العرض هو ما لا يقوم بذاته، بل يقوم بغيره، فيفتقر إلى محل يقع به ويكون ممكنًا.
و المراد بالمحل هنا الحجم، فالحركة عرض لا تقوم إلا بحجم متحرك، ووجودها يتبع وجود الحجم.
وقد أطلق بعض العلماء على العرض أنه ما لا يبقى زمانين، ومعناه أن العرض لا يستمر وجودُه في لحظتين متتاليتين، بل يخلقه الله في كل آنٍ خلقًا جديدًا.
فالحركة مثلًا: ليست شيئًا واحدًا ممتدًا، بل حركات متجددة في آنات متعاقبة.
وهذا القول منسوب للإمام أبي الحسن الأشعري، وإمام الحرمين، وجمهور المتكلمين، ونسبه ابن تيمية لشيخ الحنابلة القاضي أبي يعلى.
فعلى قولهم؛ اللون الذي في الجسم الأبيض ليس من البياض الذي كان في الحال الأول، إنما هو مثلُه، وهكذا يتجدد ثم ينعدم ثم يتجدد بمثله.
وهذا شيء مسلَّم عندنا في كلامهم، فكل فردة من أفراد الحركة تنقضي ثم يُخلق غيرها.
والقول السديد هو التفصيل في المسألة بأن يقال: العرض نوعان:
– منه ما يبقى زمانا واحدا، كالحركة، وبعضهم يسميها الأعراض السيالة.
– ومنه ما يبقى زمانين أو أكثر، كالألوان والطول والقصر، فإنها مشاهد محسوس بقاؤها زمانين فأكثر، وكالعلم بالشيء الذي حصل في الشخص في الآن الأول هو موجود في الآن الثاني بعينه لم ينعدم فيخلفه مثله.
وقد ذهب التفتازاني في شرحه للعقيدة النسفية إلى أن العرض لا يبقى زمانين، وهذا الإطلاق غير مقبول عقلًا ونقلًا؛ كيف يكون كل ما يقوم بالجسم ينعدم ثم يعود مثله ثم ينعدم ثم يعود مثله، وهكذا على الدوام بما في ذلك الألوان.
وهذا القول أنكره الشيخ حسن العطار في حاشيته على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع، و ضعفه الشيخ ابن عرفة الدسوقي المالكي في حاشيته على أم البراهين.
وجاء في حاشية عبد الله الشرقاوي على شرح الهدهدي على السنوسية ما نصه: “وكلام إمام الحرمين المذكور مبني على [دليل] ضعيف وهو أن العرض لا يبقى زمانين، والراجح خلافه لانه وان كان منسوبا للأشعري لكن أنكره عليه كثير من المتكلمين “. انتهى
وجاء في حاشية الشنواني على اتحاف المريد: “والحق أن البقاء عدمي – أي من الصفات السلبية، لا من صفات المعاني- ، وأن القدرة تتعلق بالأعدام ، وأن العرض يبقى زمانين، حتى قيل إن الأشعري رجع عن القول بأنه لا يبقى زمانين إلى هذا القول”. انتهى
وقال الفخر الرازي في المعالم: ” الحق عندي أن الأعراض يجوز عليها البقاء”. انتهى
أي أن بعض الأعراض يجوز عليها البقاء زمانين أو أكثر.
وإنما أردنا التفصيل هنا لرد بعض شبهات خصوم الأشعرية، حول هذه المسألة، وكما قال الشيخ إبراهيم اللقاني في “عمدة المريد لجوهرة التوحيد ” : ” وإنما أطنبت في مسألة بقاء الأعراض لأن بعض الجهال ممن ينسب نفسه للعلم افترى فيها عن جهالات بينة وحماقات غير هينة”. انتهى
فقد ذهب بعض أدعياء المشيخة والبحث إلى الزعم بأن النبوة صفة، والصفة من قبيل الأعراض، وبما أن الأشاعرة يقولون إن العرض لا يبقى زمانين، فإن ذلك – بزعمهم – يقتضي انعدام النبوة عن النبي ﷺ بعد وفاته، ومن ثم امتناع وصفه بالنبوة بعد الموت. وهذا القول افتراءٌ صريح على الأشاعرة، إذ لم يقل به أحدٌ منهم. ومَذهَبُ الأشْعَريَّةِ المعروفُ أنَّ الأنبياءَ أحياءٌ في قبورِهم.
