قال ابن كثير في تاريخه : ” وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، وأبو بكر الفارسي قالا: حدثنا أبو عمر بن مطر، حدثنا إبراهيم بن علي الذهلي، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن مالك قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: يا رسول الله استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا. فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: إيت عمر، فأقرئه مني السلام، وأخبرهم أنه مسقون، وقل له عليك بالكيس الكيس. فأتى الرجل فأخبر عمر، فقال: يا رب ما ءالوا إلا ما عجزت عنه. وهذا إسناد صحيح” انتهـى
وهذا إقرار من ابن كثير بصحة سند هذا الحديث.
وأخرجه الحافظ المجتهد التقي السبكي في ” شفاء السقام ” وغيره، من حديث مالك الدار في استسقاء بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه في عهد عمر بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وأما مالك الدار، فهو كما قال الحافظ ابن حجر في الإصابة:
” مالك بن عياض مولى عمر هو الذي يقال له مالك الدار، له إدراك، وسمع من أبي بكر الصديق وروى عن الشيخين ومعاذ وأبي عبيدة، روى عنه أبو صالح السمان وابناه عون وعبدالله ابنا مالك، وأخرج البخاري في التاريخ من طريق أبي صالح ذكوان عن مالك الدار أن عمر قال في قحوط المطر يا رب لا ءالو إلا ما عجزت عنه، وأخرجه ابن أبي خيثمة من هذا الوجه مطولا قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق الله لأمتك فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له ائت عمر فقل له إنكم مستسقون فعليك الكفين، قال فبكى عمر وقال يا رب ما ءالوا إلا ما عجزت عنه، وروينا في فوائد داود بن عمرو الضبي جمع البغوي من طريق عبدالرحمن بن سعيد ابن يربوع المخزومي عن مالك الدار قال دعاني عمر بن الخطاب يوما فإذا عنده صرة من ذهب فيها أربعمائة دينار فقال اذهب بهذه إلى أبي عبيدة فذكر قصته، وذكر ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين في أهل المدينة قال: روى عن أبي بكر وعمر وكان معروفا، وقال أبو عبيدة : ولاه عمر كيلة عيال عمر فلما قدم عثمان ولاه القسم فسمى مالك الدار، وقال إسماعيل القاضي عن علي بن المديني: كان مالك الدار خازنا لعمر”. انتهـى
وقال الحافظ الخليلي في كتاب الإرشاد عن مالك الدار:” تابعي قديم متفق عليه أثنى عليه التابعون”. انتهى
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/1b784GvWPr/
فهذا مالك الدار ثقة معروف روى عنه أربعة رجال وهم أبو صالح السمان وابناه عون وعبد الله ابنا مالك وعبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي.
ويكفي في توثيقه تولية عمر وعثمان له بأمر المال، ومعنى قول الحافظ في الإصابة : ” له إدراك”. أي أنه مخضرم وقد اختلف في هذه الطبقة هل هم من الصحابة أم التابعين؟ والصحيح أنهم من كبار التابعين كما قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري المجلد الثاني، كِتَاب الْجُمُعَةِ، باب سُؤَالِ النَّاسِ الإمَامَ الاسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا :” وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار وكان خازن عمر قال ” أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتى الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر ” الحديث. وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة”. انتهـى
وهذا نص على عمل الصحابة في الاستسقاء به صلى الله عليه وسلم بعد وفاته حيث لم ينكر عليه أحد منهم مع بلوغ الخبر إليهم، بل إن ما فعله الرجل لم ينكره عليه عمر، ولا قال له أشركت بفعلك وما يرفع إلى أمير المؤمنين يذاع ويشاع بين الناس.
فإن قيل هذه الرواية من عنعنة الأعمش عن أبي صالح السمان، والأعمش متهم بالتدليس.
فجوابه أن الحديث حكم عليه الحفاظ كابن كثير وابن حجر بصحة اسناده، فلا التفات من هم دونهم مرتبة.
ثم إن الذهبي في كتابه “ميزان الاعتدال” قد قسّم تدليس الأعمش فقال في ترجمته: “وهو يدلس وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به، فمتى قال: أخبرنا فلان فلا كلام، ومتى قال: عن، تطرق إليه احتمال التدليس، إلا في شيوخ له أكثر عنهم كإبراهيم، وأبي وائل، وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال”. انتهى
وهذه الرواية قد عنعن فيها الأعمش عن أبي صالح فهي محمولة على الاتصال، ولا يستثنى من هذا إلا بعض المرويات التي خصها العلماء بالنقد وتكلموا فيها، وهي معدودة.
ملاحظة:
الاستدلال باسم الرجل لا يطلب فيه حديثا صحيح الاسناد، بل تكفي فيه رواية من أحداث السيرة، وسيف بن عمر قال عنه الحافظ في التقريب: “ضعيف الحديث، عمدة في التاريخ”، ثم إنه لم يثبت أن محدثا رد حديث مالك في الموطأ لأنه أخطأ في اسم صاحب الجارية، فيُرد هذا الحديث بدعوى جهالة الرجل.
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/1LJVGnkJir/
مالك الدار مولى عمر رضي الله عنه
ملاحظة: تراجع الألباني قبل وفاته بعامين عن حكمه على “مالك الدار”، فأقرّ في صحيح الترغيب و الترهيب بأنه من الثقات بعد أن كان قد عدّه مجهولاً. كما قال في تحقيق آخر له لكتاب الزهد لابن المبارك، عن رواية فيها مالك الدار، : “بسند صحيح”.


الأعمش
الأعمش هو سليمان بن مهران، الأسدي، الكاهلي مولاهم، أبو محمد، الكوفي، توفي سنة سبع وأربعين أو ثمان وأربعين ومائة.
– قال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: “ليس في المحدثين أثبت من الأعمش”. انتهى
– قال العجلي: “كان ثقة ثبت في الحديث”. انتهى
-قال أبو بكر بن عياش:”كنا نسمي الأعمش سيد المحدثين”. انتهى
– قال ابن عمار: “ليس في المحدثين أثبت من الأعمش ، ومنصور بن المعتمر وهو ثبت أيضًا ، وهو أفضل من الأعمش ، إلا أن الأعمش أعرف بالمسند وأكثر مسندا منه “. انتهى
– قال الذهبي:” الأعمش أبو محمد أحد الأئمة الثقات، عداده في صغار التابعين، ما نقموا عليه إلا التدليس”. انتهى
فالأعمش مع جلالته وقدره، من العلماء من رد روايته بسبب التدليس، ومنهم من اعتمدها، و التفصيل فيها اولى واعدل.
– قال ابن المبارك، : «إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق والأعمش لكم».انتهى
– و قال المغيرة: «أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وأعيمشكم هذا». انتهى
– و قال سليمان الشاذكوني: «من أراد التديّن بالحديث، فلا يأخذ عن الأعمش ولا عن قتادة، إلا ما قالا: سمعناه». انتهى
كما في “معرفة علوم الحديث
– و قال ابن عبد البر في التمهيد «وكل من عرف أنه لا يأخذ إلا عن ثقة فتدليسه ومرسله مقبول، فمراسيل سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي عندهم صحاح، وقالوا مراسيل عطاء والحسن لا يحتج بها لأنهما كانا يأخذان عن كل أحد، وكذلك مراسيل أبي قلابة وأبي العالية، وقالوا لا يقبل تدليس الأعمش، لأنه إذا وقف، أحال على ملأ، يعنون ثقة. إذا سألته عمن هذا؟ قال عن موسى بن طريف، وعباية بن ربعي، والحسن بن ذكوان» . انتهى
– عدّ الحافظ ابن حجر تدليس الأعمش في كتابه “طبقات المدلسين” في الطبقة الثانية مع الثوري وابن عيينة.
وأما في كتابه “النكت” فقد عدّ تدليسه في الطبقة الثالثة، التي تلي طبقة الثوري وابن عيينة.
