حديث الإمام علي لايحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق

رواية مسلم في صحيحه

قال مسلم في صحيحه، تحت كتاب الإيمان، باب الدليل على أنّ حبّ الأنصار وعليّ رضي الله عنهم من الإيمان وعلاماته، ما نصه: ” حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا وكيع وأبو معاوية، عن الأعمش. ح وحدثنا يحيى بن يحيى، واللفظ له، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زر، قال: قال علي:

والذي فلق الحبة وبرأ النسمة! إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلى “أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق”. انتهى

هذا الحديث حسّنه بعض الحفاظ وصححه آخرون:

– قال الترمذي في جامعه : ” قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَسَنٌ صَحِيحٌ “. انتهى

– قال البزار في مسنده المعروف بالبحر الزخار، ما نصه : “وَهَذَا الْحَدِيثُ لا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ ، بِأَحْسَنَ مِنْ هَذَا الإِسْنَادِ” . انتهى

– قال البغوي في شرح السنة: “هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ”، وقال في موضعٍ آخر: “صحيح”.

– قال أبو نعيم الأصفهاني في الحلية: “هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ الْخُرَيْبِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَائِشَةَ ، حَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلادٍ ، ثنا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَرَوَاهُ الْجَمُّ الغفير عَنِ الأَعْمَشِ ، وَرَوَاهُ شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ”. انتهى

ويعني بقوله هذا أن هذا الحديث قد جمع شروط القبول التي يشترطها أهل العلم بالحديث.

– قال ابن عمار الموصلي: ” قال أبو معاوية : قال لي أمير المؤمنين هارون: أي حديث أصح في فضائل علي عليه السلام؟قلت: حديث علي: إنه لعهد النبي الأمي عليه السلام إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق”.

كما في مناقب علي لابن المغازلي

و أما ما قاله الدارقطني في العلل: “وسئل عن حديث زر، عن عليّ؟ قال: “لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق، أنّه لعهد النبيّصلّى الله عليه وسلّم إليَّ”، فقال: يرويه الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زر، عن عليّ، رواه أصحاب الأعمش عنه كذلك، واختلف عن وكيع، فرواه السري بن حيان، عن وكيع، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي البختري، عن عليّ، ووهم فيه، والصحيح عن وكيع وغيره، عن الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زر. ورواه موسى بن إسماعيل الجبلي، عن ابن المبارك، عن الأعمش، عن عاصم، عن زر، عن عليّ، ووهم فيه أيضاً، والصواب حديث عدي بن ثابت”. انتهى

فواضح أن الدارقطني لم يردّ الحديث بعنعنة الأعمش عندما سئل عنه، وإنّما ذكر من وهم في سنده، وأما القول بأن الدارقطني ضعف الحديث ففيه نظر، وهي دعوى عارية عن الصحة.

فإن قيل أن الحديث ضعيف بحجّة عنعنة الأعمش في سنده، فجوابه أنّ الأعمش ممن اختلف النقاد في عنعنته:

راجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/1CVvVEGsQ5/

والأعمش له أكثر من 300 حديثاً معنعناً في صحيح مسلم.

وقد قال مسلم في أوّل كتابه الصحيح عند ردّه على من اشترط العلم بالسماع ولو في رواية في قبول الأحاديث: ” إذا كان الراوي ممّن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علّة التدليس، فمن ابتغى ذلك من غير مدلّس على الوجه الذي زعم من حكينا قوله، فما سمعنا ذلك عن أحد ممّن سمّينا ولم نسمّ من الأئمّة”. انتهى

ولما كان مسلم قد روى عن الأعمش في صحيحه الكثير من الأحاديث المعنعنة، فإمّا أن يكون الأعمش ليس ممّن كثر تدليسه فأورد مسلم رواياته من دون البحث عن السماع، أو أنّ روايات الأعمش التي أوردها مسلم في صحيحه كانت على السماع عنده.

وهذا ما صرّح به بعض العلماء أنّ العنعنة في الصحاح تُحمل على السماع:

– قال النووي في التقريب والتيسير: ” وما كان في الصحيحين وشبههما من المدلّس بعن محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى”. انتهى

وقال النووي أيضاً في شرحه على صحيح مسلم: “انّ ما رواه البخاري ومسلم عن المدلّسين وعنعنوه فهو محمول على أنّه ثبت من طريق آخر سماع ذلك المدلّس هذا الحديث ممّن عنعنه عنه، وأكثر هذا أو كثير منه يذكر مسلم وغيره سماعه من طريق آخر متصلاً به. وقد اتفقوا على أنّ المدلّس لا يحتجّ بعنعنته كما سبق بيانه في الفصول المذكورة في مقدّمة هذا الشرح، ولا شكّ عندنا في أنّ مسلماً رحمه الله تعالى يعلم هذه القاعدة”. انتهى

-قال ابن الصلاح في مقدّمته: ” وفي الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث هذا الضرب كثير جدّاً، كقتادة والأعمش والسفيانين وهشيم بن بشير وغيرهم”. انتهى

– قال السيوطي في ألفيته:

– وما أتانا في الصحيحين بـ(عن) فحمله على ثبوته قمن

ومما يدل على أن هذا الخبر ثبت متصلا، قول ابن حبّان في مقدّمة صحيحه عند ذكره شروط شيوخه الذين نقل عنهم في كتابه: “وأمّا المدلّسون الذين هم ثقات وعدول فإنّا لا نحتج بأخبارهم إلاّ ما بيّنوا السماع فيما رووا مثل الثوري والأعمش وأبي إسحاق وأضرابهم من الأئمّة المتّقين وأهل الورع في الدين”. انتهى

إلى أن قال: ” فإذا صحّ عندي خبر من رواية مدلّس أنّه بيّن السماع فيه لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحّته عندي من طريق آخر”. انتهى

ثمّ إنّ ابن حبان روى في صحيحه هذا الحديث بعينه عن الأعمش معنعناً، قال: “ذكر الخبر الدالّ على أنّ محبّة المرء عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه من الإيمان: أخبرنا محمّد بن إسحاق بن إبراهيم، حدّثنا محمّد بن الصباح الجرجراني، حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: ” والذي فلق الحبّة وذرأ النسمة إنّه لعهد النبيّ الأُمّي صلّى الله عليه وسلّم إليَّ أنّه لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق”. انتهى

فظهر بذلك أنّه ثبت لهذا الحديث عند ابن حبّان سماع للأعمش من عدي بن ثابت وأنّه ليس فيه تدليس، ومن هنا أورده مسلم في صحيحه. فيكون الحديث متصلا حتّى على من يشترط عدم قبول عنعنة المدلّس إلاّ إذا تبيّن فيه السماع.

وأما دعوى رد الحديث تحججا بأنّ في سنده عدي بن ثابت وأنه رافضي من كبار دعاة التشيع، وأن المتقرّر عند أهل الرواية عدم قبول رواية الداعية المبتدع، فهو قول باطل، إذ لم يقل واحد من أئمة الجرح والتعديل أنه كان داعية لبدعته، ولا يلزم من وصفه بالغلو في التشيع أنه كان داعية لبدعته.

راجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/18GKSZwfzN/

ثم إن الأعمش قد ثبتت روايته عن عدي بن ثابت، فقد روى البخاري في التاريخ الصغير، قال: “حدّثنا عمر بن حفص، ثنا أبي، ثنا الأعمش، حدّثني عدي بن ثابت، قال: سمعت سليمان بن صرد، وقتل مع المختار المسيب بن لجبة”. انتهى

وهذا فيه تصريح بالتحديث من الأعمش عن عدي، وهو كافٍ لمن يشترط في قبول الحديث السماع ولو مرّة من المدلّس.

كذلك فإن عدي بن ثابت لم ينفرد بهذا الحديث، فقد ذكر ابن عبد البر المتوفى سنة 463 هـجري في الاستيعاب أنّ طائفة من الصحابه روته، وهناك طرق صحيحة له، فقد رواه الطبراني المتوفى سنة 360 هـجري في معجمه الأوسط عن ابن عباس، قال: “حدّثنا عبد الرحمن بن سلم، قال: حدّثنا أبو الأزهر النيسابوري، قال: حدّثني عبد الرزاق وحدي، قال: حدّثنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس، قال: نظر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى عليّ، فقال: ” لا يحبّك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق، من أحبّك فقد أحبّني، ومن أبغضك فقد أبغضني، وحبيبي حبيب الله، وبغيضي بغيض الله، ويل لمن أبغضك بعدي”، ثمّ قال: لم يرو هذا الحديث عن عبد الرزاق إلاّ أبو الأزهر النيسابوري”. انتهى

ورجاله كلّهم ثقات، ورواية أبي الأزهر النيسابوري ثابتة عن عبد الرزاق.

قال الحاكم في المستدرك: “سمعت أبا عبد الله القرشي يقول: سمعت أحمد بن يحيى الحلواني يقول: لمّا ورد أبو الأزهر من صنعاء وذاكر أهل بغداد بهذا الحديث أنكره يحيى بن معين، فلمّا كان يوم مجلسه، قال في آخر المجلس: أين هذا الكذّاب النيسابوري الذي يذكر عن عبد الرزاق هذا الحديث؟ فقام أبو الأزهر فقال: هو ذا أنا، فضحك يحيى بن معين من قوله وقيامه في المجلس فقرّبه وأدناه، ثمّ قال له: كيف حدّثك عبد الرزاق بهذا ولم يحدّث به غيرك؟ فقال: اعلم يا أبا زكريا! إنّي قدمت صنعاء وعبد الرزاق غائب في قرية له بعيدة، فخرجت إليه وأنا عليل، فلمّا وصلت إليه سألني عن أمر خراسان؟ فحدّثته بها وكتبت عنه وانصرفت معه إلى صنعاء، فلمّا ودعته قال لي: قد وجب علي حقّك فأنا أحدّثك بحديث لم يسمعه منّي غيرك، فحدّثني بهذا الحديث لفظاً، فصدّقه يحيى بن معين واعتذر إليه”. انتهى

