حذر الشافعي من حفصٍ الفرد أمام جمعٍ وقال لهُ: لقد كفرتَ باللهِ العظيم. رواهُ البيهقي في مناقب الشافعي وروى الحافظُ الخطيبُ البغدادي في تاريخ دمشق أن الإمام الأوزاعي قال لِغيلان أبي مروان الدمشقي المُعتزلي بعد أن ناظرهُ أمام الخليفة هشام بنِ عبد الملك وكسرهُ لقد كفرتَ باللهِ العظيم.
وقد جرحَ الإمام مالك في بلديهِ ومعاصره محمد بن اسحاق وقال فيهِ: كذاب، وقال الإمام أحمد: الواقدي ركنُ الكذبِ
قال أبو حاتم البُستي (كتاب المجروحين): فهؤلاء أئمةُ المسلمين وأهلُ الورعِ في الدين أباحوا القدحَ في المحدثين وبينوا الضُعفاء والمتروكين وأخبروا أن السكوتَ عنهُ ليس مما يحلُ، وأن إبداءهُ أفضلُ من الاغضاءِ عنهُ وقد تقدمهم فيهِ أئمةٌ قبلهم ذكروا بعضهم، وحثوا على أخذِ العلمِ من أهلهِ. ا.ه
قال الإمام البَيهقيُّ في [مناقب الشَّافعيِّ]: <وفي كُلِّ هذا دلالة على أنَّ الشَّافعيَّ رحمه الله كان يعتقد في عليٍّ رضي الله عنه أنَّه كان مُحقًّا في قتال مَن خرج عليه، وأنَّ مُعاوية ومَن قاتله لم يخرُجوا بالبغي مِن الإيمان لأنَّ الله تعالى سمَّى الطَّائفتَين جميعًا مُؤمنِين (والآية عامَّة) وجرى عليٌّ رضي الله عنه في قتالهم مجرى قتال الإمام العادل مَن خرج مِن طاعته مِن المُؤمنين وسار بسيرته في قتالهم وقصد به حملهُم على الرُّجوع إلى الطَّاعة كما قال الله تعالى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللهِ}> انتهى.
ونقل البَيهقيُّ في [مناقب الشَّافعيِّ] أنَّ الشَّافعيَّ حمل الآية {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللهِ} على قتال مُعاوية وفريقه يعني أنَّ مُعاوية كان خارجًا عن أمر الله؛ وقال إنَّ عليًّا قصد بقتال مُعاوية ومَن معه: <حملهُم على الرُّجوع إلى الطَّاعة> انتهَى يعني كانوا عُصاة.
يُرْوى أنَّ الإمامَ الشّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللهُ
قالَ: “جَوْهَرُ المَرْءِ في ثَلاثٍ:
– كِتْمانُ الفَقْرِ حَتّى يَظُنَّ النّاسُ مِنْ عِفَّتِكَ أنَّكَ غَنِيٌّ،
– وكِتْمانُ الغَضَبِ حَتّى يَظُنَّ النّاسُ أنَّكَ راضٍ،
– وكِتْمانُ الشِّدَّةِ حَتّى يَظُنَّ النّاسُ أنَّكَ مُتَنَعِّمٌ”.
(مَناقِبُ الشّافِعِيِّ لِلْبَيْهَقِيِّ ١٨٨/٢)
وقد علَّمنا نبيُّنا عليه السَّلام فقال: <إنَّما العِلم بالتَّعلُّم>؛ فالطَّريقة الشَّرعيَّة ليست بالأخذ مِن كُتُب نُسَّاخُها مجهولو العَين أو الحال أو لم يذكروا أسانيدهم؛ بل عن عارف ثقة وهذا المُعتبر شرعًا. وقد أقام الجَهَلَة لأنفُسهم دِينًا أخذوه مِن حِبر على ورق لا يعرفون مَن خطَّه ولا لهم إلى المُصنِّف اتِّصال؛ ثُمَّ أرادوا أنْ يحملوا النَّاس عليه. فلا حَول ولا قُوَّة إلَّا بالله.
مِن هُنا؛ نهى مشايخنا مَن لم يتقوَّ في العِلم أنْ ينظُر في الكُتُب كي لا يقع على ما يُخالف الشَّرع فيعتقده لمُجرَّد أنَّه وجده في كتاب فقيه مشهور فيهلِك. رُوِّينَا بالإسناد المُتَّصل إلى البيهقيِّ في [مناقب الشَّافعيِّ] بإسناده إلى الشَّافعيِّ أنَّه قال: <مَثَلُ الَّذِيْ يَطْلُبُ الْعِلْمَ بِلَاْ حُجَّةٍ كَمَثَلِ حَاْطِبِ لَيْلٍ يَحْمِلُ حَزْمَةَ حَطَبٍ وَفِيْهِ أَفْعَى تَلْدَغُهُ وَهُوَ لَاْ يَدْرِيْ> انتهى.
وقد كان للعُلماء خصومٌ لا أمانةَ شرعيَّة عندهم -كما أنَّ لنا مثل ذلك- نسبوا إليهم الضَّلال زُورًا؛ حتَّى إنَّ ابن حزم في [الفصل في المِلل والأهواء والنِّحل] افترى على الباقلَّانيِّ فزعم أنَّه نصَّ <أنَّ الرُّوح تنتقل عند خروجها مِن الجسم إلى جسم آخَرَ> وظنَّ ابن حزم أنَّ الباقلَّانيَّ قال ذلك في [الرِّسالة] وهو محض افتراء. و[الرِّسالة] هي عين كتاب [الإنصاف].
ولم يعدَّ القاضي عياض كتاب [الإنصاف] ضمن كتب الباقلَّانيِّ في خلال ترجمته في [ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك] ولكنَّه ذكر كتاب [رسالة الحُرَّة] وهو كما أسلفتُ عين كتاب [الإنصاف] له لقوله في أوَّله: <وقفتُ على ما التمسَتْه الحُرَّة الفاضلة> انتهى -راجع مُقدِّمة [إعجاز القُرآن] للباقلَّانيِّ بتحقيق (أحمد صقر)- والله أعلم بالصَّواب.
وما تمسَّك به الخصم ولو ثبت ليس فيه حُجَّة للخصم لأنَّ المُصنِّف لم يُصرِّح فيها أنَّ للبُغاة أجرًا ببغيهم؛ ولأنَّ مُعاوية لا يدخل في قوله: <وأنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم إنَّما صدر منهم ما كان باجتهاد فلهم الأجر ولا يُفسَّقون ولا يُبدَّعون والدَّليل عليه قوله تعالى: {رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} وقوله تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}>.
لأنَّ مَن كان مثلَ الباقلَّانيِّ لن يجهل أنَّ مُعاوية لا يدخُل في قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} وقد تعلم أنَّ مُعاوية لم يكن مِن السَّابقين الأوَّلين؛ وليس منهم مَن قاتل وقتَل وسبَّ السَّابقين الأوَّلين – كُلُّ ذلك منه بغَير حقٍّ.
وكذلك لا يدخُل مُعاوية في الآية: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} فلم يكن ممَّن بايعوا الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام تحت الشَّجرة في الحُدَيبيَة -وتُسمَّى بَيعة الرِّضوان- على أنْ لا يَفِرُّوا؛ وكانوا ألفًا وخمسَمِائةٍ على ما قال إمامنا الهرريُّ وغيره؛ وذكر مُفسِّرون أقوالًا أُخرى في عددهم.



اترك رد