الجماعة المُغلقة في مفهوم أهل الفتنة
والرَّدُّ على المآرب الشَّيطانيَّة
1
يُصِرَّ الأخ خالد عسَّاف -كان صديقًا لي- على مُوافقة أهل الفتنة في الطَّعن بالسَّادة الأحباش -الأشاعرة أهل السُّنَّة والجماعة- والافتراء عليهم؛ رغم ما قدَّمناه له مِن نصائح ورُدود على الشُّبُهات الَّتي تملأ ذهنه؛ ولذلك كان لا بُدَّ -مرَّة جديدة- مِن كشف الحقيقة أمام مَن راجَعَنا بكلامه.
2
يقول الأخ خالد عسَّاف إنَّ الجماعة المُغلقة تحمل في داخلها بذرة فنائها انتهى وهذا صحيح ولكنَّ الخطأ في مفهومه للجماعة المُغلقة، وسوف أقوم بشرح طرف مِن ذلك تحذيرًا مَن هذا المفهوم لأنَّ في طيَّاته (مآرب شيطانيَّة) وكنتُ لا أُحبُّ استعمال هذا التَّعبير لولا أنَّ البيان اقتضاه.
3
فالأخ خالد يرى أنَّ مَن لا يأخُذون عن غير مشايخهم جماعةً مُغلقة، فينطبق مفهومُه للجماعة المُغلقة على أصحاب المُجتهدين الأربعة لأنَّهُم ما كانوا يأخُذون بما يُخالف مذاهب مشايخهم حتَّى في الفُروع فمَا بالُك في مسائل أُصوليَّة! وهذا مأرب شيطانيٌّ لأنَّ لازمه الطَّعن بمذاهب أهل السُّنَّة.
4
والأخ خالد يقول إنَّ الجماعة الَّتي تقول بأنَّ البُغاة كانوا آثمين هي جماعة مُغلقة انتهى مع أنَّه هُو شخصيًّا يرى أنَّ مُعاوية كان آثمًا بخُروجه على الإمام العادل والخليفة الرَّاشد، فلازم ذلك أنَّ اتِّباع الحقِّ في مسألة يُعتبَر عنده انغلاقًا مذمومًا -والعياذ بالله- وهذا مأرب شيطانيٌّ ثانٍ.
5
والأخ خالد يعرف اختلاف العُلماء في تفسير: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} وفي تفسير: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} ومع ذلك فقد سمعتُه يُشنِّع على السَّادة الأحباش الأشاعرة أهل السُّنَّة والجماعة لاستعمالهم لفظ المعصية الحقيقيَّة في مقام بيان مذهب الجُمهور.
6
فإنْ كان يُنكر كون المسألة خلافيَّة بين العُلماء فَلْيُجِب عن مئات أقوال عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة الَّذين بيَّنوا أنَّ هذه الآيات خطاب للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأنَّها تُحمَل على المعصية الصَّغيرة أو على ترك الأَوْلى؛ وقد رسمنا أقوالَهم مرارًا وتكرارًا هذا إنْ لم يمنعه التَّكبر والثَّرثرة مِن القراءة.
7
فقد قال الإمام الماتُريديُّ في [التَّأويلات]: <وَلَوْ لَمْ يَكُن للهِ تَعَالَى أَنْ يُعَذِّبَ عَلَى الصَّغَائِرِ أَحَدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْضِعُ الِامْتِنَانِ بِمَا غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ> انتهى فهل يرى الأخ خالد أنَّ الشَّرع نصَّ على العذاب فيما سوى المعصية الحقيقيَّة!
8
وإنْ كان يُسلِّم بذلك ويُنكر استعمال اللَّفظ فمرجعُه في ذلك أهل الفتنة كلاب النَّار فإنَّ المقام مقام البيان وردِّ الشُّبَه اقتضى استعمال اللَّفظ الفارق بين المعصية المجازيَّة -الَّتي لا تنقسم إلى صغيرة وكبيرة- وبين المعصية الحقيقيَّة المُرادة في قول العُلماء: <تُحمَل على الصَّغيرة> انتهى.
9
أمَّا زعمك يا خالد أنَّ السَّادة الأحباش يُكفِّرون العُلماء علانية فهذا افتراء معروف وكذب مكشوف؛ ورُبَّما لأنَّك لم تفهم أنَّ تبرئة العُلماء مِن المقولات الكُفريَّة ضدُّ تكفيرهم، وإنَّما يُكفِّرُهُم مَن أثبت عليهم تلك المقولات الكُفريَّة دون بيِّنة شرعيَّة في صحَّة إسنادها لهُم.. فأين البيِّنة الشَّرعيَّة!؟
10
أمَّا قولك إنَّ السَّادة الأحباش الأشاعرة أهل السُّنَّة والجماعة ليس فيهم عُلماء فهُو حكمُ غافل على غائب عنه ومردُّه جهلُك بأحوالهم لكنَّ ظنَّك لا يضرُّهُم شيئًا فقد طعن بعض العُلماء بالإمام الأشعريِّ ولعلَّه دونه بألف درجة وقال الشَّاعر: كم عالم مُتفضِّل قد سبَّهُ * مَن لا يُساوي غرزة في نعلِهِ.
11
أمَّا تحدِّيك بأنْ نُعطيك اسم عالِم واحد مِن عُلماء المُسلمين مِن غير تلاميذ شيخنا الهرريِّ رحمه الله فرُبَّما فاتك أنَّنا نشرنا مُنذ شُهور أكثر مِن عشرة أسماء لبعض عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة كُلُّهم مُعاصرون وهُم ما بين فقيه وعالِم وعلَّامة ومُحدِّث.. فهل كُنتَ مُنشغلًا بتُرَّهات أهل الفتنة!؟
12
ثُمَّ العُثور على شيخ عالِم تقيٍّ مُسَلِّك مُستقيم في هذا الزَّمان أندر مِن الكبريت الأحمر وهذا شيء يذكُرُه العُلماء مُنذ نحو أربعمائة سنة ولكنَّك مُنشغل القلب بتتبُّع شُبُهات أهل الفتنة الَّذين يُريدون هدم الدِّين ويستعملونك مِعولًا أداة صغيرة في سبيل ذلك والعياذ بالله مِن سُوء المُنقلَب.
13
ثُمَّ تدعو السَّادة الأحباش للاعتراف بأخطاء مشايخهم، فهلَّا أثبتَّ العرش أو ثبَّته قبل أنْ تَشْرَع بالنَّقش.. فأين أخطاؤُهُم! وتُريد منهُمُ الأخذ عن بقيَّة المُسلمين وكأنَّهُم يمنعون ذلك! إلَّا لو كان في بالك بقيَّة معيَّنة كالقائلين بأجر مَن حاربوا وليَّ الأمر الَّذي نصَّ القُرآن على وُجوب طاعته!
14
أو لعلَّك تُريدُهُم أنْ يأخُذوا عن الفيلسوف عدنان إبراهيم -صاحب الأقوال الشَّنيعة الَّذي تراه أبرز عُلماء المُسلمين والعياذ بالله- وحسن المالكيِّ الَّذي بعد تتبُّعك له -في رحلة تنقُّلك بين المذاهب- صرتَ تطعن بالإمام أحمد إمام أهل السُّنَّة والجماعة.. ولعلَّك اهتديتَ إلى الحقِّ بعد ذلك..
