تأويل الفئة الباغية بالطَّالبة تحريف للحديث المُتواتر حول استفتاء الأزهر بأقوال مُلَّا علي القاري

رفعُ أعلامِ النُّبوَّة [16]

تأويل الفئة الباغية بالطَّالبة تحريف للحديث المُتواتر

حول استفتاء الأزهر بأقوال مُلَّا علي القاري

الحمدلله وكفى والصَّلاة والسَّلام على نبيِّه المُصطفى.

1

وبعدُ فقد أنكر بعض أهل الفتنة أنَّ الفئة الباغية معناها الفئة الظَّالمة في الحديث المُتواتر: <ويح عمَّار تقتله الفئة الباغية> فقالوا: (الباغية هي الطَّالبة لدم عُثمان رضي الله عنه) وقالوا غير ذلك ممَّا بَيَّنَ العُلماء أنَّه باطل وتحريف للحديث -أي لمعناه- ولم يتمسَّك بمثل هذه الشُّبهة الباطلة اليومَ إلَّا الوهَّابيَّة النَّواصب ومَن اتَّبعهم في زيغهم -وهُو لا يشعر-.

2

فقد نقل علي القاري [1] عن ابن ملَك [2] قال: <وَحُكِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ يُؤَوِّلُ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَيَقُولُ: (نَحْنُ فِئَةٌ بَاغِيَةٌ طَالِبَةٌ لِدَمِ عُثْمَانَ) وَهَذَا كَمَا تَرَى تَحْرِيفٌ إِذْ مَعْنَى طَلَبِ الدَّمِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ هُنَا لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي إِظْهَارِ فَضِيلَةِ عَمَّارٍ وَذَمِّ قَاتِلِهِ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي طَرِيقِ وَيْحَ> انتهى؛ وفيه أنَّ مَن تأوَّل (الباغية) (بالطَّالبة) فقد حرَّف وبدَّل والعياذ بالله.

3

وقال علي القاري [3]: <وَهَذَا كَالنَّصِّ الصَّرِيحِ فِي الْمَعْنَى الصَّحِيحِ الْمُتَبَادَرِ مِنَ الْبَغْيِ الْمُطْلَقِ فِي الْكِتَابِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى} فَإِطْلَاقُ اللَّفْظِ الشَّرْعِيِّ عَلَى إِرَادَةِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ عُدُولٌ عَنِ الْعَدْلِ، وَمَيْلٌ إِلَى الظُّلْمِ الَّذِي هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ> انتهى وهو بَيِّنٌ جليٌّ.

4

وقال كذلك: <وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبَغْيَ بِحَسَبِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَالْإِطْلَاقِ الْعُرْفِيِّ، خَصَّ عُمُومَ مَعْنَى الطَّلَبِ اللُّغَوِيِّ إِلَى طَلَبِ الشَّرِّ الْخَاصِّ بِالْخُرُوجِ الْمَنْهِيِّ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ طَلَبُ دَمِ خَلِيفَةِ الزَّمَانِ وَهُوَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ تَأْوِيلٌ أَقْبَحُ مِنْ هَذَا حَيْثُ قَالَ: إِنَّمَا قَتَلَهُ عَلِيٌّ وَفِئَتُهُ حَيْثُ حَمَلَهُ عَلَى الْقِتَالِ..> إلى آخِرِ كلامه.

5

ثُمَّ قال: <وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ فِيهِ مُعْجِزَاتٌ ثَلَاثٌ: إِحْدَاهَا: أَنَّهُ سَيُقْتَلُ؛ وَثَانِيهَا: أَنَّهُ مَظْلُومٌ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ قَاتِلَهُ بَاغٍ مِنَ الْبُغَاةِ، وَالْكُلُّ صِدْقٌ وَحَقٌّ> اهـ وفي الحديث دليل على نبوَّة سيِّدنا مُحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم لأنَّه يُخبر أنَّ عمَّارًا يُقتَلُ مظلومًا وهذا يقتضي وجود ظالمٍ ألَا وهو الفئة الباغية؛ ثُمَّ يُريد الزَّنادقة إسقاط الأعلام النَّبويَّة؛ وهيهاتَ أنْ يتأتَّى لهم ذلك.

6

ونقل مُلَّا علي القاري [4] عن الشَّيخ أكمل الدِّين [5] قال: <الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا أَيِ: التَّأْوِيلَ السَّابِقَ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَمَا حُكِيَ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ أَنَّهُ قَتَلَهُ مَنْ أَخْرَجَهُ لِلْقَتْلِ وَحَرَّضَهُ عَلَيْهِ كُلٌّ مِنْهُمَا افْتِرَاءٌ عَلَيْهِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَتَحْرِيفٌ لِلْحَدِيثِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحَدٌ> انتهى وسواءٌ صحَّ أنَّ مُعاوية وقع في ذلك أم لا؛ فالشَّيخ أكمل الدِّين يُبطل ذلك التَّأويل الفاسد.

7

وأنتَ يا ### بدَّلتَ وحرَّفتَ حديث الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم -والعياذ بالله- فإنَّك زعمتَ أنَّ ورود لفظ (البُغاة) في الحديث لا يقتضي معنى الوُقوع في المعصية أو الفسق؛ ومنعتَ إطلاق لفظ البُغاة على هذا المعنى وأنت تعلم أنَّك بذلك تَكْذِبُ على الرَّسول؛ فانطبق عليك قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: <مَنْ تَقَوَّلَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ فِي النَّارِ> انتهى.

8

وهل ستُنكر يا ### -ولدينا الوثائق الَّتي تُثبتُ ما ننقل عنك- أنَّك أنكرتَ أنَّ (الباغية) تعني (الظَّالمة) ثُمَّ زعمتَ أنَّ قولَ (الفئة الباغية) على معنى (العاصية) شتيمةٌ وغِيبة مُحرَّمة -والعياذ بالله- وأنتَ تعرف وُرودها في حديث -لناقلِه ثوابٌ ولشارحِه ثوابٌ- فجعلتَ مِن نشر العِلم ذنبًا واتَّخذتَ مِن بيان التَّعليم النَّبويِّ إثمًا؛ فمَا أبعدَك مِن العِلم والفَهم والخَير والعَدل.

9

وما ردُّنا عليك إلَّا لتعلمَ ويعلمَ النَّاس أنَّك داعٍ إلى النَّار فلا تفرَحْ بأنَّك ممَّن يُوقظون الفتنة وقد كانت نائمة؛ فإنَّ جُلَّ عملِك هو رمي الشُّبهات الواهية الَّتي لا يتَّسع عقلك إلى الجواب عليها إذ يضيق فهمك عن التَّحقيق فيصدق فيك قول القاضي عياض في [الشِّفا]: <الْمُتَلَقِّفُونَ مِنَ الصُّحُفِ كُلَّ صَحِيحٍ وَسَقِيمٍ> انتهى ويدلُّ أنَّك حاطب ليل ولا تدري؛ فليتك تدري.

كيف ردَّ ### على فضيحته!؟

10

ويدلُّ على جهلك يا ### استعانتُك بمنشورات الوهَّابيَّة المُجسِّمة النَّواصب فأنتَ تقرأ فِقرة اختاروها لك دون أنْ تقرأ ما قبلَها وبعدها ودون أنْ يكون لك في الكتاب سَماع عن عارف ثقة؛ وهذا ما فضحك عندما أردتَ الاستدلال بكلام الإمام القاري وأنت جاهل بمذهبه فكان ردُّنا عليك مُفحمًا قاصمًا لشُبهاتك؛ فلا تفرح بكثرة النُّقول إذ المقصود إصابةُ الحقِّ.

11

واصبِرْ نُخبرْك ماذَا قال العُلماء بما نقلتَ مِن كُتُب العُلماء لتعلمَ كيف التبس عليك الأمر بنقلك مِن كُتُبٍ لم تقرأ منها إلَّا الموضع الَّذي أراد النَّواصب أنْ تقرأه ثُمَّ أنْ تفهمه على ما يُخالف قواعد أصول الفقه. وأقول لك: لو لم يدُسَّ قبلَك أحد في تلك الكُتُب فتكفي قراءتك لها دسًّا لكثرة مُخالفتك قواعد النَّحو -هذا والكتاب بَين يدَيك!-، والله المُستعان!

12

وبعد افتضاحك الأوَّل يا ###؛ أوقعتَ نفسك في فضيحة أُخرى حين حاولتَ الدِّفاع عن نفسك بأنْ اقترحتَ وقوع الدَّسِّ في [مرقاة المفاتيح] له؛ ففاجأناك بأنَّ ما اشتمل عليه كتابه المذكور ثابت في كُتُب غيره مِن العُلماء كما رأيتَ في [شرح مشارق الأنوار] للبابرتيِّ و[مبارق الأزهار] لابن ملَك؛ وكُلُّهم مِن فُقهاء الحنفيَّة؛ فيا لفضيحتك ويا لتكبُّرك عن الإقرار بالخطإ.

13

واقتراحُك الدَّسَّ كان أشبه بلعب الصِّبيان؛ والصَّوابُ أنَّه يكون بناءً على شُبهة دالَّة عليه كأنْ لم يُثْبِتِ النَّاسخ سنده ولكنَّك غافل أنَّ هذا العِلم دين وأجهل مِن أنْ تسألَ عن السَّند وقد تعرف أنَّه لولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء؛ ولرُبَّما قيل لك فكيف تحتجُّ بما تقترح وُقوع الدَّسِّ فيه ولا جواب لك عليه. ولذلك نُطالبك نحن أهل السُّنَّة بالسُّكوت عن الفتوى بغير علم.

14

وختامًا فإنَّ هذا المقال كسابقه برسم المُتمشعرة -مُحمَّد سليم توفيق والمُسمَّى نور الدِّين إسلام وغيرهما- الَّذين يُريدون مِن الأزهر الشَّريف أنْ يُنكر أقوال عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة وأنْ يتَّهمهم بالتَّشيُّع. وحسبُك في ردِّ أولئك المُتمشعرة ما جاء مِن أقوال العُلماء في هذا المقال كالفقيه الحنفيِّ مُلَّا علي القاري والفقيه الحنفيِّ ابن ملَك والفقيه الحنفيِّ أكمل الدِّين البابرتيِّ.

وللمقال صلة.

……………

[1]: راجع [مرقاة المفاتيح] ومُؤلِّفه نور الدِّين أبو الحَسَن عليُّ بن سُلطان مُحمَّد القاري الهرويُّ المكِّيُّ، المعروف بمُلَّا علي القاري وهو الفقيه الحنفيُّ المعروف.

[2]: راجع [مبارق الأزهار شرح مشارق الأنوار في الجمع بين الصَّحيحين للصَّغانيِّ] ومُؤلِّفه عزُّ الدِّينِ عبدُ اللَّطيف بنُ عبد العزيز بنِ أمين الدِّين بنِ فِرِشْتَا، الرُّوميُّ الكَرمانيُّ الحنفيُّ، المشهور -كابنه- بـ ابن المَلَك؛ والمُتوفَّى سنة 801ه.

[3]: راجع [مرقاة المفاتيح] لمُلَّا علي القاري.

[4]: راجع [مرقاة المفاتيح] لمُلَّا علي القاري.

[5]: راجع [شرح مشارق الأنوار] ومُؤلِّفه مُحمَّد بن مُحمَّد بن محمود، أكمل الدِّين أبو عبدالله ابن الشَّيخ شمس الدِّين ابن الشَّيخ جمال الدِّين الرُّوميِّ البابرتيِّ المُتوفَّى -في مصر- سنة 786ه وكان علَّامة بفقه الحنفيَّة ومُحدِّثًا ومُتكلِّمًا ماتُريديًّا وعارفًا بالأدب؛ أخذ عن أبي حيَّان الأندلُسيِّ.

نهاية المقال.

Sep 1, 2019, 2:23 AM

أضف تعليق