,

إتَّقُوا الرِّيَاء

الحمدُ لله ربِ العالمين لهُ النّعْمَةُ وَلَهُ الفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَن.

صَلَوَاتُ اللهِ البَرِ الرَّحيم والملائِكَةِ الْمُقرَّبينَ عَلَى سَيِدِنَا مُحَمَّدٍ أشْرَفِ الـمُرسَلِين وحَبِيبِ رَبِ العَالمين

وعلى جميعِ إخوانِهِ مِنَ النَّبِيينَ والـمُرسَلِين وَءَالِ كُلٍ والصَّالِحين وسلامُ اللهِ عليهم أجمعين

أمَّا بَعدُ فقدْ رَوى الحاكِمُ في الـمُستَدْرَك أَنَّ النَّبىَ صَلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّم قَال “اتَّقُوا الرِيَاءَ فَإنَّهُ الشِرْكُ الأَصْغَر” وهو من أكبَرِ الكَبَائِر لِوَصْفِهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُ بِأنَّهُ الشِركُ الأصغَر. وَالرِيَاءُ يُحْبِطُ ثَوَابَ العَمَلِ الَّذي قَارَنه، فإنْ رَجَعَ الشَّخصُ عنْ رِيَائِهِ وَتَابَ أَثْناءَ العَمَل فَمَا فَعَلَهُ بَعدَ التَّوْبَةِ مِنهُ لَهُ ثَوَابُه. وَأيُّ عَمَلٍ من أعْمَالِ البِرِ دَخَلَهُ الرِيَاءُ فَلا ثَوَابَ فيه سَواءٌ كان جرَّدَ قَصْدَهُ للرِيَاء أو قَرَنَ بهِ قصْدَ طَلَبِ الأجْرِ منَ اللهِ تَعَالَى. فلا يجتَمِعُ الثَّوَابُ وَالرِيَاء لِحَدِيثِ أبَى دَاوُدَ وَالنَّسَائِىّ بِالإسنَادِ إلى أبِى أُمَامَةَ قَال جَاءَ رَجُلٌ فقالَ يا رسُولَ الله أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الأجْرَ وَالذِكْرَ مَا لَهُ، قَالَ “لا شَىْءَ لَه” فَأَعَادَهَا ثَلاثًا كُلَّ ذَلِكَ يَقُول “لا شَىْءَ لَه” ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم “إنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ مِنَ العَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لَه وَمَا ابْتُغِىَ بِهِ وَجْهُه” وجَوَّد الحَافِظُ العَسْقَلَانِىُّ إِسْنَادَه. وَرَوَى البَيْهَقِىُّ عَنْ هِلَالِ بنِ يَسَار أَنَّهُ قَال قَال عِيسَى بنُ مَرْيَم صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْه “إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُم فَلْيَدْهَن لِحْيَتَهُ وَليَمْسَح شَفَتَيْه وَليَخْرُج إِلَى النَّاسِ حَتَّى كَأَنَّهُ لَيْسَ بِصَائِم، وإذَا أعْطَى بِيَمِينِه فَليُخْفِهِ عَنْ شِمَالِه (أىْ فَليُبَالِغ فِي إخفَاءِ صَدَقَتِه مَا لَمْ يَكُن مصلَحَةٌ فِى إظْهَارِهَا) وَإِذَا صَلَّى أحَدُكُم فَلْيَسْدِل سِتْرَ بَابِه فَإنَّ اللهَ تَعَالَى يُقَسِمُ الثَّنَاءَ كَمَا يُقَسِمُ الرِزْق”. وَعنْ ذِى النُّونِ قَال قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءَ “ما أَخلَصَ العَبْدُ للهِ إِلَّا أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ فِى جُبّ لَا يُعْرَف”. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِى “مَا عَالجْتُ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيَّ مِن نِيّتِى” مَعْنَاهُ أَصْعَبُ الـمَعَاصِى إخْرَاجًا مِنَ القَلْبِ هُوَ الرِيَاء، وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِ الـمَدْح. هَذَا يَبْنِى مَدْرَسَةً لِيُقَالَ عنْهُ فَاعِلُ خَيْر وَهَذَا يُدَرِسُ لِيُقَالَ عَنْهُ عَالِم وَهَذَا يُجَاهِدُ لِيُقَالَ عَنْهُ بَطَل وَكَذَلِكَ سَائِرُ الأشيَاء وَالـمُخْلِصُونَ قِلَّة ءَاخِرُ شَىْءٍ يَخْرُجُ مِنْ قَلبِ الصُّوفِىِ هُوَ الرِيَاء. فَالَّذِينَ يَسْلَمُونَ منَ الرِيَاءِ قِلَّةٌ قَلِيلَة. وَقدْ صَدَّرَ البُخَارِىُّ كِتَابَهُ الصَّحيح بِحَدِيثِ “إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنّيَاتِ” وَأَقَامَهُ مُقَامَ الخُطْبَةِ لَه إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ لَا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللهِ فَهُوَ بَاطِل لَا ثَمَرَةَ لَه أَىْ لَا ثَوَابَ له فِى الدَّنيَا وَلَا فِى الآخِرَة وَلِهَذَا قَالَ عبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِىّ “لَو صَنَّفْتُ كِتَابًا فِى الأبْوَابِ لَجَعَلْتُ حَدِيثَ عُمَر بنِ الخَطَّاب إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنّيَاتِ فِى كُلِ بَاب” وَعَنْهُ أَنَّهُ قَال مَنْ أَرَادَ أَنْ يُصَنِفَ كِتَابًا فَليَبْدَأ بِحَدِيثِ “إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنّيَات” فَالنَّفْسُ مَجْبُولَةٌ عَلَى الرِيَاءِ وَالتَّخَلُّصُ مِنْهُ مِن أَصْعَبِ الأشْيَاءِ عَلَيْهَا فَإِنَّ النَّفْسَ لَا تَطْهُرُ طَهَارَةً تَامَّةً مِنَ الرِيَاءِ إِلَّا بَعْدَ مُجَاهَدَة.

وَسُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ للهِ رَبِ العَالَمِين

رَبَّنَا اغِفِر لنَا وارْحَمْنَا واهْدِنَا وَعَافِنَا وَسَدِدْنَا.

التنقل بين المقالات

المقال السابق:

اترك رد

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading