بيان وحدة كلام الله تعالى

درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدري رحمه الله تعالى في بيان وحدة كلام الله تعالى.

قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين، وحبيب رب العالمين وعلى جميع إخوانه من النبيين والمرسلين.

أما بعد، فاعلم أن الله سبحانه وتعالى موجود لا يبه الموجودات. ذاته أزلي أبدي لم يسبق له عدم ولا يلحقه عدم. قال الإمام أبو جعفر الطحاوي تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات. اهـ. إذا قيل الله ليس بمحدود ليس معناه أنه شيء ممتد إلى غير نهاية، معناه ليس له حجم كبير أو صغير. الذي يعتقد أن الله شيء ممتد إلى غير نهاية كافر، والذي يعتقد أن الله له امتداد ينتهي صغير أو كبير كذلك كافر، كل شيء له مقدار مخلوق، والعرش الذي هو أكبر العوالم مخلوق، الوهابية تقول الله بقدر العرش، ومنهم من يقول ترك من العرش بقعة ليقعد عليها الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. هؤلاء جعلوا العرش جسما أكبر من الله. ولو قالوا بقدر العرش فهم كفار، ولو قالوا أوسع من العرش بألاف المرات فهم أيضا كفار كفار. كل شيء يحل في جهة جسم، النور أليس يأخذ مكانا؟ والظلام أليس يأخذ مكانا؟ فالنور جسم والظلام جسم، وكذلك الذي يعتقد أن الله في جهة فوق كفر.

بعض الشافعية خالف كلامه كلام الإمام الشافعي. قال هؤلاء الشافعية الجاهل إذا قال الله في جهة فوق لا نكفره، هذا كفر. إذا قال الشخص الله في السماء وفهم من ذلك أن الله حال في السماء كافر، أما إذا كان يفهم من ذلك أن الله أعلى من كل شيء درجة لا يكفر. في القرءان ورد {وهو الله في السماوات وفي الأرض}([1]) معناه الله معبود في السمٰوات وفي الأرض، في السمٰوات تعبده الملائكة وفي الأرض يعبده مؤمنو الإنس ومؤمنو الجن. قال الله تعالى في سورة الـملك {أأمنتم من في السماء}([2]) هذه الآية الذي يفسرها على الظاهر يظن منها أن الله تعالى حال في السماء يكفر، والذي لا يفهم الحلول ويفهم منها أن الله أعلى من كل شيء درجة فلا يكفر. كذلك من قرأ {الرحمن على العرش استوى}([3]) إن فهم منها أن الله قهر العرش فهو حق، العرش الذي هو أكبر المخلوقات مقهور لله، معناه أن الله قهر كل شيء، أما الذي يفهم منها الجلوس كفر. الشافعي قال المجسم كافر بعد أن قال الشافعي المجسم كافر إذا وجدنا في كتب بعض الشافعية من قال الله في جهة فوق لا نكفره ننبذ كلامه لا نعتبره شيئا. نرده لأنه خالف كلام الإمام، الشافعي ولد سنة مائة وخمسين من الهجرة وتوفى سنة مائتين وأربع من الهجرة ورد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عالم قريش يملأ طباق الأرض علما معناه سيأتي عالم من قريش يملأ طباق الأرض علما. العلماء نظروا قالوا من يكون، قالوا الشافعي لأن علمه انتشر في الأرض، في أندونيسية واليمن والحبشة والصومال حتى بلاد إيران وبر الشام ومصر وغيرها. قالوا ما وجدنا عالما انتشر علمه في الأرض كما انتشر علم الشافعي. يوجد كتاب يقال له كتاب القواعد للعز بن عبد السلام ذكر([4]) فيه من قال الله في جهة فوق لا نكفره قال لأن التخلي عن هذا صعب، هذا الكلام مردود لأنه خالف كلام الإمام.

كل شيء يكون في جهة فهو جسم، إما جسم لطيف أو جسم كثيف، الجسم اللطيف كالنور والريح والظلام، والجسم الكثيف كالنجم والشمس والقمر، النجم والشمس والقمر في هذا الفراغ فوقنا، هذا الفراغ من هنا إلى السماء الأولى مسيرة خمسمائة سنة، الريح في هذا الفراغ، الريح جسم، الذي يقول الله في السماء ويظن أن الله ضوء حل في جهة السماء جعله جسما كفر. والذي يقول بصورة البشر أكفر. كان في الماضي مشبهة يدعون الإسلام ويصلون ويصومون منهم من يقول الله بصورة شاب أمرد ومنهم من يقول بصورة شيخ أشمط أي اختلط سواد شعره ببياضه. هؤلاء أكفر من الذي يقول الله في جهة فوق ولم يجعله بصورة بشر. الذي جعله بصورة بشر أكفر. هذا معنى المجسم من اعتقد أن الله جسم أو قال يسكن في مكان.

أما قول الإمام الطحاوي ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر فمعناه أن الذي يعتقد أن لله كلاما ككلام البشر من حرف وصوت، والذي يعتقد أن رؤيته بمقابلة، أي أنه يرى العالم من جهة من الجهات كافر، كذلك الذي يعتقد أن المؤمنين يرون الله بعدما يدخلون الجنة في جهة من الجهات أو في كل الجهات فهو أيضا كافر بل يراه المؤمنون في الجنة من غير مقابلة أي من غير أن يكون في جهة منهم، الله تبارك وتعالى يرى لا كما يرى المخلوق، المخلوق يرى قريبا بالمسافة أو بعيدا بالمسافة.

كذلك الذي يظن أن كلامه سبحانه وتعالى بحرف وصوت شبهه بالبشر. نحن كلامنا بحرف وصوت. أبو حنيفة رضي الله عنه كان أدراك الصحابة، ولد سنة ثمانين من الهجرة، تعلم العلم ممن تعلم من الصحابة قال نحن نتكلم بالآلات والحروف والله يتكلم بلا ءالة ولا حرف. الذي يقول الله يتكلم بالآلة والحرف والصوت شبهه بخلقه، هذا البيان ليس شيئا جديدا، أبو حنيفة قاله. قال نحن نتكلم بالآلات والحروف معناه بعض الحروف تخرج من الشفة، وبعضها من الحلق، لا تخرج إلا من الحلق، وبعضها من طرف اللسان. الحروف لها مخارج، الذي يقول الله يتكلم بالحرف والصوت جعله كخلقه. الذي يظن أن الله يتكلم ثم يقطع ثم يتكلم ثم يقطع أ ويظن أن الله علم أشياء ثم علم أشياء ثم علم أشياء هذا جعل الله مثل خلقه. جعل الله حادثا. الله لا تقوم به صفة حادثة، قال أبو حنيفة من اعتقد أنه (أي الله) تقوم به صفة حادثة أو شك أو توقف فهو كافر. اهـ.

القرءان نقول عنه كلام الله لا بمعنى أن الله قرأه بالحرف والصوت، بل نقول كلام الله لأنه عبارة عن كلام الله الأزلي، كما إذا قلنا الله نكون ذكرنا الله بالحرف والصوت، لكن الله الذي نذكره ليس كشيء من الأشياء.

الحنابلة الذين ضلوا يقولون الله كلامه بحرف وصوت مثل ابن تيمية هؤلاء كفروا لأنهم وصفوا الله بالحادث. الله لا يوصف بالحادث كل صفاته أزلية أبدية حياته أزلية أبدية لا يدخلها تقطع، كذلك علمه أزلي أبدي كذلك قدرته أزلية أبدية وسمعه أزلي أبدي ومشيئته أزلية أبدية وبصره أزلي أبدي، ومع هذا نحن لا نقول القرءان مخلوق ولو كانت هذه الحروف التي نتلفظها باسمه تعالى مخلوقة لأن هذه الحروف عبارة عن كلام الله الذي ليس حرفا. كما إذا قلنا الله ما معنى الله؟ ذلك الذات الأزلي الأبدي الذي لا يشبه شيئا، لكن هذه الحروف التي نتلفظها باسمه تعالى مخلوقة شيء يحدث ثم ينقضي. حروف لفظ الجلالة الله تدل على ذلك الذات الموجودة الذي ليس له ابتداء. كذلك هذه الحروف أي حروف القرءان تدل على ذلك الكلام الأزلي الأبدي.

كلمه ليس ككلام الخلق ليس بحرف وصوت، كلامه كلام واحد ليس ككلام الخلق بالانتقال من حرف إلى حرف، القرءان اللفظ الذي نقرأه من الباء إلى السين، أوله باء من بسم الله الحرم الرحيم وءاخره سين {من الجنة والناس}([5]) ليس الله قرأه بالحرف والصوت، لو كان كذلك لكان شبيها بنا. ليس الله يبدأ بالكلام ثم يسكت ثم يتكلم ثم يسكت لأن كلامه ليس حروفا ولا صوتا، يستحيل أن ينطق بالحرف. لما نقول بسم الله تأتي الباء ثم تنقضي ثم تأتي السين ثم تنقضي، يستحيل أن يتكلم الله بها هكذا. كلام الله كلام واحد ليس متجزئا وليس له أبعاض، هو كلام واحد، أمر ونهي، كلام الله الأزلي الأبدي في الدنيا سمعه من البشر موسى عليه السلام وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من بين الأنبياء كلهم. أما في الآخرة يسمعه كل البشر والجن، كلهم يسمعون ذلك الكلام الذي ليس حروفا ولا صوتا. موسى وسيدنا محمد عليهما السلام سمعا كلامه الذي ليس حروفا ولا صوتا وليس له ابتداء ولا انتهاء. من كان يعتقد أنه حرف وصوت له ابتداء وانتهاء فليس مؤمنا، فليس عارفا بالله.

بعض الناس إذا سمعوا كلام الله ليس بحرف ليس بصوت يستغربون، قد يظنون من جهلهم أن هذا شيء من عندنا ولا يدرون أن هذا التفصيل والبيان أبو حنيفة قاله. وكل أهل السنة يعتقدون أن الله كلامه ليس حرفا ولا صوتا.

ورد في القرءان {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي}([6]) معناه كلام الله ليس شيئا له أبعاض، وإنما هو كلام واحد. وإنما قال تعالى: {لكلمات} بلفظ الجمع للتعظيم، ليس معناه أن له كلاما متجزئا. في القرءان في موضع ورد {وكلمة الله}([7]) وورد {كلمات الله}([8])، بلفظ الجمع وبلفظ الإفراد كما أن الله عبر عن نفسه بلفظ الجمع وبلفظ الإفراد، {قل هو الله أحد}([9]) هذا صريح في الإفراد، وعبر عن نفسه بلفظ الجمع قال تعالى: {إنا نحن نحيي ونميت}([10]) وهو واحد لكن عبر عن نفسه بلفظ الجمع وهو واحد ليس جمعا، وعبر بلفظ {فاعلون}([11]) وهو فاعل واحد خالق واحد، كذلك قال {كلمات الله} للتعظيم كما عبر عن نفسه بنحن وهو واحد ليس اثنين ولا ثلاثة ولا أكثر.

هذا القرءان الذي نحن نقرأه والتوراة والإنجيل والزبور كل هؤلاء عبارات عن ذلك الكلام، هذه العبارات حروف، هي عبارات عن كلام الله الذاتي الذي ليس حرفا ولا صوتا. بعض العبارات بالعربية وهو القرءان وبعض العبارات بالسريانية وهو الإنجيل وبعض العبارات بالعبرانية وهو التوراة والزبور. كل يقال له كلام الله لا بمعنى أن الله قرأه هكذا([12])، بل بمعنى أن هذه الكتب تدل على ذلك الكلام الذي ليس حرفا ولا صوتا.

صفات الله علمه وقدرته ومشيئته وسمعه وبصره وكلامه وحياته كل صفة من هذه الصفات صفة واحدة. كل أصوات الخلق الله تبارك وتعالى يسمعها بسمع أزلي ليس بسمع حادث، ليس بسمع يحدث له عندما يوجد الصوت نحن لما يحصل منا صوت يحصل منا سمع، الله تعالى يسمع الأصوات الحادثة من المخلوقين بذلك السمع الأزلي الأبدي الذي ليس له انقطاع. كذلك رؤيته لا يرى الأشياء برؤية حادثة بل برؤية أزلية.

الله تبارك وتعالى له قدرة واحدة أزلية أبدية لا تنقطع، لا يدخلها تقطع، قدرته قدرة واحدة ليس كقدرتنا نحن نقدر على شيء، ثم نقدر على شيء ءاخر وقد تضعف قدرتنا وقد تقوى، أما اله تبارك وتعالى فقادر على كل شيء بقدرة واحدة أزلية أبدية، وكذلك له مشيئة واحدة ليس له مشيئة متعددة كالخلق، المخلوق يشاء شيئا ثم يشاء شيئا ثم يشاء شيئا أما الله ليس كذلك، الله تبارك وتعالى شاء وجود كل ما دخل في الوجود وما سيدخل فيما بعد بمشيئة واحدة، كله شاءه بمشيئة واحدة، الله تعالى شاء في الأزل وجود هذا العالم على الترتيب الذي وجد عليه بمشيئة واحدة، شاء وجود الماء وما بعده.

وعلم الله واحد دائم ليس شيئا له أجزاء، لا يزيد ولا ينقص، شامل لكل شيء ليس له ابتداء ولا انتهاء، يعلم بهذا العلم الواحد كل شيء، علمه تبارك وتعالى ليس كعلمنا، نحن علومنا حادثة وقدرتنا حادثة أول ما نخرج من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا ثم يحصل لنا بعد ذلك علم شيء ثم شيء ثم شيء. أما علمه تبارك وتعالى واحد شامل لكل شيء لا يزيد ولا ينقص. وهذا العالم كله بقدرة واحدة خلقه، وبعلم واحد وبمشيئة واحدة وحكم واحد. بكلام واحد في الأزل حكم بوجود العالم فوجد، قال تعالى: { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون}([13]) معناه بحكمه الأزلي خلق الأشياء أي يحكم في الأزل بوجود الشيء فيوجد، وليس معناه أن الله ينطق بكاف ونون، ليس معناه أن الله عندما يريد أن يخلق شيئا يقول كن، كن، ويكفر من يعتقد أن الله قرأ بالكاف والنون.

كلام الله تبارك وتعالى واحد شامل للأمر والنهي والخبر والاستخبار([14]) والوعد والوعيد. الله تعالى أمر جبريل عليه السلام بأن يأخذ هذه الكتب من اللوح المحفوظ وينزل بها على بعض الأنبياء. في الحقيقة العقلية كلام الله ذاك الذي هو أزلي أبدي ليس حرفا ولا صوتا ليس متبعضا، وبالحقيقة الشرعية نقول لهذا الذي نقرأه أيضا كلام الله.

لا يجوز أن يقال الله نطق أولا بالباء ثم بالسين إلى أن انتهى {من الجنة والناس}. هذا الترتيب على حسب ما كتب في اللوح المحفوظ ثم قرأه جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم. وجبريل عليه السلام أخذ القرءان من اللوح، ليس هو ألفه، ولا أحد من خلق الله ألفه، جرى القلم على اللوح المحفوظ فكتب هذه الكتب الأربعة وكتب ما يصير إلى يوم القيامة من أعمال الناس وأرزاقهم وءاجالهم، فلان يموت على الإيمان وفلان يموت على الكفر، فلان يسلم ويختم له بالإيمان وفلان لا يسلم ويختم له بالكفر، كل ذلك كتب. هذا القرءان الذي نقرأه ليس الله قرأه على جبريل، لكن جبريل عليه السلام سمع كلام الله الأزلي الأبدي وأمره بذلك الكلام أن يأخذ القرءان الذي كتب على اللوح المحفوظ وأن ينزل به على محمد صلى الله عليه وسلم، وجبريل عليه السلام قرأه بالحرف والصوت. السين والشين والحاء والخاء واللام والميم والهاء والياء، من هؤلاء الحروف القرءان الكريم، هكذا كان مكتوبا في اللوح المحفوظ نزل به جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم وقرأه عليه. القرءان ليس من تأليف جبريل عليه السلام ولا من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم، فنقول كلام الله لا بمعنى أن الله قرأه بالحرف والصوت قال تعالى: {بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ}([15]).

بعض الناس يقولون الله تعالى يوم القيامة يقول لما يحيـي الخلق بعدما يفني الإنس والجن والملائكة، لما يعيدهم يقول لمن الملك اليوم ثم يجيب نفسه بنفسه لله الواحد القهار، هذا غير صحيح، هذا كذب لا يجوز. الصحيح أنه عندما يقوم الناس من القبور يأمر الله ملكا فينادي لمن الـملك اليوم، ثم هذا الملك يقول لله الواحد القهار فيسمع أهل الموقف كلهم، لأنه لا يوجد في الآخرة ملوك كما يوجدون اليوم. هو الله ملك ذلك اليوم، لا ملك يوم القيامة غيره، قال الله ولا يجوز أن يكون الخالق مثل خلقه.

والله تعالى أعلم.

 

([1]) سورة الأنعام، الآية: (3).

([2]) سورة الملك، الآية: (16).

([3]) سورة طه، الآية: (5).

([4]) قال الشيخ الهرري اعتقادي أن هذا الكلام مدسوس على العز. اهـ.

([5]) سورة الناس، الآية: (13).

([6]) سورة الكهف، الآية: (109).

([7]) سورة التوبة، الآية: (40).

([8]) سورة لقمان، الآية: (27).

([9]) سورة الإخلاص، الآية: (1).

([10]) سورة ق، الآية: (43).

([11]) سورة المؤمنون، الآية: (4).

([12]) أي بالحرف والصوت.

([13]) سورة يس، الآية: (82).

([14]) بمعنى طلب الإخبار ولا يقتضي ذلك عدم علم المستخبر بالخبر.

([15]) سورة البروج، الآيتان: (21، 22).

أضف تعليق