من المعلوم أن ابن تيمية قد اقتبس القول بأزلية جنس العالم من ابن رشد الحفيد
https://www.facebook.com/share/p/1BCsE1yJ8w/
كما اقتبس نسبة القول بالمقدار في حق الله من موسى بن ميمون
https://www.facebook.com/share/p/1BdzUQ6T4a/
و اقتبس فكرة المكان العدمي من ابن رشد الحفيد
https://www.facebook.com/share/p/1AhFoaPXJg/
وأثنى على فضلاء الفلاسفة، بحسب تعبيره، القائلين بالعلو الحسي.
https://www.facebook.com/share/p/1AYHCH91Pr/
واقتبس القول بقيام الحوادث بذات الله عز وجل من أسلافه الكرامية
https://www.facebook.com/share/p/1CRPAUWBHm/
والظاهر أن هذه الفكرة – أي القول بقيام الحوادث بذات الله- قد طورها ابن تيمية من ابن ملكا، و هو أبو البركات هبة الله بن ملكا البغدادي, صاحب المعتبر، الذي قضى معظم عمره و هو على اليهودية، ثم انتسب للإسلام.
ويقال أنه أسلم لما سمع أن ابن أفلح هجاه بقوله :
لنا طبيب يهودي حماقته إذا تكلم تبدو فيه من فيه
يتيه و الكلب أعلى منه منزلة كأنه بعد لم يخرج من التيه
وكان ابن ملكا يؤمن بالخلق، لكنه لا يوافق من يقولون إن الله خلق كل شيء من العدم كما يقول الأشاعرة وغيرهم من المسلمين، بل الخلق عنده بدأ من مادة أولى وبإرادة الله الفاعلة.
و يُعتبر ابن ملكا من أساطين الفلاسفة عند ابن تيمية وكان يراه أقرب إلى السنة من ابن سينا لمخالطته أهل السنة وعلماء الحديث. فقد قال في درء تعارض العقل والنقل: «فمن نظر في كلام المعتزلة والشيعة كابن سينا وأمثاله، فكلامه لون، ومن خالط أهل السنة وعلماء الحديث، كأبي البركات وابن رشد، فكلامه لون آخر أقرب إلى صريح المعقول وصحيح المنقول من كلام ابن سينا». انتهى
كما وصفه ابن تيمية في مجموع الفتاوى بأنه أقرب الفلاسفة إلى الحق، وقال: “إن ابن سينا وابن رشد ، وأبا البركات ونحوهم من الفلاسفة، أقرب إلى صحيح المنقول وصريح المعقول من النفاة الملحدين”. انتهى
ووصفه في منهاج السنة بأنه ممن سلك طريق النظر العقلي بلا تقليد واستنار بأنوار النبوات. إلى غير ذلك من عبارات الثناء والمدح.
وذكر في كتابه الرد على الشاذلي وحزبيه، أن أبا البركات صاحب المعتبر وابن رشد الحفيد وأمثالهما أقرب إلى الإسلام من ابن سينا، ومدحه أيضا بعدم التقليد كما في الرد على المنطقيين، وزعم أنه من أعظم الفلاسفة المتأخرين قدرًا، وأنه أوحدهم في عصره كما في بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، وأنه الإمام في الفلسفة كما في جامع الرسائل، وأنه من حذاق أئمة أهل المنطق كما في درء تعارض العقل والنقل، وأنه أيضا ممن خالط أهل السنة وعلماء الحديث.
كما جعله ابن تيمية أعلم بعلوم النبوات من ابن سينا، ومن ثم فعقله ونظره أصح وكلامه خير منه كما في درء تعارض العقل والنقل، وأنه من أقرب هؤلاء إلى اتباع الحجة الصحيحة بحسب نظره، والعدول عن تقليد سلفهم كما في منهاج السنة.
وكان ابن تيمية يعتبره كذلك من مثبتة الصفات، رغم أن ابن ملكا لا يثبت الصفات الخبرية ولم يبحث فيها أصلا.
وذكر ابن تيمية أن له مقالة في الرد على أرسطو في علم الله بالجزئيات فأثبت ذلك، لكنه كان يقول بقدم العالم وأن الله أراد القديم بإرادة قديمة وأراد الحوادث المتعاقبة بإرادات متعاقبة.
ونص عبارته: ” وأما أبو البركات صاحب المعتبر ونحوه، فكانوا بسبب عدم تقليدهم لأولئك، وسلوكهم طريقة النظر العقلي بلا تقليد، واستنارتهم بأنوار النبوات، أصلح قولاً في هذا الباب من هؤلاء وهؤلاء ، فأثبت علم الرب بالجزئيات ورد على سلفه رداً جيداً، وكذلك أثبت صفات الرب وأفعاله، وبين ما بينه من خطأ سلفه، ورأى فساد قولهم في أسباب الحوادث، فعدل عن ذلك إلى أن أثبت للرب ما يقوم به من الإرادات الموجبة للحوادث”. انتهى
قال الكوثري فى كتابه “من عبر التاريخ” ما نصه: “و قد وسع الشيخ الحراني رأي ابن ملكا فى العلم و الإرادة إلى أن جعله يشمل الحرف، و الصوت، و المس، و المشى، و القعود، و الحركة، و الحدّ، و الجهة، و غير ذلك بكل وقاحة، فخرج عن الجادة خروجا بينا لا حجاب دونه”. انتهى
و قال أيضا في مقدمته للمقدمات الخمس و العشرين: “و أفاض- ابن ملكا- فى الرد على القائلين بوجوب التنزيه عن تغير العلم، لكن بنوع من التعمية تهيبا من الوسط الإسلامي الذى يعيش فيه، مع أن حلول الحوادث فى ذات الله محال عند المتكلمين و الفلاسفة فى آن واحد، بل بحلول الحوادث فى العالم استدلوا على حدوث العالم، فكيف يستجاز ذلك في مبدع العالم، جل جلاله. و إن انخدع بكلام ابن ملكا: ابن تيمية فى “تلبيسه” و “تسعينيته” و “منهاجه” و “معقوله”، بل وسع دائرة هذا التجويز إلى حد قبول الاستقرار المكاني و الحركة و الحد و المس و القعود و الكلام بالحرف و الصوت و نحوها…”. انتهى
فيتبيّن من ذلك أن ابن تيمية كان يحرص على إظهار الالتزام بمظاهر النزاهة والعدل والإنصاف في تعامله مع خصومه، فيعمد إلى مناقشة بعض أخطائهم والردّ عليها. ثم يستثمر الخلافات القائمة بين الفلاسفة أنفسهم، فينتقي من ردود بعضهم على بعض، ويستشهد بمقالاتهم، قبل أن يعيد توظيفها وتطويعها بما ينسجم مع منهجه القائم على التشبيه، والقول بأزلية جنس العالم، وإثبات قيام الحوادث بذات الله تعالى.
فمن اطلع على معتبر ابن ملكا ودرء ابن تيمية سيلاحظ الشبه الكبير بين الكتابين، وكأن الثاني يستبطن شرحا للأول، ضمن أشياء كثيرة يستبطنها، وقد ذكر ابن تيمية، ابن ملكا في درء التعارض في حوالي 31 موضعا، وكان يوافقه فيها كلها ويثني عليه، ولا يكاد يخالفه أبدا. على خلاف ما يفعله مع الغزالي والرازي.
ملاحظة:
لا ريب أن مجرد الموافقة في بعض القضايا لا تستلزم بالضرورة الأخذ أو الاقتباس، غير أن هذا الحكم ليس على إطلاقه. فالقرآن الكريم، وإن وافق بعض الأخبار الواردة في الكتب السابقة، فقد تميّز عنها بإعراضه عن مواضع التحريف فيها، وتعقّبه لها بالنقد والتصحيح، وهو ما يدلّ على أنه ليس مستمدًّا منها، بل هو وحي إلهي تماما كتلك الكتب في أصلها.
أمّا ابن تيمية، فقد كان مطّلعًا على مقالات الفلاسفة، ووافقهم في جملة من الآراء التي أحدثوها، مع محاولته تطويعها لتنسجم مع تصوّراته العقدية، الأمر الذي أفضى إلى إعراضه عن القطعيات الشرعية وإجماعات المجتهدين. وبذلك يكون قد اقتبس عنهم أقوالًا لم يسبق إليها نبيّ ولا صحابيّ ولا تابعيّ.
رابط ذو علاقة:
تجميع البحوث حول ابن تيمية:
