, ,

محاسن الأخلاق القناعة الرضا بالمقسوم

إن الرضا بقسْم الله، والرضا بقضاء الله، يملأ القلب قناعة والنفس طمأنينة، حتى يكون ذلك القنوع يساوي الأغنياء، بل في قلبه من الخير ما فاق به الأغنياء في أموالهم بسبب قناعته ورضاه وطمأنينته بما قسم الله له، وكما ورد في الحديث: “القناعة كنز لا يفنى” أي كأنه لا يفنى.

ولقد قيل:

الدنيا ساعة فاجعلها طاعة

النفس طماعة فعلمها القناعة

ولذا أمر النبي معاذًا قائلاً له: “إِنِّي لأحُبُكَ، فَلَا تَدَعَنَّ دُبُرَ كُلِّ فَرِيْضَةٍ أَنّ تَقُوْلَ: اللَّهُمَ أَعنِّي عَلَى شُكْرِكَ، وَأَعنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَأَعنِّي عَلَى حُسْنِ عِبَادَتِكَ” أخرجه أحمد وأبو داو والنسائي.

حال المؤمن بعد الموت

واعلم أن ابتلاءات الدنيا تزول عند دخول الجنة، بل قبل ذلك إن كان الإنسان على الإيمان والتقوى فإنه يبشر عند وفاته من الملك برحمة الله ورضوانه فيفرح بلقاء الله تعالى ويلقى هناء وسعادة بحيث لو خيِّر بين البقاء في القبر وبين العود إلى الدنيا فإنه يختار القبر لما وجد فيه من النعيم الذي لم يجد مثله في الدنيا، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّهَا أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا وَلَا أَنَّ لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلَّا الشَّهِيدُ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ فِي الدُّنْيَا لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ” رواه مسلم في الصحيح، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ” رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وقال عليه السلام أيضا: “الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَسَنَتُهُ، (أي نكده) فَإِذَا فَارَقَ الدُّنْيَا فَارَقَ السِّجْنَ وَالسَّنَةَ” رواه أحمد والحاكم.

فنعيم الدنيا وبؤسها لا يدومان، وصدق من قال: (إن تعبت في البر -أي الطاعة- فإن التعب يزول وأما البر فيبقى، وإن تلذذت بالإثم فإن اللذة تزول وأما الإثم فيبقى) وعند أول غمسة في النار والعياذ بالله، ينسى ما كان فيه في الدنيا من نعيم وغنى ورفعة وحظوة وجاه.

فقد جاء عن أنس مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: “يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيُصْبَغُ في النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ ءَادَمَ هَلْ رَأَيْتَ نَعِيْمًا قَط؟ فَيَقُوْلُ: لَا وَاللهِ مَا رَأَيْتُ نَعِيْمًا قَط، وَيُؤْتَى بِأَبْأَسِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِن أَهْلِ الجَنَةِ فَيُصْبَغُ في الجَنَةِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ ءَادَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَط؟ فَيَقُوْلُ: لَا وَاللهِ مَا رَأَيْتُ بُؤْسًا قَط” رواه مسلم.

وعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ” أخرجه مسلم.

لا تنظر إلى من هو أعلى منك في أمر الدنيا

فعن يحيى بن يحيى النيسابوري قال: (كُنْتُ عِنْدَ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أبا محمد، أَشْكُو إِلَيْكَ مِنْ فُلَانَةَ -يَعْنِي امْرَأَتَهُ- أَنَا أَذَلُّ الْأَشْيَاءِ عِنْدَهَا وَأَحْقَرُهَا، فَأَطْرَقَ سفيان مَلِيًّا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: لَعَلَّكَ رَغِبْتَ إِلَيْهَا لِتَزْدَادَ عِزًّا؟ فَقَالَ: نَعَمْ يَا أبا محمد، قَالَ: مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْعِزِّ ابْتُلِيَ بِالذُّلِّ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى الْمَالِ ابْتُلِيَ بِالْفَقْرِ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى الدِّينِ يَجْمَعُ اللَّهُ لَهُ الْعِزَّ وَالْمَالَ مَعَ الدِّينِ. ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُهُ فَقَالَ: كُنَّا إِخْوَةً أَرْبَعَةً: محمد وعمران وإبراهيم وَأَنَا، فمحمد أَكْبَرُنَا، وعمران أَصْغَرُنَا، وَكُنْتُ أَوْسَطَهُمْ، فَلَمَّا أَرَادَ محمد أَنْ يَتَزَوَّجَ رَغِبَ فِي الْحَسَبِ، فَتَزَوَّجَ مَنْ هِيَ أَكْبَرُ مِنْهُ حَسَبًا فَابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالذُّلِّ، وعمران رَغِبَ فِي الْمَالِ فَتَزَوَّجَ مَنْ هِيَ أَكْثَرُ مِنْهُ مَالًا فَابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالْفَقْرِ، أَخَذُوا مَا فِي يَدَيْهِ وَلَمْ يُعْطُوهُ شَيْئًا، فَبَقِيتُ فِي أَمْرِهِمَا، فَقَدِمَ عَلَيْنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ فَشَاوَرْتُهُ وَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّةَ إِخْوَتِي، فَذَكَّرَنِي حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ وَحَدِيثَ عائشة رضي الله عنها، فَأَمَّا حَدِيثُ يحيى بن جَعْدَة: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “تُنْكَحُ المرأة لأَرْبَعٍ : لِمَالِهَا، وَجَمَالِهَا، وَحَسَبِهَا، وَدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ” رواه البُخاري ومسلم،

وَحَدِيثُ عائشة أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مُؤْنَةً” فَاخْتَرْتُ لِنَفْسِي الدِّينَ وَتَخْفِيفَ الظَّهْرِ اقْتِدَاءً بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَمَعَ اللَّهُ لِيَ الْعِزَّ وَالْمَالَ مَعَ الدِّينِ).

الفقير الأمين

وقيل كان بمكة رجل فقير وله زوجة صالحة فقالت: ليس عندنا شىء فخرج إلى الحرم فوجد كيسًا فيه ألف دينار ففرح به فرحًا شديدًا وأخبر زوجته بذلك فقالت له: لقطة الحرم لابد فيها من التعريف، فخرج فسمع رجلا ينادي: من وجد كيسًا فيه ألف دينار؟ فقال: أنا وجدته، فقال: هو لك ومعه تسعة ءالاف دينار، أي كان مع هذا الرجل المنادي هذا المال، فقال له: أتهزئ بي؟ قال: لا والله ولكن أعطاني رجل من أهل العراق عشرة آلاف دينار وقال: اطرح منها ألفًا في الحرم ثم ناد عليها فإن ردها من وجدها فادفع الجميع إليه لأنه أمين.

فإذا ابتليت بالفقر فلا تحزن، فلست أعز ولا أكرم على الله تعالى من نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم الذي ابتلي بأنواع من البلاء، فعنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: “وَاللَّهِ يَا ابْنَ أخْتِي إِنْا كنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهلالِ، ثُمَّ الهِلالِ ثُمَّ الْهِلالِ، ثَلاثَةَ أهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَ فِي أبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَارٌ، (أي ثلاثة أشهر ولا يوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار للطبيخ) قَالَ: قُلْتُ: يَا خَالَةُ فَمَا كَانَ يُعَيِّشُكُمْ؟ قَالَتِ: الأسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ” أخرجه أحمد والبُخَارِي.

الصبر مفتاح الفرج

فعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: “مَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَا أَجِدُ لَكُمْ رِزْقًا أَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ” وفي رواية: أَرْسَلَنِى أَهْلِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَسْأَلُهُ طَعَامًا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَخْطُبُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: “مَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَا رُزِقَ الْعَبْدُ رِزْقًا أَوْسَعَ لَهُ مِنَ الصَّبْرِ” أخرجه أحمد.

وقال العرباض بن سارية رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج علينا في الصُفَّةِ فَيَقُوْلَ: “لَوْ تَعْلَمُوْنَ مَا ذُخِرَ لَكُمْ، مَا حَزِنْتُمْ عَلَى مَا زُوْيَ عَنْكُمْ” رواه الترمذي.

وقال: “مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ ءَامِنًا في سِرْبِهِ، مُعَافَــى في جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوْتَ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيْزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا” رواه الترمذي.

وقال: “أَفْلَحَ مَنْ هُدِيَ إِلَى الإِسْلَامِ، وَكَانَ عَيْشَهُ كَفَافًا، وَقَنَــعَ بِهِ” رواه الطبراني والحاكم، فلا تعترض على الله بسبب الفقر، ولا تقع فيما حرم الله، واعلم بأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا.

لا فلاح إلا بتعلم أمور الدين
قناةُ عِلْمُ الدِّيِن حَيَاةُ الإِسْلام دُرُوس مُحَررَة
https://t.me/alameddine

التنقل بين المقالات

المقال السابق:
المقال التالي:

اترك رد

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading