن تجبره على مواقعتها وارتكاب الفاحشة معها فصار يحاول أن يتخلص منها فأفلت من يدها فأمسكت ثوبه من خلفٍ فتمزق قميصه وظلت تلاحقه وهما يتراكضان إلى الباب هو يريد الوصول إليه ليفتحه ليتخلص منها وهى تريد أن تحول بينه وبين الباب وفى تلك اللحظات وصل زوجها العزيز فوجدهما فى هذه الحالة فبادرته بالكلام وحرضته عليه واتهمته بأنه حاول الاعتداء عليها بالفاحشة فرد يوسف عليه السلام هذه التهمة عن نفسه وفى هذا الموقف أنطق الله القادر على كل شىءٍ شاهدا من أهلها وهو طفل صغير فى المهد لتندفع التهمة عن يوسف وتكون الحجة عليها ولتظهر براءة يوسف واضحة أمام العزيز فقال هذا الشاهد من أهلها ﴿إن كان قميصه قد من قبلٍ فصدقت وهو من الكاذبين﴾ أى لأنه يدل على أنه راودها فدفعته حتى شقت مقدم قميصه، ثم قال ﴿وإن كان قميصه قد من دبرٍ فكذبت وهو من الصادقين﴾ أى لأنه يدل على أنه تركها وذهب فتبعته وتعلقت به من خلفٍ فشقت قميصه، فلما وجد العزيز أن قميص يوسف قد انشق من خلفٍ قال ﴿يوسف أعرض عن هذا﴾ أى لا تذكره لأحدٍ وأمر زوجته بالاستغفار والتوبة إلى الله قائلا ﴿واستغفرى لذنبك إنك كنت من الخاطئين﴾.

(188) تكلم عن تنزيه الأنبياء عن كل ما ينفر عن قبول الدعوة منهم.

        يجب اعتقاد أن الأنبياء يستحيل عليهم كل ما ينفر الناس عن قبول الدعوة منهم كالأمراض المنفرة ومنها الجرب والجذام والبرص وخروج الدود من الجسم فالله تعالى جعل الأنبياء قدوة للناس وأرسلهم للدعوة إلى دين الإسلام فلا يجوز عليهم المرض الذى ينفر الناس منهم فلو كانت تصيبهم الأمراض المنفرة لنفر الناس منهم والله حكيم لا يسلط عليهم هذه الأمراض أما المرض المؤلم الشديد حتى لو كان يحصل منه إغماء فيجوز عليهم فيعلم من ذلك أن ما يقوله بعض الجهال عن نبى الله أيوب عليه السلام بأن الدود أكل جسمه فكان الدود يتساقط ثم يأخذ الدودة ويعيدها إلى مكانها من جسمه ويقول يا مخلوقة ربى كلى من رزقك الذى رزقك فهو كذب وافتراء وفيه نسبة المعصية الكبيرة إلى نبىٍ من أنبياء الله لأن الإضرار بالنفس حرام وتحريم ذلك يفهم من قوله تعالى فى سورة النساء ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ فأيوب عليه السلام لم يخرج منه الدود إنما ابتلاه الله بلاء شديدا استمر ثمانية عشر عاما وفقد ماله وأولاده ثم عافاه الله وأغناه ورزقه الكثير من الأولاد.

(189) تكلم عن عصمة الأنبياء من الكفر.

        يجب اعتقاد أن الأنبياء تجب لهم العصمة أى الحفظ من الكفر قبل النبوة وبعدها أما ما ورد فى القرءان من قول إبراهيم عن الكوكب حين رءاه ﴿هذا ربى﴾ فهو على تقدير الاستفهام الإنكارى فكأنه قال أهذا ربى كما تزعمون أما إبراهيم عليه السلام فكان يعلم قبل ذلك أن الربوبية لا تكون إلا لله قال تعالى ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين﴾. وخالف فى ذلك سيد قطب فنسب الشرك إلى سيدنا إبراهيم عليه السلام فقد قال فى كتابه المسمى التصوير الفنى فى القرءان وإبراهيم تبدأ قصته فتى ينظر فى السماء فيرى نجما فيظنه إلهه. وكلامه هذا مناقض لعقيدة الإسلام التى تنص على أن الأنبياء تجب لهم العصمة من الكفر والكبائر وصغائر الخسة قبل النبوة وبعدها.

(190) تكلم عن عصمة الأنبياء من الكبائر.

        تجب للأنبياء العصمة من الكبائر أى كبائر الذنوب كشرب الخمر والزنا والانتحار فلا يجوز اعتقاد أن سيدنا لوطا شرب الخمر وزنى بابنتيه ولا يجوز اعتقاد أن سيدنا يونس ألقى بنفسه فى البحر لينتحر أو أن نبينا محمدا ﷺ هم أن يلقى بنفسه من رأس الجبل ليقتل نفسه فمن اعتقد ذلك فهو كافر لأن الانتحار ذنب كبير وهو أكبر الذنوب بعد الكفر فلا يتصور حصوله من الأنبياء وتحريم ذلك يفهم من قوله تعالى فى سورة النساء ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾.

(191) ما الدليل على جواز حصول المعصية الصغيرة التى ليس فيها خسة ولا دناءة من الأنبياء.

        مما يدل على جواز حصول ذلك منهم قوله تعالى فى سورة طه ﴿وعصى ءادم ربه﴾ أى أخطأ بأكله من الشجرة التى نهاه الله عن الأكل منها لما كان فى الجنة وكان ذلك قبل أن يوحى إليه بالنبوة. ولم تكن معصية ءادم ذنبا كبيرا كما تدعى النصارى بل هى معصية صغيرة ليس فيها خسة ودناءة. وسوس له الشيطان بالأكل من الشجرة من غير أن يدخل فى جسده كما قال تعالى ﴿فوسوس إليه الشيطان قال يا ءادم هل أدلك على شجرة الخلد وملكٍ لا يبلى﴾ فوقع فى معصية صغيرةٍ ليس فيها خسة أو دناءة ثم تاب منها.

(192) ما حكم من نسب إلى الأنبياء اسما شنيعا.

        يجب اعتقاد أن الله حفظ الأنبياء من أن تكون أسماؤهم خبيثة أو مشتقة من خبيثٍ أو يشتق منها خبيث فمن نسب إليهم اسما شنيعا بشعا فقد انتقصهم فيعلم من هذا أنه لا يجوز أن يقال إن لوطا الذى هو اسم نبىٍ مشتق من اللواط أو إن اللواط مشتق من لوطٍ فاللواط لفظ عربى ولوط اسم أعجمى أى ليس عربيا فكيف يدعى مدعٍ أنه مشتق من اللواط أو أن اللواط مشتق من لوطٍ. والاشتقاق فى اللغة العربية من المصدر وليس من الفعل قال الحريرى والمصدر الأصل وأى أصل ومنه يا صاح اشتقاق الفعل.

(193) اذكر بعض ما يستحيل على الأنبياء.

        يستحيل على الأنبياء الجنون والخرف وتأثير السحر فى عقولهم وتصرفاتهم ولا تحصل فى أبدانهم ولا فى أفواههم ولا فى ثيابهم الروائح الكريهة ولم يكن فيهم ذو عاهةٍ فى خلقته فلم يكن فيهم أعرج ولا أعمى خلقة.

أضف تعليق