اقتباس ابن تيمية القول بالمقدار في حق الله من الفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون

من أدلة متكلمي أهل السنة في نفي الجسمية عن الله عز وجل، قولهم: ان الجسم يحتاج إلى مُخصِّصٍ يخصصه بمقداره، والمُحتاجُ لا يكونُ قديماً.

وقد نقل الكوثري في كتابه “من عِبَر التَّاريخ في الكيد للاسلام ” عن ابن ميمون اليهودي أنَّه حاول الاعتراض على متكلِّمة أهل السُّنَّة و نَقض هذا الدليل بقوله أنَّ مقدارَه الله يكون واجِباً لا يحتملُ الزِّيادةَ والنُّقصَ، وغفل على أنَّ الكَمَّ المُتَّصلَ القائمَ بالجِسمِ عَرَضٌ طارئٌ.

وقد تلقف ابن تيمية الحَرَّانيّ هذا القول منه، نصرةً لعقيدته في أنَّ الله جسمٌ وله حجمٌ لا يزيد ولا ينقص، فاتبعه في هذا الهراء الفاسد، وهذا علاوة على كونه مُكابرة صريحة للمعقول ومُناقضة للمنقول؛ فهو يفتح الباب على مِصراعيه أمام الفِرق الضالة لادِّعاء رُبوبيَّة كلّ جسمٍ يُدَّعى قِدَمه.

قال الكوثري أيضا في مقدماته في مقام مقارنة كتاب ابن ملكا “المعتبر” بكتاب ابن ميمون “دلالة الحائرين”: “فيستغرب من الشيخ الحراني إهماله لتلك البراهين المسرودة في “دلالة الحائرين” في تنزيه الباري عن الجسمية، مع اطلاعه عليها، وأخذه بتلك المحاولة الساقطة في معقولة عند رده على السيف الآمدي قوله باستحالة تحديد الله بجهة؛ لاحتياج ذلك إلى مخصص كما هنا، على طبق ما صنع في أخذه عن ابن ملكا ما انفرد به عن النظار من تجويز حلول الحوادث في الله. تعالى الله عما يقول المجسمة والمشبهة علواً كبيراً”. انتهى

وقد زعم ابن تيمية بأنَّ ربَّه جسمٌ له حجمٌ وشكلٌ مخصوص، وأنَّه لا مانع من فَرْضِه تعالى على كَمِّيَّةٍ مَخصوصةٍ واجبةٍ لا تَقبَلُ الزِّيادةَ والنَّقصَ؛ تماماً كما يقول المنزِّهة بأنَّه سُبحانه مَوصوفٌ بصِفاتٍ واجبةٍ لا تَقبَلُ الزِّيادةَ والنَّقصَ.

ولقد صرَّح بهذا في مواضع من تواليفه، ومنها ما جاء في ثنايا ردِّه على السَّيف الآمِدي كما تجده في درءُ تعارُض العقل والنَّقل؛ حيثُ اعترض عليه في تنزيه الله عن الحجم والشَّكل فقال: ” قُلْتُ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالشَّكْلِ وَالْمِقْدَارِ لِذَاتِهِ؟”. انتهى

والقائل هنا هو ابن تيمية نفسه كما لا يخفى، فهو مذهبه، وإلَّا لَمَا حكاه مُرتضيا له مُعارضاً به التَّنزيه. وهذا من جُملة أساليبه الملتوية المعروفة عند الباحثين.

وقال مُنتحلًا لسان السَّلف: ” الْقَوْلُ الثَّالِثُ: قَوْلُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْكَلَامِ وَالْفِقْهِ، وَالتَّصَوُّفِ، الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَهُ حَدٌّ لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ. فَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ: كُلُّ مُتَنَاهٍ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ أَمْكَنَ وُجُودُهُ أَزْيَدَ وَأَنْقَصَ مِمَّا وُجِدَ، وَاخْتِصَاصُهُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ الْمُخَصَّصِ مُنْفَصِلٌ – مَنَعُوا هَذَا كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَقَالُوا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ مَا اخْتُصَّ بِقَدْرٍ افْتَقَرَ إِلَى مُخَصِّصٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ لِوَاجِبِ الْوُجُودِ مِنْ خَصَائِصِهِ – يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَاعْتَرَافُ هَؤُلَاءِ الْمُحْتَجِّينَ بِهِمَا بِفَسَادِهِمَا”. انتهى

فأينَ ذكر السَّلف والأئمَّةُ وأهلُ الحديثِ والكلامِ والفقهِ والتَّصوُّفِ: أنَّ الله مُتَنَاهٍ مِن جَمِيعِ الجَوَانِبِ، مختصٌّ بحجم لا يزيد ولا ينقص؟ وهذا من جملة كذبه الصُّراح، ولن يستطيع هذا الحرَّاني أن يُثبت صحَّة دعواه هذه ولو استعان بالثَّقلَين.

ومما ينسف هذا الادعاء من جذوره ما ورد في المنقولات القطعية كقوله تعالى: ” وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ” – البَقَرَة: 247- فقد دَلَّت الآية عَلَى أَنَّ الجِسْمَ قَدْ يَزِيدُ عَلَى جِسْمٍ آخَر.

وراجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/1N9PcP5HhU/

وأما الألة العقلية، فهي أكثر من أن يتم حصرها، لكن نكتفى بذكر بعضها:

– أوَّلًا: مِنَ المقرَّرِ في بَدَائهِ العقولِ أنَّ الجِسمَ لَا يَنفكُّ عنِ المِقدارِ والامتدادِ، وأنَّ كُلَّ ما كان ذا حَدٍّ وحَجمٍ، فَهُوَ قابِلٌ – بطبيعَتِهِ – لِلتَّغيُّرِ والزِّيادَةِ والنُّقصانِ. فالعقل يجوز أن يَزيد الجسم أو يَنقص، فهو لا يحكم بوجوب أن يكون حجم الشَّمس على المقدار الَّذي هو عليه دون غيره، بل جائز أن يَزيد حجمها أو ينقص.

ثانيا: يُقال لهذا المجسم: هل يستطيع ربُّك أن يزيد في حَجم هذا العالَم حتَّى يفوق مِقدار حجم ذاته – تعالى الله عن ذلك علُوًّا كبيراً -؟ فإن قال: لا؛ فيلزم تعجيز القدرة الإلهيَّة في التَّأثير على المخلوق ببعض ما يجوز عليه، وهو كُفرٌ باتِّفاق. وإن قال: نعم؛ فيلزم وصفه تعالى بأنَّه “أصغر”، وهو كفرٌ باتِّفاق.

ثالثا: إذا زعم مُتَوهِّم أنَّ الله تعالى قد قدَّر ذاته على مِقدار مَخصوص؛ فإنَّ في ذلك مُصادمة لصفة القِدَم، ويستلزم القول بإمكان تغيُّر ذاته تعالى في الشَّكل أو الصُّورة أو الحَجم، أي جواز انقلاب الذَّات، وإمكان أن يُؤثِّر تعالى في ذاته فيُعدم نفسه، وهذا كُفرٌ بإجماع المسلمين.

فإِن قِيلَ: بل اختِيرَ هذَا الحَجمُ لِأَنَّهُ الأَكمَلُ، وَغَيرُهُ أَنقَصُ، لَزِمَ أَن يَكُونَ هُنَاكَ مِعيَارٌ فاصِلٌ يُحَدِّدُ الكَمَالَ فِي حَجمٍ دُونَ حَجمٍ، وَهذَا بَاطِلٌ؛ إِذ يُمكِنُ عَقلًا تَصَوُّرُ الكَمَالِ فِي حَجمٍ أَكبَرَ مِن هذَا، كَمَا يُمكِنُ فِي حَجمٍ أَصْغَرَ. وَلَا وَجهَ لِتَفضِيلِ مِقدَارٍ عَلَى غَيرِهِ مِن حَيثُ هُو، مَا دَامَ الحَجمُ فِي ذَاتِهِ لَيسَ مَبدَأَ كَمَالٍ.

– رابعا: إِن كَانَ هذَا المِقدارُ المخصوصُ أَزَلِيًّا بِصِفَتِهِ الذَّاتِيَّةِ، فَلَيسَ هُنَاكَ – مِن جِهَةِ العَقلِ – مَا يَمنَعُ مِنَ القَولِ بِأَزَلِيَّةِ مَقَادِيرِ الأَجسَامِ الأُخرَى، مِمَّا يُفضِي إِلَى مَقُولَةِ أَزَلِيَّةِ المَادَّةِ، كَمَا هُوَ مَذهَبُ المادِّيِّينَ. فَلَا فَرقَ فِي التَّصَوُّرِ – حِينَئِذٍ – بَينَ تَيمي يَزعُمُ أَزَلِيَّةَ جِسمٍ “إلهيٍّ” يَسكنُ العرشَ، وَبينَ مادِّي يقولُ بأَزَلِيَّةِ العَالَمِ أو جسمٍ مُتراميَ الأطراف يَسكنُ العرش.

فالمادِّيِّين قد قالوا بأزليَّة “الكون” أو “الطَّاقة” أو “المادَّة الخامّ”؛ زاعمين أنَّها لا تُستحدَث ولا تَفنى، ولها مقدارٌ ثابت.

فلو جاز لعاقلٍ أن يقول: إنَّ اللهَ جسمٌ طوله كذا وعرضه كذا وعُمقه كذا أزليٌّ لا يتبدَّل، لجاز كذلك – عقلًا – أن يُقال: إنَّ العالَم أو العرشَ أو الكُرسي أو المجرَّة أو حتَّى طاقة الكُتلة: أزليَّةٌ لا تتبدَّل، وهذا يُبطل وحدانيَّة الإله، ويُساويه بالمخلوقات في الحدِّ والكمِّ والامتدادِ فِي الأبعاد.

خامسا: الحَجمَ – بِذَاتِهِ – لَا يُعطِي كَمَالًا، وَلَا يُحَقِّقُ فَضلًا، فَلَيسَ فِي الكَائِنَاتِ كُلِّهَا مِيزَةٌ لِلأَكبَرِ فِي الحَجمِ عَلَى الأَصغَرِ، وَلَا لِلأَصغَرِ عَلَى الأَكبَرِ، بَل رُبَّ جِرمٍ صَغِيرٍ أَكْمَلُ فِي فِعلِهِ وَقُوَّتِهِ مِن جِرمٍ أَكبَرَ مِنْهُ. فَهذَا النَّملُ أو النَّحلُ صَغِيرٌ، وَلكِنَّهُ فِي قِمَّةِ الإِتقَانِ وَالتَّنظِيمِ، وَذَاكَ الفِيلُ أو الحوتُ لَا يَمْلِكُ مِنَ الأَمْرِ شَيئًا.

فَالحُكمُ بِالكَمَالِ لِمُجَرَّدِ الحَجمِ وَهمٌ حِسِّيٌّ، لَا قِيمَةَ لَهُ فِي مِيزَانِ الشَّرعِ والعَقلِ وَالفِطرَةِ السَّليمة.

سادسا: دعوى المُخالف بأنَّه لا مانع من فَرْضِه تعالى على كَمِّيَّةٍ مَخصوصةٍ واجبةٍ لا تَقبَلُ الزِّيادةَ والنَّقصَ، تماماً كما يقولُ المنزِّهة: إنَّ الباريَ سُبحانه وتعالى مَوصوفٌ بصِفاتٍ واجبةٍ لا تَقبَلُ الزِّيادةَ والنَّقصَ؟

وهي دعوى باطلة؛ لأنَّ الحدود والأحجام والأشكال أمور ممكنة في ذاتها؛ فيجوز – عقلًا – انتفاؤها ببدل كالتَّسديس مثلًا بدل التَّربيع أو التَّدوير بدل التَّثليث، وهكذا، ولو كانت واجبة لاستحال انتفاؤها ببَدل، بخلاف صفاته تعالى الواجبة كالعلم والقُدرة؛ فهي صفات كمال، وانتفاؤها يستلزم ثبوت نقيضها كالجهل والعجز، أو ردّ نُصوص الشَّرع الَّتي جاءت قاطعة بإثباتها لله تعالى، وهذا كفرٌ باتِّفاق.

قالَ إمامُ المُتكلِّمين أبو القاسم الأنصاريُّ المتوفى سنة 512 هـجري في الغنية: “وَمِمَّا نَتَمَسَّكُ بِهِ أَن نَّقُولَ: لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ القَدِيمُ مَحْدُودًا، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تَثْبُتَ لَهُ جُمْلَةُ الحُدُودِ وَالمَقَادِيرِ عَلَى تَنَاقُضِهَا، وَذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ؛ فَإِنَّ فِيهَا الطُّولَ وَالقِصَرَ، وَ[التَّرْبِيعَ] وَالتَّسْدِيسَ وَالتَّدْوِيرَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ بَعْضُ الحُدُودِ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ”. انتهى

وقال الشَّريف التِّلمساني المتوفى سنة 658 هـجري: ” ولا يُقال: ما المانعُ من فَرْضِه على كَمِّيَّةٍ مَخصوصةٍ واجبةٍ لا تَقبَلُ الزِّيادةَ والنَّقصَ، كما قُلتُم: إنَّ الباريَ سُبحانه وتعالى مَوصوفٌ بصِفاتٍ واجبةٍ لا تَقبَلُ الزِّيادةَ والنَّقصَ؟ لأنَّا نقول: نِسبةُ الأجزاءِ إلى الجِسمِ المُؤتَلَفِ منها نِسبةٌ واحدةٌ، فإذا ثَبَتَ أنَّ الجِسمَ قابِلٌ لِلاِئتِلافِ من بَعضِها كان قابِلًا لِلتَّأليفِ من البَعضِ الآخَرِ، وحينئذٍ يَقبلُ الزِّيادةَ والنَّقصَ، وماهيَّةُ الباري تعالى لم تُفهَمْ حقيقتُها ليُحكَمَ بأنَّها قابِلةٌ لِزائدٍ على ما اتَّصَفَتْ به، فاضمحلَّ الخَيالُ”. انتهى

باقتباس من الباحث ياسين بن ربيع

وراجع أثر الفلسفة والأهواء في تشكل الفكر العقدي عند ابن تيمية

https://www.facebook.com/share/p/1D6k46mqbG/

فكرة واحدة على ”اقتباس ابن تيمية القول بالمقدار في حق الله من الفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون

أضف تعليق