إذا أُظهِر ضمير الشَّأن وجب تشديد نون (أن) – التشهّد الرَّدُّ على أهل الفتنة في مسألة الشَّهادة

نصيحة لمَن كان له قلب 3

إذا أُظهِر ضمير الشَّأن وجب تشديد نون (أن)

المسموع مِن حذف اسم (إنَّ) ضمير الشَّأن شاذٌّ

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

أمَّا بعدُ فإنَّه لا يصحُّ حذف اسم (أنَّ) ضمير الشَّأن إلَّا في باب (أن) المفتوحة -إذَا خُفِّفت-؛ أمَّا المسموع مِن حذف ضمير الشَّأن في (إنَّ) فشاذٌ. قال ابن هشام في [مُغني اللَّبيب]: <وقيل: اسم (إنَّ) ضمير الشَّأن وهذا أيضًا ضعيف لأنَّ الموضوع لتقوية الكلام لا يُناسبه الحذف والمسموع مِن حذفه شاذٌّ إلَّا في باب (أَن) المفتوحة إذَا خُفِّفت.. إلخ> انتهى.

وقال الدماميني في شرحه: <وقيل: اسم (إنَّ) ضمير الشَّأن وحُذف والأصل إنَّه هذانِ لساحرانِ؛ وهذا أيضًا ضعيف لأنَّ الموضوع لتقوية الكلام لا يُناسبه الحذف وضمير الشَّأن كذلك مِن جهة أنَّه يتمكَّن ما يعقبه في ذهن السَّامع فضلَ تمكُّنٍ لِمَا فيه مِن الإبهام ثُمَّ التَّفسير والمسموع مِن حذفه شاذٌّ في كُلِّ موضع إلَّا في باب (أَن) المفتوحة إذَا خُفِّفت.. إلخ> انتهى.

ولا يصحُّ في غير (أنْ) المُخفَّفة حذف اسمها ضمير الشَّأن؛ ولا تُشدَّد إلَّا مع إظهار الضَّمير لأنَّ إظهاره هو ما يرُدُّ (أنْ) المُخفَّفة إلى أصلها (أنَّ) المُشدَّدة. قال ابن هشام في [مُغني اللَّبيب]: <فاستسهلوه –[ضمير الشَّأن]- لوُروده في كلام بُنِيَ على التَّخفيف فحُذف تبعًا لحذف النُّون ولأنَّه لو ذُكر لوجب التَّشديد إذ الضَّمائر ترُدُّ الأشياء إلى أُصولها> انتهى.

وقال الدماميني في شرحه: <فاستسهلوه لوُروده في كلام بُني على التَّخفيف فحُذف تبعًا أي لأجل التبعيَّة لحذف النُّون ورُبَّ شيء يُحذف تبعًا ولا يُحذف استقلالًا كالفاعل يُحذف مع الفعل ولا يُحذف وحدَه وحذف ها الضَّمير لعلَّة أُخرى أيضًا وهي أنَّ الضَّرورة داعية إلى حذفه عند إرادة تخفيف الحرف لأنَّه لو ذُكر لوجب التَّشديد إذ الضَّمائر تردُّ الأشياء إلى أُصولها>.

فصل

تعقيب على ردِّ البعض -هداهم الله-:

نقول إنَّنا لم نحتجَّ بأنَّه ليس في المسموع مِن كلام العرب حذف ضمير الشَّأن مع (أنَّ) المُشدَّدة المفتوحة الهمزة -هكذا وحده بالاستقلال- بل وبأنَّه ترافق مع انعدام النَّصِّ عليها في قواعد النَّحو؛ مع ما بيَّنه النَّحويُّون مِن اختلاف عمل (أنَّ) المفتوحة عن عمل (إنَّ) المكسورة ومع ما بيَّنوه مِن إيثار (أنْ) المُخفَّفة على (أنَّ) المُشدَّدة في حذف ضمير الشَّأن.

وقال الخصم: <(أنَّ) فرع مِن (إنَّ) وما يجوز في الأصل يجوز في الفرع> وطلب ما يدلُّ على الاستثناء. فنقلنا له ما يدلُّه على أنَّ الفرع قد يُميَّز على الأصل لمعنًى فيه لا يُوجد في الأصل؛ وعلى منعِ أنْ يتميَّز الفرع على الأصل بالكُليَّة، فتوهَّم أنَّنا لا نفهم ما نقرأ؛ ولم نتوهَّم أنَّه لم ينتبه لأنَّه سكت أخيرًا عمَّا كان يستدلُّ به أوَّلًا بقوله <(أنَّ) فرع مِن (إنَّ)>. فتأمَّل!

