الحُروف النَّديَّة في شرح معنى المعصية الحقيقيَّة
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
1
وبعدُ فقد أنكر أهل الفتنة جواز إطلاق لفظ (المعصية الحقيقيَّة) على الصَّغائر غير المُنفِّرة وذلك لأنَّهُم جهلوا مذاهب عُلماء أهل السُّنَّة في مسألة العصمة وجهلوا مدلول اللَّفظ في اللُّغة العربيَّة فتوهَّموا أنَّ المُصطلَح عليه عند بعض الحنفيَّة إجماعٌ شرعيٌّ ولُغَويٌّ؛ وليس الأمر كما توهَّموا.
2
والصَّواب أنَّ قول: (المعصية الحقيقيَّة) هُو كقول: (المعصية عند الإطلاق) فإذَا أطلقنا لفظ المعصية دون قيد يكون المُراد في الحقيقة ظاهرَ اللَّفظ لا المجاز، وذلك لأنَّ الحقيقة تُقابل المجاز في اللُّغة العربيَّة؛ ولا يُوجد إطلاق ثالث (لا حقيقيٌّ ولا مجازيٌّ) كما افترى أهل الفتنة على الشَّرع واللُّغة.
3
يقول الغزاليُّ في [المُستصفى]: <مَسْأَلَةٌ إذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَاللَّفْظُ لِلْحَقِيقَةِ إلَى أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَجَازَ> انتهى ويقول الآمديُّ في [أبكار الأفكار]: <والأصل في الإطلاق الحقيقة> انتهى وفيه: <ولا يخفى أنَّ ترك الظَّاهر مِن غير دليلٍ ممتنِعٌ> انتهى.
4
وميَّز العُلماء بَين الصَّغيرة وترك الأَوْلى؛ لأنَّ الصَّغيرة معصية حقيقيَّة وهُم مُختلفون في جوازها على الأنبياء ومُجمعون أنَّها لا تتكرَّر ولا تكثُر منهُم، قال عياض فِي [الشِّفا]: <وَلَا يَجِبُ عَلَى القَوْلَيْنِ أَنْ يُخْتَلَفَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ تَكْرَارِ الصَّغَائِرِ وَكَثْرَتِهَا إِذْ يُلْحِقُهَا ذَلِكَ بِالكَبَائِرِ> انتهى.
5
فلو لم تكن الصَّغائر الَّتي اختلف العُلماء في جوازها على الأنبياء حقيقيَّةً لَمَا كانت لتلتحق بالكبائر لو تكرَّرت وكَثُرَت؛ لأنَّ ترك الأَولى مهمَا تكرَّر ومهمَا كثُر لا يلتحق بالكبائر ولا يُعَدُّ مِن الصَّغائر الَّتي تُكتَب في صحائف المُؤمنين ولو لم يتوبوا منه، وهذا لا خلاف فيه بين عُلماء أهل السُّنَّة.
6
واصطلح بعض الحنفيَّة أنَّ (المعصية حقيقة ما يُقصد إلى نفسه مع العلم بحُرمته) لأنَّهُم لا يُجوِّزون الصَّغيرة على الأنبياء عمدًا؛ بخلاف الجُمهور؛ قال التَّفتازانيُّ المُتوفَّى 792 للهجرة فِي [شرح العقائد النَّسفيَّة]: <أَمَّا الصَّغَائِرُ فَيَجُوزُ عَمْدًا عِنْدَ الجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْجُبَّائِيِّ وَأَتْبَاعِهِ> انتهى.
7
وكذَّب أهل الفتنة فزعموا أنَّ كلام التَّفتازانيِّ لا يشمُل أهلَ السُّنَّة لأنَّه استثنى الجُبَّائيَّ وهُو مُعتزليٌّ؛ وهذه منهُم شُبهة مُتهالكة لأنَّ الاستثناء مِن غير الجنس سائغ شائع في كلام العرب؛ قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}.
8
وممَّا يدُلُّ على صحَّة شرحنا لكلام التَّفتازانيِّ قول ابن نُجَيم الحنفيِّ المُتوفَّى 970 للهجرة في [فتح الغفَّار بشرح المنار] : <وجاز تعمُّد غيرها بلا إصرار عند أكثر الشَّافعيَّة والمُعتزلة ومنعه الحنفيَّة> إلى آخره.. وقوله <غيرها> أي غير الكبائر والصَّغائر الخسِّيَّة؛ أي الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها.
9
ويزيد شرحنا لكلام التَّفتازانيِّ تأكيدًا قول ابنِ هُمام الدِّين الاسكندريِّ الحنفيِّ المُتوفَّى 861 للهجرة في [التَّحرير في أُصُول الفقه الجامع بين اصطلاحَي الحنفيَّة والشَّافعيَّة] بعد ذكر الكبائر والخسائس: <وجاز تعمُّد غيرها بلا إصرار عند الشَّافعيَّة والمُعتزلة ومنعه الحنفيَّة؛ وجوَّزوا الزَّلَّة> إلى آخره..
10
فأهل الفتنة جاؤوا إلى مُصطلَح خاصٍّ ببعض الحنفيَّة فجعلوه عامًّا مُطلَقًا عند كُلِّ أحد وحملوا عليه أقوال النَّاس أجمعين وهذه منهُم شدَّةُ جهلٍ بالدِّين وباللُّغة نعوذ بالله العظيم أنْ نقع بمثلها وهُم ما تكبَّروا عن قَبول النُّصح إلَّا لأنَّهُم سُعاة إلى غرض خبيث يُريدون التَّوصُّل إليه والعياذ بالله.
11
وفي الحقيقة قول التَّفتازانيِّ في [التَّلويح]: <وأمَّا المعصية حقيقةً فهي فعل حرام يُقصد إلى نفسه مع العلم بحُرمته> ليس مذهبَه بل ذِكْرُ تعريف (المعصية عند الإطلاق) عند السَّرخسيِّ ولذلك بدأ بقول: <قال الإمام السَّرخسيُّ رحمه الله تعالى أمَّا الزَّلَّة فلا يُوجد فيها القصد> إلى آخره..
12
ولا يُوجد في كلام السَّرخسيِّ لفظ (معصية حقيقةً) بل يُوجد (المعصية عند الإطلاق) -والمعنى واحد كما بيَّنَّا قبلُ في كثير مِن المقالات- وإنَّما أضاف التَّفتازانيُّ لفظ (حقيقة) لبيان الفَرق بين المعصية الصَّغيرة ولو سَهوًا وبين الزَّلَّة الَّتي قال السَّرخسيُّ إنَّ الشَّرع أطلق عليها اسم المعصية مجازًا.
13
قال التَّفتازانيُّ في [التَّلويح] شارحًا كلام المحبوبي: <قوله: (وهُو فعل مِن الصَّغائر) ردٌّ لِمَا ذكره بعض المشايخ مِن أنَّ زلَّة الأنبياء هي الزَّلل مِن الأفضل إلى الفاضل ومِن الأصوب إلى الصَّواب لا عن الحقِّ إلى الباطل وعن الطَّاعة إلى المعصية لكن يُعاتبون لجلالة قدرهم> إلى آخره..
14
فإذَا فهمتَ فاعلم أنَّ أهل الفتنة لمَّا لم يفهموا أخذوا يطعنون بكُلِّ قول يُخالف ما توهَّموا أنَّ التَّفتازانيَّ قرَّره؛ وهُو بريء منهُم وممَّا يفترون؛ فالمحبوبي يُجوِّز وُقوع الصَّغائر بخلاف السَّرخسيِّ الَّذي يعتقد أنَّ الشَّرع أطلق على الزَّلَّة لفظ المعصية مِن باب المجاز فلا تكون معصية حقيقة.
15
فالخُلاصة أنَّ ما نقله التَّفتازانيُّ عن السَّرخسيِّ هُو في بيان الفَرق بين الزَّلَّة وبين (المعصية عند الإطلاق) عند بعض الحنفيَّة وليس في كلامهم تضليل مَن خالفهم مِن أهل السُّنَّة كما توهَّم أهل الفتنة الَّذين ضلَّلُوا أهل السُّنَّة زيغًا وجهلًا وشنَّعوا عليهم قولًا وفعلًا فعليهم مِن الله ما يستحقُّون.
نهاية المقال.
– في المُداخلة الأُولى: كامل كلام السَّرخسيِّ في [أُصوله].
– في المُداخلة الثَّانية: كلام القاضي المحبوبي وشرحه لسعد الدِّين التَّفتازانيِّ في [التَّلويح].
Aug 9, 2020, 12:47 PM
حكاياتُ الأنبياء عليهمُ السَّلامُ <8>
ذكر بعض ما افتُري به على سيِّدنا آدم عليه السَّلام
1
دارت حول أنبياء الله عليهمُ السَّلام أقاويل باطلة مُخالفة للقُرآن الكريم والسُّنَّة الصَّحيحة فاعتمدنا في هذه المقالات المُباركة -بعد الانتهاء مِن ذكر قصَّة كُلِّ نبيٍّ- أنْ نُحذِّر مِن بعض ما يُفترَى عليه به، فالأنبياء ساداتنا ولا يجوز أنْ يُنسب إليهم -عليهم الصَّلاة والسَّلام- ما لا يليق بهم.
2
وممَّا يُفترى به على سيِّدنا آدم عليه السَّلام أنَّه كان قِردًا أو أنَّه يُشبه القُرود وأنَّه كان محنيَّ الظَّهر وأنَّ جسده مُغطًّى بالشَّعر وأنَّه كان يتكلَّم مع أولاده بالإشارات وكُلُّ هذا مِن الكذب الظَّاهر، ويرُدُّه قولُ الله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم} وقولُه تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا}.
3
ويجب التَّحذير أيضًا مِن بعض الفِرَق الضَّالَّة الَّتي تنفي النُّبوَّة والرِّسالة عن سيِّدنا آدم عليه السَّلام وتقول إنَّ آدم كان يعيش كما البهائم وأنَّه كان لا يُحسن الكلام واللُّغات والعياذ بالله تعالى وكُلُّ هذا يرُدُّه قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}.
4
ودرج عند الجُهَّال عند ذكر قصَّة سيِّدنا آدم عليه السَّلام أنْ يقولوا إنَّ إبليس كان مِن الملائكة أو إنَّه كان طاووس الملائكة، وليس صحيحًا؛ وإنَّما كان مِن الجنِّ ولكن يعبد الله مع الملائكة. قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلـٰئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}.
5
ومِن الافتراءات الَّتي طالت سيِّدنا آدم عليه الصَّلاة والسَّلام والَّتي تُوقع صاحبها في الكُفر قولُ بعض الجهلة إنَّ إبليس جاء إلى آدم وقد مات له ولد اسمه عبد الله، فقال: “إنْ شئتَ أنْ يعيش لك الولد فسمِّه عبدالحارث” -والحارث يعني الشَّيطان- فسمَّاه كذلك، وهذا كُفر والعياذ بالله.
6
ومِن الغُلُوِّ القبيح قول بعض أدعياء التَّصوف: “إنَّ آدم كان منهيًّا عن الأكل مِن الشَّجرة ظاهرًا مأمورًا بذلك باطنًا” فهذا يرُدُّه قول الله تعالى: {فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ..} أي قَبِلَ توبته مِن المُخالَفة، ولو أنَّ آدم كان مأمورًا باطنًا بالأكل مِن الشَّجرة فمن أيِّ شيء تاب عليه السَّلام!؟
* في المقال التَّالي: دعوة شِيث وإدريس عليهمَا السَّلام.