– جاء في علل الترمذي الكبير: حدثنا حسين بن مهدي البصري، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن المبارك قال: قلت لهشيم: مالك تدلس وقد سمعت؟ قال: كان كبيران يدلسان، وذكر الأعمش والثوري، وذكر أن الأعمش لم يسمع من مجاهد إلا أربعة أحاديث .
– قال أبو حاتم الرازي: “الأعمش قليل السماع من مجاهد، وعامة ما يروي عن مجاهد مدلس”. انتهى
– قال ابن المديني:” الأعمش كان كثير الوهم في أحاديث هؤلاء الضعفاء”. انتهى
– نقل الخطيب البغدادي في “الكفاية” عن عثمان بن سعيد الدارمي أن الأعمش ربما دلس تدليس التسوية.
وقال الخطيب في الكفاية أيضا: “أخبرنا محمد بن جعفر بن علان الوراق قال: قال لنا أبو الفتح الأزدي الحافظ:”…ولا نقبل من الأعمش تدليسه، لأنه يحيل على غير ملئ، والأعمش إذا سألته عمن هذا، قال: عن موسى بن طريف وعباية بن رفاعة”. انتهى
ومن المحدثين من فصّل في تدليس الأعمش:
– قال أبو زرعة: “الأعمش ربّما دلّس، كما في علل الحديث، لابن أبي حاتم”. فجعله قليل التدليس.
– قال الحافظ يعقوب بن سفيان الفسوي في كتابه المعرفة والتاريخ: “وحديث سفيان – أي الثوري- وأبي إسحاق والأعمش ما لم يُعلم أنّه مُدَلَس يقوم مقام الحجّة”. انتهى
فهؤلاء الثلاثة مدلّسون ولكن قال الفسوي أنّ حديثهم يقبل ما لم يعرف بعينه مُدَلَس.
– قال العلائي في “جامع التحصيل”: «قال أبو معاوية: كنت أحدث الأعمش عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد. فيجيء أصحاب الحديث بالعشي، فيقولون: حدثنا الأعمش عن مجاهد بتلك الأحاديث. فأقول: أنا حدثته عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد. والأعمش قد سمع من مجاهد. ثم يراه يدلس عن ثلاثة عنه، وأحدهم متروك، وهو الحسن بن عمارة»
لكن العلائي في جامع التحصيل، جعل الأعمش في الطبقة الثانية ممّن احتمل تدليسه وخرجوا له في الصحيح، فقال: ” وثانيها من احتمل الأئمّة تدليسه وخرّجوا له في الصحيح وإن لم يصرّح بالسماع، وذلك إمّا لإمامته أو لقلّة تدليسه في جنب ما روى، أو لأنّه لا يدلّس إلاّ عن ثقة، وذلك كالزهري وسليمان الأعمش …، إلى أن قال: ففي الصحيحين وغيرهما لهؤلاء الحديث الكثير ممّا ليس فيه التصريح بالسماع، وبعض الأئمّة حمل ذلك على أنّ الشيخين اطّلعا على سماع الواحد لذلك الحديث أخرجه بلفظ عن ونحوها من شيخه وفيه نظر! بل الظاهر أنّ ذلك لبعض ما تقدّم آنفاً من الأسباب”. انتهى
هذا وقد قسّم الذهبي في كتابه “ميزان الاعتدال” تدليس الأعمش فقال في ترجمته: “وهو يدلس وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به، فمتى قال: أخبرنا فلان فلا كلام، ومتى قال: عن، تطرق إليه احتمال التدليس، إلا في شيوخ له أكثر عنهم كإبراهيم، وأبي وائل، وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال”. انتهى
فأحاديث الأعمش عن أبي صالح محمولة على الاتصال كما ذكر الذهبي إلا ما بيّنه النقاد، وهي أحاديث معدودة منها: ما قاله العلائي في جامع التحصيل : ” وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة حديث الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن قال يحيى بن معين لم يسمع الأعمش هذا الحديث من أبي صالح”. انتهى
فخصّ العلائي هذا الحديث بالذكر لا كل رواياته عن أبي صالح.
