مذهب الباقلاني في أحداث الفتنة الكبرى و الفئة الباغية ظ تابع [مذهب الباقلَّانيِّ في الصَّحابة القاعدين عن قتال الفئة الباغية (ب)]

رفعُ أعلامِ النُّبوَّة [19]

بيان مذهب الباقلَّانيِّ – 4

فيما حكاه مِن مذاهب النَّاس في أهل الجَمَل

الحمدلله كثيرًا. والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا مُحمَّد مَن جاء الدُّنيا شاهدًا ومُبشِّرًا ونذيرًا؛ وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا مُنيرًا.

أمَّا بعدُ فقد بيَّنَّا في المقالَين السَّابقَين مذهب الباقلَّانيِّ في عدم تأثيم القاعدين عن قتال البُغاة في [التَّمهيد] بقوله: <لأنَّ عليًّا لم يُلزمْهُمُ الحرب معه ويحتِّمْه عليهم ويجعَلْهم في حَرَج مِن التَّأخُّر عنه؛ بل رخَّص لهم في ذلك وفسح لهم فيه> وبيَّن الباقلَّانيُّ أنَّه لم يكن في الصَّحابة القاعدين مَن زعم أنَّه لا يجب عليه طاعة عَلِيٍّ رضي الله عنه لأنَّه تأوَّل ذلك باجتهاد باطل.

فإذَا كان الباقلَّانيُّ يرى أنَّ القاعدين لو أمرهم عليٌّ وهو الإمام العادل بقتال الفئة الباغية وحتَّم ذلك عليهم فامتنعوا؛ لكانوا بذلك آثِمِين -وهذا صريح منه في تأثيم مَن ترك طاعة الإمام العادل-؛ فكيف بمَن خرج عليه وقاتله بل ونازعه الأمر!؟ فلا يصحُّ أنْ يُقال إنَّ الباقلَّانيَّ كان يرى أجرًا لمَن رأى الخروج على الإمام العادل بينما يُصرِّح هو بتأثيم مَن ترك طاعة الإمام.

والباقلَّانيُّ في [التَّمهيد] لم ينقل اختلاف المُجتهدِين المُعتبَرِين في أهل الجَمَل بل نقل اختلاف النَّاس بمَن فيهم المُعتزلةُ وغيرُهم مِن أهل الأهواء على عادة عُلماء عصره في بيان مذاهب أهل الفِرَق المُختلفة، ثُمَّ لا ينبغي نسبة الكلام لساكت فلا هو نَطَقَ بنسبة الأجر للبُغاة في بغيهم ولا أشار إلى مثل ذلك بالصِّحَّة والاعتماد. والتَّحقيق يدلُّك على الصَّواب؛ فتحقَّق.

فلا يغُرَّنَّك قوله في بيان اختلاف النَّاس في البُغاة: <فمِن النَّاس مَن يجعل هذه المسألة مِن مسائل الاجتهاد ويقول إنَّ كُلَّ مُجتهد مُصيب كإصابتهم في سائر مسائل الأحكام> لأنَّك تعرف أنَّ أهل السُّنَّة لم يُساوُوا بين الخروج على الإمام العادل والاختلاف في سائر مسائل الأحكام؛ بل أجمعوا على كونهم بُغاةً وأجمعوا على تخطئتهم وعلى القول ببُطلان اجتهادهم.

وكذلك لا يغُرَّنَّك قوله: <ومنهم مَن يقول إنَّ الحقَّ منها في واحد وهُو رأي عليٍّ وقوله، وإنَّ مُخالفة مُخطِئٍ في الاجتهاد خطأٌ لا يبلغ به الإثم والفُسوق بل الإثم عنه موضوع> لأنَّ المنسوب لعليٍّ رضي الله عنه هو أوَّل وجه في الكلام دون الثَّاني ولأنَّ الوجهِين منسوبانِ إلى قول تلك الطَّائفة مِن النَّاس وهُو لم ينتصر لهذا الوجه ولا أشار إليه بالصِّحَّة.

ثُمَّ إذَا أُريد بهذا الوجه: المُبشَّرون بالجنَّة مِن أهل الجَمَل أي سيِّدتنا عائشة رضي الله عنها وطلحةُ والزُّبَير رضي الله عنهما: فلا خلاف في انتفاء الإثم والفسق عنهم برجوعهم وندمهم وتوبتهم كما قال إمامنا الأشعريُّ في طلحة والزُّبَير رضي الله عنهما فيما نقله عنه ابن فورك في [المُجرَّد] ونصُّه التَّالي: <وإنَّهما رَجَعَا عن ذلك وندمَا (وأظهرَا التَّوبة) وماتَا تائبَيْنِ> انتهى.

أمَّا لو أُريد به أهلُ صِفِّين؛ وغيرُ المُبشَّرِين مِن أهل الجَمَل: فقد تقدَّم فيهم قول إمامنا الأشعريِّ كما في [المُجرَّد] بقوله في مُعاوية: <وأمَّا خطأ مَن لم يُبَشِّرْهُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالجنَّة في أمره فإنَّه يجوز غُفرانه والعفو عنه> انتهى ولا شكَّ أنَّك تعرف الفَرْقَ بين أنْ يكون وُضِع الإثم عنهم وبين أنْ يكون مِن الجائز غُفران ذنوبهم والعفو عنها.

ثُمَّ ختم الباقلَّانيُّ كلامه في اختلاف النَّاس في البُغاة بإيراد ما يُوافق كلام إمام مذهبه أعني الإمام الأشعريَّ في مُوافقة كاملة لِمَا نقله ابن فورك عن إمامنا الأشعريِّ في [المُجرَّد] وهذا ما ينبغي أنْ يدلَّك على أنَّه القول المُعتمد عنده والصَّحيح لديه؛ ولهذا رأيتَه يُظهر أدلَّة مَن قال بهذا القول ووجَّه إليه وأطال في بيانه دون ما سبق ذلك مِن أقوال ووجوه؛ فاقرأ ما يلي.

وأكمل الباقلَّانيُّ كلامه فقال: <ومنهم مَن يقول إنَّهم تابوا مِن ذلك؛ ويستدلُّ برجوع الزُّبَير وندمِ عائشة إذَا ذكروا لها يومَ الجَمَل وبكائِها حتَّى تَبُلَّ خِمارها وقولِها: (وَدِدْتُ أن لو كان لي عِشرون ولدًا مِن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كُلُّهم مثلُ عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام وأنِّي ثَكِلْتُهُم ولم يكن ما كان منِّي يومَ الجَمَل) وقولِها: (لقد أحدقت بي يومَ الجَمَل الأَسِنَّةُ حتَّى صِرتُ على البعيرِ مثلَ اللُّجَّة) وأنَّ طلحة قال لشابٍ مِن عسكر عليٍّ وهو يجود بنفسه: (اُمدُدْ يدك أُبايعك لأمير المُؤمنين) وما هذا نحوُه، والمُعتمد عندَهم في ذلك قول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (عَشَرَةٌ مِن قُريش في الجنَّة) وعدَّ فيهم طلحةَ والزُّبَير؛ قالوا: (ولم يكن ليُخبر بذلك إلَّا عن عِلم منه بأنَّهما سيتوبانِ ممَّا أحدثاه ويُوافيانِ بالنَّدم والإقلاع)> انتهى.

فانظر كيف توافق ما نقله الباقلَّانيُّ أخيرًا مع قول إمامنا الأشعريِّ في طلحة والزُّبَير: <وإنَّهما رَجَعَا عن ذلك وندمَا وأظهرَا التَّوبة وماتَا تائبَيْنِ> مِصداقًا <للخبر الثَّابت عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه حَكَم لهما بالجنَّة فيما رُوِيَ في خبر بِشارة عَشَرَةٍ مِن أصحابة بالجنَّة فذكر فيهم طلحة والزُّبَير> لتعلمَ أنَّ هذا هو المُعتمد عند الأشاعرة أهل السُّنَّة والجماعة.

ولا يُشكلْ عليك بعد ذلك قول الباقلَّانيِّ في أنَّ الوَقعة في البَصرة <كانت على غير عزيمة على الحرب بل فُجاءة.. إلخ> فلا دليل فيه للخصم على شيء ممَّا يذهب إليه؛ لأنَّه حكاية عن نُشوب الحرب واختلاط العسكرَين واحتدام القتل والقتال وليس في أصل الخروج على الإمام العادل والاستعداد لحربه وما يتبع ذلك ممَّا فيه ترك الطَّاعة الواجبة لوليِّ الأمر.

وهكذا يتبيَّن لك أخي القارئ أنَّ التَّحقيق هو ما يؤدِّي إلى فهم مذاهب العُلماء وليس زحمة النُّقول المُخالفة للنُّصوص الشَّرعيَّة أوَلًا والمُخالفة لقواعد الفقه ثانيًا ولا بالأخذ مِن الصُّحُف صحيحها وسقيمها لأنَّ ما مُؤدَّاه تحريف أحكام الدِّين لا بُدَّ مِن ردِّه ولذلك قال الإمام مالك رضي الله عنه: <كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُرَدُّ إِلَّا صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ> انتهى.

نهاية المقال.

Sep 9, 2019, 12:28 AM

في هجاء مُحمَّد سليم توفيق #

1. إِلَى الْكَذَّابِ فِيْ أَرْضِ الْكِنَانَةْ ~ نَتُنْتَ فَكُنْتَ عُنوَانَ النَّتَانَةْ

2. عَلَىْ أَهْلِ الْحَقِيْقَةِ صِرْتَ تَفْرِيْ ~ وَتَرْكَبُ بِالْهَوَىْ رَكْبَ الْخِيَانَةْ

3. وَتَهْجُو الصَّادِقِيْنَ بِكُلِّ قُبْحٍ ~ وَهُمْ أَهْلُ الْكَرَامَةِ وَالْفَطَانَةْ

4. وَتَمْدَحُ مَنْ يَقُوْلُ (اللهُ جِسْمٌ)! ~ حُبِيْتَ اللُّؤْمَ فِيْ سُوْءِ الْمَكَانَةْ

5. وَيَهْجُوْ كِلْمَةَ التَّوْحِيْدِ عِلْجٌ ~ وَتَنْصُرُهُ وَتَغْتَالُ الدِّيَانَةْ

6. فَأَيْنَ الْخَوْفُ مِنْ رَبٍّ عَظِيْمٍ ~ وَأَيْنَ الصِّدْقُ بَلْ أَيْنَ الْأَمَانَةْ

7. هَرَبْتَ مِنَ النِّزَالِ فَأَنْتَ فَأْرٌ ~ خَبِيْثُ الْقَصْدِ مَطْلُوْبُ الْإِهَانَةْ

8. زَنَادِقَةُ الْأَثِيْرِ وَأَنْتَ مِنْهُمْ ~ لَمِنْ شَرِّ الْخَلِيْقَةِ وَالْبِطَانَةْ

9. دَعَاكَ الظَّالِمُوْنَ لِكُلِّ فِسْقٍ ~ وَإِنَّ الْفِسْقَ عُقْبَاهُ الْمَهَانَةْ

نظم: لطيف الشَّامي

قد جاوز المدعو مُحمَّد سليم توفيق المدى في الظُّلم والبُهتان والافتراء على أهل الله؛ وكان قد وقع منه دفاع عمَّن خطَّأ الصَّادِحِين بكلمة التَّوحيد (لا إله إلَّا الله) كما أنَّه امتدح المُجسِّمة حَمَلَة عقيدة التَّشبيه فسمَّاهم أُسودَ السُّنَّة -والعياذ بالله- فلمَّا نصحناه ولم ينتهِ وازداد طغيانًا وعمهًا كان لا بُدَّ مِن تأديبه فكانت هذه القصيدة.

Sep 8, 2019, 3:00 PM

رفعُ أعلامِ النُّبوَّة [18]

بيان مذهب الباقلَّانيِّ – 3

مذهبه في القاعدين عن قتال الفئة الباغية (ب)

الحمدلله كثيرًا. والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا مُحمَّد مَن جاء الدُّنيا شاهدًا ومُبشِّرًا ونذيرًا؛ وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا مُنيرًا.

1

أمَّا بعدُ فقد بيَّنَّا في المقال السَّابق أنَّ مذهب الباقلَّانيِّ عدمُ تأثيم القاعدين عن قتال البُغاة مع سيِّدنا عَلِيٍّ وأوردنا بنَصِّ كلامه علَّة ذلك: <لأنَّ عليًّا لم يُلزمْهُمُ الحرب معه ويحتِّمْه عليهم ويجعلْهم في حَرَج مِن التَّأخُّر عنه؛ بل رخَّص لهم في ذلك وفسح لهم فيه> [1] وكيف بيَّن الباقلَّانيُّ أنَّه لم يكن بينهم مَن اجتهد في إنكار وُجوب طاعة عَلِيٍّ فيما لو كان أَمَرَهُم بالقتال.

2

فمَن تحقَّق بياني؛ لم يُشكل عليه قول الباقلَّانيِّ بعد ذلك [كلامه ضمن الأقواس وأنا أُحَشِّي خارجها]: <وكان> عليٌّ رضي الله عنه <إذَا سُئل عنه> أي عن عُثمان رضي الله عنه <أورد الكلام المُحتمِل> للمعاني المُختلفة <وتغلغل إلى لطيف التَّأويل والرِّفق بالفريقَين> المُطالِبِين بدم عُثمان والطَّاعنِين به <وكانوا إذَا سمعوا منه الكلام المُحتمِل ورأَوا قَتَلَتَه مُختلِطِين بعسكره ظنُّوا أنَّه> أي عَلِيًّا <مُؤْثِرٌ لِمَا جرى> مُختار لقتل عُثمان وحاشَاه <وأنَّه مُتمكِّن مِن إقامة الحدِّ وأخذ القِصاص لأوليائه وأنَّه مُتحَيِّف لهم> جائر ظالم وحاشاه <فيصير ظاهر اختلاط القوم بعسكره وما يُسمع مِن مُحتملات أقاويله طريقًا لاجتهاد> سببًا في رأي <المُحارب> مِن البُغاة <المُطالب له بدم عُثمان؛ والقاعد عنه> المُتخلِّف عن قتال الفئة الباغية معه <لمَوضع ظنِّهم به ما هو بعيد عنه> وهو ظنٌّ فاسد وباطل ومُنكر ومُحرَّم عليهم بلا خلاف عند أهل السُّنَّة قاطبة <فلا يبعد أنْ يكون المُحارب له والقاعد عنه مُصيبًا فيما فعله لأجل هذه الشُّبهة> والشُّبهة هي ظنُّهم أنَّ عليًّا ظَلَمَ عُثمان ومَالَأَ قَتَلَتَه <فيزول الإثم عمَّن قصد هذا المقصِد> أي في ظاهر ما ذهبوا إليه مِن رَأْيٍ بنَوه على الظَّنِّ الفاسد الباطل المُنكر المُحرَّم.

3

وليس بياني مِن قَبيل تأويل الصَّريح كما زعم أهل الفتنة بل حَمْلُهُم الكلام على المعنى المُشكل دونه خَرْطُ القتاد، وأنا إنْ شاء اللهُ تعالى أنتصر لِمَا أقوله وأُبيِّنه -إذ ليست العبرة بمَن تعجَّل وتهاون في الكلام فألقاه على عواهنه لم يتدبَّرْ محلَّه وقيده- ثُمَّ أترك لمَن أصرَّ على حمل القتاد بعد ذلك أنْ يَخْرِطَ بقدر ما يشاء. وهاكم جُملة مِمَّا يدلُّ على ما بيَّنته:

4

أوَّلًا: لو أنَّ الباقلَّانيَّ أراد بكلامه هذا أنْ ينُصَّ أنَّ سبب انتفاء الإثم عنهم هو اجتهادهم بترك وُجوب طاعة الإمام العادل لناقض ما سبق مِن بيانه -وقد ذكرناه آنفًا- في أنَّ علَّة انتفاء الإثم عنهم أنَّ الخليفة لم يأمُرْهم بالقتال معه ولم يحتِّمْ عليهم ذلك؛ والتَّناقض والتَّخبُّط عَيب لا يليق بصغار المُصنِّفين فكيف بالباقلَّانيِّ وهو القاضي والأستاذ والمُناظر اللَّوذعيُّ.

5

ثانيًا: لو أنَّ الخصم أصرَّ على المعنى المُشكل؛ فيلزمه أنَّ الصَّحابة ظنُّوا أنَّ عليًّا ظَلَم عُثمان وقد نقض الباقلَّانيُّ هذا حين ذكر سعدَ بن أبي وقَّاص وسعيد بن زيد بن عمرِو بن نُفَيل وعبدالله بن عُمر وأسامة بن زيد وغيرَهم ولم ينسُب لأيٍّ منهم سُوء الظَّنِّ بعليٍّ؛ بل نَقَلَ عن أُسامة بن زيد أنَّه قال له: <قد علمتَ يا عليُّ أنَّك لو دخلتَ بطن أَسَد لدخلتُ معك فيه> إلخ.

5

ثالثًا: لو أنَّ الخصم أصرَّ على المعنى المُشكل؛ لزمه أنَّ القاعدين أنكروا وُجوب طاعة عَلِيٍّ وقد نقض الباقلَّانيُّ هذا حين نقل اعتذار ثلاثة مِنهم فقال في الأوَّل: <ولم يقل إنَّك لستَ بإمام واجب الطَّاعة> وفي الثَّاني: <ولم يقل له لستَ بإمام مفروض الطَّاعة> وفي الثَّالث: <ولم يقل إنَّك لستَ بإمام> وهذا يُؤكِّد أنَّهم لم يجتهدوا بترك وُجوب طاعة عَلِيٍّ؛ فتحقَّق.

6

رابعًا: أنَّ الباقلَّانيَّ ردَّ شُبُهاتِهم فقال: <وقد رُوِيَ أنَّ عليًّا عليه السَّلام قال بالبصرة: (واللهِ ما قتلتُ عُثمانَ ولا مَالَأْتُ على قتله ولكنَّ اللهَ قتل عُثمانَ وأنا معه) وهذا مُحتمِل؛ فظنَّ قَوم أنَّه خدعهم وأنَّه قد أخبر عن نفسه أنَّه قتله بقوله (وأنا معه) -وليس ذلك كذلك- لأنَّه أراد به أنَّه (أماته ويُميتني معه) لأنَّه قد حَلَفَ وهو الصَّادق أنَّه ما قتله ولا مَالَأَ على قتله> انتهى.

7

ثُمَّ ذكر الباقلَّانيُّ روايةً أُخرى فقال: <فصار هذا أيضًا طريقًا لتأويل الفريقَين عليه غير الحقِّ> انتهى يقول إنَّهم تأوَّلوا عليه <غير الحقِّ> أي الباطل الَّذي بالاجتهاد بناءً عليه كان ظاهر الأمر أنَّهم مُصيبون غيرُ مأثومِين وأمَّا في حقيقة الأمر فيكفي مَن ظنَّ ذلك إثمًا سُوءُ الظَّنِّ بسيِّدنا عليٍّ رضي الله عنه مع ما علموا مِن أفضليَّته على بقيَّة الصَّحابة بعد عُثمان.

8

خامسًا: أنَّه قدَّم لظاهر الشُّبهة فقال: <ظَنُّوا أنَّه مُؤْثِرٌ لِمَا جرى> <وأنَّه مُتحَيِّف لهم> وحاشا أنْ يكون بين مُجتهِدِي الصَّحابة مَن ظنَّ أنَّ عليًّا كان مُختارًا لقتل عُثمان ظالمًا له وقد نقض الباقلَّانيُّ هذه التُّهمة في حقهم عندما قرَّر خلافها فقال: <وإنَّما قعدوا عن نُصرته على حرب المُسلمين لتخوُّفهم مِن ذلك> أي مِن قتال المُسلمين، فاعتذروا له؛ فلم يأمُرْهم به.

9

ولا يَخفى أنَّ سوء الظَّنِّ بسيِّدنا عليٍّ ليس ممَّا يُثاب النَّاس عليه أو يَسلمون مِن الإثم فيه؛ وكيف يُصدَّق أنَّ عليًّا قَتَلَ عُثمانَ أو رضي بقتله؟ ولكن سُمِّيَ اجتهادُهم (سائغًا) لكونه مبنيًّا على شُبهة وليس عِنادًا فلا يُكفَّرون به، وسُمِّيَ (باطلًا) لكونه مبنيًّا على باطل ومُخالفًا للنُّصوص القُرآنيَّة والحديثيَّة فيلزم أنَّه إثم ومُنكر وبغي؛ وكونُه سائغًا لا يُغيِّر شيئًا في كونه باطلًا.

10

والخُلاصة أنَّه لا ينبغي التَّمسُّك بعبارة (اجتهدوا) أو (تأوَّلوا) بحقِّ صحابة قعدوا أو تخلَّفوا عن قتال الفئة الباغية -على وجه- مُوهِمٍ بأنَّ لهم أجرًا بترك طاعة الإمام العادل الَّذي تمَّت بيعته وصحَّ انعقادها لأنَّ أحدًا منهم لم يعتقد عدم وُجوب طاعة عليٍّ رضي الله عنه كما بيَّن الباقلَّانيُّ ولأنَّه لا يصحُّ الاجتهاد بترك طاعة الإمام العادل مع وجود النَّصِّ بوُجوبها.

11

وختامًا فإنَّ التَّحقيق هو ما يُفيد معرفة مذاهب عُلماء أهل السُّنَّة لا ما يتمسَّك به أهل الفتنة ومنهم <أبو إجماع> ### في شِنشِنته المُعتادة مِن عبارات مُشكلة لو سلَّمنا له بفهمه فيها فإنَّنا سنخرج بما مُؤدَّاه تناقض كثير مِن عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة في كُتُبهم ولَضاع على الأُمَّة معرفة مذاهب العُلماء في مسائل كثيرة لمُجرَّد أنَّ (أبا اعرِفوني) يُريد أنْ (يُدردش)!

12

وكان يكفي سطر واحد في حسم النزاع لولا مُعاندة الخصم وتكبُّره عن قبول الاقتصار على نقل وجه الدَّليل. وذهب شيخنا الهرريُّ إلى مثل ما ذهب إليه الباقلَّانيُّ في القاعدين عن قتال الفئة الباغية؛ ونقلَ في كتابه [صريح البيان في الرَّدِّ على مَن خالف القُرآن] ما نصَّ عليه أبو بكر الجصَّاص -إمام الحنفيَّة ببغداد في زمانه- في كتابه [أحكام القُرآن] [2] له.

نهاية المقال.

[1]: [التمهيد] للباقلَّانيِّ.

[2]: راجع [أحكام القُرآن] للجصَّاص الحنفيِّ الجُزء/5؛ ص/181؛ دار إحياء التُّراث العربيِّ بيروت 1992ر. حقَّقه مُحمَّد قَمحاوي المُدرِّس بالأزهر وعضو لجنة مراجعة المصاحف في الأزهر. وقد خصَّصنا كلام الجصَّاص في القاعدين عن القتال مع أمير المؤمنين بمقال مُستقلٍّ لعظيم فائدته فترقَّبوه.

تابع [بيان مذهب الباقلَّانيِّ في الفئة الباغية 4] – قريبًا

Sep 6, 2019, 2:09 AM

رسالة إلى سمير حلَّاق / السُّوَيد

كتب فيصل أيُّوبي:

الحمدلله وكفى والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا المُصطفى.

وبعدُ فاعلم يا سمير حلَّاق أنَّ النَّبيَّ عليه الصَّلاة والسَّلام يفرح لو عَلِمَ أنَّنا نردُّ إجماعًا مكذوبًا على عُلماء أُمَّته يعمل أصدقاؤك على نشره بين النَّاس؛ ثُمَّ لا نراك تنهاهم عن الإفك والافتراء والبُهتان العظيم والعياذ بالله.

واعلم أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم يفرح لو عَلِمَ أنَّنا نُبيِّن للنَّاس مذاهب العُلماء المُعتبَرِين مِن أهل الاجتهاد الحقِّ ولو خالَفَنَا في هذا غوغاء النَّاس وسَفَلَتُهم لأنَّنا قوم نتَّبع ولا نبتدع في دين الله ما ليس منه كما يفعل أصدقاؤك.

واعلم أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم يفرح لو عَلِمَ أنَّنا نصون الشَّرع الشَّريف مِن كذب الجاهلِين وادِّعاءات الزَّنادقة الَّذين نسبوه ونسبوا أنبياء الله عليهم السَّلام إلى الكُفر والعياذ بالله تعالى؛ دون أنْ نسمع صوتك في ردِّ ما يُجرمون.

واعلم أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم يفرح لو عَلِمَ أنَّنا لا تأخذُنا في الله لومة لائم ولو كانوا ذوي قَرَابَة وأنَّ الشَّرع عندنا مُقدَّم على تُرَّهات أصدقائك أبي علي الحبتَّري ويوسف ميناوي ومَن دعا معهم إلى النَّار والعياذ بالله.

واعلم أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم يفرح لو عَلِمَ أنَّنا نمنع تكفير عُلماء أُمَّتنا بغير حقٍّ؛ وأنَّنا تصدَّينا لأصدقائك الَّذين تُدافع عنهم ليلًا ونهارًا عندما نطقوا بتكفير مَن قال بوقوع صغائر لا خسَّة فيها مِن الأنبياء.

واعلم أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم يفرح لو عَلِمَ أنَّنا لا نبحث في تخطئته عليه الصَّلاة والسَّلام وإنَّما نُدافع عن مذاهب وَرَثَتِهِ عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة وأنَّنا لا نقول بتضليل أيٍّ مِن الفريقَين في مسألة اختلف فيها المُعتبَرون.

واعلم أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم يفرح لو عَلِمَ أنَّنا بفضل الله نردُّ البُهتان الَّذي وقعتَ به أنت وأصدقاؤك مِن أهل الفتنة بحقِّ الدُّعاة الَّذين يحملون أعباء الدَّعوة إلى الله وإلى هدي نبيِّه المُصطفى في زمنٍ كثر فيه أمثالك.

واعلم أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم يفرح لو عَلِمَ أنَّنا صادقون في حمل أمانة الدَّعوة إلى الله سُبحانه وتعالى إلى جانب المشايخ الكبار مِن تلاميذ شيخ مشايخنا الإمام الهرريِّ مُجدِّد العصر وسُلطان عُلماء هذا الزَّمان.

واعلم أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم يفرح لو عَلِمَ أنَّنا قوم لا نُبدِّل ولا نُحرِّف في دين الله كما يفعل أصحابك المفتونون المغرورون لمُجرَّد أنَّهم قصَّروا في تحصيل العلم الشَّرعيِّ مِن العالِم العامِل والعارف الثِّقة.

واعلم أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم يفرح لو عَلِمَ أنَّ الواحد منَّا على الحقِّ بوجه واحد لأنَّ <مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ> فذو الوجهَين كالمُنافق مُتملِّق بالباطل مُدخِل للفساد بَين النَّاس؛ فافهم.

..

– فيصل أيُّوبي: أدمن في صفحة [أهل السُّنَّة].

Sep 4, 2019, 11:53 AM

رفعُ أعلامِ النُّبوَّة [17]

بيان مذهب الباقلَّانيِّ – 2

مذهب الباقلَّانيِّ في الصَّحابة القاعدين عن قتال الفئة الباغية (أ)

الحمدلله كثيرًا. والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا مُحمَّد مَن جاء الدُّنيا شاهدًا ومُبشِّرًا ونذيرًا؛ وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا مُنيرًا.

1

أمَّا بعدُ فإنَّ تركَ تحقيق مذاهب العُلماء يُؤدِّي بالبعض إلى أنْ ينسبوا إلى عالِم ما لا يثبت عنه؛ أو أنْ يحكموا بكونه مُضطربًا لرسمهم عليه الشَّيءَ ونقيضَه؛ أو أنْ يستعجلوا في تخطئته مُطلقًا؛ وكُلُّ ذلك منهم في غير محلِّه؛ فإذَا كان النَّظر سليمًا غيرَ مأخوذ صاحبه بزحمة الكُتُب وضجيج الجَهَلَة وأثر الدَّسِّ: وقع تحقيق المسألة وانتفى التَّناقض وانعدمت التَّخطئة.

2

والخصم إنْ لم يكن مُنصفًا؛ واقتصرتَ معه على نقل ما فيه وجه الدَّليل؛ اتَّهمك بالقصِّ واللَّصق وتجزئة كلام العُلماء بُغية إخراجه عن معناه، ولو جئتَ له بكامل الباب لم يُسعفْه فهمه في استيعاب الكلام على طولِه ربطًا لآخِره بأوَّله؛ فيبدأ بإخراج الكلام عن محلِّه وينتهي إلى خُلاصة لا جواب له على كثير ممَّا اشتملت عليه، ومع ذلك يُريد إلزامك بها؛ فتأمَّل.

3

وفي عودة إلى تحقيق عنوان مقالنا هذا في بيان [مذهب الباقلَّانيِّ في الصَّحابة القاعدين عن قتال الفئة الباغية] نجده ينفي عنهم الإثم لسبب واضح جليٍّ وهو أنَّ الإمام العادل لم يأمُرْهم بالقتال معه ولم يحتِّمْ عليهم ذلك وهذا ما نصَّ عليه الباقلَّانيُّ ولم ينُصَّ على أنَّ الإثم انتفى عنهم لكونهم مُجتهدِين في مُخالفة وُجوب طاعة الإمام العادل. وإليك كلامه بحروفه.

4

قال الباقلَّانيُّ في [التَّمهيد]: <فإنْ قالوا: فهل ترَون هؤلاء القوم مأثومِين في تأخُّرِهم عن نُصرة الإمام العادل وإجابة دعوته مع لُزوم طاعته وثُبوت إمامته؟ قيل لهم: لا؛ لأنَّ عليًّا لم يُلزمْهُمُ الحرب معه ويحتِّمْه عليهم ويجعلْهم في حَرَج مِن التَّأخُّر عنه؛ بل رخَّص لهم في ذلك وفسح لهم فيه؛ عِلمًا منه بتحذُّرهم وخوفهم وضعف أنفسهم عن حرب المُسلمين>.

5

وهذا إفحام للخصم بنصِّ كلام الباقلَّانيِّ لا بفهمنا له؛ وهو بَيِّنٌ وَجْهُ الدَّليل فيه صريح كشمس مُشرقة؛ فقد جعل علَّة انتفاء الإثم عن القاعدين أنَّ عَلِيًّا لم يأمُرْهم بالقتال معه ولم يُحتِّمه عليهم؛ ولم يجعل علَّة ذلك أنَّهم مُجتهِدون أخطأوا في التَّأويل. وإلَّا فالمُصنِّف نصَّ على وُجوب طاعة الإمام العادل وبرَّأ الصَّحابة القاعدين مِن أنْ يكون بينهم مَن رأى عدم وجوبها.

6

ولمَّا كان الخصم تاركًا للإنصاف وإنِ ادَّعاه؛ وصاحبَ غَرَض فاسد يغلب على طباعه؛ فقد بَحَثَ بَين السُّطور على عبارة مُشكلة فحمل مذهب الباقلَّانيِّ عليها مُخلِّفًا وراء ظهره النَّصَّ الصَّريح في دلالته مُتحوِّلًا عنه إلى ما يُشكل معناه؛ ونحن -بإذن الله تعالى- نُورد ما اشتبه عليه مِن كلام المُصنِّف ثُمَّ نُجيب عليه في المقال التَّالي مِن هذه المقالات المُباركة.

تابع [مذهب الباقلَّانيِّ في الصَّحابة القاعدين عن قتال الفئة الباغية (ب)]

– قريبًا

نهاية المقال.

Sep 4, 2019, 2:31 AM

قولوا لهم إن الذي مات ربى

إن شيخنا وإن مات فقد تركنا في وجوهكم. ألا تريدون أن تردوا لوجوه أولئك الحسرة!؟ إخواننا في كل وقت قولوا الحمدلله رب العالمين.  كونوا أهلا لها فقد وقعت عليكم

قولوا لهم إن الذي مات ربى.

إن شيخنا وإن مات فقد تركنا في وجوهكم.

ألا تريدون أن تردوا لوجوه أولئك الحسرة!؟

إخواننا في كل وقت قولوا الحمدلله رب العالمين.

 كونوا أهلا لها فقد وقعت عليكم

Sep 2, 2019, 9:17 AM

أضف تعليق