نقل النجم الطوفي الحنبلي رد المحقق الأصولي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن عبد الله الجزري، المتوفى سنة 711 هجري صاحب شرح المنهاج، – وهو غير إمام القراء المشهور- على ابن تيمية الذي زعم أن الاستغاثة خاصة فقط بالله عز وجل.
وقد احتج الجزري بقوله تعالى: ” وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ” – القصص:15-
وبين أن ذلك استغاثة المخلوق بالمخلوق، فالحي هو مخلوق من خلق الله، والميت، كذلك. فكما جاز الاستغاثة بالحي على وجه التسبب، جاز الاستغاثة بالميت أيضا على وجه التسبب، مع اعتقاد أنه لا نافع ولا ضار على الحقيقة إلا الله.
كما نقل الجزري أن الشيخ أبا عبد الله بن النعمان ألف كتابا بعنوان ” مصباح الظلام في المستغيثين بسيد الأنام” أجمع أهل عصره على تلقيه بالقبول، وإجماع أهل كل عصر حجة ثابتة.
فإن قيل: ” إن قياس جواز الاستغاثة بالميت قياسٌ فاسد من جهة الأصول؛ لأن القياس لا يُبنى على مجرد الاشتراك في وصفٍ عام، كالمخلوقية، بل لا بد فيه من علةٍ مؤثرةٍ منضبطة. والعِلَل المؤثرة في هذا الباب إنما تكون من قبيل الحياة، والسمع، والقدرة، والحضور أما التعليل بمجرد كونه مخلوقًا فليس علةً معتبرة؛ إذ هو وصفٌ عامٌّ مشترك لا يصلح وحده لبناء القياس ولا لتحقيق مناط الحكم”.
والجواب عن ذلك أن يُقال: إن الجزري لم يورد القياس هنا على أساس مجرد الاشتراك في وصف الخَلْق، بحيث يكون هذا الوصف وحده هو العلة التي علق الشارع عليها جواز الاستغاثة، وإنما اعتبر مع ذلك وصفًا مؤثرًا آخر، وهو ما للمستغاث به من فضل وكرامة ومكانة عند الله تعالى. إذ لو كان مناط الجواز هو مجرد كونه مخلوقًا، للزم جواز الاستغاثة بموتى المشركين والملاحدة، وهو قول لا يقول به عاقل، فضلًا عن مسلم.
وعليه، فإن القياس لا يصح بمجرد الاشتراك في وصف عام، ما لم يكن ذلك الوصف علةً مؤثرةً دلّ الشرع على اعتبارها. وقد دلّت النصوص الشرعية على أن للأنبياء والعلماء والأولياء والصالحين مكانة معتبرة عند الله تعالى، سواء في حياتهم أو بعد وفاتهم.
فإذا انضمّت هذه العلة المؤثرة، وهي المكانة والكرامة، إلى اعتبار مبدأ الأخذ بالأسباب، مع الاعتقاد الجازم بأن النافع والضار على الحقيقة هو الله وحده، انتفى موجب القول بتحريم الاستغاثة.
أما دعوى أن العلة في جواز الاستغاثة تنحصر في الحياة أو السمع أو القدرة أو الحضور، فهي دعوى غير مستقيمة؛ لأن المتصف بهذه الأوصاف لا يكون مغيثًا على الحقيقة، وإنما هو سبب من الأسباب التي يخلق الله بها الإغاثة. كما أن هذه الأوصاف في ذاتها أوصاف عامة مشتركة، لا تصلح وحدها لأن تكون علةً فارقة يُبنى عليها الحكم.
– فأما الحياة: فقد نص القرآن أن الشهداء أحياء في قبورهم، فالأولى أن يقال ذلك للأولياء والصالحين والأنبياء.
قال تعالى: “وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ” -البقرة: 154-
– وأما السمع: فقد قال ابن رجب الحنبلي في تفسيره: “أما سماع الموتى لكلام الأحياء: ففي “الصحيحين ” عن أنس ، عن أبي طلحة ، قال: لما كان يوم بدر وظهر عليهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أمر ببضعة وعشرين رجلا، وفي رواية أربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش، فألقوا في طوى من أطواء بدر، وإن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ناداهم قال: “يا أبا جهل بن هشام ، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة ، أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا” فقال عمر : يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها، فقال: “والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ” . انتهى
وقال: “وذهب طوائف من أهل العلم إلى سماع الموتى في الجملة، قال ابن عبد البر : ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم – وهم الأكثرون – وهو اختيار الطبري وغيره، ويعني بالطبري: ابن جرير ، وكذلك ذكره ابن قتيبة وغيره من العلماء”. انتهى
وقال: ” وأما أن ذلك خاص بكلام النبي صلى الله عليه وسلم فليس كذلك، وقد ثبت في الصحيحين عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم “، وقد سبق ذكره، وسنذكر الأحاديث الواردة بسماع الموتى سلام من يسلم عليهم فيما بعد إن شاء الله تعالى .
وأما قوله تعالى: إنك لا تسمع الموتى وقوله: وما أنت بمسمع من في القبور فإن السماع يطلق ويراد به إدراك الكلام وفهمه، ويراد به أيضا الانتفاع به، والاستجابة له، والمراد بهذه الآية: نفي الثاني دون الأول، فإنها في سياق خطاب الكفار الذين لا يستجيبون للهدى ولا للإيمان إذا دعوا إليه”. انتهى
– وأما القدرة : فروح الميت يجوز اتصافها بذلك كما أقره ابن القيم في كتاب الأرواح، ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهما.
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/1BmRYCadjq/
– وأما الحضور: فقد ورد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن لله ملائكة في الأرض سِوى الحَفَظَة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر فإذا أصاب أحدَكم عَرجَةٌ بأرض فلاة فليُنادِ أعينوا عباد الله” رواه الحافظ الطبراني، وقال الحافظ الهيثمي رجالُهُ ثِقات.
وفي هذا الحديث دليل واضح أن النبي صلى الله عليه وسلم علّم المسلمين أن يقولوا إذا أصابت أحدهم صعوبة في فلاة من الأرض أي برّيّة “يا عباد الله أعينوا” فإن هذا ينفعه أي بإذن الله.
وهذا الحديث حسّنه الحافظ ابن حجر العسقلاني ونصه كما في أماليّه: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن لله ملائكة سوى الحفظة سياحين في الفلاة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر فإذا أصاب أحدَكم عرجةٌ في فلاة فلينادِ يا عباد الله أعينوا” معناه أن الله تعالى يُسمع هؤلاء الملائكة الذين وُكّلوا بأن يكتبوا ما يسقط من ورق الشجر في البرية نداء هذا الشخص وإن كانوا على مسافة بعيدة منه. انتهى
وعليه، فإن كلام شمس الدين الجزري كلام صحيح، منسجم مع ما انعقد عليه الإجماع من جواز الاستغاثة. ومن خالف ذلك فإنما يُعدّ قولُه شذوذًا عن جمهور أهل السنة، إذ لا يُعتدّ بمخالفة الفرد أو الآحاد لما استقر عليه إجماع العلماء.
ذلك أن آراء العلماء إذا عارضت ما أجمع عليه أهل العلم في عصر من العصور، فلا يكون لها وزنٌ في ميزان الترجيح ولا يُلتفت إليها من جهة الاحتجاج.
والقاعدة أنه يستدل للقول لا بالقول، وبناءً على هذا، فإن قول الجزري مؤيَّد بالنصوص الشرعية ومتوافق مع إجماع الأمة المحمدية.