Aug 6, 2020, 4:04 AM
حكاياتُ الأنبياء عليهمُ السَّلامُ <7>
قصَّة ابنَي آدم: قابيل وهابيل
1
وَلَدَتِ السَّيدة حوَّاء لآدم -عليهما السَّلام- أربعين بطنًا وكانت تلد في كُلِّ بطن ذكرًا وأنثى، وكان سيِّدنا آدم عليه السَّلام يُزوِّجُ ذكرَ كُلِّ بطن بأُنثى مِن بطن آخر، وهذا دليل على أنَّ آدم -عليه السَّلام- مِن الأنبياء والرُّسُل عليهمُ السَّلام لأنَّ مثل هذا الحُكم لا يكون إلَّا بشريعة أُوْحِيَ بها إليه.
2
وأراد هابيل أنْ يتزوَّج بأُخت قابيل الَّتي كانت أجملَ مِن أُخت هابيل، لكنَّ قابيل أراد أنْ يستأثر بها، فأمره آدم عليه السَّلام أنْ يُزوِّجه إيَّاها فأبى، فأمرهُمَا أنْ يُقرِّبَا قُربانًا وهُو ما يُتقرَّب به إلى الله تعالى وذهب آدم إلى مكَّة ليحُجَّ، وقرَّب كُلُّ واحد منهُمَا قُربانه بعد ذهاب أبيهم آدم عليه السَّلام.
3
وكان الله قد أمر آدم عليه السَّلام أنْ يبنيَ البيت الحرام فقَدِمَ مكَّة وبنى البيت فيها فلمَّا فرغ مِن بنائه أرسل الله له مَلَكًا علَّمه مناسك الحجِّ، ثُمَّ بقي البيت على ما بناه آدم عليه السَّلام حتَّى أغرق الله قومَ نُوحٍ عليه السَّلام؛ فرُفع البيت وبقي أساسُه؛ فجاء سيِّدنا إبراهيم عليه السَّلام فبناه.
4
وقرَّب هابيل جَذَعَة سمينة -وكان صاحب غنم-، وأمَّا قابيل فقرَّب حُزْمَة مِن زرع رديء -وكان صاحب زرع-، فنزلت نار فأكلت قُربان هابيل وتركت قُربان قابيل، وكانت النَّار دليلًا على قَبول ذلك القُربان الَّذي أَكَلَتْه فغضب قابيل عندها غضبًا شديدًا وسوَّلت له نفسه قتل أخيه.
5
وأبطأ هابيل مرَّة في المرعى فبعث سيِّدنا آدمُ عليه السَّلام -وكان رجع مِن الحجِّ- أخاه قابيل لينظُر ما أبطأ به، فوجده، فقال له: تُقُبِّل منك ولم يُتَقَبَّلْ منِّي، فقال له هابيل: إنَّما يتقبَّل الله مِن المُتَّقين، فغضب عندئذٍ قابيل، ثُمَّ أتاه وهُو نائم فرفع صخرة فشَدَخَ بها رأسه، وقيل خَنَقَه خنقًا شديدًا.
6
ولمَّا قَتَل قابيل هابيل كره أنْ يأتيَ به آدمَ فيُحزنه، ولم يزل يحملُه حتَّى جاء غُرابانِ فاقتتلَا أمامه فقتل أحدهُمَا الآخَر، فعَمَد إلى الأرض يحفر له بمنقاره فيها، ثُمَّ ألقاه ودفنه وجعل يَحثي عليه التُّراب حتَّى واراه، فقال عندها قابيل: {يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} ثُمَّ أخذ يفعل به مثل ما فعل الغراب فواراه ودفنه تحت التُّراب.
7
وليُعلم أنَّ قابيل كان مُسلمًا مُؤمنًا ولم يكن كافرًا، وإنَّما ارتكب معصية كبيرة بقتله أخاه هابيل ظُلمًا وعُدوانًا. قال صلَّى الله عليه وسلَّم: <لا تُقتَل نفسٌ ظُلمًا إلَّا كان على ابن آدم الأوَّل كِفْل مِن دمها لأنَّه كان أوَّل مَن سنَّ القتل> أي ظُلمًا، فقيل: عُلِم مِن الحديث أنَّ قابيل ما تاب مِن قتله أخاه.
* في المقال التَّالي: التَّحذير مِن بعض ما يُروى عن سيِّدنا آدم عليه السَّلام.
Jul 31, 2020, 3:49 AM
