للمغاربة تاريخ طويل مع الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، فقد ألف العلامة سيدي أبو العباس العزفي السبتي (توفّي 633 هـ) كتاب الدر المنظم في مولد النبي المعظم، ندب فيه إلى الاحتفال بالمولد الشريف، وكان آخر مصنفاته، غير أنه توفي قبل إتمامه، فأكمله من بعده ولده العالم الرئيس أبو القاسم العزفي (توفّي 677 هـ) رحمهما الله.
ومما جاء في هذا الكتاب (كان الحجاج الأتقياء والمسافرون البارزون يشهدون أنه في يوم المولد في مكة لا يتم بيع ولا شراء كما تنعدم النشاطات ما خلا وفادة الناس إلى هذا الموضع الشريف، وفي هذا اليوم أيضاً تفتح الكعبة وتزار). انتهى
ويصف ابن عذارى المراكشي احتفال أبي قاسم العزفي في أول ربيع له بالمولد الكريم، فكتب (ومن مآثره العظام، قيامه بمولد النبي عليه السلام، من هذا العام، فيطعم فيه أهل بلده ألوان الطعام، ويؤثر أولادهم ليلة يوم المولد السعيد بالصرف الجديد من جملة الإحسان إليهم والإنعام، وذلك لأجل ما يطلقون المحاضر والصنائع والحوانيت يمشون في الأزقة يصلون على النبي عليه السلام، وفي طول اليوم المذكور يسمِّع المسمعون لجميع أهل البلد مدح النبي عليه السلام، بالفرح والسرور والإطعام للخاص والعام، جار ذلك على الدوام في كل عام من الأعوام).
وقد أيّد محمد الطاهر بن عاشور شيخ جامع الزيتونة الاعتناء بيوم المولد النبوي
في قوله (فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِلْمَوَاقِيتِ الْمَحْدُودَةِ اعْتِبَارًا يُشْبِهُ اعْتِبَارَ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ الْمُتَجَدِّدِ، وَإِنَّمَا هَذَا اعْتِبَارٌ لِلتَّذْكِيرِ بِالْأَيَّامِ الْعَظِيمَةِ الْمِقْدَارِ كَمَا قَالَ تَعَالَى (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) (إِبْرَاهِيم 5) فَخَلَعَ اللَّهُ عَلَى الْمَوَاقِيتِ الَّتِي قَارَنَهَا شَيْءٌ عَظِيمٌ فِي الْفَضْلِ أَنْ جَعَلَ لِتِلْكَ الْمَوَاقِيتِ فَضْلًا مُسْتَمِرًّا تَنْوِيهًا بِكَوْنِهَا تَذْكِرَةً لِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لِأَجْلِهِ سُنَّةَ الْهَدْيِ فِي الْحَجِّ، لِأَنَّ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ ابْتَلَى اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ وَأَظْهَرَ عَزْمَ إِبْرَاهِيمَ وَطَاعَتَهُ رَبَّهُ وَمِنْهُ أَخَذَ الْعُلَمَاءُ تَعْظِيمَ الْيَوْمِ الْمُوَافِقِ لِيَوْمِ وِلَادَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَجِيءُ مِنْ هَذَا إِكْرَامُ ذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَبْنَاءِ الصَّالِحِينَ وَتَعْظِيمِ وُلَاةِ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ الْقَائِمِينَ مَقَامَ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَعْمَالِهِمْ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ وَالْأَئِمَّةِ).
والشيخ حسنين محمد مخلوف شيخ الأزهر حيث قال (إن إحياء ليلة المولد الشريف وليالي هذا الشهر الكريم الذي أشرق فيه النور المحمدي إنما يكون بذكر الله وشكره لما أنعم به على هذه الأمة من ظهور خير الخلق إلى عالم الوجود، ولا يكون ذلك إلا في أدب وخشوع وبعد عن المحرمات والبدع والمنكرات، ومن مظاهر الشكر على حبه مواساة المحتاجين بما يخفف ضائقتهم، وصلة الأرحام، والإحياء بهذه الطريقة وإن لم يكن مأثورا في عهده صلى الله عليه وآله وسلم ولا في عهد السلف الصالح إلا أنه لا بأس به وسنة حسنة).
