بيان أن قصة توسل الإمام الشافعي وتبركه بقبر الإمام أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه، صحيحة وفق الاختيارات الحديثية التي يميل لها المجسمة.

تنويه:

هذا المنشور ليس لمجرد اثبات تبرك الإمام الشافعي بأبي حنيفة بل لالزام المجسمة بانقطاع كتبهم التي تروى من طريق المجاهيل. فهم يحاولون دفع ذلك بالقول أن رواية الثقة عن المجهول هو توثيق له.

وهنا أردنا إلزامهم بنفس اختياراتهم الحديثية لتصحيح قصة تبرك الشافعي بأبي حنيفة.

نقل الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد قال : ” أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن علي بن محمد الصيمري، قال: أخبرنا عمر بن إبراهيم المقرئ، قال: حدثنا مكرم بن أحمد، قال: حدثنا عمر بن إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا علي بن ميمون، قال: سمعت الشافعي، يقول: إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم، يعني زائراً، فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين، وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تقضى”. انتهى

ورجال سند هذه الرواية هم كالتالي:

– القاضي أبو عبد الله الحسين بن علي بن محمد الصيمري، المتوفى سنة 436 هجري، شيخ الحنفية في زمانه: قال عنه أبو بكر الخطيب: “كان حسن العبارة جيد النظر” وقال “كان صدوقًا وافر العقل جميل المعاشرة عارفًا بحقوق أهل العلم” وذكر ابن الأثير أنه “شيخ أصحاب أبي حنيفة في زمانه”.

وقال عنه ابن العماد الحنبلي “كان ثقة صاحب حديث”، وقال الذهبي في ترجمته “شيخ الحنفية العلامة المحدث”.

– عمر بن إبراهيم المقرئ: قال الخطيب : هو ثقة. توفي سنة 390 هجري.

وقال الكوثري في كتابه “تأنيب الخطيب” ما نصه: “ورجال هذا السند كلهم موثقون عند الخطيب”. انتهى

يعني: على شرطه في التوثيق

وقد وافق الكوثريَّ في بعض كلامه المُعَلِّمِيُّ اليماني، وخالفه في بعضه، فقال في كتابه التنكيل: “أقول: أما الصيمري وشيخه فموثقان عند الخطيب، أي في (تاريخه) كما هو الظاهر”. انتهى

– مكرم بن أحمد: قال الخطيب في ترجمته «وكان ثقة»

قال المعلمي في التنكيل: ” فالظاهر أن هذه الحكاية من كتاب (مناقب أبي حنيفة) الذي جمعه مكرم بن أحمد، وكان كتاباً معروفاً، ولعله كان عند الخطيب نسخة منه، وكان سماعه له من الصيمري، ومعظم الاعتماد في مثل هذا على صحة النسخة، ولم يكن الخطيب ليعتمد عليها إلا وهي صحيحة، فالصيمري وشيخه من الوسائط السندية – فلا يضر تلك الرواية أن يكون فيهما أو في أحدهما كلام – على أنه لا كلام فيهما فيما أعلم، وأما مكرم فقد قال الخطيب في ترجمته: “وكان ثقة”. انتهى

-عمر بن إسحاق بن إبراهيم: وهو تصحيف لاسم عمرو بن إسحاق بن إبراهيم، وهو الذي روى عنه مكرم بن أحمد المتوفى سنة 345 هجري. فهو إما:

أ- عمرو بن إسحاق بن إبراهيم الزبيدي الحمصي الذي عاش بين

200 و300 هجري

من شيوخ الطبراني. وقد أكثر الطبراني من الرواية عنه، لكنه مستور الحال.

ب – أو أبو الحسن عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن أحمد بن السكن الأسدي السكنى البخاري. المتوفى سنة 344 هجري

قال السمعاني في الأنساب: ” أبو الحسن عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن أحمد بن السكن الأسدي السكنى البخاري، محدث عصره وشيخ العرب ببلده ومن أكثر الناس تفقدا لأهل العلم، سمع ببخارى أبا على صالح بن محمد البغدادي جزرة وأبا هارون سهل بن شاذويه الحافظ، وبمرو أبا يزيد محمد بن يحيى بن خالد الميرماهانى وأبا عبد الرحمن عبد الله بن محمود السعدي، وببغداد أبا بكر عبد الله بن أبى داود السجستاني وأبا القاسم عبد الله بن محمد البغوي، وبالكوفة عبد الله ابن زيدان البجلي وأقرانهم، سمع منه الحاكم أبو عبد الله الحافظ وذكره في تاريخ نيسابور وقال: ورد نيسابور سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة وحججت أنا في تلك السنة فرأيت له في الطريق مروءة ظاهرة وقبولا تاما في العلم والأخذ عنه، وتوفى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة”. انتهى

فهذا الرجل ثقة بحسب القواعد الحديثية التي يحتج بها المنكرون لهذه القصة. فعندهم؛ بمجرد رواية عدلين عن رجل مجهول الحال، يعتبر ذلك توثيقا له. وهم يقطعون بصحة هذه القاعدة لأنهم يحتجون بها لبيان صحة أسانيد بعض كتبهم التي رويت من طريق المجاهيل، لأجل أن بعض الثقات رووها عنهم.

راجع الرابط التالي

https://www.facebook.com/share/p/1G21sLWoxj/

– أبو الحسن علي بن ميمون الرقي العطار المتوفى سنة 246 هجري. قال عنه أبو حاتم : ثقة.

ودعوى انقطاع السماع بين علي بن ميمون والشافعي مردودة، ففي هذا الحديث بالذات قد صرح ابن ميمون بالسماع وهو ثقة.

ثم إن أبا الحسن لم يرو عن الشافعي، فالراوي قد يسمع الحديث من شيخ وليس مقصوداً بالتحديث، بخلاف قوله: «حدّثني»، فمعناه قد قصده الشيخ بالحديث، وكان بعض الرواة الذين يطردهم الأئمة من مجالسهم، وهم لا يصبرون على حديث ذاك الشيخ، فكان أحدهم يتخفى في حضور المجلس، فقد يجلس وراء الشيخ، وقد يجلس في مكان لا يراه الشيخ، فمثل هذا يتجه في حقه أن يقول: «سمعت»؛ لأنَّ الشيخ ما قصده بالتحديث.

فلا يشترط لصحة سماعه أن يكون من أصحاب الشافعي ولا يشترط ملازمته له. وأما القول بأن هذه دعوى سماع لا تُقبل إلا بثبوت اللقاء، لا سيما مع عدم المعاصرة القريبة المتيقنة.

فهذا يُطلب للمدلس ونحوه، ولا يطلب من الثقة. فالبينة على من ادعى أنه لم يسمعه.

ثم إن هذه القصة رواها الكثير من علماء أهل السنة كابن حجر الهيثمي في “الخيرات الحسان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان” ومحمد بن عمر السفيري الشافعي في “المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية من صحيح الامام البخاري” وابن جماعة في “أُنس المحاضرة” و ابن عابدين في “رد المحتار على الدر المختار” و الكوثري في “محق التقول في مسألة التوسل” وهؤلاء جميعا لم يَردّوا هذه الرواية و لا ضعفوها.

ومما يدل على إجلال الشافعي لأبي حنيفة، ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ – وهو ثقة- ، حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن علي – ثقة مأمون- قال: سمعت حمزة بن علي البصريّ – وثقه ابن يونس المصري وقال : كتبت عنه- ، يقول: سمعت الرّبيع – ثقة من أصحاب الشافعي- يقول: ” سمعت الشّافعيّ يقول: الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه”. انتهى

وهذا إسناد صحيح لاعلة فيه.

ثم إن أحمد بن حنبل نفسه جوّز مثل هذا الفعل كما في كتاب العلل ومعرفة الرجال.

راجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/1BwEFtLjHV/

فدعوى أن حكاية الشافعي مخالفة لعمل السلف لا تقوم على دليل أصلا، بل ثبت عن الصحابة التبرك بقبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم والتبرك بآثارة. وهذا ما قرره أئمة الحنابلة أنفسهم، ولم يخالف في ذلك إلاابن تيمية وأتباعه، بل وصف ابن تيمية في

في كتابه المسمى اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، فعل الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهو تبركه بآثار اﻷنبياء بأنه ذريعة من ذرائع الشرك والتشبه بأهل الكتاب.

راجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/1DECozsq1t/

فهذه القصة ليست حكاية منكرة المتن، بل هي موافقة لعمل السلف، وأما دعوى عدم شهرتها فقد يكون سببه أن ذلك أمرا أراد الشافعي اخفاءه حتى أظهره لاحقا في بعض مجالسه. فلعله كان يحب الانفراد حتى يدعو الله ببركة أبي حنيفة فيما أهمه أو في حاجته.

فلا يشترط أن تُنقل القصة عن الشافعي في كتبه، ولا عن أصحابه الملازمين له كـالربيع والزعفراني والبويطي، والا للزم من ذلك أيضا اشتراط نسبة الأقوال لجهم من طريق أصحابه المقربين فقط، لا من غيرهم، وهذا لا يقوله عاقل .

أضف تعليق