*كَشْفُ الوَهْمِ فِي دَعْوَى جَوَازِ «أَنَّ» المُشَدَّدَةِ بِلَا إِظْهَارِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ فِي الشَّهَادَةِ الأُولَى*
❖*مُقَدِمَةٌ*
❁ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَجَلَّ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَانَ وَيُحَرَّرَ أَلْفَاظُ الشَّهَادَتَيْنِ، إِذْ هُمَا أَصْلُ الدِّينِ وَبَابُ الدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ، وَبِهِمَا يُمَيَّزُ الإِقْرَارُ الصَّحِيحُ عَنِ اللَّفْظِ المُخِلِّ أَوِ المَعْنَى النَّاقِصِ. وَلَمَّا كَانَ بَعْضُ الجُهَّالِ قَدْ خَاضُوا فِي مَسْأَلَةِ «أَنْ» فِي الشَّهَادَةِ الأُولَى، فَجَوَّزُوا تَشْدِيدَهَا مِنْ غَيْرِ إِظْهَارِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، وَمِنْ غَيْرِ إِتْمَامِ الكَلَامِ بِخَبَرٍ يَسْتَقِيمُ بِهِ المَعْنَى، وَتَعَلَّقُوا فِي ذَلِكَ بِفُهُومٍ سَقِيمَةٍ وَنُقُولٍ لَمْ يَضَعُوهَا فِي مَوَاضِعِهَا؛ كَانَ لَازِمًا بَيَانُ الحَقِّ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، وَتَحْرِيرُ الفَرْقِ بَيْنَ «أَنْ» المُخَفَّفَةِ وَ«أَنَّ» المُشَدَّدَةِ، وَإِيضَاحُ أَنَّ قَوْلَ القَائِلِ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» صَحِيحٌ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: «أَشْهَدُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» صَحِيحٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: «أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» بِتَشْدِيدِ «أَنَّ» مَعَ حَذْفِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ وَتَرْكِ الخَبَرِ، فَهُوَ كَلَامٌ مَبْتُورٌ لَا يَسْتَقِيمُ.
❁ واعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِلدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ أَنْ يُقَالَ فِي الشَّهَادَةِ الأُولَى: «أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» بِتَشْدِيدِ النُّونِ مِنْ «أَنْ»، إِلَّا مَعَ إِلْحَاقِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ بِهَا، وَهُوَ الهَاءُ، فَتَكُونُ: «أَشْهَدُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، فَإِنَّ هَذَا هُوَ مُقْتَضَى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الفُصْحَى، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَقِيمُ بِهِ المَعْنَى وَيَنْتَظِمُ بِهِ الكَلَامُ.
❁ وَقَدْ غَلِطَ بَعْضُ الجُهَّالِ حِينَ زَعَمُوا أَنَّ تَشْدِيدَ «أَنَّ» فِي هَذَا المَوْضِعِ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ إِظْهَارِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ وَمِنْ غَيْرِ الإِتْيَانِ بِخَبَرٍ يُتِمُّ الجُمْلَةَ، وَتَوَهَّمُوا أَنَّ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا مِنَ الخَلْطِ وَعَدَمِ التَّحْقِيقِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
❖ *بَيَانُ الفَرْقِ بَيْنَ «أَنْ» المُخَفَّفَةِ وَ«أَنَّ» المُشَدَّدَةِ*
❁ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي [أَلْفِيَّتِهِ]:
«وَإِنْ تُخَفَّفْ أَنَّ فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ ~ وَالخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ أَنْ».
وَمَعْنَى قَوْلِهِ «اسْتَكَنْ» أَيْ: اسْتَتَرَ وَحُذِفَ، فَابْنُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ اسْمَ «أَنَّ» يَكُونُ مَحْذُوفًا إِذَا خُفِّفَتْ، أَيْ إِذَا صَارَتْ «أَنْ» بِالنُّونِ السَّاكِنَةِ، وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ فِي «أَنَّ» المُشَدَّدَةِ البَاقِيَةِ عَلَى تَشْدِيدِهَا.
❁ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي [شَرْحِهِ عَلَى أَلْفِيَّةِ ابْنِ مَالِكٍ]: «إِذَا خُفِّفَتْ أَنَّ بَقِيَتْ عَلَى مَا كَانَ لَهَا مِنَ العَمَلِ، لَكِنْ لَا يَكُونُ اسْمُهَا إِلَّا ضَمِيرَ الشَّأْنِ مَحْذُوفًا، وَخَبَرُهَا لَا يَكُونُ إِلَّا فِي جُمْلَةٍ؛ وَذَلِكَ نَحْوُ: عَلِمْتُ أَنْ زَيْدٌ قَائِمٌ، فَـ«أَنْ» مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَاسْمُهَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَهُوَ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: عَلِمْتُ أَنَّهُ زَيْدٌ قَائِمٌ، وَقَدْ يَبْرُزُ اسْمُهَا وَهُوَ غَيْرُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ» انْتَهَى.
❁ وَمَعْنَى كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ أَنَّ «أَنْ» فِي نَحْوِ قَوْلِنَا: «عَلِمْتُ أَنْ زَيْدٌ قَائِمٌ» أَصْلُهَا «أَنَّ»، لَكِنَّهَا خُفِّفَتْ، فَحُذِفَ اسْمُهَا، وَاسْمُهَا المَحْذُوفُ هُوَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَالتَّقْدِيرُ: «عَلِمْتُ أَنَّهُ زَيْدٌ قَائِمٌ». فَإِذَا أَرَدْتَ إِظْهَارَ هَذَا الضَّمِيرِ رَجَعَتْ «أَنْ» إِلَى أَصْلِهَا، فَقُلْتَ: «أَنَّهُ»، وَلَا تَبْقَى «أَنْ» مُخَفَّفَةً مَعَ إِظْهَارِ الضَّمِيرِ.
❁ وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ اسْمَ «أَنْ» فِي الشَّهَادَةِ الأُولَى هُوَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ المَحْذُوفُ، وَتَقْدِيرُهُ الهَاءُ، فَإِذَا قُلْتَ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» كَانَتْ «أَنْ» مُخَفَّفَةً، وَضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفًا، وَإِذَا أَظْهَرْتَ الضَّمِيرَ قُلْتَ: «أَشْهَدُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ». أَمَّا أَنْ تَقُولَ: «أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» بِتَشْدِيدِ «أَنَّ» مَعَ حَذْفِ الهَاءِ وَتَرْكِ الخَبَرِ، فَهَذَا كَلَامٌ نَاقِصٌ مُبْتَرٌ.
❖ *لَيْسَ الكَلَامُ فِي الإِدْغَامِ، بَلْ فِي صِحَّةِ التَّرْكِيبِ*
❁ وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الكَلَامَ هُنَا لَيْسَ عَنْ إِدْغَامِ النُّونِ السَّاكِنَةِ فِي اللَّامِ التَّالِيَةِ، أَوْ تَرْكِ الإِدْغَامِ، فَذَلِكَ بَابٌ آخَرُ لَا عَلاقَةَ لَهُ بِكَوْنِ «أَنْ» مُخَفَّفَةً أَوْ «أَنَّ» مُشَدَّدَةً، وَإِنَّمَا الكَلَامُ فِي أَنَّ تَشْدِيدَ «أَنْ» لِتَصِيرَ «أَنَّ» مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْتَتْبَعَ ذَلِكَ بِإِظْهَارِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْتَى بِخَبَرٍ بَعْدَ عِبَارَةِ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، يَجْعَلُ الكَلَامَ مَبْتُورًا نَاقِصَ المَعْنَى.
❁ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: «أَشْهَدُ أَنَّ زَيْدًا» ثُمَّ سَكَتَّ، لَمْ يَتِمَّ الكَلَامُ؛ لِأَنَّ السَّامِعَ يَنْتَظِرُ الخَبَرَ، فَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: أَشْهَدُ أَنَّ زَيْدًا مَاذَا؟ أَقَائِمٌ هُوَ؟ أَوْ عَالِمٌ؟ أَوْ صَادِقٌ؟ فَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: «أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» بِتَشْدِيدِ «أَنَّ» مِنْ غَيْرِ هَاءٍ وَمِنْ غَيْرِ خَبَرٍ، فَقَدْ أَتَى بِكَلَامٍ لَمْ يَتِمَّ عَلَى الوَجْهِ الصَّحِيحِ.
❁ وَقَالَ شَيْخُنَا الهَرَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ وَرَضِيَ عَنْهُ فِي كِتَابِ [بُغْيَةِ الطَّالِبِ فِي مَعْرِفَةِ العِلْمِ الدِّينِيِّ الوَاجِبِ «ص/32؛ ط/8؛ ج1»]: «وَمَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، بِلَا إِدْغَامٍ، صَحَّتْ شَهَادَتُهُ، أَمَّا الَّذِي يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، لَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا كَلَامٌ مَبْتُورٌ كَمَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ زَيْدًا، وَسَكَتَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْتِيَ بِالخَبَرِ» انْتَهَى كَلَامُهُ.
❁ وَمَعْنَى كَلَامِهِ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّ مَنْ قَالَ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» بِتَخْفِيفِ «أَنْ» صَحَّ كَلَامُهُ، سَوَاءٌ أَدْغَمَ النُّونَ فِي اللَّامِ أَوْ لَمْ يُدْغِمْهَا، لِأَنَّ المَسْأَلَةَ لَيْسَتْ فِي الإِدْغَامِ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي تَشْدِيدِ «أَنَّ» مَعَ حَذْفِ مَا لَا يَصِحُّ حَذْفُهُ فِي هَذَا المَوْضِعِ.
❖ *مَتَى يَصِحُّ تَشْدِيدُ «أَنَّ» فِي هَذَا المَوْضِعِ؟*
❁ يَصِحُّ تَشْدِيدُ «أَنَّ» فِي الشَّهَادَةِ الأُولَى عَلَى وَجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأَوَّلُ أَنْ يُظْهَرَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، فَيُقَالَ: «أَشْهَدُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ». وَالوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يُؤْتَى بِخَبَرٍ بَعْدَ الجُمْلَةِ، كَأَنْ يُقَالَ: «أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ كَلِمَةُ حَقٍّ»، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يُتِمُّ المَعْنَى.
❁ وَمِثَالُ زِيَادَةِ الخَبَرِ لِعِبَارَةِ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» بَعْدَ «أَنَّ» المُشَدَّدَةِ أَنْ يُقَالَ: «أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ كَلِمَةُ حَقٍّ»، وَنَحْوُهَا؛ إِذْ إِنَّ الكَافِرَ قَدْ يَقُولُ إِنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَتَعَيَّنَ وُجُوبُ اسْتِكْمَالِ المَعْنَى مَعَ «أَنَّ» المُشَدَّدَةِ فِي حَالِ إِسْقَاطِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ بِخَبَرٍ يُفِيدُ مَعْرِفَةَ حَالِ الشَّاهِدِ وَشَهَادَتِهِ.
❁ وَبِهَذَا يَظْهَرُ الفَرْقُ الكَبِيرُ بَيْنَ اسْتِعْمَالِ «أَنْ» مُخَفَّفَةً وَبَيْنَ اسْتِعْمَالِهَا مُشَدَّدَةً؛ فَـ«أَنْ» المُخَفَّفَةُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمُهَا ضَمِيرَ شَأْنٍ مَحْذُوفًا، وَأَمَّا «أَنَّ» المُشَدَّدَةُ فَلَا تُتْرَكُ هَكَذَا بِلا ضَمِيرٍ ظَاهِرٍ وَلَا خَبَرٍ مُتَمِّمٍ لِلمَعْنَى.
❖ *بُطْلَانُ قِيَاسِ «أَنَّ» عَلَى «إِنَّ» فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ*
❁ قَدْ قَرَأَ جَمَاعَةٌ هَدَاهُمُ اللهُ فِي كُتُبِ النَّحْوِ شَيْئًا عَنْ جَوَازِ حَذْفِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مَعَ «إِنَّ» وَأَخَوَاتِهَا، فَتَوَهَّمُوا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ أَيْضًا مَعَ «أَنَّ» المُشَدَّدَةِ المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ؛ لِكَوْنِهَا فَرْعًا مِنْ «إِنَّ»، وَهَذَا مِنْهُمْ قِيَاسٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ النَّحْوِيِّينَ نَصُّوا عَلَى اخْتِلَافِ مَا اخْتَصَّتْ بِهِ «أَنَّ» المَفْتُوحَةُ الهَمْزَةِ عَمَّا اخْتَصَّتْ بِهِ «إِنَّ» المَكْسُورَةُ الهَمْزَةِ، مَعَ كَوْنِ الأُولَى فَرْعًا لِلثَّانِيَةِ.
❁ وَلَمْ يَفْطَنْ أُولَئِكَ هَدَاهُمُ اللهُ إِلَى أَنَّ شَرْطَ حَذْفِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مَعَ «أَنَّ» المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ هُوَ تَخْفِيفُهَا بِحَيْثُ تَصِيرُ «أَنْ» بِنُونٍ سَاكِنَةٍ. فَالمَسْأَلَةُ الأُولَى: أَنَّ «أَنَّ» لَا تَخْتَصُّ بِكُلِّ مَا اخْتَصَّتْ بِهِ «إِنَّ»، وَالمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ «أَنْ» المُخَفَّفَةَ هِيَ الَّتِي اخْتَصَّتْ بِحَذْفِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ دُونَ «أَنَّ» المُشَدَّدَةِ.
❁ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي أَلْفِيَّتِهِ: «وَإِنْ تُخَفَّفْ أَنَّ فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ ~ وَالخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ أَنْ» انْتَهَى. وَمَعْنَى «اسْتَكَنْ» هُنَا: اسْتَتَرَ وَحُذِفَ؛ فَالْمُرَادُ أَنَّ «أَنَّ» إِذَا خُفِّفَتْ فَصَارَتْ «أَنْ» حُذِفَ اسْمُهَا، وَيَكُونُ اسْمُهَا حِينَئِذٍ ضَمِيرَ الشَّأْنِ المَحْذُوفَ. وَهَذَا الشَّرْطُ بَيِّنٌ فِي نَقْضِ مَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الجُهَّالِ مِنْ جَوَازِ حَذْفِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مَعَ «أَنَّ» المُشَدَّدَةِ مِنْ غَيْرِ تَخْفِيفٍ؛ إِذْ جَعَلَ ابْنُ مَالِكٍ الحَذْفَ مُرْتَبِطًا بِالتَّخْفِيفِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُنْقَلَ هَذَا الحُكْمُ إِلَى «أَنَّ» المُشَدَّدَةِ مِنْ غَيْرِ نَصٍّ مُعْتَبَرٍ.
❁ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي [شَرْحِهِ عَلَى أَلْفِيَّةِ ابْنِ مَالِكٍ]: «إِذَا خُفِّفَتْ أَنَّ بَقِيَتْ عَلَى مَا كَانَ لَهَا مِنَ العَمَلِ، لَكِنْ لَا يَكُونُ اسْمُهَا إِلَّا ضَمِيرَ الشَّأْنِ مَحْذُوفًا، وَخَبَرُهَا لَا يَكُونُ إِلَّا فِي جُمْلَةٍ؛ وَذَلِكَ نَحْوُ: عَلِمْتُ أَنْ زَيْدٌ قَائِمٌ، فَـ«أَنْ» مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَاسْمُهَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَهُوَ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ…» انْتَهَى. فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ: «إِذَا خُفِّفَتْ»، وَقَوْلَهُ: «مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ»، فَإِنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ حَذْفِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ هُوَ عِنْدَ التَّخْفِيفِ، أَيْ عِنْدَ صَيْرُورَةِ «أَنَّ» إِلَى «أَنْ»، لَا مَعَ بَقَائِهَا مُشَدَّدَةً. وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ «أَنْ» فِي نَحْوِ: «عَلِمْتُ أَنْ زَيْدٌ قَائِمٌ» أَصْلُهَا «أَنَّ»، ثُمَّ خُفِّفَتْ، فَحُذِفَ اسْمُهَا، وَاسْمُهَا المَحْذُوفُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَخَبَرُهَا هُوَ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهَا، وَهِيَ: «زَيْدٌ قَائِمٌ». فَإِذَا أُرِيدَ إِظْهَارُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ رَجَعَتِ الكَلِمَةُ إِلَى أَصْلِهَا المُشَدَّدِ، فَيُقَالُ: «أَنَّهُ»، وَلَا يُقَالُ: «أَنَّ» مَعَ حَذْفِ الضَّمِيرِ مِنْ غَيْرِ تَخْفِيفٍ.
❁ وَقَالَ الخُضَرِيُّ فِي [حَاشِيَتِهِ عَلَى ابْنِ عَقِيلٍ]: «بَقِيَتْ عَلَى مَا كَانَ لَهَا، أَيْ وُجُوبًا بِخِلَافِ المَكْسُورَةِ، وَإِنْ كَانَتْ فَرْعًا لَهَا» انْتَهَى. فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ: «وَإِنْ كَانَتْ فَرْعًا لَهَا»، تَعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ «أَنَّ» فَرْعًا مِنْ «إِنَّ» لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تُسَاوِيَهَا فِي كُلِّ حُكْمٍ.
❁ وَقَالَ الخُضَرِيُّ أَيْضًا فِي المَوْضِعِ نَفْسِهِ: «وَإِنَّمَا عَمِلَتْ فِي ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ لِتَكُونَ كَلَا عَامِلَةٍ، إِظْهَارًا لِضَعْفِهَا بِالتَّخْفِيفِ، لِئَلَّا تَظْهَرَ مَزِيَّةُ الفَرْعِ عَلَى أَصْلِهِ» انْتَهَى. وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ «أَنْ» المُخَفَّفَةَ عَمِلَتْ فِي ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ لِيَظْهَرَ أَنَّ عَمَلَهَا ضَعِيفٌ بِسَبَبِ التَّخْفِيفِ، فَكَأَنَّهَا عَامِلَةٌ مِنْ وَجْهٍ وَغَيْرُ عَامِلَةٍ مِنْ وَجْهٍ.
❁ فَإِذَا سَأَلَ سَائِلٌ: لِمَاذَا أَعْمَلُوا «أَنْ» المَفْتُوحَةَ وَأَهْمَلُوا «إِنْ» المَكْسُورَةَ غَالِبًا، مَعَ أَنَّ اللَّائِقَ فِي ظَنِّهِ التَّسْوِيَةُ أَوِ العَكْسُ لِئَلَّا تَلْزَمَ مَزِيَّةُ الفَرْعِ عَلَى الأَصْلِ؟ فَالجَوَابُ مَا قَالَهُ الصَّبَّانُ فِي [حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الأُشْمُونِيِّ]: «وَحَاصِلُ الجَوَابِ أَنَّ الفَرْعَ قَدْ يُمَيَّزُ عَلَى الأَصْلِ لِمَعْنًى فِيهِ لَا يُوجَدُ فِي الأَصْلِ» انْتَهَى. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ القَاعِدَةَ لَيْسَتْ أَنَّ كُلَّ مَا جَازَ فِي الأَصْلِ جَازَ فِي الفَرْعِ بِلا تَفْصِيلٍ.
❁ وَإِذَا سَأَلَ سَائِلٌ: لِمَاذَا أَعْمَلُوا المَفْتُوحَةَ فِي ضَمِيرٍ، وَالمَكْسُورَةَ فِي ظَاهِرٍ؟ فَيُجِيبُ الصَّبَّانُ بِقَوْلِهِ: «وَقَوْلُهُ عَلَى وَجْهٍ… إِلَخْ، لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ التَّفْرِيعِ؛ إِذْ لَا يُنْتِجُهُ مَا قَبْلَ التَّفْرِيعِ، فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، أَيْ: وَعَمِلَتْ عَلَى وَجْهٍ… إِلَخْ، أَيْ: لِئَلَّا يَظْهَرَ بِالكُلِّيَّةِ مَزِيَّةُ الفَرْعِ عَلَى أَصْلِهِ» انْتَهَى. وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ النُّحَاةَ رَاعَوْا فِي هَذَا البَابِ أَنْ لَا يَظْهَرَ الفَرْعُ كَأَنَّهُ أَقْوَى مِنَ الأَصْلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وكُلُّ هذا لِبَيانِ اختِلافِ ما اختصَّت بِهِ (أنَّ) عمَّا اختصَّت به (إنَّ) خلافًا لِمَا توهَّمه البعض.
❁ وَقَالَ الأُشْمُونِيُّ فِي [شَرْحِ أَلْفِيَّةِ ابْنِ مَالِكٍ]: «فَلِذَلِكَ أُوثِرَتْ أَنْ المَفْتُوحَةُ المُخَفَّفَةُ بِبَقَاءِ عَمَلِهَا عَلَى وَجْهٍ يَبِينُ فِيهِ الضَّعْفُ، وَذَلِكَ بِأَنْ جُعِلَ اسْمُهَا مَحْذُوفًا لِتَكُونَ بِذَلِكَ عَامِلَةً كَلَا عَامِلَةٍ» انْتَهَى. فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ: «أَنْ المَفْتُوحَةُ المُخَفَّفَةُ»، فَهُوَ نَصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، لِأَنَّ الكَلَامَ فِي المُخَفَّفَةِ لَا فِي المُشَدَّدَةِ.
❁ وَقَالَ الصَّبَّانُ فِي شَرْحِ قَوْلِ الأُشْمُونِيِّ: «قَوْلُهُ: فَلِذَلِكَ، أَيْ: لِكَوْنِهَا أَشْبَهَ بِالفِعْلِ… إِلَخْ، أُوثِرَتْ، أَيْ: خُصَّتْ» انْتَهَى. وَمَعْنَى «خُصَّتْ» أَنَّ هَذَا الحُكْمَ خَاصٌّ بِـ«أَنْ» المُخَفَّفَةِ، فَلَا يُنْقَلُ إِلَى «أَنَّ» المُشَدَّدَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
❁ وَيَكْفِي فِي بَيَانِ ذَلِكَ قَوْلُ الأُشْمُونِيِّ: «أُوثِرَتْ»، وَقَوْلُ الصَّبَّانِ: «خُصَّتْ»، فَإِنَّ هَاتَيْنِ العِبَارَتَيْنِ تَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ هَذَا الحُكْمَ مَخْصُوصٌ بِـ«أَنْ» المُخَفَّفَةِ، وَلَيْسَ حُكْمًا مُطْلَقًا يُنْقَلُ إِلَى «أَنَّ» المُشَدَّدَةِ. فَالأُشْمُونِيُّ لَمَّا قَالَ: «أُوثِرَتْ»، مَعْنَاهُ أَنَّ «أَنْ» المُخَفَّفَةَ اخْتِيرَتْ وَخُصَّتْ بِهَذَا الوَجْهِ مِنَ العَمَلِ، وَالصَّبَّانُ لَمَّا فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «خُصَّتْ»، صَرَّحَ بِأَنَّ الحُكْمَ لَهَا عَلَى وَجْهِ الخُصُوصِ. فَبِذَلِكَ يَظْهَرُ فَسَادُ مَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الجُهَّالِ مِنْ قِيَاسِ مَا اخْتَصَّتْ بِهِ «أَنَّ» المَفْتُوحَةُ، عِنْدَ تَخْفِيفِهَا إِلَى «أَنْ»، عَلَى مَا اخْتَصَّتْ بِهِ «إِنَّ» المَكْسُورَةُ، وَكَذَلِكَ يَظْهَرُ فَسَادُ مَا ظَنُّوهُ مِنْ جَوَازِ حَذْفِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مَعَ «أَنَّ» المُشَدَّدَةِ قِيَاسًا عَلَى «أَنْ» المُخَفَّفَةِ؛ لِأَنَّ المَنْصُوصَ عَلَيْهِ عِنْدَ العُلَمَاءِ أَنَّ الحَذْفَ إِنَّمَا هُوَ فِي بَابِ التَّخْفِيفِ، لَا فِي حَالِ بَقَاءِ «أَنَّ» عَلَى تَشْدِيدِهَا.
❖ *التَّمَسُّكُ بِالشَّاذِّ لَا يَنْقُضُ المُعْتَمَدَ*
❁ لَمَّا عَجَزَ بَعْضُ الجُهَّالِ عَنْ إِثْبَاتِ دَعْوَاهُمْ بِالنُّصُوصِ المُعْتَمَدَةِ، تَعَلَّقُوا بِأَقْوَالٍ ضَعَّفَهَا النُّحَاةُ وَحَكَمُوا بِشُذُوذِهَا. وَالشَّاذُّ لَا يُجْعَلُ أَصْلًا تُرَدُّ بِهِ القَوَاعِدُ المُقَرَّرَةُ، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ فِي سِعَةِ الكَلَامِ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ حُجَّةً فِي لَفْظِ الشَّهَادَةِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ أَصْلُ الدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ؟!
❁ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الجُهَّالِ: «إِنَّ تَشْدِيدَ النُّونِ فِي الشَّهَادَةِ الأُولَى مَعْرُوفٌ لِمَنْ تَعَلَّمَ مُخْتَصَرًا فِي النَّحْوِ مِثْلَ أَلْفِيَّةِ ابْنِ مَالِكٍ»، ثُمَّ أَتْبَعَ كَلَامَهُ بِصُورَةِ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ شَيْخِنَا الهَرَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ وَرَضِيَ عَنْهُ فِي «بُغْيَةِ الطَّالِبِ»، مُرِيدًا بِذَلِكَ أَنْ يَنْسُبَ الشَّيْخَ إِلَى مُخَالَفَةِ المَعْرُوفِ عِنْدَ أَهْلِ النَّحْوِ، أَوْ أَنْ يُوهِمَ أَنَّ قَوْلَهُ قَوْلُ مَنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ حَتَّى المُخْتَصَرَاتِ.
❁ وَهَذَا مِنْ عَجِيبِ الغَلَطِ وقد غفل المُتفيهق أنَّ أَلْفِيَّةَ ابْنِ مَالِكٍ لَمْ تَذْكُرْ حَذْفَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ فِي هَذَا البَابِ إِلَّا عِنْدَ تَخْفِيفِ «أَنَّ» حِينَ تَصِيرُ «أَنْ»، كَمَا قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: «وَإِنْ تُخَفَّفْ أَنَّ فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ، وَالخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ أَنْ». فمَن هو العاميُّ الجاهل!؟
❁ وَدَفَعَ التَّكَبُّرُ بِبَعْضِ المُتَنَطِّعِينَ إِلَى التَّمَسُّكِ بِأَقْوَالٍ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلَى أَنَّهَا ضَعِيفَةٌ، وَوَصَفُوهَا بِالشُّذُوذِ، وَبَيَّنُوا أَنَّهَا لَا تَكُونُ فِي سِعَةِ الكَلَامِ المُخْتَارِ، بَلْ إِنَّمَا تُذْكَرُ فِي الشِّعْرِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الشِّعْرَ مَوْضِعٌ تُتَحَمَّلُ فِيهِ الضَّرَائِرُ مَا لَا يُتَحَمَّلُ فِي النَّثْرِ وَالكَلَامِ العَادِيِّ.
❁ وَالمَعْنَى أَنَّ بَعْضَ الجُهَّالِ لَمَّا لَمْ يَجِدُوا فِي القِيَاسِ الصَّحِيحِ وَالكَلَامِ المُعْتَمَدِ مَا يُؤَيِّدُ دَعْوَاهُمْ، تَعَلَّقُوا بِمَا حَكَى العُلَمَاءُ ضَعْفَهُ أَوْ شُذُوذَهُ، ثُمَّ جَعَلُوهُ أَصْلًا يُعَارَضُ بِهِ كَلَامُ المُحَقِّقِينَ. وَهَذَا خَلَلٌ بَيِّنٌ؛ فَإِنَّ الشَّاذَّ لَا يُجْعَلُ أَصْلًا، وَالضَّعِيفَ لَا يُقَدَّمُ عَلَى المُعْتَمَدِ، وَمَا جَاءَ لِلضَّرُورَةِ الشِّعْرِيَّةِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ فِي أَلْفَاظِ الشَّهَادَةِ.
❁ فَهَلْ يَظُنُّ هَؤُلَاءِ أَنَّ ابْنَ هِشَامٍ، وَالدَّمَامِينِيَّ، وَوَحْي زَادَه، وَالأَنْبَارِيَّ، وَابْنَ الحَاجِبِ، وَالرَّضِيَّ الأَسْتَرَابَاذِيَّ، وَابْنَ عُصْفُورٍ كُلَّهُمْ مِنْ جَهَلَةِ العَوَامِّ؛ لِأَنَّهُمْ بَيَّنُوا أَنَّ حَذْفَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ بَعْدَ «أَنَّ» المُشَدَّدَةِ ضَعِيفٌ أَوْ شَاذٌّ؟! بَلِ الجَهْلُ كُلُّ الجَهْلِ أَنْ يُتْرَكَ تَحْقِيقُ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةِ، وَيُتَمَسَّكَ بِمَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً فِي مَوْضِعٍ عَظِيمٍ كَهَذَا.
