أهل الفتنة يفترون كأنَّهم لا يُصدِّقون بيَوم القيامة والحساب
الحمدلله ربِّ العالمين وصلَّى الله وسلَّم على سيِّدنا مُحمَّد طه الأمين.
1
وبعدُ نشر أهل الفتنة فيديو فيه صوت الشَّيخ جميل حليم حفظه اللهُ يقول: <وانظروا هذا الكتاب [المسالك في شرح مُوطَّإ مالك] في صحيفة 408 يقول القاضي أبو بكر بن العربيِّ المغربيُّ المالكيُّ: (لأنَّ إجماع المُسلمين على تكفير مَن خطَّأ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم)> انتهى.
2
ودلَّس أهل الفتنة وحرَّفوا الكلام عن موضعه وزعموا أنَّه فيمَن نسب للنَّبيِّ معصية صغيرة لا خسَّة فيها -تاب منها وغفرها الله له-. وليس الأمر كما زعم أهل الفتنة بل كلام القاضي أبي بكر هو فيمَن خطَّأ النَّبيَّ في أمر التَّشريع أي فيما يُبلِّغنا النَّبيُّ عليه السَّلام عن الله تعالى مِن الشَّرع.
3
فقد أدَّى الزَّيغ بأهل الفتنة إلى نقل الإجماع في غير محلِّه؛ وهذا تحريف للدِّين؛ فبدلًا مِن أنْ يحملوا الإجماع على ما جاء فيه حقيقة وهُو تكفير مَن قال إنَّ النَّبيَّ عليه السَّلام يُخطئ في التَّشريع؛ حملوه على مَن يفسِّر الآية: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} على ظاهرها؛ فكفِّروا جُمهور الأُمَّة والعياذ بالله.
4
ويشهد بصدق مقالنا كامل كلام القاضي أبي بكر بن العربيِّ ونصُّه: <وقيل قولُه: (يمرُقون مِن الدِّين) هي آثارٌ يُعارضها غيرُها؛ لأنَّ إجماع المُسلمين على تكفير مَن خطَّأ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أو سبَّه أو كَفَرَ ببعض مِن القُرآن فإنَّه كافرٌ حلالُ الدَّم> انتهى وهذا في الخوارج لعنهم الله.
5
فإنَّ الَّذين ورد في حقِّهم (يمرُقون مِن الدِّين) هُم الخوارج؛ فلمَّا قال: <إجماع المُسلمين على تكفير مَن خطَّأ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أو سبَّه أو كَفَرَ ببعض مِن القُرآن>؛ عَلِمْنَا أنَّه يُريد الخوارج لأنَّهم خطَّأوا النَّبيَّ عليه السَّلام في أمر التَّشريع وفرضوا الصَّلاة على الحائض ودفعوا الظُّهر والعصر.
6
فإنَّ كلام القاضي أبي بكر كان في فصل [الفقه والأحكام في أهل البِدَع والخوارج] وابتدأه بقوله: <المسألة الأُولى: قال عُلماؤنا: الحُكم في الخوارج المُقاتَلَة> انتهى؛ وهذا حاسم في أنَّ سياق الكلام في الخوارج؛ فأهل الفتنة أخذوا كلام العُلماء في الخوارج وحملوه على جُمهور الأُمَّة والعياذ بالله!
7
وعلى مقتضى زعم أهل الفتنة فإنَّ القاضي أبَا بكر يكون قد كفَّر جُمهور العُلماء لأنَّه بنفسه قد نصَّ على أنَّ كثيرًا مِن المُفسِّرين والفُقهاء والمُحَدِّثِين وبعض المُتكلِّمين قد حملوا الآيات الَّتي أخبرت عن اقتراف الأنبياء لبعض الصَّغائر غير المُنفِّرة على ظاهرها؛ فيا لفضيحة أهل الفتنة.
