رفعُ أعلامِ النُّبوَّة [17]
بيان مذهب الباقلَّانيِّ – 2
مذهب الباقلَّانيِّ في الصَّحابة القاعدين عن قتال الفئة الباغية (أ)
الحمدلله كثيرًا. والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا مُحمَّد مَن جاء الدُّنيا شاهدًا ومُبشِّرًا ونذيرًا؛ وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا مُنيرًا.
1
أمَّا بعدُ فإنَّ تركَ تحقيق مذاهب العُلماء يُؤدِّي بالبعض إلى أنْ ينسبوا إلى عالِم ما لا يثبت عنه؛ أو أنْ يحكموا بكونه مُضطربًا لرسمهم عليه الشَّيءَ ونقيضَه؛ أو أنْ يستعجلوا في تخطئته مُطلقًا؛ وكُلُّ ذلك منهم في غير محلِّه؛ فإذَا كان النَّظر سليمًا غيرَ مأخوذ صاحبه بزحمة الكُتُب وضجيج الجَهَلَة وأثر الدَّسِّ: وقع تحقيق المسألة وانتفى التَّناقض وانعدمت التَّخطئة.
2
والخصم إنْ لم يكن مُنصفًا؛ واقتصرتَ معه على نقل ما فيه وجه الدَّليل؛ اتَّهمك بالقصِّ واللَّصق وتجزئة كلام العُلماء بُغية إخراجه عن معناه، ولو جئتَ له بكامل الباب لم يُسعفْه فهمه في استيعاب الكلام على طولِه ربطًا لآخِره بأوَّله؛ فيبدأ بإخراج الكلام عن محلِّه وينتهي إلى خُلاصة لا جواب له على كثير ممَّا اشتملت عليه، ومع ذلك يُريد إلزامك بها؛ فتأمَّل.
3
وفي عودة إلى تحقيق عنوان مقالنا هذا في بيان [مذهب الباقلَّانيِّ في الصَّحابة القاعدين عن قتال الفئة الباغية] نجده ينفي عنهم الإثم لسبب واضح جليٍّ وهو أنَّ الإمام العادل لم يأمُرْهم بالقتال معه ولم يحتِّمْ عليهم ذلك وهذا ما نصَّ عليه الباقلَّانيُّ ولم ينُصَّ على أنَّ الإثم انتفى عنهم لكونهم مُجتهدِين في مُخالفة وُجوب طاعة الإمام العادل. وإليك كلامه بحروفه.
4
قال الباقلَّانيُّ في [التَّمهيد]: <فإنْ قالوا: فهل ترَون هؤلاء القوم مأثومِين في تأخُّرِهم عن نُصرة الإمام العادل وإجابة دعوته مع لُزوم طاعته وثُبوت إمامته؟ قيل لهم: لا؛ لأنَّ عليًّا لم يُلزمْهُمُ الحرب معه ويحتِّمْه عليهم ويجعلْهم في حَرَج مِن التَّأخُّر عنه؛ بل رخَّص لهم في ذلك وفسح لهم فيه؛ عِلمًا منه بتحذُّرهم وخوفهم وضعف أنفسهم عن حرب المُسلمين>.
5
وهذا إفحام للخصم بنصِّ كلام الباقلَّانيِّ لا بفهمنا له؛ وهو بَيِّنٌ وَجْهُ الدَّليل فيه صريح كشمس مُشرقة؛ فقد جعل علَّة انتفاء الإثم عن القاعدين أنَّ عَلِيًّا لم يأمُرْهم بالقتال معه ولم يُحتِّمه عليهم؛ ولم يجعل علَّة ذلك أنَّهم مُجتهِدون أخطأوا في التَّأويل. وإلَّا فالمُصنِّف نصَّ على وُجوب طاعة الإمام العادل وبرَّأ الصَّحابة القاعدين مِن أنْ يكون بينهم مَن رأى عدم وجوبها.
6
ولمَّا كان الخصم تاركًا للإنصاف وإنِ ادَّعاه؛ وصاحبَ غَرَض فاسد يغلب على طباعه؛ فقد بَحَثَ بَين السُّطور على عبارة مُشكلة فحمل مذهب الباقلَّانيِّ عليها مُخلِّفًا وراء ظهره النَّصَّ الصَّريح في دلالته مُتحوِّلًا عنه إلى ما يُشكل معناه؛ ونحن -بإذن الله تعالى- نُورد ما اشتبه عليه مِن كلام المُصنِّف ثُمَّ نُجيب عليه في المقال التَّالي مِن هذه المقالات المُباركة.
تابع [مذهب الباقلَّانيِّ في الصَّحابة القاعدين عن قتال الفئة الباغية (ب)]
– قريبًا
نهاية المقال.
Sep 4, 2019, 2:31 AM
مذهبه في القاعدين عن قتال الفئة الباغية (ب)
الحمدلله كثيرًا. والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا مُحمَّد مَن جاء الدُّنيا شاهدًا ومُبشِّرًا ونذيرًا؛ وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا مُنيرًا.
1
أمَّا بعدُ فقد بيَّنَّا في المقال السَّابق أنَّ مذهب الباقلَّانيِّ عدمُ تأثيم القاعدين عن قتال البُغاة مع سيِّدنا عَلِيٍّ وأوردنا بنَصِّ كلامه علَّة ذلك: <لأنَّ عليًّا لم يُلزمْهُمُ الحرب معه ويحتِّمْه عليهم ويجعلْهم في حَرَج مِن التَّأخُّر عنه؛ بل رخَّص لهم في ذلك وفسح لهم فيه> [1] وكيف بيَّن الباقلَّانيُّ أنَّه لم يكن بينهم مَن اجتهد في إنكار وُجوب طاعة عَلِيٍّ فيما لو كان أَمَرَهُم بالقتال.
2
فمَن تحقَّق بياني؛ لم يُشكل عليه قول الباقلَّانيِّ بعد ذلك [كلامه ضمن الأقواس وأنا أُحَشِّي خارجها]: <وكان> عليٌّ رضي الله عنه <إذَا سُئل عنه> أي عن عُثمان رضي الله عنه <أورد الكلام المُحتمِل> للمعاني المُختلفة <وتغلغل إلى لطيف التَّأويل والرِّفق بالفريقَين> المُطالِبِين بدم عُثمان والطَّاعنِين به <وكانوا إذَا سمعوا منه الكلام المُحتمِل ورأَوا قَتَلَتَه مُختلِطِين بعسكره ظنُّوا أنَّه> أي عَلِيًّا <مُؤْثِرٌ لِمَا جرى> مُختار لقتل عُثمان وحاشَاه <وأنَّه مُتمكِّن مِن إقامة الحدِّ وأخذ القِصاص لأوليائه وأنَّه مُتحَيِّف لهم> جائر ظالم وحاشاه <فيصير ظاهر اختلاط القوم بعسكره وما يُسمع مِن مُحتملات أقاويله طريقًا لاجتهاد> سببًا في رأي <المُحارب> مِن البُغاة <المُطالب له بدم عُثمان؛ والقاعد عنه> المُتخلِّف عن قتال الفئة الباغية معه <لمَوضع ظنِّهم به ما هو بعيد عنه> وهو ظنٌّ فاسد وباطل ومُنكر ومُحرَّم عليهم بلا خلاف عند أهل السُّنَّة قاطبة <فلا يبعد أنْ يكون المُحارب له والقاعد عنه مُصيبًا فيما فعله لأجل هذه الشُّبهة> والشُّبهة هي ظنُّهم أنَّ عليًّا ظَلَمَ عُثمان ومَالَأَ قَتَلَتَه <فيزول الإثم عمَّن قصد هذا المقصِد> أي في ظاهر ما ذهبوا إليه مِن رَأْيٍ بنَوه على الظَّنِّ الفاسد الباطل المُنكر المُحرَّم.
3
وليس بياني مِن قَبيل تأويل الصَّريح كما زعم أهل الفتنة بل حَمْلُهُم الكلام على المعنى المُشكل دونه خَرْطُ القتاد، وأنا إنْ شاء اللهُ تعالى أنتصر لِمَا أقوله وأُبيِّنه -إذ ليست العبرة بمَن تعجَّل وتهاون في الكلام فألقاه على عواهنه لم يتدبَّرْ محلَّه وقيده- ثُمَّ أترك لمَن أصرَّ على حمل القتاد بعد ذلك أنْ يَخْرِطَ بقدر ما يشاء. وهاكم جُملة مِمَّا يدلُّ على ما بيَّنته:
4
أوَّلًا: لو أنَّ الباقلَّانيَّ أراد بكلامه هذا أنْ ينُصَّ أنَّ سبب انتفاء الإثم عنهم هو اجتهادهم بترك وُجوب طاعة الإمام العادل لناقض ما سبق مِن بيانه -وقد ذكرناه آنفًا- في أنَّ علَّة انتفاء الإثم عنهم أنَّ الخليفة لم يأمُرْهم بالقتال معه ولم يحتِّمْ عليهم ذلك؛ والتَّناقض والتَّخبُّط عَيب لا يليق بصغار المُصنِّفين فكيف بالباقلَّانيِّ وهو القاضي والأستاذ والمُناظر اللَّوذعيُّ.
5
ثانيًا: لو أنَّ الخصم أصرَّ على المعنى المُشكل؛ فيلزمه أنَّ الصَّحابة ظنُّوا أنَّ عليًّا ظَلَم عُثمان وقد نقض الباقلَّانيُّ هذا حين ذكر سعدَ بن أبي وقَّاص وسعيد بن زيد بن عمرِو بن نُفَيل وعبدالله بن عُمر وأسامة بن زيد وغيرَهم ولم ينسُب لأيٍّ منهم سُوء الظَّنِّ بعليٍّ؛ بل نَقَلَ عن أُسامة بن زيد أنَّه قال له: <قد علمتَ يا عليُّ أنَّك لو دخلتَ بطن أَسَد لدخلتُ معك فيه> إلخ.
5
ثالثًا: لو أنَّ الخصم أصرَّ على المعنى المُشكل؛ لزمه أنَّ القاعدين أنكروا وُجوب طاعة عَلِيٍّ وقد نقض الباقلَّانيُّ هذا حين نقل اعتذار ثلاثة مِنهم فقال في الأوَّل: <ولم يقل إنَّك لستَ بإمام واجب الطَّاعة> وفي الثَّاني: <ولم يقل له لستَ بإمام مفروض الطَّاعة> وفي الثَّالث: <ولم يقل إنَّك لستَ بإمام> وهذا يُؤكِّد أنَّهم لم يجتهدوا بترك وُجوب طاعة عَلِيٍّ؛ فتحقَّق.
6
رابعًا: أنَّ الباقلَّانيَّ ردَّ شُبُهاتِهم فقال: <وقد رُوِيَ أنَّ عليًّا عليه السَّلام قال بالبصرة: (واللهِ ما قتلتُ عُثمانَ ولا مَالَأْتُ على قتله ولكنَّ اللهَ قتل عُثمانَ وأنا معه) وهذا مُحتمِل؛ فظنَّ قَوم أنَّه خدعهم وأنَّه قد أخبر عن نفسه أنَّه قتله بقوله (وأنا معه) -وليس ذلك كذلك- لأنَّه أراد به أنَّه (أماته ويُميتني معه) لأنَّه قد حَلَفَ وهو الصَّادق أنَّه ما قتله ولا مَالَأَ على قتله> انتهى.
7
ثُمَّ ذكر الباقلَّانيُّ روايةً أُخرى فقال: <فصار هذا أيضًا طريقًا لتأويل الفريقَين عليه غير الحقِّ> انتهى يقول إنَّهم تأوَّلوا عليه <غير الحقِّ> أي الباطل الَّذي بالاجتهاد بناءً عليه كان ظاهر الأمر أنَّهم مُصيبون غيرُ مأثومِين وأمَّا في حقيقة الأمر فيكفي مَن ظنَّ ذلك إثمًا سُوءُ الظَّنِّ بسيِّدنا عليٍّ رضي الله عنه مع ما علموا مِن أفضليَّته على بقيَّة الصَّحابة بعد عُثمان.
8
خامسًا: أنَّه قدَّم لظاهر الشُّبهة فقال: <ظَنُّوا أنَّه مُؤْثِرٌ لِمَا جرى> <وأنَّه مُتحَيِّف لهم> وحاشا أنْ يكون بين مُجتهِدِي الصَّحابة مَن ظنَّ أنَّ عليًّا كان مُختارًا لقتل عُثمان ظالمًا له وقد نقض الباقلَّانيُّ هذه التُّهمة في حقهم عندما قرَّر خلافها فقال: <وإنَّما قعدوا عن نُصرته على حرب المُسلمين لتخوُّفهم مِن ذلك> أي مِن قتال المُسلمين، فاعتذروا له؛ فلم يأمُرْهم به.
9
ولا يَخفى أنَّ سوء الظَّنِّ بسيِّدنا عليٍّ ليس ممَّا يُثاب النَّاس عليه أو يَسلمون مِن الإثم فيه؛ وكيف يُصدَّق أنَّ عليًّا قَتَلَ عُثمانَ أو رضي بقتله؟ ولكن سُمِّيَ اجتهادُهم (سائغًا) لكونه مبنيًّا على شُبهة وليس عِنادًا فلا يُكفَّرون به، وسُمِّيَ (باطلًا) لكونه مبنيًّا على باطل ومُخالفًا للنُّصوص القُرآنيَّة والحديثيَّة فيلزم أنَّه إثم ومُنكر وبغي؛ وكونُه سائغًا لا يُغيِّر شيئًا في كونه باطلًا.
10
والخُلاصة أنَّه لا ينبغي التَّمسُّك بعبارة (اجتهدوا) أو (تأوَّلوا) بحقِّ صحابة قعدوا أو تخلَّفوا عن قتال الفئة الباغية -على وجه- مُوهِمٍ بأنَّ لهم أجرًا بترك طاعة الإمام العادل الَّذي تمَّت بيعته وصحَّ انعقادها لأنَّ أحدًا منهم لم يعتقد عدم وُجوب طاعة عليٍّ رضي الله عنه كما بيَّن الباقلَّانيُّ ولأنَّه لا يصحُّ الاجتهاد بترك طاعة الإمام العادل مع وجود النَّصِّ بوُجوبها.
11
وختامًا فإنَّ التَّحقيق هو ما يُفيد معرفة مذاهب عُلماء أهل السُّنَّة لا ما يتمسَّك به أهل الفتنة ومنهم <أبو إجماع> ### في شِنشِنته المُعتادة مِن عبارات مُشكلة لو سلَّمنا له بفهمه فيها فإنَّنا سنخرج بما مُؤدَّاه تناقض كثير مِن عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة في كُتُبهم ولَضاع على الأُمَّة معرفة مذاهب العُلماء في مسائل كثيرة لمُجرَّد أنَّ (أبا اعرِفوني) يُريد أنْ (يُدردش)!
12
وكان يكفي سطر واحد في حسم النزاع لولا مُعاندة الخصم وتكبُّره عن قبول الاقتصار على نقل وجه الدَّليل. وذهب شيخنا الهرريُّ إلى مثل ما ذهب إليه الباقلَّانيُّ في القاعدين عن قتال الفئة الباغية؛ ونقلَ في كتابه [صريح البيان في الرَّدِّ على مَن خالف القُرآن] ما نصَّ عليه أبو بكر الجصَّاص -إمام الحنفيَّة ببغداد في زمانه- في كتابه [أحكام القُرآن] [2] له.
نهاية المقال.
[1]: [التمهيد] للباقلَّانيِّ.
[2]: راجع [أحكام القُرآن] للجصَّاص الحنفيِّ الجُزء/5؛ ص/181؛ دار إحياء التُّراث العربيِّ بيروت 1992ر. حقَّقه مُحمَّد قَمحاوي المُدرِّس بالأزهر وعضو لجنة مراجعة المصاحف في الأزهر. وقد خصَّصنا كلام الجصَّاص في القاعدين عن القتال مع أمير المؤمنين بمقال مُستقلٍّ لعظيم فائدته فترقَّبوه.
تابع [بيان مذهب الباقلَّانيِّ في الفئة الباغية 4] – قريبًا
Sep 6, 2019, 2:09 AM
قولوا لهم إن الذي مات ربى
إن شيخنا وإن مات فقد تركنا في وجوهكم. ألا تريدون أن تردوا لوجوه أولئك الحسرة!؟ إخواننا في كل وقت قولوا الحمدلله رب العالمين. كونوا أهلا لها فقد وقعت عليكم
قولوا لهم إن الذي مات ربى.
إن شيخنا وإن مات فقد تركنا في وجوهكم.
ألا تريدون أن تردوا لوجوه أولئك الحسرة!؟
إخواننا في كل وقت قولوا الحمدلله رب العالمين.
كونوا أهلا لها فقد وقعت عليكم
Sep 2, 2019, 9:17 AM

اترك رد