ثم إن ابن معين اتهم غير أبي الأزهر بهذا الحديث مع أنّ رواته كلّهم ثقات، فقد قال الخطيب البغدادي في تاريخه: “أخبرني محمّد بن أحمد بن يعقوب، أخبرنا محمّد بن نعيم الضبي، قال: سمعت أبا علي الحسين بن علي الحافظ يقول: سمعت أحمد بن يحيى بن زهير التستري يقول: لمّا حدّث أبو الأزهر النيسابوري بحديثه عن عبد الرزاق في الفضائل، أخبر يحيى بن معين ذلك، فبينا هو عنده في جماعة أهل الحديث، إذ قال يحيى بن معين: من هذا الكذاب النيسابوري الذي حدّث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟! فقام أبو الأزهر فقال: هو ذا أنا ، فتبسّم يحيى بن معين، وقال: أما إنّك لست بكذّاب وتعجّب من سلامته، وقال: الذنب لغيرك في هذا الحديث”. انتهى

وقد توبع أبو الأزهر على روايته عن عبد الرزاق، كما قال الخطيب، ونصه: “وقد رواه محمّد بن حمدون النيسابوري، عن محمّد بن علي بن سفيان النجار، عن عبدالرزاق، فبرئ أبو الأزهر من عهدته إذ قد توبع على روايته”. انتهى

ومن العلماء من طعن في رواية عبد الرزاق عن معمر بدعوى أن لمعمر ابن أخ يدسّ في كتبه كما ذكر الشيخ أبو حامد الشرقي

: راجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/1NVCueP1cc/

لكن كلام الشرقي ردّه بعض الباحثين لأنه منقطع، فبين ولادته ووفاة معمر أكثر من مئة سنة.

وكذلك لا يُعرف لمعمر أخ أو ابن أخ.

ثم إن معمر ذكروا عنه أنّه أثبت الناس في الزهري، وهذه الرواية عن الزهري، فكيف لم يميّز معمر حفظه عمّا دسّه عليه ابن أخيه؟ مع أنّ الصنعاني يصرّح بتحديث معمر له ولم يذكر قراءة أو سماعا، وهو ظاهر في التحديث من حفظه، لا أنه سمعه من كتاب.

وقصة دسّ ابن الأخ في كتب معمر، ردّها الذهبي فقال في السير : ” قلت: هذه الحكاية منقطعة، وما كان معمر شيخاً مغفّلاً يروّج هذا عليه، كان حافظاً بصيراً بحديث الزهري”. انتهى

ولكن الذهبي قلبه لم يطاوعه على قبول الحديث، فقال في الميزان في ترجمة أبي الأزهر: “يشهد القلب أنّه باطل”. انتهى ولا نعرف متى أصبحت شهادة القلب من علامات بطلان الأحاديث؟

ولهذا صحح الحاكم هذا الحديث في المستدرك فقال: “صحيح على شرط الشيخين، وأبو الأزهر بإجماعهم ثقة، وإذا انفرد الثقة بحديث فهو على أصلهم صحيح”. انتهى

فتعقبه الذهبي بقوله: “هذا وإن كان رواته ثقات، فهو منكر ليس ببعيد عن الوضع، وإلاّ لأي شيء حدّث به عبد الرزاق سرّاً، ولم يجسر أن يتفوه به لأحمد وابن معين والخلق الذين رحلوا إليه؟”. انتهى

وقال في ميزان الاعتدال: ” وكان عبد الرزاق يعرف الأمور، فما جسر يحدّث بهذا إلاّ سرّاً لأحمد بن الأزهر ولغيره”. انتهى

فالذهبي يعرض بعبد الرزاق وأنه يروي الموضوعات وهو يعلم ولذا لم يحدّث بها أحمد ولا ابن معين.

والصواب أنه لا يوجد ما يدعيه الذهبي في خبر أبي الأزهر وكيفية تحديث عبد الرزاق له، والمذكور أنه حدّثه وحده وخصه به إتحافاً وإكراماً له، لا أنه حدثه سّرا وخوفا.

بل إن هذا الاستدراك لا يُسعف الذهبي في شئ، فالإمام أحمد بن حنبل نفسه الذي يتترس به الذهبي، احتج بهذا الحديث وجعله قاعدة لتصحيح حديث آخر.

فقد روى أبو يعلى الفراء المتوفى سنة 526 هـجري كما في طبقات الحنابلة، بطريقه عن محمّد بن منصور العابد المعروف بالطوسي، قال: “كنّا عند أحمد بن حنبل، فقال له رجل: يا أبا عبد الله! ما تقول في هذا الحديث الذي يروى أنّ عليّاً قال: “أنا قسيم النار”؟ فقال: وما تنكرون من ذا، أليس روينا أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لعليّ: لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق؟ قلنا: بلى، قال: فأين المؤمن؟ قلنا: في الجنّة، قال: وأين المنافق؟ قلنا: في النار، قال: فعليّ قسيم النار”.

ويلاحظ هنا أن أحمد بن حنبل قال: “روينا”، أي بلغه الحديث من عدة طرق.

وراجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/1FFFH7hBoh/

**************

أضف تعليق