8
فقد قال القاضي أبو بكر في [المسالِك في شرح مُوَطَّإ مالك] كذلك ما نصُّه: <وأمَّا الصَّغائر، فجوَّزَها جماعة من السَّلف وغيرُهم على الأنبياء وهُو مذهب أبي جعفر الطَّبريِّ وغيرِه من المُفَسِّرين والفُقهاء والمُحَدِّثِين، وقول قلائل مِن المُتكلِّمين، وسنذكُر ما احتجُّوا به في موضعه> انتهى.
9
قال القاضي أبو بكر في [المحصول في أُصول الفقه]: <فنقول: اتَّفقت الأُمَّة على عصمة الأنبياء صلوات الله عليهم عن الكبائر؛ واختلفوا في طريق ذلك وفي وقته، واختلفوا في الصَّغائر فمنهُم مَن جوَّزها ومنهم مَن مَنَعَهَا؛ وكان ظواهر الكتاب الآيات تدُلُّ على اقترافهم لصغائر الحظيَّات> انتهى.
10
وعلى مُقتضى ما فَهِمَه أهل الفتنة؛ فإنَّ أهل الفتنة يكونون كُفَّارًا -بالإجماع- عند أنفسهم لأنَّهُم قالوا في بعض كلامهم: (إنَّ بعض المعاصي الَّتي نُسبت للأنبياء في القُرآن وَقَعَتْ عن طريق الخطإ) فنسبوا الخطأ إلى الأنبياء فيكونون كُفَّارًا عند أنفسهم أي بحسب ما افتروا على دين الله!
11
وَلْيُعْلَمْ أنَّ القاضيَ أبا بكر تلميذ الغزاليِّ الَّذي قال في [المنخول]: <وأمَّا الصَّغائرُ ففيهِ تردُّدُ العُلماءِ والغالبُ على الظَّنِّ وقوعُهُ وإليهِ يُشيرُ بعضُ الآياتِ والحكاياتِ؛ هذا كلامٌ فِي وقوعِهِ> انتهى؛ فلو كان كلام أهل الفتنة صحيحًا لكان الغزاليُّ كافرًا حلالَ الدَّم عند تلميذه القاضي ابن العربيِّ!
12
والقاضي عياض أثبتَ اختلاف العُلماء في تفسير: { لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} فأفاد أنَّ بعضهم حملها على الظَّاهر فأثبتَ الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها؛ وأنَّ بعضهم تأوَّل الآية؛ ومع ذلك فقد نصَّ رحمه الله على أنَّ الأُمَّة مُجْمِعَة على عصمة النَّبيِّ عن الخطإ في التَّبليغ.
13
فقال القاضي عياض في [الشِّفا]: <وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ فِيمَا كَانَ طَرِيقُهُ الْبَلَاغَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ فِيهِ مِنَ الْإِخْبَارِ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ، لَا قَصْدًا، وَلَا عَمْدًا، وَلَا سَهْوًا، وَلَا غَلَطًا> انتهى. فأثبت الخلاف في وُقوع الصَّغائر غير المُنفِّرة أوَّلًا؛ ثُمَّ نقل الإجماع على العصمة عن الخطإ في التَّبليغ.
14
فالحاصل أنَّ أهل الفتنة يفترون على دين الله وعلى العُلماء وكأنَّهم لا يُصدِّقون بيَوم القيامة والحساب فيطلُبون الضَّلال عن عِلم مرَّات وعن جهل مرَّات أُخرى؛ فالحمدلله الَّذي جعلنا سببًا لنشر فضائحهم حتَّى يحذرهُمُ النَّاس فإنَّهم دُعاة على أبواب جهنَّم مَن استجاب لهم قذفوه فيها..
انتهى
٣١/٠٣/٢٠٢٠ ٧:٤١ م

8 أفكار على ”بيان افتراء أهل الفتنة على الشَّيخ جميل حليم و على القاضي أبي بكر بن العربيِّ في مسألة عصمة الأنبياء“