وقد نسبوا هذه المقالة الشنيع لابن فورك، وجوابها تحت الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/18J7xjDCSX/
ونقل التاج السبكي في طبقاته عن ابن فورك: ” أنه صلى الله عليه وسلم حي في قبره رسولا إلى الأبد حقيقة لا مجازا”. انتهى
نقله أيضا ابن عذبة في الروضة البهية.
فأما من ذهب من الأشاعرة إلى أن العرض قد يبقى زمانين أو أكثر، فلا إشكال عندهم في هذه المسألة من أصلها.
وأما من قال منهم إن العرض لا يبقى زمانين، فإنهم لا يُدخلون النبوة في جنس الأعراض التي يجري عليها هذا الحكم. فالنبوة عندهم حكمٌ شرعيٌّ إلهيٌّ ثابت، وليست لونًا، ولا حركةً، ولا كلامًا حادثًا قائمًا بالذات فحسب، بل هي منزلة تشريفية قائمة على اصطفاء الله تعالى.
وعلى هذا الأساس، يفرّق الأشاعرة بين قيام الصفة الحادثة، كالكلام والحركة، وهي التي يصدق عليها القول بعدم بقائها زمانين، وبين ثبوت الوصف الشرعي، وهو حكم لا يتوقف على تجدد وجود عرض حادث. فالنبوة وصفٌ ثابت، لا عرضٌ متجدد.
وبما أن النبوة قد تحققت في زمن حياة النبي، فإن صدق هذا الوصف لا يُشترط فيه دوام الأعراض الحادثة بعد ذلك. فكما يصح أن يقال: «أبو بكر خليفة المسلمين» بعد وفاته، وأن من مات على الإسلام فهو مسلم، وأن المؤمن هو مؤمن بعد موته، كذلك يصح أن يقال: «محمد ﷺ نبي»، لأن ذلك وصفٌ ثابت غير مفتقر إلى بقاء عرض زماني.
ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: ” وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ” – النساء: 64-
فالحق أن إطلاق الأشاعرة القول بأن العرض لا يبقى زمانين لا يُفهم على ظاهره الذي يتوهمه المعترضون، ولا يراد به نفي المشاهد المحسوس من بقاء بعض الأعراض، وإنما المقصود به نفي أن يكون للعرض بقاء ذاتي أو استقلال في الدوام. وعلى هذا الأساس قرر المحققون منهم أن الأعراض ليست على مرتبة واحدة، فمنها ما يتجدد آنًا فآنًا كالحركة، ومنها ما يجوز بقاؤه زمانين أو أكثر كاللون ونحوه، مع اتفاق الجميع على أن هذا البقاء ليس ذاتيًا ولا واجبًا بطبعه، بل هو بخلق الله تعالى وإبقائه. وعليه فاختلاف عباراتهم في هذه المسألة اختلاف تحرير ومراوحة بين الاطلاق و التفصيل.
وعليه فالاختلاف المزعوم بين الأشاعرة في هذه المسألة، هو بسبب الإطلاق في مواضع والتفصيل والتقييد في مواضع أخرى. وإلا فإطلاق القول بأن العرض لا يبقى زمانين هذا على التغليب وإن تخللت هذه القاعدة استثناءات فيقال عن الألوان مثلا تبقى زمانين فأكثر.








*********
ذكر مناظرات ابن فورك للكرامية في مجالس ابن سبكتكين
لقد ثبت عن الإمام ابن فورك أنه ناظر الكرامية بين يدي السلطان ابن سبكتكين و خاصة منهم ابن الهيصم، حيث قال الصفدي في الوافي بالوفيات عند ترجمة ابن الهيصم: “محمد بن الهيصم، أبو عبد الله شيخ الكرامية، وعالمهم في وقته، وهو الذي ناظره ابن فورك بحضرة السلطان محمود بن سبكتكين، وليس للكرامية مثله في الكلام والنظر، وكان في زمانه رأس طائفته”. انتهى
وينبغي الإشارة هنا إلى اضطراب أقوال المجسمة حول موت ابن فورك، فبعضهم يزعم أنه مات بسبب انشقاق مرارته بعد مناظرته للسلطان ابن سبكتكين حول مسألة العلو وبعضهم يزعم أن السلطان قتله بالسم لأجل تلك المسألة ، و البعض الآخر زعم أن السلطان أمر بقتله بالسم بسبب مسألة النبوة. وكل هذه الروايات باطلة كما سيأتي بيانه
أ- ذكر مناظرة ابن فورك للكرامية حول نفي الجهة عن الله
قال ابن تيمية في درء التعارض: “وأظهر السلطان محمود بن سبكتكين لعنة أهل البدع على المنابر وأظهر السنة وتناظر عنده ابن الهيصم وابن فورك في مسألة العلو فرأى قوة كلام ابن الهيصم فرجح ذلك. ويقال إنه قال لابن فورك : فلو أردت تصف المعدوم كيف كنت تصفه بأكثر من هذا ؟ أو قال : فرق لي بين هذا الرب الذي تصفه وبين المعدوم، وأن ابن فورك كتب إلى أبي إسحق الأسفراييني يطلب الجواب عن ذلك فلم يكن الجواب إلا أنه لو كان فوق العرش للزم أن يكون جسما. ومن الناس من يقول: إن السلطان لما ظهر له فساد قول ابن فورك سقاه السم حتى قتله”. انتهى
وهذا الكلام باطل نقله ابن تيمية عن سلفه في التجسيم محمد بن الهيصم، الذي أودع هذه القصة بعض كتبه كما نص على ذلك ابن كثير في البداية و النهاية عند ترجمة السلطان ابن سبكتكين، حيث قال : “و كان على مذهب الكرامية في الإعتقاد و كان من جملة من يجالسه منهم محمد بن الهيصم، و قد جرى بينه و بين إبي بكر بن فورك مناظرات بين يَدَيِ السلطان محمود في مسألة العرش، ذكرها ابن الهيصم في مصنف له، فمال السلطان محمود إلى قول ابن الهيصم، و نقم على ابن فورك كلامه و أمر بطرده و إخراجه لموافقته لرأي الجهمية و كان عادلاً جيداً.” انتهى
وابن الهيصم لا يوثق به في ما ينقله عن مذهب الكرامية فكيف يوثق به في ما ينقله عن ابن فورك؟
قال الشهرستاني في نهاية الاقدام: ” فليس ينجيه من هذه المخازي تزويرات ابن هيصم فليس يريد بالجسمية القائم بالنفس، ولا بالجهة الفوقية علاءً، ولا بالاستواء استيلاءً، وإنما هو إصلاح مذهب لا يقبل الإصلاح وإبرام معتقد لا يقبل الإبرام والإحكام، وكيف استوى الظل والعود أعوج، وكيف استوى المذهب وصاحب المقالة أهوج. والله الموفق”. انتهى
وحتى ابن تيمية نفسه مع نقله للرواية فهو لم يجزم بصحة بعض التفاصيل و نسبها لمجهول حيث قال: ” ويقال إنه قال لابن فورك…”
والثابت من هذه القصة أن ابن الهيصم طلب من السلطان محمود بن سُبُكتِكين إلقاء سؤال على ابن فورك في بيان الفرق بين المعدوم وبين الإله الغير متحيز في جهة، فقبل السلطان منه ذلك و ألقى السؤال على ابن فورك، فأجاب رحمه الله بماء شاء الله له أن يجيب، ثم كتب بعد ذلك لأبي اسحاق يخبره بما حصل معه في تلك المناظرة وبما أجاب به ابن الهيصم و ليس طلبا للعون لأنه عجز عن الجواب كما زعمت المشبهة. وقد اشتغل أبو اسحاق الاسفراييني بالجواب على شبهة ابن الهيصم لتفنيدها بالكلية و تحريرها بما يوافق الحق و ليس نصرة لابن فورك كما قالت الحشوية. كما لم يثبت أيضا أن السلطان طرد الإمام ابن فورك أو نقم عليه.
