اذا قال أهل الفتنة : المعصية لتكون حقيقيَّة لا بُدَّ مِن العلم بحُرمتها ونقله التَّفتازانيُّ عن بعض الحنفيَّة التَّالي: <وأمَّا المعصية حقيقة فهي فعل حرام يُقصد إلى نفسه مع العلم بحُرمته> انتهى.
الجواب : إنَّ التَّعريف المنقول آنفًا مُصطلَح (خاصٌّ) ببعض الحنفيَّة لا نُنكره ولا نلتزمُه لأنَّه ليس اصطلاح سائر عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة . العلم بالحُرمة ليس شرطًا لتكون المعصية حقيقيَّة دائمًا بل قد تكون حقيقيَّة لمُجرَّد (فعل المنهيِّ عنه مع قيام النَّهي) ولو لم يعلم فاعلُها الحُرمة
اذا زعم أهل الفتنة أنَّ التَّعريف الَّذي نقله التَّفتازانيُّ عن بعض الحنفيَّة -وقُلنا إنَّه مُصطلَح خاصٌّ بهم- هُو كذلك عند الكُلِّ بزعمهم
الجواب : هذا نقل واحد نُظهر اليوم ما في بيان مذاهب العُلماء وكَذِبَ أهل الفتنة
قال الشَّيخ حسن العطَّار في حاشيته على [شرح الجلال المحليِّ على جمع الجوامع]: <وإنَّما يكون منه لو كانت المعصية هُنا معصية حقيقةً -وهي فعل المَنهيِّ عنه مع قيام النَّهي عنه وعدم انقطاعه-..> إلخ..
والشَّيخ حسن العطَّار كان وَلِيَ مشيخة الأزهر الشَّريف سنة 1246 للهجرة وظلَّ شيخًا للأزهر حتَّى وفاته سنة 1250 للهجرة؛ فهذا تعريفه للمعصية حقيقةً فهل تزعُمون -يا أهل الفتنة- أنَّ شيخ الأزهر كان جاهلًا بمعناها!؟
وفي الأصل؛ لم يكن يضُرُّ أنْ يُقال (مع العلم بكونها معصية) لأنَّ الجُمهور لم يشترط فيما جوَّزه على الأنبياء مِن الصَّغائر الجهل بكونها معصية؛ فاشتراط ذلك استدراك على قول جُمهور عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة.
وكون المعصيةِ حقيقةً (فعلَ منهيٍّ عنه يُقصد لنفسه) فالمُراد بقولهم: (يُقصد لنفسه) أي يقع الفعل عمدًا لا سهوًا -كما في قول الجُمهور- ولا يعني أنَّ الدَّافع لفعله كونُه معصية كما توهَّم الجَهلة عليهم مِن الله ما يستحقُّون.
فالأنبياء لا يقعون في صغيرة -غير منفرة- لمجرد طلب العصيان ولا يدفعهم للفعل كونه معصية
الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لا يجترئون على الله فيفعلون الصغيرة (على قول الجمهور) بسبب أنها معصية
إنما تصدر منهم الصغائر نادرا ولأسباب أخرى ليس فيها ما توهمه المبطلون
*ولتقريب ذلك*
فعلى قول الجمهور بأن آدم عليه السلام عصى معصية صغيرة لا خسة فيها فيقولون إنه أكل عامدا ,تعمد الأكل ,وقع فعل الأكل منه عمدا لا سهوا , مع علمه بالنهي
لم يكن السبب في أكله من الشجرة أن الأكل منها معصية
لا , وإنما هذا نتيجة
على قول الجمهور: أكل آدم عليه السلام من الشجرة عامدا الأكل
والسبب أن حواء ساعدت وسوسة إبليس فحرَّكت آدم لينفذ تلك الوسوسة
فقول بعض الحنفية (فعلَ منهيٍّ عنه يُقصد لنفسه) إلى هنا
ينطبق على فعل آدم عليه السلام فهو عليه السلام أكل من الشجرة قاصدا الأكل منها وكان الأكل منها منهيا عنه
لكنهم قد يقولون إن النهي كان نهي تنزيه لا نهي تحريم ولهذا اختلفوا مع قول الجمهور

فكرة واحدة على ”معنى معصية حقيقية عند التفتزاني و أهل السنة : فعل المنهي عنه مع قيام النهي“