تعتبر مسألة حجية كلام الصحابي في القضايا التي لا مجال للرأي والاجتهاد فيها من المسائل الدقيقة في علوم الحديث وأصول الفقه، لارتباطها بمبحث الحديث المرفوع والموقوف، وبمدى اعتماد أقوال الصحابة في إثبات الأحكام العقدية خاصة.
وقد اختلف العلماء في حكم كلام الصحابي إذا ورد في موضوع من أمور الغيب التي لا يمكن إدراكها بالرأي والاجتهاد على أقوال منها:
أ- القول بأن كلام الصحابي في الغيبيات له حكم الرفع مطلقًا:
ذهب بعض أهل العلم إلى أن كلام الصحابي إذا كان في مسألة لا مجال للرأي فيها – كأخبار الغيب – فإنه يُعطى حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن مثل هذه الأخبار لا يمكن أن تُقال بالرأي أو الاجتهاد، فيُحمل صدورها عن الصحابي على أنه تلقاها عن النبي صلى الله عليه وسلم سماعًا أو تعلّمًا. ولم يفصل أصحاب هذا القول غالبًا في القيود أو الاستثناءات المتعلقة بهذا الأصل.
ويستند هذا الاتجاه إلى القاعدة المشهورة في علم الحديث: أن “ما لا يقال بالرأي فله حكم الرفع”، أي يُعامل معاملة الحديث المرفوع في الاحتجاج والاستدلال، وإن لم يُذكر فيه التصريح بنسبة القول إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ب- القول بالتفصيل مع استثناء من عُرف بالأخذ من الإسرائيليات
ذهب فريق آخر من العلماء إلى تقرير هذا الأصل مع التفصيل فيه، فقرروا أن كلام الصحابي في المسائل التي لا مجال للرأي فيها له حكم الرفع ما لم يكن الصحابي معروفًا بالأخذ عن أهل الكتاب أو بالرواية عنهم. فإن عُرف بذلك، لم يُحكم برفع قوله؛ لاحتمال أن يكون ما أخبر به مأخوذًا من أخبار بني إسرائيل.
وقد لخّص هذه المسألة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في مذكرة أصول الفقه بقوله: “حاصل تحرير هذه المسألة: أن قول الصحابي الموقوف عليه له حالتان:
الأولى: أن يكون مما لا مجال للرأي فيه.
الثانية: أن يكون مما له فيه مجال.
فإن كان مما لا مجال للرأي فيه، فهو في حكم المرفوع كما تقرر في علم الحديث، فيقدم على القياس، ويخص به النص، إن لم يعرف الصحابي بالأخذ من الإسرائيليات”. انتهى.
ويلاحظ أن هذا القول يجمع بين الأصل في حجية خبر الصحابي في الغيبيات وبين الاحتياط المنهجي في حال وجود احتمال النقل عن مصادر أخرى غير الوحي.
ومن المعلوم أن رواية بعض الصحابة لأخبار بني إسرائيل ترجع إلى ما ثبت من إذن النبي صلى الله عليه وسلم بالتحديث عن بني إسرائيل؛ إذ قال: *«حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». غير أن هذا الإذن إنما هو في الرواية والنقل لا في التصديق الجازم؛ ولذلك قرر العلماء أن أخبارهم تُروى للاستئناس أو الاعتبار، لا للاعتماد المطلق في مسائل الاعتقاد.
ج- القول بعدم إعطاء كلام الصحابي حكم الرفع في مسائل الصفات
ذهب بعض العلماء إلى موقف أكثر احتياطًا، فقرروا أن الكلام الموقوف على الصحابي في المسائل التي لا مجال للرأي فيها – وخاصة في باب صفات الله تعالى– لا يُعطى حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. واستدلوا بأن مسائل الصفات لا تثبت إلا بنصوص صحيحة مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد ثابت متفق على توثيق رواته.
وعلى هذا الأساس، رفضوا بناء مسائل عقدية على الآثار الموقوفة، حتى لو تعلقت بأمور غيبية، ما لم يثبت رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا ظاهر صنيع ابن قتيبة الدينوري في تأويل مختلف الحديث.
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/18MkuDFceu/
وقد أشار إلى هذا المعنى ابن الجوزي الحنبلي في كتابه دفع شبه التشبيه، عند حديثه عن أخطاء بعض المجسّمة، فقال: “والخامس: أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وبين حديث موقوف على صحابي أو تابعي، فأثبتوا بهذا ما أثبتوا بهذا”. انتهى.
ويفهم من كلامه أن الخلل المنهجي عند هؤلاء كان في عدم التمييز بين مراتب الروايات، مما أدى إلى إثبات مسائل عقدية بناءً على آثار لا ترقى إلى درجة الحديث المرفوع.
فيتبين من مجموع أقوال العلماء أن القول بأن كلام الصحابي في المسائل التي لا مجال للرأي فيها له حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليس قاعدة مطلقة، بل هو أصلٌ مقيدٌ بشروط، من أهمها:
1. ألا يكون الصحابي معروفًا بالأخذ من الإسرائيليات.
2. ألا يعارض قوله نصوصًا مرفوعة صحيحة.
3. أن يكون موافقًا لقطعيات الشرع، أو لما ثبت من الأحاديث الصحيحة.
4. أن يُستأنس به ويُقوَّى إذا وافق المرويات المرفوعة المقطوع بصحة إسنادها.
وعليه، فإن المنهج العلمي المتوازن يقتضي التمييز بين المرفوع والموقوف، وعدم إطلاق الحكم بالرفع في كل خبر غيبي يروى عن الصحابة، بل النظر فيه وفق قواعد النقد الحديثي والأصولي التي قررها أئمة هذا الفن.

دسّ الزنادقة لبعض المرويات الفاسدة
ذكر أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الكوفي الدِّينَوَرِيُّ المتوفى سنة 276 هـجري في كتابه تأويل مختلف الحديث ان بعض الزنادقة وضعوا ودسوا بعض المرويات المستشنعة كخبر عرق الخيل، وخلق الملائكة من زغب الصدر ونور الذراعين….
ذكر الكتب المنسوبة للسلف وبيان الدس فيها