فلا حُجَّة للخصم فيما نقله عن ابن مالك في [الكافية] مِن جواز حذف ضمير الشَّأن مع (إنَّ) وأخواتها بدليل قول ابن مالك نفسه في [الألفيَّة]: <وإنْ تُخفَّفْ (أَنَّ) فاسمُها استكَنْ ~> فقد نصَّ النَّحويُّون في بيانهم الفرقَ بين (أنَّ) المفتوحة و(إنَّ) المكسورة على اختصاص وإيثار (أنْ) المُخفَّفة على (أنَّ) المُشدَّدة في أنْ تعمل في محذوف؛ وهو ما فاته.

وجواب ما جاء في المسموع مِن حذف ضمير الشَّأن مع (أنَّ) المفتوحة أنَّه لا يأتي إلَّا في الشِّعر خاصَّة؛ بَيَّنَ ذلك النَّحويُّون قال يَعِيْشُ النَّحويُّ في [شرح المُفصَّل]: <ولا يجوز حذف هذه الهاء إلَّا في الشِّعر؛ لا يجوز في حال الاختيار (إنَّ زيدٌ ذاهبٌ) على معنى إنَّه زيد ذاهب> انتهى ثُمَّ ذكر الأبيات الَّتي كان الخصم قد اوردها بُغية الاستدلال بها -عبثًا-.

يقول شيخنا الهرريُّ رحمه الله ورضي عنه في كتاب [بُغية الطَّالب في معرفة العلم الدِّينيِّ الواجب] [دار المشاريع – ص/32؛ ط/8؛ ج1]: <ومَن قال أشهد أنْ لا إله إلَّا الله بلا إدغام صحَّت شهادته، أمَّا الَّذي يقول: -أشهد (أنَّ) لا إله إلَّا الله- لم تصحَّ شهادته لأنَّ هذا كلام مبتور كمَن قال: (أشهد أنَّ زيدًا) وسكت مِن غير أنْ يأتيَ بالخبر> انتهى كلامه.

نهاية المقال.

Sep 14, 2019, 10:08 AM

نصيحة لمَن كان له قلب – 2

لا يُحذف ضمير الشَّأن مع (أنَّ) المُشدَّدة المفتوحة

بطلان قياس (أنَّ) على (إنَّ) مع كونها فرعًا لها

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

1

أما بعدُ فقد قرأ جماعة -هداهم الله- في كُتُب النَّحو شيئًا عن جواز حذف ضمير الشَّأن مع (إِنَّ) وأخواتها؛ فتوهَّموا أنَّ ذلك جائز أيضًا مع (أَنَّ) المُشدَّدة المفتوحة الهمزة لكونها فرعًا مِن (إِنَّ) وهو منهم قياس فاسد، فقد نصَّ النَّحويُّون على اختلاف ما اختصَّت به (أَنَّ) المفتوحة الهمزة عمَّا اختصَّت به (إِنَّ) المكسورة الهمزة مع كون الأُولى فرعًا للثَّانية.

2

ولم يفطن أولئك -هداهم الله- إلى أنَّ شرط حذف ضمير الشَّأن مع (أَنَّ) المفتوحة الهمزة هو تخفيفها بحيث تصير (أَنْ) بنون ساكنة، ونحن إنْ شاء الله نُبيِّن الصَّواب في المسألتَين، الأُوْلى: عدم اختصاص (أَنَّ) المفتوحة الهمزة بما اختصَّت به (إِنَّ) المكسورة الهمزة، والثَّانية: اختصاص (أَنْ) المُخفَّفة بحذف ضمير الشَّأن دون حذفه بعد (أَنَّ) المُشدَّدة.

3

قال ابن مالك في ألفيَّته: <وإنْ تُخفَّفْ (أَنَّ) فاسمُها استكَنْ * والخبرَ اجعَلْ جُملةً مِن بعدِ (أَنْ)> انتهى. واستكن هُنا أي حُذف؛ والمعنى: إنْ خُفِّفت (أنَّ) بحيث صارت (أنْ) حُذِف اسمها؛ وشرطه بَيِّن المُناقضة لِمَا توهَّمه البعض -هداهم الله- مِن جواز حذف ضمير الشَّأن مع (أنَّ) دون تخفيفها، فلماذَا هجموا على الكلام وليس معهم نصٌّ مِن عالِم مُعتبر!؟

4

وقال ابن عقيل في شرحه على الألفيَّة لابن مالك: <إذا خُفِّفت (أنَّ) بقِيَت على ما كان لها مِن العمل لكن لا يكون اسمها إلَّا ضمير الشَّأن محذوفًا؛ وخبرها لا يكون إلَّا في جُملة؛ وذلك نحو (علمتُ أنْ زيدٌ قائم) فـ (أنْ) مُخفَّفة مِن الثَّقيلة واسمها ضمير الشَّأن وهو محذوف والتَّقدير..> انتهى. ولاحظ قوله: <إذَا خُفِّفت> و<مُخفَّفة مِن الثَّقيلة> لتفهم الشَّرط.

5

وقال الخُضَري في حاشيته على ابن عقيل: <(بَقِيَتْ على ما كان لها) أي وجوبًا بِخلاف المكسورة وإنْ كانت فرعًا لها> انتهى -ولاحظ قوله: <وإنْ كانت فرعًا لها> لتعلم فساد قياسهم (أَنَّ) على (إِنَّ) في هذه المسألة-؛ إلى قوله: <وإنَّما عملت في ضمير محذوف لتكون كَلَا عاملة إظهارًا لضعفها بالتَّخفيف لئلَّا تظهر مزيَّة الفرع على أصله> انتهى. فتحقَّق.

6

فإذَا سألتَ لماذَا أعملوا (أنْ) المفتوحة وأهملوا المكسورة غالبًا وكان اللائق التَّسوية أو العكس لئلَّا يلزم مزيَّة الفرع عن الأصل؟ فيقول الصَّبَّان في حاشيته على شرح الأشموني: <وحاصل الجواب أنَّ الفرع قد يُميَّز على الأصل لمعنًى فيه لا يُوجد في الأصل> انتهى. وهذا لتفهم أنَّ كون الأُولى فرعًا مِن الثَّانية لا يعني أنْ تعمل عملها مُطلقًا كما توهَّم البعض.

7

فإذَا سألتَ لماذَا أعملوا المفتوحة في ضمير والمكسورة في ظاهر؟ يُجيب الصَّبَّان: <وقوله على وجه.. إلخ ليس مِن جُملة التَّفريع إذ لا يُنتجه ما قبل التَّفريع فهو مُتعلِّق بمحذوف دلَّ عليه السِّياق أي وعملت على وجه.. إلخ: أي لئلَّا يظهر بالكليَّة مزيَّة الفرع على أصله> وكُلُّ هذا لبيان اختلاف ما اختصَّت به (أنَّ) عمَّا اختصَّت به (إنَّ) خلافًا لِمَا توهَّمه البعض.

8

وقال الأشموني في شرح ألفيَّة ابن مالك: <فلذلك أُوثِرَت (أنْ) المفتوحة المُخفَّفة ببقاء عَمَلِها على وجه يَبِينُ فيه الضَّعف وذلك بأنْ جُعل اسمها محذوفًا لتكون بذلك عاملة كَلا عاملة> انتهى. ولاحظ قوله: <أُوثِرَت (أنْ) المفتوحة المُخفَّفة> لتعلم فساد قول مَن خالف. والنَّصُّ بَيِّنٌ في أنَّ حذف ضمير الشَّأن في (أَنْ) المُخفَّفة دون المُشدَّدة؛ فلماذَا يُكابرون!؟

9

وقال الصَّبَّان: <قوله: (فلذلك) أي لكونها أشبه بالفعل.. إلخ أُوثِرَت أي خُصَّت> انتهى. ومحلُّ الكلام في (أنْ) المُخفَّفة كما لا يخفى. ويكفيك قول الأشموني: <أُوثِرَت> والصَّبَّان: <خُصَّت> لتعلم فساد ما توهَّمه البعض في قياسهم ما اختصَّت به (أنَّ) على ما اختصَّت به (إنَّ)؛ وفسادَ ما توهَّموه مِن حذف ضمير الشَّأن مع المُشدَّدة قياسًا على المُخفَّفة.

10

يقول شيخنا الهرريُّ رحمه الله ورضي عنه في كتاب [بُغية الطَّالب في معرفة العلم الدِّينيِّ الواجب] [دار المشاريع – ص/32؛ ط/8؛ ج1]: <ومَن قال أشهد أنْ لا إله إلَّا الله بلا إدغام صحَّت شهادته، أمَّا الَّذي يقول: -أشهد (أنَّ) لا إله إلَّا الله- لم تصحَّ شهادته لأنَّ هذا كلام مبتور كمَن قال: (أشهد أنَّ زيدًا) وسكت مِن غير أنْ يأتيَ بالخبر> انتهى كلامه.

11

هذا واعلم أنَّه كان أولى بمَن تصدَّر للكلام في المسألة أنْ لا يُخالف قول العالِم العامل والعارف الثِّقة -وهو يعرفه-؛ ولا يخفى أنَّ المسألة وإنْ كانت نحويَّة في جانب منها لكنَّها تتعلق بصحَّة النُّطق بالشَّهادتَين وبالتَّالي بصحَّة دُخول الكافر في الإسلام وليس معهم فيما ادَّعوه نصٌّ ولا عندهم فيه سماع فكيف سوَّلت لهم أنفسهم الخوض في مثل هذا -والأمر عظيم-!؟

12

أمَّا مَن كان جاهلًا لا يعرف النُّطق بالشَّهادتَين؛ فإنَّ مَن دعاه إلى الإسلام يُلقِّنه الشَّهادة بالطَّريقة الصَّحيحة، ويكفي لصحَّة دخوله في الإسلام لو قال: (لا إله إلَّا الله مُحمَّد رسول الله) بدون لفظ (أشهد) لو شاء؛ وأمَّا الأعجميُّ فيقولها بلغته مُتضمِّنة الإقرار بها؛ والعاجز عن النُّطق: يدخل في الإسلام بالاعتقاد. فلماذَا يُصرُّ البعض على الابتداعِ وإنَّما العبرة بالاتِّباع!

وفي المُداخلات نصُّ كلام الخُضري والأشموني والصَّبَّان بدون اجتزاء كي يقف على الكلام في محلِّه مَن شاء، وآخِر الدُّعاء الحمدلله.

نهاية المقال.

Sep 13, 2019, 8:28 AM

الرَّدُّ على أهل الفتنة في مسألة الشَّهادة – 1

بيان أنَّه لا يجوز تشديد (أنْ) في الشَّهادة الأُولى

إلَّا مع إلحاق ضمير الشَّأن بها فتكون: (أنَّه)

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

وبعد فاعلَمْ أنَّه لا يصحُّ للدُّخول في الإسلام أنْ يُقال <أشهد أنَّ> بتشديد النُّون -نون أنْ- في الشَّهادة الأُولى وهي <أشهد (أَنْ) لا إله إلَّا الله> إلَّا مع إلحاق ضمير الشَّأن بها وهو الهاء فتكون: <أشهد (أنَّهُ) لا إله إلَّا الله>، فإنَّ هذا هو مُقتضى اللُّغة العربيَّة الفُصحى. وقد كَذَّبَ أهل الفتنة الجاهِلِين الَّذين حرَّفوا وبدَّلوا حين زعموا أنَّ سيبوَيه رحمه الله قال بخلاف ذلك.

قال ابن مالك في ألفيَّته:

وإنْ تُخفَّفْ (أَنَّ) فاسمُها استكَنْ * والخبرَ اجعَلْ جُملةً مِن بعدِ (أَنْ)

قال ابن عقيل: <إذا خُفِّفت (أنَّ) بقِيَت على ما كان لها مِن العمل، لكن لا يكون اسمها إلَّا ضمير الشَّأن محذوفًا، وخبرها لا يكون إلَّا في جملة؛ وذلك نحو (علمتُ أنْ زيدٌ قائم) فـ (أنْ) مُخفَّفة مِن الثَّقيلة واسمها ضمير الشَّأن وهو محذوف والتَّقدير (علمْتُ أنْه زيدٌ قائم) وقد يبرز اسمها وهو غير ضمير الشَّأن..> إلى آخِرِ كلامه.

وقد علمتَ أنَّ اسم (أنْ) في الشَّهادة الأُولى هو ضمير الشَّأن محذوف تقديره (الهاء) فلزم أنْ تكون (أنْ) مُخفَّفة؛ فإنْ أظهرتَ ضمير الشَّأن عُدت إلى تشديد (أنَّ) فتقول <أشهد (أنَّهُ) لا إله إلَّا الله>؛ وأمَّا أنْ تكون (أنَّ) مُشدَّدة مع بقاء ضمير الشأن مُستترًا محذوفًا فهذا لا يصح في اللُّغة العربيَّة بوجه مِن الوجوه؛ خلافًا لِمَا ذهب إليه أهل الفتنة مِن الخلط.

والكلام هُنا ليس عن إدغام -أو ترك إدغام- النُّون السَّاكنة باللَّام التَّالية فهذا لا علاقة له بـ (أنْ) مُخفَّفة أو مُشدَّدة، وإنَّما الكلام في أنَّ تشديد (أنْ) لتصير (أنَّ) بدون أنْ يُستتبع ذلك بإظهار ضمير الشَّأن وهو الهاء لتصير (أنَّهُ) وكذلك بدون أنْ يُستتبع ذلك بخبر لِـ (أنَّ) بعد عبارة (لا إله إلَّا الله) يجعل الكلام مبتورًا ناقص المعنى كما لا يخفى.

قال شيخنا الهرريُّ رحمه الله ورضي عنه في كتاب [بُغية الطَّالب في معرفة العلم الدِّينيِّ الواجب] [ص/32؛ ط/8؛ ج1]: <ومَن قال أشهد أنْ لا إله إلَّا الله بلا إدغام صحَّت شهادته، أمَّا الَّذي يقول: -أشهد (أنَّ) لا إله إلَّا الله- لم تصحَّ شهادته لأنَّ هذا كلام مبتور كمَن قال: (أشهد أنَّ زيدًا) وسكت مِن غير أنْ يأتيَ بالخبر> انتهى كلامه.

ومثال زيادة خبر لعبارة (لا إلهَ إلَّا الله) بعد (أنَّ) مُشدَّدة فهو أنْ يُقال: <أشهد أنَّ لا إلهَ إلَّا الله كلمةُ حقٍّ> ونحوها؛ إذ إنَّ الكافر يقول فيها إنَّها ليست كذلك؛ فتعيَّن وُجوب استكمال المعنى -مع (أنَّ) المُشدَّدة في حال إسقاط ضمير الشَّأن- بخَبرٍ يُفيد معرفة حال الشَّاهد وشهادته، وبهذا يُظهر الفَرق الكبير بين استعمال (أنْ) مُخفَّفة وبين استعمالها مُشدَّدة.

والخُلاصة في كُلِّ ما سبق أنَّه لا يستقيم أبدًا قول (أنَّ) مُشدَّدة في الشَّهادة الأُولى إلَّا بإلحاق ضمير الشَّأن -الهاء- بها أو بزيادة خبر للجُملة؛ أمَّا قول (أنَّ) مُشدَّدة مع حذف الهاء أو إسقاطها -في اللَّفظ- ثُمَّ ترك الجُملة بلا خبر فهذا ممَّا لا يستقيم أبدًا؛ ومَن خالف مُتوهِّمًا أنَّ النَّحو معه فقد أبعد الرَّمية وأدخل نفسه فيما لا يُحمد؛ والعياذ بالله تعالى.

هذا وقد أدَّت قسوة القلوب ببعض أهل الفتنة إلى أنْ تجرَّأ والعياذ بالله على مُخالفة ذلك مُستدلًّا بحكاية مِن كتاب في النَّوادر واسمه [جمع الجواهر في المُلَح والنَّوادر] للقيروانيِّ لم يضعه مُصنِّفه لهذه المسائل فلا تُؤخذ منه أحكام الشَّرع الشَّريف فضلًا أنَّ الجاهل المُتفيهق لم يُدرك أنَّ ما قرأه في الصُّحُف مِن الأخبار السَّقيمة جاء تصحيفًا للحكاية وليست على أصلها.

فأمَّا ما استحبَّه سيبويه فهو قول <أشهد (أنْ) لا (إلهَ) إلَّا الله> على قول <أشهد (أنْ) لا (إلهٌ) إلَّا الله>؛ وأنتَ تُلاحظ الهاء -في لفظ إله- في الجُملة الأُولى فوقها (فتحة) وفي الثَّانية (ضمَّتان) وهذا هو الفَرق في اللَّفظ بين الجُملتين وليس كما توهَّم الجاهل أنَّ الفرق بينهما تشديد (أنْ) في أحد الوجهَين. وما أوقعه في مثل هذا إلَّا هجومه على الكلام بغير علم!

وقد ضبطها بعضهم على الشَّكل التَّالي: (قال: السَّلام عليك يا أبت، قُل: <أشهد أنْ لا إله إلَّا (اللهُ)> وإنْ شئتَ قل: <أشهد أنْ لا إله إلَّا (اللهَ)>؛ فقد قال الفَرَّاء: كلاهما جائز، والأُولَى أحبُّ إلى سيبويه) انتهى فانظر أخي القارئ إلى الفَرق بين الجُملتين في شكل لفظ الجلالة وليس في تشديد (أنْ). فكيف أخذ بنصٍّ طرأ عليه التَّصحيف ولم يفطن لذلك!

وروى ابن الجوزيِّ نحو ذلك في [أخبار الحمقى والمُغفَّلِين] فقال ما نصُّه: <وعن أبي العَيناء عن العطويِّ الشَّاعر أنَّه دخل إلى رجل عندنا بالبصرة وهو يجود بنفسه فقال له يا فُلان قل (لا إلهَ إلَّا اللهُ) وإنْ شئتَ فقل (لا إلهَ إلَّا اللهَ) والأُولى أحبُّ إلى سيبويه ثُمَّ أتبع أبو العَيناء ذاك بأنْ قال سمعتم ابن الفاعلة يعرض أقوال النَّحويِّين على رجل يموت> انتهى.

وحكى ابن الجوزي في [أخبار الحمقى والمُغفَّلِين] قصَّة فيها: (قال: حُدِّثنا أنَّ أعرابيًّا سمع مُؤذِّنًا كان يقول أشهد أنَّ مُحمَّدًا -رسولَ- الله بالنَّصب فقال ويحَك فعل ماذا؟) انتهى فالأعرابيُّ علم أنَّ الكلام ناقص فسأل: فعل ماذا؟ يقصد أنْ يطالبه باستكمال الكلام وهذا دليل على أنَّ الكلام ناقص. فلماذَا أخذ الجاهل بتلك وترك هذه وكلاهُما في كتاب إخوانه الحمقى!

على أنَّ نقص الثَّانية ليس كنقص الأُولى لأنَّه لو قال <أشهد أنَّ مُحمَّدًا> ونصبَ كلمة <رسول> في قوله <رسول الله> فقد أقرَّ برسالة سيِّدنا مُحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم بينما لو قال أشهد أنَّ (لا إلهَ إلَّا الله) وسكت لم يتضمن المعنى الإقرار بها. فيا لفضيحة الجاهل يأخذ الدِّين مِن حكايات الحمقى بل ومِن حكاية صُحِّفَتْ كلماتها فلا حول ولا قوَّة إلَّا بالله.

فما مِثال هذا الجاهل مِن أهل الفتنة -واسمه في المُداخلات بإذن الله- إلَّا كمَن جنى على نفسه بنفسه حين تصدَّر لتبليغ الدَّعوة وادِّعاء الفقه والفهم وفي الحقيقة فإنَّه لا يملك مِن كُلِّ ذلك سوى أنْ يدَّعيَه مُستعينًا بدُخول [المكتبة الشَّاملة] دون أنْ ينتبه المغرور أنَّه يأخذ مِن حيث لا يجوز أنْ يأخذ ويتلقَّف مِن حيث لا ينبغي أنْ يتلقَّف؛ والعياذ بالله مِن الجهل.

نهاية المقال.

Sep 11, 2019, 3:42 PM

جديد [قصيدة] إلى الكذَّاب في أرض الكِنانة:

أكثر مِن 8 آلاف قارئ حتى لحظة كتابة هذه الحروف ✌️

Sep 9, 2019, 5:30 PM

أضف تعليق