وقال الحاكم في معرفة علوم الحديث عن حديث آخر: ” هذا حديث رواته كوفيون وبصريون ممن لا يدلسون وليس ذلك من مذهبهم ورواياتهم سليمة وإن لم يذكروا السماع وأما ضد هذا من الحديث فمثاله ما حدثناه أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ ثنا محمد بن عبد الوهاب الفراء أنا يعلى بن عبيد حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال ذكرنا ليلة القدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” كم مضى من الشهر ” ، قلنا ثنتان وعشرون وبقي ثمان فقال : ” مضى ثنتان وعشرون وبقى سبع اطلبوها الليلة الشهر تسع وعشرون ” ، ثم قال الحاكم : لم يسمع هذا الحديث الأعمش من أبي صالح وقد رواه أكثر أصحابه عنه هكذا منقطعا فأخبرني عبد الله بن محمد بن موسى ثنا محمد بن أيوب حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا خلاد الجعفي حدثني أبو مسلم عبيد الله بن سعيد قائد الأعمش عن الأعمش عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال ذكرنا ليلة القدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” كم مضى من الشهر قلنا ثنتان وعشرون وبقى ثمان فقال مضى ثنتان وعشرون وبقى سبع اطلبوها الليلة الشهر تسع وعشرون “. انتهى
فخصّ الحاكم أيضا هذا الحديث بالذكر، ولم يتهمه بالتدليس في كل رواياته عن أبي صالح. وإلا فقد صحح الحفاظ الكثير من المرويات من طريق الأعمش عن أبي صالح كالحافظ ابن كثير في البداية والنهاية، و الحافظ ابن حجر في فتح الباري.
– قال شعبة: “كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش وأبي إسحاق وقتادة”. انتهى
قال الحافظ: “فهذه قاعدة جيدة في أحاديث هؤلاء الثلاثة أنها إذا جاءت من طريق شعبة دلت على السماع ولو كانت معنعنة”. انتهـى
– قال ابن حبان: الجنس الثالث: الثقات المدلسون الذين كانوا يدلسون في الأخبار مثل قتادة ويحيى بن أبي كثير والأعمش وأبو إسحاق وابن جريج وابن إسحاق والثوري وهشيم ومن أشبههم ممن يكثر عددهم من الأئمة المرضيين وأهل الورع في الدين، كانوا يكتبون عن الكل ويروون عمن سمعوا منه، فربما دلسوا عن الشيخ بعد سماعهم عنه عن أقوام ضعفاء لا يجوز الاحتجاج بأخبارهم، فما لم يقل المدلس وإن كان ثقة حدثني أو سمعت، فلا يجوز الاحتجاج بخبره”. انتهى
فينبغي التفصيل في تدليس الأعمش لا رده جملة، فإنه قد يعنعن الاسناد في موضع ويصرح بالسماع في موضع آخر، فقد قال السخاوي في فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي: “وأحسن من هذا كله قول القطب الحلبي في القدح المعلى : ” أكثر العلماء أن المعنعنات التي في الصحيحين منزلة منزلة السماع ” ، يعني إما لمجيئها من وجه آخر بالتصريح ، أو لكون المعنعن لا يدلس إلا عن ثقة أو عن بعض شيوخه ، أو لوقوعها من جهة بعض النقاد المحققين سماع المعنعن لها .
ولذا استثني من هذا الخلاف الأعمش ، وأبو إسحاق ، وقتادة بالنسبة لحديث شعبة خاصة عنهم ، فإنه قال : كفيتكم تدليسهم ، فإذا جاء حديثهم من طريقه بالعنعنة ، حمل على السماع جزما” . انتهى
وقال أيضا : ” وكلام الحاكم يساعده ، فإنه قال : ” ومنهم جماعة من المحدثين المتقدمين والمتأخرين مخرج حديثهم في الصحيح ، إلا أن المتبحر في هذا العلم يميز بين ما سمعوه وبين ما دلسوه ” . انتهى