وهذه القصة أشار إليها الشيخ أبو المعين النسفي الحنفي المتوفى سنة 508هـجري في كتابه “تبصرة الأدلة في أصول الدين” جزء 1 صحيفة 174ـ183 حيث قال: “وما يزعمون أنه لا عَدَمَ أشد تحققًا من نفي المذكور من الجهات الست وما لا جهة له لا يتصور وجوده. فنقول : ذكر أبو إسحق الإِسفرايني أن السلطان ـ يعني به السلطان محمود بن سُبُكتِكين ـ قَبلَ هذا السؤال من القوم من الكرَّامية وألقاه على ابن فورَك، قال وكتب به ابن فورك إليّ ولم يكتب بماذا أجاب، ثم اشتغل أبو إسحق بالجواب” انتهى
وهذا يدلك على كذب ابن تيمية حين قال في تلبيس الجهمية: “فكان مما حكاه ميمون النسفي الحنفي في كتابه وهو من نفاة العلو: أن السلطان فهم كلام الطائفتين وفهم ما ذكرته المثبتة من أن أقوال النفاة توجب تعطيله وأنهم قالوا لو أردنا أن نصف المعدوم لم نصفه إلا بهذه الصفة بأنه لا داخل العالم ولا خارجه أو كلاما هذا معناه وابن فورك عجز عن جواب هذا حتى كتب فيه إلى أبي اسحاق الأسفرائيني وأن الاسفرائيني لم يجب أيضا بما يدفع به ذلك إلا أن قال يلزم من الاثبات أن يكون جسما أو نحو هذا ” انتهى
ثم ناقض ابن تيمية نفسه وقال: ” مع أن المعروف عن أبي بكر بن فورك هو ما عليه الأشعري وأئمة أصحابه من إثبات أن الله فوق العرش”. انتهى
فأبو المعين النسفي لم يقل بأن الاسفرائيني لم يجب بما يدفع به شبهة الكرامية وقت المناظرة كما زعم ابن تيمية، بل قال أنه لم يأت بالجواب الكافي من وجهة نظره هو كمتكلم ماتوريدي و ذكر أن جوابه كالمقدمة لحل تلك الشبهة. هذا رأي أبي المعين حول جواب أبي اسحاق للكرامية، و إلا فإن ردوده عليهم كانت شديدة حتى إنه لم يكن باستطاعتهم مجاراته. فقد نقل أبو المظفر الاسفراييني عن أبي اسحق أنه قال لهم: “كون الشيء على الشيء يكون هكذا ، ثم لا يخلوا أن يكون مثله أو يكون أكبر منه أو أصغر منه ، فلا بد من مخصص خصه ، وكل مخصوص يتناهى ، والمتناهي لا يكون إلها ، لأنه يقتضي مخصصا ومنتهي وذلك عَلَم الحدوث ، فلم يمكنهم أن يجيبوا عنه فأغروا به رعاعهم حتى دفعهم عنه السلطان بنفسه” . انتهى
ونص عبارة النسفي بتمامها: ” ثم اشتغل أبو إسحق بالجواب، ولم يأت بما هو انفصال عن هذا السؤال بل أتى بما هو ابتداء دليل في المسئلة من أنه لو كان بجهة لكان محدودًا، وما جاز عليه التحديد جاز عليه الانقسام والتجزؤ، ولأن ما جاز عليه الجهة جاز عليه الوصل والتركيب وهو أن تتصل به الأجسام، وذا باطل بالإِجماع، ولأنه لو جازت عليه الجهة لجازت إحاطة الأجسام به على نحو ما قررنا، وهذا كله ابتداء الدليل وليس بدفع للسؤال”. انتهى
وليس في كلامه أن الاسفراييني لم يجب بما يدفع به شبهة الكرامية بالكلية كما ذكر ابن تيمية. بل رده عليهم كان مفحما و لو كان في نظر النسفي لا يعدو كالمقدمة. وقد اشتغل ابن المعين بعد ذلك بتحرير الجواب الكافي على شبهة ابن الهيصم بالتفصيل.
وأما ما ذكره الذهبي في السير: “قال أبو علي بن البناء : حكى علي بن الحسين العكبري أنه سمع أبا مسعود أحمد بن محمد البجلي قال : دخل ابن فورك على السلطان محمود ، فقال : لا يجوز أن يوصف الله بالفوقية; لأن لازم ذلك وصفه بالتحتية ، فمن جاز أن يكون له فوق ، جاز أن يكون له تحت . فقال السلطان : ما أنا وصفته حتى يلزمني ، بل هو وصف نفسه . فبهت ابن فورك ، فلما خرج من عنده مات . فيقال : انشقت مرارته”. انتهى
فهو كلام باطل من رواية أبي علي الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء المقرىء الحنبلي وهو مترجم في اللسان بما لا يحمد وهو القائل: “ليت الخطيب ذكرني في التاريخ ولو في الكذابين”. انتهى
قال عنه ابن النجار: “كانت تصانيفه تدل على قلة فهمه”.
وقال شجاع الذهلي: “كان أحد القراء المجودين والشيوخ المذكورين سمعنا منه قطعة صالحة، وَلا أذكر عنه أكثر من هذا”. انتهى
قال السلفي: “كأنه أشار إلى ضعفه”. انتهى
وقال المؤتمن الساجي: “كان شيخا له رواء ومنظر ما طاوعتني نفسي للسماع منه”. انتهى
و قال السلفي: “كان يتصرف في الأصول بالتغيير والحك”.
كما طعن فيه ابن خيرون أيضًا و لينه كما نقل ذلك عنه ابن السمعاني.
ويكفي في ابطال دعوى أن الإمام ابن فورك لا يصف الله بالفوقية الحسية، ما قاله في كتاب تأويل مشكل الحديث:
” وَاعْلَم أَنا إِذا قُلْنَا إِن الله عز وَجل فَوق مَا خلق لم يرجع بِهِ إِلَى فوقية الْمَكَان والإرتفاع على الْأَمْكِنَة بالمسافة والإشراف عَلَيْهَا بالممارسة لشَيْء مِنْهَا بل قَوْلنَا إِنَّه فَوْقهَا يحْتَمل وَجْهَيْن:
أَحدهمَا أَنه يُرَاد بِهِ أَنه قاهر لَهَا مستول عَلَيْهَا إِثْبَاتًا لإحاطة قدرته بهَا وشمول قهره لَهَا وَكَونهَا تَحت تَدْبيره جَارِيَة على حسب علمه ومشيئته
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن يُرَاد أَنه فَوْقهَا على معنى أَنه مباين لَهَا بِالصّفةِ والنعت وَأَن مَا يجوز على المحدثات من الْعَيْب وَالنَّقْص وَالْعجز والآفة وَالْحَاجة لَا يَصح شَيْء من ذَلِك عَلَيْهِ ولايجوز وَصفه بِهِ وَهَذَا أَيْضا مُتَعَارَف فِي اللُّغَة أَن يُقَال فلَان فَوق فلَان وَيُرَاد بذلك رفْعَة الْمرتبَة والمنزلة وَالله عز وَجل فَوق خلقه على الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.
وَإِنَّمَا يمْتَنع الْوَجْه الثَّالِث وَهُوَ أَن يكون على معنى التحيز فِي جِهَة الإختصاص ببقعه دون بقْعَة”. انتهى
تنويه: جاء في الكتاب المسمى بالخصال في عقائد أهل السنة للإمام محمد بن الفضل البلخي الحنفي المتوفى سنة 419 هـجري وقد ألّفه للسلطان محمود بن سُبكتكين، ما نصه:
الثانية والخمسون: أن يعلمَ أن الله تعالى على العرش استوى، وفوق العرش بلا كيفٍ ولا تشبيهٍ، كما أراد اللهُ علوَّ عظمته وربوبيته، لا علوَّ ارتفاعِ مكانٍ ومسافةٍ، ولا على ما يقول الكرّاميةُ بأن العرش له مكانٌ. اهـ.
ب- ذكر مناظرة ابن فورك للكرامية بين يدي ابن سبكتكين حول نبوة سيدنا محمد
من الأباطيل و الشنعات التي روج لها خصوم الأشاعرة ضد الإمام ابن فورك ما ذكره ابن حزم و الذهبي وغيرهما أنه قال عن محمد بن عبد الله صلى الله عليه و سلم أنه كان رسولا و أما اليوم فلا.
قال ابن حزم في الفصل 1/75: “حدثت فرقة مبتدعة تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم؛ ليس هو الآن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا قول ذهب إليه الأشعرية. أخبرني سليمان بن خلف الباجي – وهو من مقدميهم اليوم – أن محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني على هذه المسألة؛ قتله بالسم محمود بن سبكتكين صاحب ما دون وراء النهر من خرسان رحمه الله. قال أبو محمد: وهذه مقالة خبيثة مخالفة لله تعالى، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولما أجمع عليه جميع أهل الإسلام إلى يوم القيامة، وإنما حملهم على هذا قولهم الفاسد أن الروح عرض والعرض يفنى ولا يبقى وقتين؛ فروح النبي صلى الله عليه وسلم عندهم قد فنيت وبطلت، ولا روح الآن عند الله تعالى، وأما جسده ففي قبره موات فبطلت نبوته بذلك ورسالته. قال أبو محمد: ونعوذ بالله من هذا القول؛ فإنه كفر صراح لا ترداد فيه، يكفي لبطلانه ما اتفق عليه جميع أهل الإسلام من قولهم في خمسة أوقات: أشهد أن محمداً رسول الله، ولو كان كما قالوا كان يقال: كان رسول الله لئلا يكون قائله كاذباً، وقول المصلي: السلام عليك أيها النبي لمخاطبته وندائه، ولو لم يكن حياً لم يصح ذلك، وكذلك ما في تلقين الميت، وكذا ما في حديث الإسراء من رؤية الأنبياء في السماء، وكذا ما في الحديث من أن لله ملائكة يبلغونه سلامنا، وغير ذلك من البراهين التي لا يشك فيها أحد من المسلمين”. انتهى
و قد نقل الذهبي عن ابن حزم هذه المقالة، فذكر في تاريخ الإسلام عند ترجمة الإمام محمد بْن الحَسَن بْن فُورك ما نصه: “قال أبو الوليد سليمان الباجي: لما طالب ابن فورك الكرامية أرسلوا إلى محمود بن سبكتكين صاحب خراسان يقولون له: إن هذا الذي يؤلب علينا أعظم بدعة وكفرا عندك منا، فسله عن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، هل هو رسول الله اليوم أم لا؟ فعظم على محمود الأمر، وقال: إن صح هذا عنه لأقتلنه. ثم طلبه وسأله، فقال: كان رسول الله، وأما اليوم فلا. فأمر بقتله، فشفع إليه وقيل: هو رجل له سن. فأمر بقتله بالسم. فسقي السم.
وقد دعا ابن حزم للسلطان محمود إذ وفق لقتله ابن فورك، لكونه قال: إن رسول الله كان رسولا في حياته فقط، وإن روحه قد بطل وتلاشي، وليس هو في الجنة عند الله تعالى، يعني روحه”. انتهى
و قال الذهبي أيضا في السير : “ونقل أبو الوليد الباجي أن السلطان محمودا سأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كان رسول الله، وأما اليوم فلا. فأمر بقتله بالسم”. انتهى
و ذكر الذهبي هذه القصة في المهذب في اختصار السنن الكبرى للبيهقي وقال بعد ذلك: ” وفي الجملة ابن فورك خير من ابن حزم و أجل و أحسن نحلة”. انتهى
ونقل ابن تغري بردي عن الذهبي هذا الكلام، فقال في النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: “كان إماماً عالماً، استدعي إلى نيسابور وتخرج به جماعة في الأصول والكلام، وله فيهما تصانيف. وكان رجلاً صالحاً، سمع الحديث، وروى عنه أبو بكر البيهقي وأبو القاسم القشيري وغيرهما. قتله محمود بن سبكتكين بالسم لكونه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولاً في حياته فقط، وإن روحه قد بطل وتلاشى، وليس هو في الجنة عند الله تعالى يعني روحه صلى الله عليه وسلم”. انتهى
والصواب من هذه القصة أن السلطان ابن سبكتكين استقدم الإمام ابن فورك لمجلسه حتى يسمع كلامه حول بعض المسائل ثم صرفه رحمه الله معززا بعد أن فضح الكرامية الملاعين، ولهذا دسوا عليه من سقاه شربة مسمومة في الطريق، فكان البيهقي وغيره يلقبونه لأجل ذلك بالشهيد.
وقد بين علماء الأشاعرة بطلان هذه الرواية المكذوبة على ابن فورك، من ذلك ما قاله الزركشي في كتابه تشنيف المسامع: فمن الأكاذيب عليه – أي على الأشعري – ما حكاه ابن حزم في الملل أنه كان يرى النبوة عرضًا من الأعراض لا يبقى زمانين، وأن النبي إذا مات زالت نبوته وانقطعت دعوته. قال الأستاذ أبو القاسم القشيري وإمام الحرمين وغيرهما من الأئمة: وهذا كذب على الرجل. ثم استدل الإمام على أن النبوة ليست بعرض وإنما هي حكم الله برسالته وإخباره عن سفارته. وذكر ابن حزم أن ابن فورك قتل على هذه المقالة وأن أبا الوليد الباجي أخبره بذلك، قال الأستاذ أبو جعفر اللبلي: وهذه الحكاية لعمري من الكذب البارد وإيراد مثلها يدل على العقل الفاسد ومعاذ الله أن يقول الباجي هذه المقالة وابن فورك أجل قدرًا من هذا ولم يمت مقتولاً كما تخرص، وقد ذكر ابن عساكر عن الشيخ أبي الحسن عبد الغافر بن إسماعيل أنه دعي إلى غزنة وجرت له بها مناظرات وكان شديد الرد على الحنابلة – أي مجسمة الحنابلة – ولما عاد من غزنة سم في الطريق ودفن في الحيرة ثم نقل إلى نيسابور ومشهده اليوم بها يزار وتستجاب الدعوة عنده انتهـى
وما قاله ابن حزم عن الأشعرية قد رده أيضا ابن الصلاح حيث قال :”ليس كما زعم بل هو تشنيع عليهم آثرته الكرامية فيما حكاه القشيري”. انتهى
نقله صاحب الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة
و قال التاج السبكي في طبقاته: “كان الأستاذ أبو بكر بن فورك كما عرًفناك، شديدا في الله قائما في نصرة الدين ومن ذلك أنه فوق نحو المشبهة الكرامية سهاما لا قبل لهم بها فتحزبوا عليه ونموا غير مرة وهو ينتصر عليهم وآخر الأمر أنهم أنهوا إلى السلطان محمود بن سبكتكين: أن هذا الذي يؤلب علينا عندك أعظم منا بدعة وكفرا وذلك أنه يعتقد أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم ليس نبيا اليوم وأن رسالته انقطعت بموته فاسأله عن ذلك. فعظم على السلطان هذا الأمر وقال: إن صح هذا عنه لأقتلنه وأمر بطلبه. والذي لاح لنا من كلام المحررين لما ينقلون، الواعين لما يحفظون، الذين يتقون الله فيما يحكون أنه لما حضر بين يديه وسأله عن ذلك ،كذب الناقل وقال ما هو معتقد الأشاعرة على الإطلاق : إن نبينا صلى الله عليه وسلم حي في قبره، رسول الله أبد الآباد على الحقيقة لا على المجاز وأنه كان نبيا وآدم بين الماء والطين ولم تبرح نبوته باقية ولا تزال. وعند ذلك وضح للسلطان الأمر وأمر بإعزازه وإكرامه ورجوعه إلى وطنه.
فلما أيست الكرامية وعلمت أن ما وشت به لم يتم وأن حيلها ومكايدها قد وهت عدلت إلى السعي في موته والراحة من تعبه فسلطوا عليه من سمه فمضى حميدا شهيدا. هذا خلاصة المحنة.
والمسئلة المشار إليها وهي انقطاع الرسالة بعد الموت مكذوبة قديمًا على الإمام أبي الحسن الأشعري نفسه. وقد مضى الكلام عليها في ترجمته. إذا عرفت هذا فاعلم أن أبا محمد بن حزم الظاهري ذكر في النصائح أن ابن سبكتكين قتل ابن فورك بقوله لهذه المسئلة ثم زعم ابن حزم أنها قول جميع الأشعرية، قلت وابن حزم لا يدري مذهب الأشعرية ولا يفرق بينهم وبين الجهمية لجهله بما يعتقدون، وقد حكى ابن الصلاح ما ذكره ابن حزم ثم قال: ليس الأمر كما زعم بل هو تشنيع على الأشعرية أثارته الكرامية فيما حكاه القشيري. قلت وقد أسلفنا كلام القشيري في ذلك في ترجمة الأشعري. وذكر شيخنا الذهبي كلام ابن حزم وحكى أن السلطان أمر بقتل ابن فورك فشفع إليه وقيل هو رجل له سن فأمر بقتله بالسم فسقي السم. ثم قال وقد دعا ابن حزم للسلطان محمود أن وفق لقتل ابن فورك. وقال وفي الجملة ابن فورك خير من ابن حزم وأجل وأحسن نحلة.
وقال قبل ذلك أعني شيخنا الذهبي كان ابن فورك رجلا صالحا. ثم قال كان مع دينه صاحب فلتة وبدعة”.
قلت – أي التاج السبكي – أما أن السلطان أمر بقتله فشفع إليه، إلى آخر الحكاية، فأكذوبة سمجة ظاهرة الكذب من جهات متعددة منها أن ابن فورك لا يعتقد ما نقل عنه بل يكفر قائله، فكيف يعترف على نفسه بما هو كفر، وإذا لم يعترف فكيف يأمر السلطان بقتله، وهذا أبو القاسم القشيري أخص الناس بابن فورك، فهل نقل هذه الواقعة؟ بل ذكر أن من عزى إلى الأشعرية هذه المسألة فقد افترى عليهم، وأنه لا يقول بها أحد منهم
ومنها أنه بتقدير اعترافه وأمره بقتله كيف ترك ذلك لسنه ؟ وهل قال مسلم إن السن مانع من القتل بالكفر على وجه الشهرة أو مطلقا؟ ثم ليت الحاكي ضم إلى السن العلم وإن كان أيضًا لا يمنع القتل، ولكنه لبغضه فيه لم يجعل له خصلة يمت بها غير أنه شيخ مسن، فيا سبحان الله، أما كان رجلًا عالمًا؟ أما كان اسمه ملأ بلاد خراسان والعراق؟ أما كان تلامذته قد طبقت طبق الأرض؟ فهذا من ابن حزم مجرد تحامل وحكاية لأكذوبة سمجة كان مقداره أجلّ من أن يحكيها، وأما قول شيخنا الذهبي إنه مع دينه صاحب فلتة وبدعة، فكلام متهافت؛ فإنه يشهد بالصلاح والدين لمن يقضي عليه بالبدعة، ثم ليت شعري ما الذي يعني بالفلتة؟ إن كانت قيامه في الحق كما نعتقد نحن فيه فتلك من الدين، وإن كانت في الباطل فهي تنافي الدين، وأما حكمه بأن ابن فورك خير من ابن حزم فهذا التفضيل أمره إلى الله تعالى، ونقول لشيخنا إن كنت تعتقد فيه ما حكيت من انقطاع الرسالة فلا خير فيه ألبتة، وإلا فلِم لا نبهت على أن ذلك مكذوب عليه لئلا يغتر به”. انتهى
ملاحظة:
الكثير لا يضبط اسم هذا العلم، فينطقونه
“فَوْرَك” بفتح الفاء على وزن “كَوْثر”، وهذا غلط.
وإنما هو “فُورَك” بالضم، قال القاضي ابن خلّكان في تاريخه “وفيات الأعيان” ما نصه: ” وفُورَك: بضم الفاء وسكون الواو وفتح الراء وبعدها كاف، وهو اسم علَمٍ”. انتهى.
و تاريخ القاضي ابن خلّكان مِن أهمّ المظان النافعة جدا في ضبط أسماء الأعلام، وهو شديدُ العناية بذلك، كما نصَّ في خطبته قائلا: ” وقيّدتُ من الألفاظ ما لا يُؤمَن تصحيفه
