مقدمة بمناسبة إصدار كتاب الإبانة للسجزي

يمكن تصنيف أبي نصر السِّجزي ضمن المجسِّمة المنتسبين إلى المذهب الحنبلي وإلى تيار أهل الحديث. فقد قال ابن تيمية في المسائل والأجوبة :” وَقَدْ رَأَيْت طَائِفَةً تَنْتَسِبُ إلَى السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ كَأَبِي نَصْرٍ السجزي وَأَمْثَالِهِ مِمَّنْ يَرُدُّونَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيِّ يَقُولُونَ: إنَّ أَحْمَد بْنَ حَنْبَلٍ كَانَ يَقُولُ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَذَكَرُوا رِوَايَاتٍ كَاذِبَةٍ لَا رَيْبَ فِيهَا، والقول الْمُتَوَاتِرُ عَنْ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنَيْهِ – صَالِحٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ – وَحَنْبَلٍ والمروزي وفُوْرَان وَمَنْ لَا يُحْصى يبين أَنَّ أَحْمَد كَانَ يُنْكِرُ عَلَى هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ”. انتهى

وهذا السجزي هو من القائلين بجواز التعاقب في ذات الله والعياذ بالله، فقد سعى ابتداءً إلى نفي لزوم التعاقب في حقّ الله تعالى بقوله : ” دخول التعاقب إنما يتعين فيما يتكلم بأداة، والأداة تعجز عن أداء شيء إلا بعد الفراغ من غيره. وأما المتكلم بلا جارحة فلا يتعين في تكلمه التعاقب». انتهى

ولم يقف السِّجزي عند حدّ النفي الجازم، بل فتح باب الجواز بقوله بعد ذلك: “وقد اتفقت العلماء على أن الله سبحانه يتولى الحساب بين خلقه يوم القيامة في حالة واحدة، وعند كل واحد منهم أن المخاطب في الحال هو وحده، وهذا خلاف التعاقب. ثم لو ثبت التعاقب لم يضرنا، لأن النبي ﷺ قال لما خرج من باب الصفا: «نبدأ بما بدأ الله به»، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية -البقرة: 158-، فبين أن الله بدأ بذكر الصفا. والقرآن كله بإجماع المسلمين كلام الله سبحانه. وفي هذا القدر كفاية لمن وفق للصواب”. انتهى

وهو تصريح بالغ الدلالة؛ إذ يجعل التعاقب أمرًا غير ممتنع في ذاته عنده، وإن لم يجزم بوقوعه. وهذا كافٍ في الحكم عليه بمخالفة أصل التنزيه عند أهل السنّة الأشاعرة.

وقد قامت المطبعة المسماة دار الميراث النبوي، باصدار طبعة لكتاب «الإبانة» المنسوب إلى السِّجزي بتحقيق جمال عزون ونجم عبد الرحمان خلف. ويُستفاد من معطيات الغلاف أنّ المحقِّقَين قد تعمّدا القيام بنوعٍ من التدليس منذ الوهلة الأولى.

قال الباحث منير خلوفي: استوقفني نقلُهم لكلام الإمام القرطبي على غلاف الكتاب مُوهِمين القراءَ أنه يثني على نصوص كتاب الإبانة. ولا ريب أن القرطبي رحمه الله أشعريّ العقيدة لا ينتطح في هذا عنزان، ولا يقول بمذهب السجزي في قدم الحرف والصوت، بل يخالفه وينكره كما في كتابه “الأسنى”. وفي تفسيره “الجامع لأحكام القرآن” 1/55، صرَّح القرطبي بأن هذا مذهب الحشوية ونقل كلام المتكلمين الأشعرية في الرد عليه مُعبِّرا عنهم بـ “علماؤنا”.

وأما الكلام الذي نقلوه هنا على غلاف هذه الطبعة، فالقرطبي رحمه الله قاله في كتابه “التذكار في أفضل الأذكار”، والنصوص التي نقلها من الإبانة وأثنى عليها، هي بعض الأحاديث والآثار التي خرَّجَها السجزي في كتابه هذا، وفيها أن “القرآن كلام الله غير مخلوق”.

وهذا ما عناه القرطبي بقوله: “وأهل السنة مطبقون على القول بها”. ومن المعلوم أن هذا قدرٌ عام مشترَك يتفق فيه الأشاعرة والحنابلة والماتريدية والمحدّثون وجميع أهل السنة، وإنما الخلاف بينهم في التفاصيل.

على أن كلام القرطبي واحتفاءه بتلك الآثار ودعواه أنها تساوي رحلة، فيه نظرٌ، إذ لا يصحُّ في هذا الباب حديثٌ مرفوعٌ ولا موقوفٌ ولا مقطوع، وغالب تلك الأحاديث موضوعة أو منكرة، ولاسيما المرفوع منها؛ ومسألة القرآن حدثت بعد عصر الصحابة والتابعين، ولم يتكلموا فيها، ولا يصحُّ فيها حديثٌ أصلا”. انتهى

وقد كان أبو نصر الوائلي السجزي شديد الانحراف عن الأشعرية، مُصَرِّحا بتكفيرهم، مفتريا عليهم، حيث قال في رسالته إلى أهل زبيد “الرد على من أنكر الحرف و الصوت” صحيفة 222 ما نصه:” ثم بلي أهل السنة بعد هؤلاء- أي المعتزلة – بقوم يدعون أنهم من أهل الاتباع، وضررهم أكثر من ضرر المعتزلة وغيرهم وهم أبو محمد بن كلاب وأبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري”. انتهى

ومما نسبه إلى الأشعري كذبًا أن النبوة عرَضٌ من الأعراض، والعرَض لا يبقى زمانين؛ وإذا مات النبيُّ زالت نبوَّته وانقطعت دعوته. وهي فرية قديمة ردَّدها كثيرٌ من خصوم الأشعرية كالأهوازي وابن حزم وغيرهم.

