حديث خلق الملائكة من نور الذراعين والصدر
روى مسلم في صحيحه من طريق السيدة عائشة : “خُلِقَتِ الملائكةُ من نُّورٍ ، و خلق الجانَّ من مارِجٍ من نارٍ ، و خلق آدمَ مِما وُصِفَ لكمْ”. انتهى
وأما حديث خلق الملائكة من نور الذراعين والصدر، فقد تعامل معه العلماء بتحفظ شديد، بل واستنكره الكثيرون لما فيه من تجسيم وتشبيه صريحين، و منهم من حكم عليه بالوضع .
قال ابن الجوزي في “دفع شبه التشبيه” في الكلام على الحديث الخامس عشر: “وقد أثبت به القاضي أبو يعلى ذراعين وصدراً لله عز وجل. قلت: وهذا قبيح، لأنه حديث ليس بمرفوع ولا يصح، وهل يجوز أنْ يُخْلَقَ مخلوق من ذات الله القديم..؟! هذا أقبح مما ادعاه النصارى». انتهى
وهذا الكلام هو من جنس قول بعض الفلاسفة بالتولد، وقول الذين قالوا: الملائكة بنات الله، والذين قالوا: بقدم روح آدم والمسيح.
ولو خلقت الملائكة من النور القديم الذاتي لكانوا أشرف خلقا من آدم، ولم يؤمروا بالسجود له، ولما كانوا عبيدا.
وهذا الأثر منقول في:
أ – كتاب السنة المنسوب للإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل.
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/1Cp5D3BSdV/
ب- العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني، ونصه: ” حدثنا إسحاق بن أحمد، حدثنا أحمد بن حماد الرازي، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: خلق الله عز وجل الملائكة من نور الصدر والذراعين”. انتهى
وهذا الأثر من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، وقد ذكر بعض العلماء انه تساهل في العنعنة عندما دخل العراق فروى ما سمعه وما لم يسمعه عن أبيه.
جاء في تهذيب التهذيب:” وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت لم ينكر عليه شيء إلا بعد ما صار إلى العراق، فإنه انبسط في الرواية عن أبيه، فأنكر ذلك عليه أهل بلده، والذي نرى أن هشاما تسهل لأهل العراق أنه كان لا يحدث عن أبيه إلا بما سمعه منه، فكان تسهله أنه أرسل عن أبيه مما كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه”. انتهى
وجاء في إكمال تهذيب الكمال: ” وقال العجلي: لم يكن يحسن يقرأ كتبه، كتبت عنه ثلاث مجالس، ولم يسمع من محمد بن سيرين شيئا، إنما كان يرسل عنه”. انتهى
و جاء في تهذيب الكمال: “وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش: كان مالك لا يرضاه، وكان هشام صدوقا تدخل أخباره في الصحيح. بلغني أن مالكا نقم عليه حديثه لأهل العراق، قدم الكوفة ثلاث مرات؛ قدمة كان يقول: حدثني أبي، قال: سمعت عائشة. وقدم الثانية فكان يقول: أخبرني أبي عن عائشة، وقدم الثالثة فكان يقول: أبي عن عائشة. سمع منه بأخرة وكيع، وابن نمير، ومحاضر”. انتهى
ج- كتاب الأسماء والصفات للبيهقي: “أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب، نا محمد بن إسحاق الصاغاني، نا سعيد بن أبي مريم، نا نافع بن يزيد، حدثني يحيى بن أيوب، أن ابن جريج، حدثه عن رجل، عن عروة بن الزبير، أنه سأل عبد الله بن عمرو بن العاص: أي الخلق أعظم؟ قال: الملائكة. قال: من ماذا خلقت؟ قال: من نور الذراعين والصدر. قال فبسط ذراعين، فقال: كونوا ألفي ألفين. قال ابن أيوب: فقلت لابن جريج: ما ألفا ألفين؟ قال: ما لا تحصى كثرته. هذا موقوف على عبد الله بن عمرو وراويه رجل غير مسمى، فهو منقطع، وقد بلغني أن ابن عيينة رواه عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو”. انتهى
وقد حاول بعض الحشوية تبرير هذا الإثبات بالقول بأنهم يثبتون “قدرًا مشتركًا” بين الألفاظ المضافة لله والبشر، مع تفويض الكيفية. فالصدر عندهم صدر بالمعنى اللغوي المفهوم، لكن كيفيته وحجمه وهيئته مفوضة إلى الله. وهذا في حقيقته ليس إلا تحايلًا لفظيًا للوقوع في التجسيم والتشبيه، إذ أن إثبات العضو بالمعنى المعروف يستلزم مشابهة للخلق، مهما حاولوا نفي الكيفية.
وللفرار من لازم كون الملائكة مخلوقة من جزء من ذات الله تعالى، لجأ هؤلاء إلى تأويلات بعيدة كل البعد عن ظاهر النص وسياق اللغة. فيجعلون حرف الجر “من” بمعنى حرف الجر “الباء” أي خُلقت بنور الذراعين والصدر، وهو تحريف للمعنى الظاهر الذي يفيد التبعيض.
ثم يقترحون تأويلاً آخر بجعل النور المضاف إلى الذراعين والصدر هو نور الحجاب المخلوق بين الله وخلقه، وهذا أيضًا تأويل باطل لأنه يجعل إسناد النور للذراعين والصدر ، مجازًا عقليًا، مع إصرارهم على إثبات الذراعين والصدر كأعضاء بالمعنى المعروف، مما يستلزم بينونة حسية مكانية بين الله وخلقه.
بل إن بعضهم يتخبط أكثر فيجيز أن يكون المراد بـ “من” للتبعيض، وأن الملائكة خُلقت من هذا النور المخلوق الذي هو من صدر الله وذراعيه، وهذا تخليط وتناقض واضح للفرار من لازم التجسيم الصريح.
**********
خبر خلق الملائكة من نور الصدر والذراعين، في كتاب السنة المنسوب لعبد الله بن أحمد بن حنبل
ورد أثر ” خلق الله للملائكة من نور الصدر والذراعين” في كتاب السنة المنسوب لعبد الله بن أحمد بن حنبل بسندين:
أ- السند الأول، نصه: قال عبد اللَّه: “حدثني أبي، نا أبو أسامة، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنه- قال: خلق اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الملائكة من نور الذراعين والصدر”. انتهى
ب- السند الثاني: قال عبد الله بن أحمد: “حدثني سريج بن يونس ، نا سليمان بن حيان أبو خالد الأحمر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : « ليس شيء أكثر من الملائكة ، إن الله عز وجل خلق الملائكة من نور
فذكره وأشار سريج بن يونس بيده إلى صدره ، قال : وأشار أبو خالد إلى صدره ، فيقول : كن ألف ألف ألفين فيكونون”. انتهى
والروايتين ذكرهما ابن المحب الصامت في كتاب الصفات نقلا عن كتاب السنة لعبد الله بن أحمد من غير ذكر سنده.
ثم إن الرواية في السند الثاني ليس فيها تلك الزيادة: “الذراعين والصدر”، إنما ذُكر فيها: “وأشار سريج بن يونس بيده إلى صدره ، قال : وأشار أبو خالد إلى صدره”، أي هو أشار لهيئة الأداء، وهو أن الراوي نقل أن شيخه أشار بيده إلى صدره أثناء التحديث، للدلالة على موضع الاعتقاد، أي اعتقاده أن الله خلق الملائكة من نور.
لكن بعض المحرفين لكتاب عبد الله بن أحمد ، فهم من ذلك أن الرواة أرادوا من ذلك أن الله خلق الملائكة من نور الصدر والذراعين، لاعتقاده التشبيه في حق الله، فزاد تلك الألفاظ في الرواية الأولى.
وقد حاول شيخ الحدادية وزعيمهم المدعو عبدالله الخليفي تقديم تفسيره يتلائم مع عقائده الزائغة فقال: “فكل ما فيها أنه روى بالإشارة الحسية المفهمة ما رواه غيره لفظاً ، وأبو خالد الأحمر صدوق يخطيء فلو فرضنا أنه خالف أبا أسامة فالقول قول أبي أسامة”. انتهى
وهذا من جملة اعتراضاته السخيفة، إذ كيف يُفهم بالإشارة بيده إلى صدره أنه أراد الصدر والذراعين، وفي أقصى الحالات أن الإشارة تدل على صدر و ذراع واحد، لا ذراعين.
وأما القول بأن أبا خالد الأحمر صدوق يخطئ و أنه إذا خالف أبا أسامة فالقول قول أبي أسامة، فهذا من جملة تمويهاته.
فأبو أسامة هو حماد بن أسامة، من رجال الكتب الستة، ومع ذلك فقد قال فيه الحافظ في التقريب: ” ثقة، ثبت، ربما دلس، وكان بآخره، يحدث من كتب غيره”. انتهى
وزيادة على ذلك فكتاب السنة لا تثبت نسبة جميع متنه لعبد الله بن أحمد.
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/1DmX3iq9Bq/
فما أدراه أن الذي حرف كتاب السنة لم يضف تلك الزيادة لكلام أبي أسامة؟ وإلا فالبزار روى هذا الخبر في مسنده من طريق إبراهيم بن سعيد عن أبي أسامة بدون تلك الزيادة.
ثم زاد الخليفي في تشغيباته فزعم أن خبر ” خلق الملائكة من نور الذراعين والصدر” يؤكد نسبة الكتاب للإمام عبد الله بن أحمد لأن ابن مندة روى هذا الخبر من طريقه، وكذا رواه غلام الخلال في جزء السنة وأثبت هذه الصفة. قال غلام الخلال: “حدثنا أحمد حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام حدثنا أبو أسامة هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : خلق الله عز وجل الملائكة من نور الذراعين والصدر”. انتهى
وجوابه أن هذا الكلام من قبيل محاولة الاستناد إلى ما لا ينهض حجة، إذ هو أشبه بتثبيت القشّ بالقشّ؛ فلا يورث رسوخًا ولا يُقيم برهانًا. ثم إنّ كتاب الرد على الجهمية المطبوع لا يثبت جميع متنه لابن مندة ثبوتًا قاطعًا، بل في نسبته نظرٌ عند التحقيق، فلا يصحّ التعويل عليه في الاحتجاج إلا بعد التحقق من صحة نسبته وتمييز ما ثبت منه مما لم يثبت.
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/1AFubB9Z7H/
وكذلك جزء السنة لغلام الخلال في ثبوته له شك وريبة.
راجع السند الثالث في الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/1DsMf1Wg5S/
وحتى الألباني في “السلسلة الصحيحة”، فقد اعتبر الأثر من الاسرائيليات، فقال ما نصه: ” وأما ما رواه عبد الله بن أحمد في ” السنة ” (ص151) عن عكرمة قال: ” خلقت الملائكة من نور العزة، وخلق إبليس من نار العزة “. وعن عبد الله بن عمرو قال: ” خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر “.
قلت: فهذا كله من الإسرائيليات التي لا يجوز الأخذ بها، لأنها لم ترد عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ” انتهى
فورود هذا الخبر عند عبد الله بن أحمد في كتاب السنة المنسوب إليه، وكذلك عند ابن مندة في الرد على الجهمية، مع تبويب غلام الخلال عليه، لا ينهض دليلاً مستقلاً على ثبوت الخبر ولا يرقى إلى مرتبة الاحتجاج به، لأن التعويل على مثل تلك المصادر المظلمة في هذا المقام يبدو أقرب إلى الاستكثار بالكتب لمحاولة تقوية خبر تالف.