15
وتُريد مِن السَّادة الأحباش أنْ يكونوا (مُنفتحين)!؟ فهل لهذا علاقة بتتبُّعك للمُشكِّكين بالرِّواية الدِّينيَّة والَّذين صدَّقتَهُم في أنَّ للسُّلطان مُحمَّد فاتح القسطنطينيَّة ديوان شعر إباحيٍّ!؟ وطعنتَ بالسُّلطان سليم القانونيِّ لأنَّه استنصر ببعض الحِرَفيِّين وقتَ كانت السَّلطنة بحاجة إلى النُّصرة!؟
16
وأراك مُتفرِّغًا للطَّعن بالسَّادة الأحباش الأشاعرة أهل السُّنَّة والجماعة وأنتَ مِن سنوات قليلة أتعَبْتَنِي في مُحادثة استمرَّت نحو ساعتَين لكي تفهمَ وتُسَلِّمَ أنَّ الجُزء لا ينقسم إلى ما لا نهاية له بدليل أنَّ له بداية ونهاية وأنَّه محدود وأنَّك لو تجاوزتَه لدلَّ ذلك أنَّ أجزاءه لا تنقسم إلى ما لا نهاية له.
17
ومسائل التَّكفير الَّذي تعجب له فقد قلتُ لك يومًا فَلْنُحَاكِمْهَا إلى القواعد الشَّرعيَّة لكنَّك تكاسلتَ فاعلم أنَّ غالبها يرجع إلى كُفر مَن كذَّب الدِّين بلسانه ولو لم يعتقده في قلبه -وكان عامدًا غير مسبوق اللِّسان ولا ذاهل البال- ودون إنكار هذه القاعدة خرط القتاد؛ فاخرِط ما تشاء..
18
وفي مسألة اتِّجاه القِبلة في أميركا الشَّماليَّة فقد دلَّ الدَّليل المُجمع عليه عند أهل السَّداد أنَّكُم تقولون بقول لا وجه له مِن صحَّة أو رشاد وكان أَوْلى بك أنْ لا تقول قولًا لازمُه تضارُب أدلَّة الشَّرع؛ وقد عجَزتَ وعجَز أصحابك مِن أهل الفتنة عن الجواب على أكثر مِن ذلك، فكفاك ادِّعاء..
19
وأنتَ تسكُت لأهل الفتنة وهُم يزعُمون أنَّ الأحباش يقولون بعصمة شيخهم عن المعصية مع أنَّك مُتيقِّن أنَّنا لا نقول بذلك ولكنَّها المُداهنة وقد أَلْزَمَتْكَ ترك النَّهي عن المُنكر حتَّى صدق فيكُم قول الله في اليهود: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} صدق الله العظيم.
20
واعلم يا خالد بأنِّي لم أُرد نُصحك لتكبُّرك ولكنَّ شتمك للشَّيخ الهرريِّ ووصفك له بـ(الجاهل) وهُو العالِم العامل دعاني إلى جرحك بهذه الحروف فاتَّقِ الله ولا تجعل خاتمتك صياحًا على مزبلة أهل الفتنة، هذا ما كتبتُه وكنتُ المُحبَّ الشَّفوق (وقد رضيتُ منك بأنْ تسُبَّني علانية وتنتفع بمقالتي سرًّا)..
نهاية المقال.
Aug 27, 2020, 5:00 AM
حكاياتُ الأنبياء عليهمُ السَّلامُ <9>
دعوة شيث وإدريس عليهمَا السَّلام.
1
نبيُّ الله شيثُ هُو ابن آدم مِن صُلبه؛ وَلَدَته حوَّاء بعد موت هابيل، وقد ذُكر أنَّ آدم عليه السَّلام مرِض قبل موته فكتب وصيَّته ودفعها إلى شيث فكان نبيًّا بعده وأُنزل عليه خمسون صحيفة؛ رُوِيَ عن الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: <أُنزل على شيث خمسون صحيفة> رواه ابن حبَّان.
2
قام سيِّدنا شيث عليه السَّلام بالدَّعوة إلى الله، وقد كان النَّاس في زمانه على دين الإسلام وأنزل الله عليه شرعًا جديدًا فيه تحريم زواج الأخ مِن أخته غير التَّوأم بعد أنْ كان حلالًا قبل ذلك في شرع آدم عليه السَّلام. أقام سيِّدُنا شيث بمكَّة يحُجُّ ويعتمر ومات عن عُمر تسعمائة واثنتي عشرة سنة.
3
وقيل إنَّ سيِّدنا شيثًا عليه السَّلام لمَّا مرض أوصى إلى ابنه أنوش ثُمَّ بعده ولده قَيْنَان ثُمَّ مِن بعده ابنه مهلاييل ثُمَّ بعده ابنه يَرْد.. فلمَّا حضرته الوفاة أوصى إلى ولده أخنوخ -وهُو نبيُّ الله إدريس عليه السَّلام على المشهور- وكلُّهم أقاموا على نهج آدم عليه السَّلام مِن غير تبديل ولا تغيير.
4
وسيِّدنا إدريس عليه السَّلام ثالث الأنبياء بعد آدم وشيث عليهما السَّلام، وهُو أحد الأنبياء الَّذين أخبر الله عنهُم في القرآن الكريم، قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} وهُو ممَّن يجب الإيمان والاعتقاد بنبوَّته ورسالته على سبيل القطع والجزم.
5
أخذ إدريس عليه السَّلام في أوَّل عُمره بعلم شيث بن آدم عليهما السَّلام ولمَّا كبُر آتاه الله النُّبوَّة والرِّسالة وأنزل عليه ثلاثين صحيفة كما جاء في حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه فعاش سيِّدنا إدريس عليه السَّلام يُعلِّم النَّاس شريعة الإسلام.. وكان النَّاس في زمانه كُلُّهُم مُسلمين مُؤمنين بالله.
6
عاش سيِّدنا إدريس عليه السَّلام يدعو المُسلمين الَّذين كانوا في زمانه إلى تقوى الله تبارك وتعالى، فأطاعه بعضهم وخالفه بعض، فرحل سيِّدُنا إدريس ومَن معه إلى مصر وأقام فيها؛ وكانت مدَّة إقامته في الأرض كما قيل اثنتين وثمانين سنة ثُمَّ رفعه الله إلى السَّماء ثُمَّ توفَّاه على هذه الأرض.
7
بعد وفاة إدريس عليه السَّلام ظهر إبليس للنَّاس في صورة إنسان ليفتنهُم عن الإسلام، وأَمَرَهُم أنْ يعملوا صُوَرًا وتماثيلَ لخمسة مِن الصَّالحين –وكان هذا جائزًا في شرع إدريس- فأطاعوه، ثُمَّ لمَّا طالت الأيَّام ظهر ثانية في زمان كثُر فيه الفساد في الأرض، وأَمَرَ النَّاس أنْ يعبدوا هذه التَّماثيل.
8
أطاع النَّاس إبليس فعبدوا تلك الأصنام مِن دون الله فصاروا كافرين مُشركين، وكان ذلك بعد وفاة نبيِّ الله إدريس عليه السَّلام بمدَّة ولم يكن في ذلك الوقت نبيٌّ، قال الله تعالى حكايةً عن هؤُلاء المُشركين: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا}.
* في المقال التَّالي: مواعظ سيِّدنا إدريس عليه السَّلام.
Aug 26, 2020, 6:03 AM
جبال تزول وتتزلزل
ومُحمَّد ﷺ ثابت على الحقِّ لا يتزلزل
– من دروس الهجرة النبوية المباركة
Aug 22, 2020, 7:35 AM
بيان حال أهل الفتنة
فيديو للشيخ جميل حليم حفظه الله
في هذا الفيديو بيان حال أهل الفتنة الذين لطالما حذرناكم منهم فقد زعم بعضهم أن قتل عمار بن ياسر رضي الله عنه ليس معصية كبيرة ولا صغيرة والعياذ بالله من الضلال وزعم بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد الانتحار والعياذ بالله تعالى من الضلال وأهله.
Aug 20, 2020, 5:53 AM
