دفاعا عن الحق [11]
الإجماع على أن الصلاة لا تُقضى عن الميت
وبيان حقيقة قول السبكي
الحمدلله وكفى والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي المصطفى.
– وبعدُ فكما تبيَّن لك أخي القارئ أن القول بإخراج الفدية عن الميت على معنى الكفَّارة التي هي بدل الصلاة التي لم يؤدِّها في حياته لا يثبت جوابًا عند الحنفية بما نقلنا من أقوال الحنفية وغيرهم؛ نكمل اليومَ بيان إجماع الأمة -الشافعية ضمنًا- على أن الصلاة لا تٌقضى عن الميت، فقال ابن بطال في شرحه على البخاري: <وأجمع الفقهاء أنه لا يصلي أحد عن أحد فرضًا وجب عليه من الصلاة ولا سُنَّةً، لا عن حي ولا عن ميت> اهـ.
– فليس عند الشافعية ولا غيرهم قول معتبر بذلك بل الكل نصَّ على الإجماع؛ فقال زكريا الأنصاري الشافعي في <أسنى المطالب> ممزوجًا بالـمتن: <ولو مات وعليه صلاة أو اعتكاف لم يُقْضَ ولم يُفْدَ عنه لعدم ورودهما، بل نقل القاضي عياض الإجماع على أنه لا يُصلَّى عنه> اهـ ومثله قال الشربيني الشافعي في <مغني المحتاج> والرملي الشافعي في <نهاية المحتاج> وبرهان الدين ابن مفلح في <المبدع شرح المقنع لابن قدامة الحنبلي> والبهوتي الحنبلي في <كشَّاف القناع>.
– أما ما نسبه بعض المشايخ إلى التقي السبكي من القول بأن الصلاة يقضيها الوارث عن الميت فخطأ بيِّنٌ من النَّقلة ولعله راجع إلى تقليد بعض الفتاوى دون الرجوع به إلى أهل التحقيق؛ وإلَّا فكيف يُصَدَّق في الإمام تقي الدين السبكي أنه يخالف إجماعًا نقلَه هو بنفسه في <الابتهاج شرح المنهاج للنووي> حيث قال:<ونقل المصنف عن القاضي عياض وأصحابنا نقل الإجماع أنه لا يُصلَّى عنه> انتهى وهي عبارة صريحة في نقل الإجماع.
– وأخطأ من اعتمد على عبارة مضطربة في <الطبقات> للتاج؛ على أنَّها مقيَّدة بأنه قول ابن أبي عصرون؛ وفي <الابتهاج>: <وقال ابن أبي عصرون: إنه ليس في الحديث ما يدلُّ على أنه لا يصِلُ ثوابها إليه ولا في القياس ما يمنع منه وروي في الصلاة عن الوالدين أخبار لم تشتهر، وهذا الذي قاله ابن أبي عصرون هو الظاهر> انتهى كلام التقي السبكي؛ وظهر جليًّا أن ما استظهره من كلام ابن أبي عصرون هو أن ثواب الصلاة يصل إلى الميت؛ وهذا لا علاقة له بما نُسِبَ إليه.
– وخلاصة المبحث أنه ينبغي العودة بدقائق المسائل إلى المحققين من العلماء لا إلى كل شيخ ولا إلى كل إمام مسجد ولا إلى كل كتاب فإن كثيرًا مما يقوله المشايخ لا يكون موافقًا لما عليه التحقيق وإن كثيرًا من الكتب فيها ما فيها مما يستشكل على القارئ النبيه! وكلام النَّقلة يُرجع به إلى العلماء للتدقيق فيه. فأين أخطأ علماؤنا الأفاضل حتى يستعجل الأغرار في الادعاء عليهم ونحن لا نريد إلا صلاحًا بين الناس.
والله المستعان على الخير هو وراء القصد وهو نعم المولى ونعم النصير.
..
المقال التالي: التحذير من ذي الوجهين
Jan 30, 2018, 12:56 AM