ومحمد الفاضل بن عاشور التونسي في قوله (إن ما يملأ قلوب المسلمين في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول كل عام من ناموسِ المحبة العُلوي، وما يهزّ نفوسهم من الفيض النوراني المتدفق جمالا وجلالا، ليأتي إليهم محمّلا من ذكريات القرون الخالية بأريج طيب ينمّ عما كان لأسلافهم الكرام من العناية بذلك اليوم التاريخي الأعظم، وما ابتكروا لإظهار التعلّق به وإعلان تمجيده من مظاهر الاحتفالات، فتتطلع النفوسُ إلى استقصاء خبر تلك الأيام الزهراء والليالي الغراء إذ المسلمون ملوكاً وسوقةً (أي عامتهم) يتسابقون إلى الوفاء بالمستطاع من حقوق ذلك اليوم السعيد).
ومحمد الشاذلي النيفر شيخ الجامع الأعظم في تونس في قوله (وَأَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ مَا يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ حَجَرٍ وَالسّيُوطِيِّ أَنَّ اللَّـهَ أَوْجَبَ عَلَيْنَا مَحَبَّةَ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَعْدَ مَحَبَّتِهِ جَلَّ وَعَلَا، وَذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْنَا تَعْظِيمَ كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمِنْ ذَلِكَ تَعْظِيمُ يَوْمِ مَوْلِدِهِ بِالاحْتِفَالِ بِهِ بِمَا يُجِيزُهُ الشَّرْعُ الكَرِيمُ).
نسأل الله أن يجمعنا وإياكم على نشر الخير ويفيض علينا من بركات النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ءامين، وسبحان الله والحمد لله رب العالمين.
روى مسلم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَقَالَ : ( فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ ) .
وروى الترمذي وحسنه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ )
ما زالت الدلائل تتوالى تترى على كون الميلاد النبوي ليس ككل ميلاد، وعلى كون اليوم الذي شهد هذا الحدث العظيم ليس ككل الأيام، فانظم إلى هذه الإرهاصات الدالة على عظمة الحدث وشرف اليوم لسان الشرع، فأعرب بصحيح اللفظ عن شرف هذا اليوم، فعن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت فيه،أو أنزل علي فيه». (رواه مسلم في كتاب الصيام) ويستشف من هذا الجواب إعلام بشرف هذا اليوم، وإخبار بفضله، وقد قال الإمام ابن الحاج في «المدخل»: «أشار عليه الصلاة والسلام إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله عليه الصلاة والسلام للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين فقال له عليه الصلاة والسلام: «ذاك يوم ولدت فيه»، فتشريف هذا اليوم متضمن لتشريف هذا الشهر الذي الذي ولد فيه. فينبغي أن نحترمه حق الاحترام، ونفضله بما فضل الله به الأشهر الفاضلة، وهذا منها، لقوله عليه الصلاة والسلام: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر». ولقوله عليه الصلاة والسلام: «آدم ومن دونه تحت لوائي»… وفضيلة الأزمنة والأمكنة بما خصها الله تعالى به من العبادات التي تفعل فيها لما قد علم أن الأمكنة والأزمنة لا تتشرف لذاتها وإنما يحصل لها التشريف بما خصت به من المعاني» (المدخل لابن الحاج2/3، المطبعة المصرية بالأزهر، ط1: 1348هـ).
فتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ليوم ميلاده بالندب إلى الصوم فيه، منبئ عن شرف ذلك اليوم، وعلة شرفه ما وقع فيه، من أجل ذلك ما شهده من الميلاد النبوي فيه، وقد قال الإمام القرطبي على هذا الحديث:«كل هذا دليل على فضل هذا اليوم» (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 3/187، تحقيق جماعة. دار ابن كثير، دار الكلم الطيب. دمشق-بيروت. ط1. 1417/1996.) والأزمان لا يفضل بعضها بعضا إلا بالواقع فيها، وإلا فإنها متساوية من حيث هي أزمان، لا تفضل ساعة ساعة، ولا نهارا نهارا، ولا ليل ليلا باعتبار كونه زمانا، وإنما تتفاضل الأزمان بما كانت ظرفا له من أحداث.
ثم ها هو أيضا جانب آخر من جوانب التعظيم لذلك اليوم، وهو المتعلق بطريقة الإخبار عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال مخبرا عن ذلك اليوم: «ذاك يوم» واسم الإشارة «ذاك» يشار به إلى البعيد، فإن لم يكن بعد فإنه للتعظيم. والمرتفع محلا، العلي منزلة، كأنه قد بعد موضعه، وأوغل في الشرف مبتعدا.
وشغل اليوم العظيم بالصيام فيه إشارة إلى شكر الله على عظيم النعمة التي حصلت في ذلك اليوم، ومنه صوم موسى عليه السلام يوم عاشوراء شكرا لله على إنجائه وقومه، وإهلاكه فرعون وجنده، فصامه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «نحن أحق وأولى بموسى منكم»، (رواه من حديث ابن عباس البخاري ومسلم) والخطاب لليهود الذين كانوا يصومونه. فوقع في شرعنا الإقرار بكون الصوم يكون لونا من ألوان الشكر، وإيقاع الصيام على جهة التنفل في يوم الاثنين الذي ولد فيه نبينا صلى الله عليه وسلم مناسب لاستحضار الشكر على النعمة العظمى بمولده، كما أن اقتران العبادة بمكان أو زمان دال على فضلهما. وقد أدخل الإمام الحافظ ابن رجب في كتابه “لطائف المعارف” شهرَ ربيع الأول ـ الذي شهد ميلاد نبينا صلى الله عليه وسلم في مواسم شهور السنة، وقصده من ذكر أيام وشهور السنة ما يقع فيها من أعمال الخير الواجبة أو المستحبة.
ثم لْيُنظر إلى تذكير النبي صلى الله عليه وسلم بيوم ميلاده الشريف، وهو صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد مضي أكثر من نصف قرن على هذا الحدث العظيم وقد وقع سؤاله عن صوم يوم الاثنين، فقال: «ذلك يوم ولدت فيه» ثم زاد السائل معنى آخر، فنص على أن ذلك اليوم الذي ولد فيه شهد أيضا حدثا عظيما في حياته الشريفة، وهو البعثة، ولم يذكر صلى الله عليه وسلم ما وقع بينهما من أحداث في تلك المدة المديدة الفاصلة بين مولده وبعثته، وهي أربعون سنة، فهذا الجمع بين الولادة والبعث، جمع بين حدثين عظيمين، فالأول ظهور حسي لشخص نبينا صلى الله عليه وسلم إلى هذا الوجود الدنيوي، والثاني ظهور أيضا، لكنه للرسالة، فكل من الظهورين حدث عظيم.
لله تعالى صدقة جارية و صدقة عن روح المرحوم بإذن الله فتحي المهذبي
وقد قيل :
أولَّ من خصَّ المولد النبوي الشريف بتأليفٍ مستقل
1- أول مؤلف هو للإمام الواقدي، ذكره أبو القاسم السهيلي المولود (508، والمتوفى 581 ) في كتابه الروض الأنف 1/ 61 فقال: ” كتاب المولد للواقدي”
ثم قال في 1/ 93 “كتاب انتقال النور”
ولعلهما كتاب واحد.
ونبه بعض المعاصرين على أنهما غير كتاب المولد المخطوط الموجود في الظاهرية
2- الإمام الكبير محمد بن عائذ القرشي صاحب المغازي المولود سنة: (150 والمتوفى: 233هجرية)
وقد اقتبس من كتابه مغلطاي في كتابه الإشارة ص71، والعلامة البدر الزركشي في شرح البردة كما نقل ذلك عنه الحافظ القسطلاني في المواهب اللدنية 1/ 78.
فهذا التأليف كان في القرن الثاني وتلاه التأليف في القرن الثالث
3- فألف الإمام الكبير ابن أبي عاصم المولود سنة: (206، والمتوفى سنة: 287) كتابا سماه “مولد النبي صلى الله عليه وسلم وما معه”
وقد ذكر هذا التأليف إبراهيم الصرفيني المولود ينة (581 والمتوفى641) في كتابه المنتخب ص84
وتبعه الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة الغزالي 19/327
وذكر أن للغزالي إجازة فيه ، ومثله الحافظ ابن كثير في طبقات الشافعيين ص535.
وتخصيص المولد النبوي بالتأليف يعتبر صورة من صور الاحتفال بالحبيب الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم


