,

حكم المجسم و التجسيم عند الغزالي في إلجام العوام عن علم الكلام

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله وبعدُ فهذا مقال يتناول الدَّسَّ والأقوال الشَّاذَّة في كُتُب الغزاليِّ المُتوفَّى 505هـ وليس المقصود الطَّعن بالغزاليِّ رحمه الله ولكنَّه على علوِّ قدره في الفقه فقد اشتهر وُقوع الدَّسِّ في كُتُبه فاحتوت على أقوال ونُقول باطلة؛ فما كان منها كُفرًا فلا نُثبتُه عليه وأمَّا الأقوال الشَّاذة فنُنبِّه إلى أنَّها غير مُعتبرة وأنَّه لا يُعمل بها.

قال الإمام الغزالي في كتابه : “إلجام العوام عن علم الكلام” : “فإن خطر بباله أنَّ الله جسم مركَّب من أعضاء فهو عابد صنم ، فإنَّ كل جسم مخلوق ، وعبادة المخلوق كفر ، وعبادة الصنم كانت كفراً لأنه مخلوق ، وكان مخلوقاً لأنه جسم، فمن عبد جسماً فهو كافر بإجماع الأئمة السَّلف منهم والخلف ، سواء كان ذلك الجسم كثيفاً كالجبال الصم الصلاب ، أو لطيفاً كالهواء والماء ، وسواء كان مظلماً كالأرض ، أو مشرقاً كالشَّمس والقمر” .

اعلم أخي القارئ أنَّه لم يُفرِّق الأشاعرة بين عبادة الأجسام وبين عبادة الأصنام فقال الغزاليُّ في [الاقتصاد]: <فإنَّ القائلَ بأنَّ اللهَ سُبحانَه جسمٌ؛ وعابدَ الوثن والشَّمس: واحد> انتهَى وقال المُفسِّر القُرطبيُّ في [التَّذكار]: <والصَّحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهُم وبين عُبَّاد الأصنام والصُّور> انتهَى.

واستدلَّ المُنحرفون بكلام للغزاليِّ مِن كتابه [الاقتصاد في الاعتقاد] يقول فيه بعد أنْ ذكر المُعتزلة والمُشبِّهة وغيرهُم ما نصُّه: <ودليل المنع مِن تكفيرهم أنَّ الثَّابت عندنا بالنَّصِّ تكفيرُ المُكذِّب للرَّسول وهؤُلاء ليسوا مُكذِّبين أصلًا ولم يثبُت لنا أنَّ الخطأ في التَّأويل مُوجِب للتَّكفير> إلخ..

ويكفي في الرَّدِّ على هذه الشُّبهة قول الغزاليِّ في الكتاب نفسه: <فإنَّ القائلَ بأنَّ اللهَ سُبحانَه جسمٌ؛ وعابدَ الوثن والشَّمس: واحد> انتهَى وحيث لا شكَّ في كُفر عابد الوثن والشَّمس فلا شكَّ في كُفر القائل بأنَّ الله سُبحانه جسم؛ والكلام صريح لا يحتاج إلى مزيد مِن شرح أو توضيح.

فلو اقتصر الأمر على أنَّ في كتاب [الاقتصاد في الاعتقاد] هذا التَّناقُض الصَّريح الواضح: فكيف يحتجُّ به المُنحرفون في مثل هذا الأمر الخطير والحُكم فيه إيمان أو كُفر! فنعوذ بالله مِن أُناس جرَّهُمُ الكِبر والغُرور إلى اعتقاد عدم كُفر مَن شتم الله ومَن وصفه بما لا يليق به سُبحانه.

وكذلك هذا مردود مِن وُجوه: الأوَّل: أنَّه مُخالف للإجماع. الثَّاني: أنَّه لا يثبُت عن الغزاليِّ بسند مُتَّصل وقد ثبت وُقوع الدَّسِّ في كُتُبه. ثالثًا: أنَّ الغزاليَّ في الكتاب نفسه يقول: <فإنَّ القائلَ بأنَّ اللهَ سُبحانَه جسمٌ؛ وعابدَ الوثن والشَّمس: واحد> انتهَى فلا مُستند للجَهَلة بما يُنسب للغزاليِّ.

واختلف العُلماء في الغزاليِّ فطعن به القاضي عياض المالكيُّ وغيرُه؛ ومنهُم مَن برَّأه ممَّا في بعض كُتُبه ورأى أنَّ تلك المُخالفات لا تثبُت عنه بل دُسَّت في كُتُبه؛ ومنهُم مَن احتمل عنده أنَّه وضعها أوَّل أمره ثُمَّ رجَع عنها. ووُقوع الدَّسِّ في كُتُب الغزاليِّ مشهور عند عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة.

قال أبو علي عمر السَّكونيُّ المالكيُّ الأشعريُّ الإشبيليُّ نزيل تونس المُتوفَّى 717هـ في [لحن العامَّة والخاصَّة في المُعتقدات] عندما ذكر كُتُب الغزاليِّ: <فإنَّها إمَّا مدسوسة عليه أو وضعها أوَّل أمره ثُمَّ رجَع عنها> إلخ..

والدَّسُّ على الغزاليِّ بدأ قبل موته ففي [فضائل الأنام]: <هاج حسد الحُسَّاد ولم يجدوا أيَّ طعن مقبول غير أنَّهُم لبَّسوا الحقَّ بالباطل وغيَّروا كلمات مِن [المُنقذ مِن الضَّلال] و[مشكاة الأنوار] وأدخلوا فيها كلماتِ كُفر> إلخ..

فكيف يحتجُّ المُنحرفون ببعض عبارات مُشكلة مِن كُتُب الغزاليِّ في مثل هذا الأمر العظيم فيترُكون بسبب ذلك تكفير مَن أطبقت الأُمَّة على تكفيرهم مِن المُجسِّمة والقائلين (بقِدم العالَم) و(أنَّ الله لا يعلم الجُزئيَّات) و(أنَّ مشيئة الله ليست نافذة) ونحو هذا مِن الكُفر القبيح والعياذ بالله تعالَى.

واعلم أخي القارئ أنَّ الكتاب لا يكون مُعتمَدًا لمُجرَّد شُهرة صاحبه ولا لمُجرَّد نسبته إلى مُصنِّفه بل لا بُدَّ مِن توفُّر نُسخة شهد الثِّقات أنَّها بخطِّ المُصنِّف أو شهدوا أنَّها مُقابلة على نُسخة بخطِّه لأنَّ الكُتُب وقع في نسخها الدَّسُّ والتَّصحيف ولذلك قال التَّاج السُّبكيُّ: <آفة الكُتُب نُسَّاخُها> انتهَى.

قال شيخُنا المُحقِّق المُدقِّق الشَّيخ عبدالله الهرريُّ الحبشيُّ رحمه الله ما معناه: <إنَّ النُّسَخ الَّتي لم تكُن مُقابَلة بيد ثقة على نُسخة قابَلها ثقة وهكذا إلى أصل المُؤلِّف الَّذي كتبه بخطِّه أو كتبه ثقة بإملاء المُؤلِّف فقابَله على المُؤلِّف لا تُعتبر نُسَخًا صحيحة بل هي نُسخ سقيمة> انتهَى.

فلا يصحُّ الأخذ من نُسخة لا يُعرف حال مَن خطَّها وكذلك إنْ لم تُقابل على نُسخة صحيحة، ولذلك قال النَّوويُّ في [التَّقريب]: <وَمَنْ أَرَادَ الْعَمَلَ مِنْ كِتَابٍ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ قَابَلَهَا هُوَ أَوْ ثِقَةٌ بِأُصُولٍ صَحِيحَةٍ فَإِنْ قَابَلَهَا بِأَصْلٍ مُحَقَّقٍ مُعْتَمَدٍ أَجْزَأَهُ وَاللهُ أَعْلَمُ> إلخ..

وكان الطَّلَبَة يكتبون على هامش المخطوط فتتداخل السُّطور فإنِ احتاج الكتاب إلى إعادة نسخ خلط النَّاسخ بين المتن والهامش فيُنسب إلى المُصنِّف ما كان وضعه غيرُه في الهامش ولذلك فإنَّ الأَولَى أنْ نعمل بقول نبيِّنا عليه الصَّلاة والسَّلام: <إنَّما العلم بالتَّعلم> أي بالتَّلقِّي عن الضَّابط الثِّقة.

التنقل بين المقالات

المقال السابق:
المقال التالي:

اترك رد

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading