ليعلم أولا أن التوسّل هو توجّه العبد إلى الله تعالى بالدعاء، مقرونًا بذكر نبيٍّ أو وليٍّ على جهة الاستشفاع بمنزلته عند الله، فيكون المطلوب حقيقةً من الله، والجاهُ المذكورُ سببٌ في رجاء الإجابة.
أمّا الاستغاثة، فهي طلب الغوث، و مفادها طلبُ الدعاء من نبيٍّ أو وليٍّ، أي التماسُ دعائه إلى الله اعتمادًا على منزلته عنده.
وبذلك يتّضح أنّ التوسّل والاستغاثة يرجعان إلى جعل الولي أو النبيّ واسطةً في الطلب، لا مقصودًا بالطلب استقلالًا.
وعلى هذا الأساس قرّر تقي الدين السبكي أنّ الاستغاثة والتوسّل والاستشفاع وطلب الدعاء، معانٍ متقاربة ترجع إلى أصلٍ واحد، وأنّ الاستغاثة جائزة سواء كان المستغاث به حيًّا أو ميتًا، بشرط اعتقاد أنّ الله تعالى هو الفاعل على الحقيقة، وأنّ جريان النفع إنّما يكون بالأسباب المأذون بها شرعًا، دون جزمٍ بحصول المطلوب، إذ الأسباب قد تُفضي إلى المقصود وقد يتخلّف أثرها، وكلّ ذلك بإذن الله وخلقه.
ومن جملة الأدلة الشرعية على جواز الاستغاثة قوله تعالى : ” وَلَو أَنَّهُم إِذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم جَاءُوكَ فَاستَغفَرُوا اللَّهَ وَاستَغفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ” -النساء:64-
ففي الآية الكريمة ورد الفعل “جاءوك” فيها في سياق الشرط، وورود الفعل في سياق الشرط يستفاد منه العموم كما صرّح بذلك الأصوليون.
و جاء في المغني لإبن قدامة في آداب زيارة قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم : ” ثمّ تأتي القبر فتولّي ظهرك وتستقبل وسطه وتقول : ” السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه … اللهمّ إنّك قلت وقولك الحق : ” ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توّاباً رحيما” – النساء : 64 – وقد أتيتك مستغفرا من ذنوبي مستشفعاً بك إلى ربي فأسألك يا ربّ أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته ، اللهمّ اجعله أول الشافعين وأنجح السائلين وأكرم الآخرين والأولين ، برحمتك يا أرحم الراحمين ” . انتهى
فمجرّد الاستغاثة لا يدخل في مفهوم العبادة؛ إذ لم يذهب أهل اللغة ولا علماء الشريعة إلى أنّ العبادة هي مجرّد الدعاء أو التوسّل أو الاستغاثة أو الاستعانة.
قال محمد الطاهر بن عاشور التونسي في كتابه التحرير والتنوير عند شرحه لقول الله تعالى: فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ” مانصه: والاستغاثة : طلب الغوث ، وهو التخليص من شدة أو العون على دفع مشقة”. انتهى
هذا تفسير الاستغاثة وليس معناها العبادة. والتحقيق أنّ حقيقة العبادة هي أقصى غاية الخضوع والتذلّل والتعظيم.
ومع أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعظمون النبيّ ﷺ ويتأدبون معه، غير أنّ ذلك لم يبلغ حدّ العبادة؛ لانتفاء قصد التأليه.
ثم إن الاستغاثة منها الجائز ومنها الممنوع؛ فالممنوع هو طلب ما يختصّ بالله تعالى، كالإحياء والإماتة والمغفرة ونحوها، من مخلوق.
و أمّا من زعم أنّ الاستغاثة بالأنبياء أو بالأولياء والصالحين، أحياءً كانوا أو أمواتًا، شركٌ بإطلاق، أو حصرَ الاستغاثة في طلب ما لا يقدر عليه إلا الله، فقد خلط بين المعاني؛ إذ لا يُعرف في المسلمين من يستغيث بنبيٍّ أو وليٍّ طالبًا منه مغفرة الذنوب أو متقرّبًا إليه بسجودٍ يبلغ غاية الخضوع، وإنما مرادهم أن يخلق الله لهم النفع بسبب جاه ذلك الوليّ أو النبيّ عنده أو بطلب الدعاء منه لله عز وجل.
وعليه فالعبرةُ في الحكم بنوع المطلوب وببلوغ الخضوع غايته، لا بمجرّد توجّه الطلب، وهذا الضابط لا يختصّ بالأموات دون الأحياء؛ فمن طلب من حيٍّ ما يختصّ بالله تعالى فقد كفر، ولا خلاف في ذلك.
هذا وقد نقل نجم الدين الطوفي الحنبلي استدلال شمس الدين الجزري الأصولي بآية “فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ” على جواز الاستغاثة.
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/1KyfLHNwes/
ثمّ إنّ نفع الأنبياء والصالحين بعد وفاتهم ثابتٌ من جهة النصّ؛ فقد دلّ الحديث الصحيح على أنّ موسى عليه السلام لقي محمد ﷺ ليلة المعراج، وأشار عليه بطلب تخفيف عدد الصلوات، فكان في ذلك نفعٌ ظاهرٌ لأمّة محمد ﷺ بعد وفاة موسى عليه السلام. وإذا ثبت هذا الأصل، جازت الاستغاثة بهم على معنى التسبّب، ولا يثبت نصٌّ يمنع ذلك أو يخصّ الدعاء بالحيّ الحاضر كما ذهب إليه ابن تيمية؛ إذ قرّر في ذلك قاعدةً مبتدعة لم يُسبق إليها.
ويشهد لهذا الفهم ما نُقل عن الصحابة رضي الله عنهم، كما في الخبر الصحيح عن الرجل الذي أتى قبر النبي ﷺ فاستسقى به، فلم ينكر عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/1DkoLeVbVf/
وبهذا يتبيّن التفصيلُ الذي أغفله المانعون، فحكموا على المتوسّلين والمستغيثين بالكفر والشرك، مع أنّ الميزان الشرعي إنّما يقوم على تحقيق معنى العبادة، ونوع المطلوب، واعتقاد أنّ الفاعل على الحقيقة هو الله وحده.
روابط ذات علاقة:
حديث مالك الدار
https://www.facebook.com/share/p/1CJG11JYWn/
حديث توسل الأعمى
https://www.facebook.com/share/p/189XFAfAjv/
التوسل عند أئمة الحنابلة
https://www.facebook.com/share/p/1BLjFjeXBF/
مدخلٌ في تقرير جواز الاستغاثة وأنه ليس شركا
https://www.facebook.com/share/p/1BagEDzH9A/
نقشين مبكرين يثبتان توسل السلف بالنبي صلى الله عليه وسلم
https://www.facebook.com/share/p/17aNEnt2rZ/
آية: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ”
https://www.facebook.com/share/p/1GfK3Yr9uf/
بيان أن قصة توسل الإمام الشافعي وتبركه بقبر الإمام أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه، صحيحة وفق الاختيارات الحديثية التي يميل لها المجسمة.
https://www.facebook.com/share/p/1CHjxvLCPF/
قول ابن تيمية باحياء بعض الصالحين للموتى
https://www.facebook.com/share/p/parD1GoLhpXoz3Qp/?mibextid=xfxF2i
– ابن تيمية يفتي بعد موته
https://www.facebook.com/share/mc55DT9qLu6K9bHW/?mibextid=xfxF2i
– كلام ابن تيمية عن التوسل
https://www.facebook.com/share/p/1BzoWUomeA/
– قوله تعالى: سيؤتينا الله من فضله ورسوله
https://www.facebook.com/share/p/1KeYDD9X5C/
قبر معروف الترياق المجرب
https://www.facebook.com/share/p/1MRaua2SCS/
طعن الوهابية في ابن الصلاح بسبب سماعه للحديث عند القبور
https://www.facebook.com/share/p/1JEiVnqSJG/
تبرك عبدالغني المقدسي بقبر الإمام أحمد
https://www.facebook.com/share/p/17sf3LRgnu/
حال ابن عبد الهادي صاحب الجيوش والدساكر عند الوهابية
https://www.facebook.com/share/p/1S8n4fEQ9T/
السفاريني الحنبلي