و أبو نصر السجزي يصح فيه ما قاله ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية حين سُئل عن الإمام أبي الحسن الأشعري والباقلاني وابن فورك وإمام الحرمين والباجي وغيرهم ممن أخذ بمذهب الأشعري، فأجاب: ” والواجب الاعتراف بفضل أولئك الأئمة المذكورين في السؤال وسابقتهم وأنهم من جملة المرادين بقوله ‘ ” يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ” فلا يعتقد ضلالتهم إلا أحمق جاهل أو مبتدع زائغ عن الحق، ولا يسبهم إلا فاسق، فينبغي تبصير الجاهل وتأديب الفاسق واستتابة المبتدع” انتهـى

ولما وقف علماء أهل السنة على رسالته لأهل زبيد تبرَّموا منها وخاطبوه بعباراتٍ شديدةٍ قاسية.

راجع النقطة الثالثة من الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/1CL4fDSvqV/

فبعد هذا كلّه، يتعذّر من حيث النظر العلمي أن يُتوهَّم أو يُظَنّ أنّ الإمام القرطبي يمكن أن يُثني على هذا الكتاب أو يُقِرّ جميع مضامينه، مع كونه حافلًا بالطعن في أئمّة الأشعرية ونسبتهم إلى ما يُعدّ من الموبقات عند مؤلفه.

ومع ذلك، لا يُنكر أنّ لأبي نصر السِّجزي مقالاتٍ في باب التنزيه وافق فيها مذهب أهل السنّة الأشعرية، بل تضمّنت نقدًا ونقضًا لجملة من الأصول التي تبنّاها بعض المنتسبين إلى اتجاهه العقدي.

راجع الرابط التالي:

https://www.facebook.com/share/p/1J9NSA9WU4/

ومن ذلك ايضا قوله: ” الله سبحانه قد أثبت لذاته علما ونطق بذلك كتابه فقال: {أنزله بعلمه} وكان المعقول من العلم عند المخاطبين به أنه إدراك المعلوم على ما هو به فكان علم الله سبحانه إدراك المعلوم على ما هو به، وعلم المحدث أيضا إدراك المعلوم على ما هو به. وكذلك لما أثبت الله لنفسه السمع بدلالة النص حيث قال: {إن الله كان سميعا بصيرا} وقال النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر الحجب: (ما أدركه بصره) وقالت عائشة رضي الله عنها: (يا سبحان الله من وسع سمعه الأصوات).

وكان المعقول أن السمع هو إدراك المسموعات على ما هي به، والبصر إدراك كل ما يبصر على ما هو به، كان سمعه سبحانه إدراك المسموع، وبصره إدراك ما يبصر به وكذلك سمع المحدث وبصره، ومع ذلك فليس مثل علمه علم، ولا مثل سمعه وبصره سمع ولا بصر، لأن علمه صفة لازمة لذاته سبحانه في الأزل لا يدخل عليه السهو، ولا يجوز الجهل ولا النسيان. وعلم المحدث عرض مكتسب، يوجد وقتا ويعدم وقتا. وكذلك السمع والبصر ليسا من الله تعالى جارحتين، وهما من المحدث جارحتان”. انتهى

فنفى الجوارح عن الله عز وجل

وقال أيضا: ” إلا أن كلامه معجز ولا انتهاء له وأزلي وكلام المحدث غير معجز وهو متناه، وعرض لم يكن في وقت، ولا يكون في وقت. وكلامه سبحانه بلا أداة ولا آلة ولا جارحة، وكلام المحدث لا يوجد إلا عن أداة وآلة وجارحة في المعتاد”. انتهى.

فقرر أن كلام الله لا انتهاء له وهو أزلي، وأنه سبحانه يتكلم بلا أداة ولا آلة ولا جارحة.

و قال: «لأنه ليس بذي فؤاد تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً». وقال: «وأن الله سبحانه ليس بذي أدوات بالاتفاق».

يدلّ هذا النفي التفصيلي على تنزيه الله تعالى عن جميع المفاهيم التي تثبت للمخلوقات بطريق الانتزاع المباشر، فلا يُفهم من إطلاق ألفاظ اليد والعين والوجه والقدم أنّها صفاتٌ عينيّة تُتصوَّر على نحو الأجزاء للذات، أو أنّها متميّزة عن الذات تميّزًا يُدرَك بالإشارة الحسيّة، بما يَسوغ معه قياس الغائب على الشاهد في إثباتها. إذ إنّ هذا النمط من الإثبات بعينه يؤول إلى التشبيه والتجسيم، وهو ممّا يتنزّه عنه الباري سبحانه.

و قال: «وإثبات الصفات له على ما جاء به النص عنه وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، لا يوجب التجسيم والتشبيه، بل كل شيء يتعلق بالمحدثات مكيّف، وصفات الباري لا كيفية لها».

فنفى اتصاف صفات البارئ بالكيف أصلا.

ومما قاله السجزي في كتاب الإبانة مما يوافق مذهب التفويض: “وأئمتنا كسفيان، ومالك، والحمادين، وابن عيينة، والفضيل، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، متفقون على أن الله سبحانه فوق العرش، وعلمه بكل مكان، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، وأنه يغضب ويرضى، ويتكلم بما شاء” . انتهى

و نقله الذهبي في سير أعلام النبلاء .

أضف تعليق