حديث توسل الأعمى بالرسول صلى الله عليه وسلم أخرجه بعض المحدثين منهم:
– البخاري في تاريخه الكبير
– الترمذي في أواخر الدعوات من جامعه
– ابن ماجه في صلاة الحاجة من سننه
– النسائي في عمل اليوم والليلة
– أبو نعيم في معرفة الصحابة
– البيهقي في دلائل النبوة
وغيرهم على اختلاف يسير في غير موضع الاستشهاد، وقد صححه جماعة من الحفاظ، منهم: الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والطبراني، وأبو نعيم، والبيهقي، والمنذري، والنووي، وابن حجر، والهيثمي، والسيوطي وغيرهم.
فعن عثمان بن حنيف رضي الله عنه قال: ” ان رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني. فقال: “إن شئت أخرت ذلك، وهو خير، وإن شئت دعوت”.
قال: فادعه. قال: فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء فيقول: ” اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه، فتقضى لي اللهم شفعه في، وشفعني فيه”. انتهى
وسند الترمذي هو كالتالي: ” حدثنا محمود بن غيلان نا عثمان بن عمر، نا شعبة، عن أبي جعفر عن عُمارة – بالضم – بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف”
ثم ساق الترمذي الحديث، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر – وهو الخطمي “. وفي بعض النسخ المطبوعة ” وهو غير الخطمي ” وفي بعضها ” وليس هو الخطمي “.
وهذا وذاك من تصرفات الناسخين، وليس من عادة الترمذي أن يقول هو غير فلان، ويترك من غير بيان.
على أن أبا جعفر الراوي عن عمارة بيّن شيوخ شعبة؛ إنما هو عمير بن يزيد الخطمي المدني الأصل ثم البصري.
فالصواب أن با جعفر هو الخطمي المدني كما جاء مصرحا به في روايات الطبراني والحاكم والبيهقي.
و زاد الطبراني في المعجم الصغير أن اسمه عمير بن يزيد وأنه ثقة.
وشعبة ثقة في التثبت فيما يروي. على أن طرقًا أخرى للحديث عند الطبراني وغيره تنص في صلب السند على أنه الخطمي الثقة باتفاق، وسند الطبراني في الحديث مسوق في ” شفاء السقام ” للتقي السبكي.
ورجال سند الترمذي كلهم ثقات، وإنما سماه غريبًا لانفراد عثمان بن عمر، عن شعبة، وانفراد أبي جعفر عن عمارة، وهما ثقتان باتفاق، وكم من حديث صحيح ينفرد به أحد الرواة كحديث ” إنما الأعمال بالنيات ”.
فسماه حسنًا لتعدد طرقه بعد أبي جعفر، وعثمان بن عمر. وتسميته صحيحًا باعتبار تكامل أوصاف الصحة في رواته.
وللحديث روايات وألفاظ منها عند ابن أبي خيثمة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم الضرير الدعاء المذكور قال له ” وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك “انتهـى
وهذا إذن بالتوسل في سائر الأحوال.
ثم إن الروايات كلها متفقة على أن الذي دعا هو الرجل الضرير ولهذا ترجم له البيهقي في دلائل النبوة بقوله : باب ما جاء في تعليمه الضرير ما كان فيه شفاؤه حين لم يصبر وما ظهر في ذلك من آثار النبوة. انتهـى
ثم إن توسل الأعمى بالنبي صلى الله عليه وسلم بالصيغة التي علمه رسول الله لم يكن بحضور الرسول، بل ذهب إلى الميضأة فتوضأ وصلى ودعا باللفظ الذي علمه رسول الله، ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم والنبي لم يفارق مجلسه، لقول راوي الحديث عثمان بن حنيف: “فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا المجلس حتى دخل علينا الرجل وقد أبصر”.
ومما يدل أيضًا على أن توسل هذا الاعمى كان في غير حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قال “يا محمد” في غير حضرته، أنه قد ثبت النهي عن نداء الرسول باسمه في وجهه لقوله تعالى: “لا تجعلوا دُعاءَ الرسولِ بينَكُم كدُعاءِ بعضِكُم بعضًا” -سورة النور:63-
وفي زيادة صحيحة صححها الحافظ الطبراني وأخرجها في الدعاء والمعجم الكبير والصغير، وأقر تصحيح الطبراني، الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد وغيرهما :
” عن عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته– أي لنسيانه لها – فلقى عثمان بن حنيف، فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: “ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين، ثم قل: “اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح إليّ حين أروح معك”. فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فائتنا.
ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيرًا ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته فيّ، فقال عثمان بن حنيف: “والله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “أو تصبر؟” فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق عليّ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات” فقال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل عليه الرجل كأنه لم يكن به ضرر قط. ”. انتهى
وموضع الاستشهاد أن الصحابي المذكور فهم من حديث دعاء الحاجة أنه لا يختص بزمنه صلى الله عليه و سلم، وهذا توسل به، ونداء بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وعمل متوارث بين الصحابة وقد أخرج هذا الحديث – المرفوع والموقوف- الطبراني المتوفى سنة 360هـجري، في معاجمه الثلاثة وصححه، والحافظ الطبراني، هو الذي وصفه الذهبي في تذكرة الحفاظ بـ”الحافظ الإمام العلامة الحجة بقية الحفاظ مسند الدنيا”.
وأقرّه على تصحيحها الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع البحرين في زوائد المعجمين الصغير والأوسط ، وكذا في مجمع الزوائد، بتحرير الحافظين الكبيرين زين الدين العراقي وابن حجر. كما أقره المنذري في ” الترغيب والترهيب ” وقبله أبو الحسن المقدسي.
ولفظ الحديث عند علماء الحديث يطلق على ما يرفع إلى النبي وما يوقف على الصحابي كما هو مقرر في كتب الاصطلاح – كما في تدريب الراوي للسيوطي وشرح النخبة للحافظ ابن حجر -، وقد أطلق الإمام أحمد لفظ الحديث على أثر لعمر في الجُبن الذي يأتي به المجوس، وكان من عاداتهم أن يستعملوا في الجبن أنفحة الميتة.
فهذا الحديث حجة في جواز التوسل بالرسول في حياته وبعد مماته، في حضرته وفي غير حضرته، فمحاولة بعض العصريين لتضعيف الحديث مقضيّ عليها بالفشل الكبير ، فالحديث صحيح بلا شك وهو يدل على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في جميع الحالات وفي سائر الأوقات.
ويكفي لبيان ذلك هنا أن نقول: إن العلماء فهموا الحديث على العموم كما هو الواجب في نصوص الشارع، فأورده الترمذي في كتاب الدعوات من سننه والحاكم في الدعاء من مستدركه والبيهقي في كتاب الدعوات، معتبرين له ضمن جملة الأدعية المشروعة المأثورة، وأورده ابن ماجه في كتاب الصلاة من سننه وكذا فعل المنذري في الترغيب والترهيب والهيثمي في مجمع الزوائد. وأورده النووي في أذكار الحاجة من كتاب الأذكار معتبرا له من جملة الأذكار التي تقال عند عروض حاجة، وإرادة قضائها، وأورده غير هؤلاء كابن خزيمة في صحيحه المرتب على الكتب والأبواب، وهذا اتفاق منهم على أن الحديث معمول به في سائر الأوقات والأزمان ولو كان خاصا بذلك الضرير أو بحالة دون حالة أو بوقت دون وقت لم يكن لذكرهم له في كتب الأحكام وغيرها فائدة، أو لنبهوا على أنه خاص ليس بعام كما فعلوا في غيره من الأحاديث التي تكون خاصة ببعض الحالات.



