رفعُ أعلامِ النُّبوَّة [19]
بيان مذهب الباقلَّانيِّ – 4
فيما حكاه مِن مذاهب النَّاس في أهل الجَمَل
الحمدلله كثيرًا. والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا مُحمَّد مَن جاء الدُّنيا شاهدًا ومُبشِّرًا ونذيرًا؛ وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا مُنيرًا.
أمَّا بعدُ فقد بيَّنَّا في المقالَين السَّابقَين مذهب الباقلَّانيِّ في عدم تأثيم القاعدين عن قتال البُغاة في [التَّمهيد] بقوله: <لأنَّ عليًّا لم يُلزمْهُمُ الحرب معه ويحتِّمْه عليهم ويجعَلْهم في حَرَج مِن التَّأخُّر عنه؛ بل رخَّص لهم في ذلك وفسح لهم فيه> وبيَّن الباقلَّانيُّ أنَّه لم يكن في الصَّحابة القاعدين مَن زعم أنَّه لا يجب عليه طاعة عَلِيٍّ رضي الله عنه لأنَّه تأوَّل ذلك باجتهاد باطل.
فإذَا كان الباقلَّانيُّ يرى أنَّ القاعدين لو أمرهم عليٌّ وهو الإمام العادل بقتال الفئة الباغية وحتَّم ذلك عليهم فامتنعوا؛ لكانوا بذلك آثِمِين -وهذا صريح منه في تأثيم مَن ترك طاعة الإمام العادل-؛ فكيف بمَن خرج عليه وقاتله بل ونازعه الأمر!؟ فلا يصحُّ أنْ يُقال إنَّ الباقلَّانيَّ كان يرى أجرًا لمَن رأى الخروج على الإمام العادل بينما يُصرِّح هو بتأثيم مَن ترك طاعة الإمام.
والباقلَّانيُّ في [التَّمهيد] لم ينقل اختلاف المُجتهدِين المُعتبَرِين في أهل الجَمَل بل نقل اختلاف النَّاس بمَن فيهم المُعتزلةُ وغيرُهم مِن أهل الأهواء على عادة عُلماء عصره في بيان مذاهب أهل الفِرَق المُختلفة، ثُمَّ لا ينبغي نسبة الكلام لساكت فلا هو نَطَقَ بنسبة الأجر للبُغاة في بغيهم ولا أشار إلى مثل ذلك بالصِّحَّة والاعتماد. والتَّحقيق يدلُّك على الصَّواب؛ فتحقَّق.
فلا يغُرَّنَّك قوله في بيان اختلاف النَّاس في البُغاة: <فمِن النَّاس مَن يجعل هذه المسألة مِن مسائل الاجتهاد ويقول إنَّ كُلَّ مُجتهد مُصيب كإصابتهم في سائر مسائل الأحكام> لأنَّك تعرف أنَّ أهل السُّنَّة لم يُساوُوا بين الخروج على الإمام العادل والاختلاف في سائر مسائل الأحكام؛ بل أجمعوا على كونهم بُغاةً وأجمعوا على تخطئتهم وعلى القول ببُطلان اجتهادهم.
وكذلك لا يغُرَّنَّك قوله: <ومنهم مَن يقول إنَّ الحقَّ منها في واحد وهُو رأي عليٍّ وقوله، وإنَّ مُخالفة مُخطِئٍ في الاجتهاد خطأٌ لا يبلغ به الإثم والفُسوق بل الإثم عنه موضوع> لأنَّ المنسوب لعليٍّ رضي الله عنه هو أوَّل وجه في الكلام دون الثَّاني ولأنَّ الوجهِين منسوبانِ إلى قول تلك الطَّائفة مِن النَّاس وهُو لم ينتصر لهذا الوجه ولا أشار إليه بالصِّحَّة.
ثُمَّ إذَا أُريد بهذا الوجه: المُبشَّرون بالجنَّة مِن أهل الجَمَل أي سيِّدتنا عائشة رضي الله عنها وطلحةُ والزُّبَير رضي الله عنهما: فلا خلاف في انتفاء الإثم والفسق عنهم برجوعهم وندمهم وتوبتهم كما قال إمامنا الأشعريُّ في طلحة والزُّبَير رضي الله عنهما فيما نقله عنه ابن فورك في [المُجرَّد] ونصُّه التَّالي: <وإنَّهما رَجَعَا عن ذلك وندمَا (وأظهرَا التَّوبة) وماتَا تائبَيْنِ> انتهى.
أمَّا لو أُريد به أهلُ صِفِّين؛ وغيرُ المُبشَّرِين مِن أهل الجَمَل: فقد تقدَّم فيهم قول إمامنا الأشعريِّ كما في [المُجرَّد] بقوله في مُعاوية: <وأمَّا خطأ مَن لم يُبَشِّرْهُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالجنَّة في أمره فإنَّه يجوز غُفرانه والعفو عنه> انتهى ولا شكَّ أنَّك تعرف الفَرْقَ بين أنْ يكون وُضِع الإثم عنهم وبين أنْ يكون مِن الجائز غُفران ذنوبهم والعفو عنها.
ثُمَّ ختم الباقلَّانيُّ كلامه في اختلاف النَّاس في البُغاة بإيراد ما يُوافق كلام إمام مذهبه أعني الإمام الأشعريَّ في مُوافقة كاملة لِمَا نقله ابن فورك عن إمامنا الأشعريِّ في [المُجرَّد] وهذا ما ينبغي أنْ يدلَّك على أنَّه القول المُعتمد عنده والصَّحيح لديه؛ ولهذا رأيتَه يُظهر أدلَّة مَن قال بهذا القول ووجَّه إليه وأطال في بيانه دون ما سبق ذلك مِن أقوال ووجوه؛ فاقرأ ما يلي.
وأكمل الباقلَّانيُّ كلامه فقال: <ومنهم مَن يقول إنَّهم تابوا مِن ذلك؛ ويستدلُّ برجوع الزُّبَير وندمِ عائشة إذَا ذكروا لها يومَ الجَمَل وبكائِها حتَّى تَبُلَّ خِمارها وقولِها: (وَدِدْتُ أن لو كان لي عِشرون ولدًا مِن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كُلُّهم مثلُ عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام وأنِّي ثَكِلْتُهُم ولم يكن ما كان منِّي يومَ الجَمَل) وقولِها: (لقد أحدقت بي يومَ الجَمَل الأَسِنَّةُ حتَّى صِرتُ على البعيرِ مثلَ اللُّجَّة) وأنَّ طلحة قال لشابٍ مِن عسكر عليٍّ وهو يجود بنفسه: (اُمدُدْ يدك أُبايعك لأمير المُؤمنين) وما هذا نحوُه، والمُعتمد عندَهم في ذلك قول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (عَشَرَةٌ مِن قُريش في الجنَّة) وعدَّ فيهم طلحةَ والزُّبَير؛ قالوا: (ولم يكن ليُخبر بذلك إلَّا عن عِلم منه بأنَّهما سيتوبانِ ممَّا أحدثاه ويُوافيانِ بالنَّدم والإقلاع)> انتهى.
فانظر كيف توافق ما نقله الباقلَّانيُّ أخيرًا مع قول إمامنا الأشعريِّ في طلحة والزُّبَير: <وإنَّهما رَجَعَا عن ذلك وندمَا وأظهرَا التَّوبة وماتَا تائبَيْنِ> مِصداقًا <للخبر الثَّابت عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه حَكَم لهما بالجنَّة فيما رُوِيَ في خبر بِشارة عَشَرَةٍ مِن أصحابة بالجنَّة فذكر فيهم طلحة والزُّبَير> لتعلمَ أنَّ هذا هو المُعتمد عند الأشاعرة أهل السُّنَّة والجماعة.
ولا يُشكلْ عليك بعد ذلك قول الباقلَّانيِّ في أنَّ الوَقعة في البَصرة <كانت على غير عزيمة على الحرب بل فُجاءة.. إلخ> فلا دليل فيه للخصم على شيء ممَّا يذهب إليه؛ لأنَّه حكاية عن نُشوب الحرب واختلاط العسكرَين واحتدام القتل والقتال وليس في أصل الخروج على الإمام العادل والاستعداد لحربه وما يتبع ذلك ممَّا فيه ترك الطَّاعة الواجبة لوليِّ الأمر.
وهكذا يتبيَّن لك أخي القارئ أنَّ التَّحقيق هو ما يؤدِّي إلى فهم مذاهب العُلماء وليس زحمة النُّقول المُخالفة للنُّصوص الشَّرعيَّة أوَلًا والمُخالفة لقواعد الفقه ثانيًا ولا بالأخذ مِن الصُّحُف صحيحها وسقيمها لأنَّ ما مُؤدَّاه تحريف أحكام الدِّين لا بُدَّ مِن ردِّه ولذلك قال الإمام مالك رضي الله عنه: <كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُرَدُّ إِلَّا صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ> انتهى.
نهاية المقال.
Sep 9, 2019, 12:28 AM
في هجاء مُحمَّد سليم توفيق #
1. إِلَى الْكَذَّابِ فِيْ أَرْضِ الْكِنَانَةْ ~ نَتُنْتَ فَكُنْتَ عُنوَانَ النَّتَانَةْ
2. عَلَىْ أَهْلِ الْحَقِيْقَةِ صِرْتَ تَفْرِيْ ~ وَتَرْكَبُ بِالْهَوَىْ رَكْبَ الْخِيَانَةْ
3. وَتَهْجُو الصَّادِقِيْنَ بِكُلِّ قُبْحٍ ~ وَهُمْ أَهْلُ الْكَرَامَةِ وَالْفَطَانَةْ
4. وَتَمْدَحُ مَنْ يَقُوْلُ (اللهُ جِسْمٌ)! ~ حُبِيْتَ اللُّؤْمَ فِيْ سُوْءِ الْمَكَانَةْ
5. وَيَهْجُوْ كِلْمَةَ التَّوْحِيْدِ عِلْجٌ ~ وَتَنْصُرُهُ وَتَغْتَالُ الدِّيَانَةْ
6. فَأَيْنَ الْخَوْفُ مِنْ رَبٍّ عَظِيْمٍ ~ وَأَيْنَ الصِّدْقُ بَلْ أَيْنَ الْأَمَانَةْ
7. هَرَبْتَ مِنَ النِّزَالِ فَأَنْتَ فَأْرٌ ~ خَبِيْثُ الْقَصْدِ مَطْلُوْبُ الْإِهَانَةْ
8. زَنَادِقَةُ الْأَثِيْرِ وَأَنْتَ مِنْهُمْ ~ لَمِنْ شَرِّ الْخَلِيْقَةِ وَالْبِطَانَةْ
9. دَعَاكَ الظَّالِمُوْنَ لِكُلِّ فِسْقٍ ~ وَإِنَّ الْفِسْقَ عُقْبَاهُ الْمَهَانَةْ
نظم: لطيف الشَّامي
قد جاوز المدعو مُحمَّد سليم توفيق المدى في الظُّلم والبُهتان والافتراء على أهل الله؛ وكان قد وقع منه دفاع عمَّن خطَّأ الصَّادِحِين بكلمة التَّوحيد (لا إله إلَّا الله) كما أنَّه امتدح المُجسِّمة حَمَلَة عقيدة التَّشبيه فسمَّاهم أُسودَ السُّنَّة -والعياذ بالله- فلمَّا نصحناه ولم ينتهِ وازداد طغيانًا وعمهًا كان لا بُدَّ مِن تأديبه فكانت هذه القصيدة.
Sep 8, 2019, 3:00 PM