❖ *نُقُولُ العُلَمَاءِ فِي شُذُوذِ حَذْفِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ فِي غَيْرِ «أَنْ» المُخَفَّفَةِ*
❁ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي [مُغْنِي اللَّبِيبِ]: «وَالمَسْمُوعُ مِنْ حَذْفِهِ شَاذٌّ إِلَّا فِي بَابِ أَنْ المَفْتُوحَةِ إِذَا خُفِّفَتْ» انْتَهَى. وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ حَذْفَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ فِي غَيْرِ «أَنْ» المُخَفَّفَةِ لَيْسَ هُوَ القِيَاسَ المُعْتَمَدَ، بَلْ هُوَ مِنَ الشَّاذِّ الَّذِي لَا يُبْنَى عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ المَسْأَلَةِ.
❁ وَقَالَ الدَّمَامِينِيُّ فِي [شَرْحِهِ عَلَى مُغْنِي اللَّبِيبِ]: «وَالمَسْمُوعُ مِنْ حَذْفِهِ شَاذٌّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إِلَّا فِي بَابِ أَنْ المَفْتُوحَةِ إِذَا خُفِّفَتْ» انْتَهَى. فَقَوْلُهُ: «فِي كُلِّ مَوْضِعٍ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَذْفَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مَعَ «أَنَّ» وَ«إِنَّ» شَاذٌّ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ البَابَ المُسْتَثْنَى هُوَ بَابُ «أَنْ» المَفْتُوحَةِ إِذَا خُفِّفَتْ.
❁ وَقَالَ وَحْي زَادَه فِي [مَوَاهِبِ الأَدِيبِ شَرْحِ مُغْنِي اللَّبِيبِ]: «قَوْلُهُ أَيْ: أَنَّ الشَّأْنَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ حَذْفَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ شَاذٌّ إِلَّا بَعْدَ أَنْ المُخَفَّفَةِ، سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ المَكْسُورَةِ المُشَدَّدَةِ كَمَا وَقَعَ هَهُنَا، وَالمُخَفَّفَةِ إِلَّا عِنْدَ البَعْضِ، فَعَلَى المُصَنِّفِ أَنْ يُشِيرَ إِلَيْهِ، وَسَيُصَرِّحُ عَنْ قَرِيبٍ بِشُذُوذِهِ فِي غَيْرِ أَنْ المَفْتُوحَةِ المُخَفَّفَةِ» انْتَهَى. وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الحَذْفَ شَاذٌّ إِلَّا بَعْدَ «أَنْ» المُخَفَّفَةِ.
❁ وَقَالَ أَبُو البَرَكَاتِ الأَنْبَارِيُّ فِي [البَيَانِ فِي غَرِيبِ القُرْآنِ]: «وَقِيلَ: إِنَّ الهَاءَ مُضْمَرَةٌ مَعَ إِنَّ، كَمَا تَقُولُ: إِنَّهُ زَيْدٌ ذَاهِبٌ، وَفِيهِ أَيْضًا ضَعْفٌ؛ لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَجِيءُ فِي الشِّعْرِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: إِنَّ مَنْ لَامَ فِي بَنِي بِنْتِ حَسَّا~نَ أَلُمْهُ وَأَعْصِهِ فِي الخُطُوبِ» انْتَهَى. وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ حَذْفَ الهَاءِ مَعَ «إِنَّ» لَيْسَ مِنْ سَعَةِ الكَلَامِ المَنْثُورِ المُعْتَمَدِ، بَلْ إِنَّمَا يُذْكَرُ فِي الشِّعْرِ لِلضَّرُورَةِ.
❁ وَقَالَ ابْنُ الحَاجِبِ فِي [كَافِيَتِهِ]: «وَيَتَقَدَّمُ قَبْلَ الجُمْلَةِ ضَمِيرُ غَائِبٍ يُسَمَّى ضَمِيرَ الشَّأْنِ يُفَسَّرُ بِمَا بَعْدَهُ، وَيَكُونُ مُنْفَصِلًا وَمُتَّصِلًا، بَارِزًا وَمُسْتَتِرًا، عَلَى حَسَبِ العَوَامِلِ، نَحْوُ: هُوَ زَيْدٌ قَائِمٌ، وَكَانَ زَيْدٌ قَائِمٌ، وَإِنَّهُ زَيْدٌ قَائِمٌ؛ وَحَذْفُهُ مَنْصُوبًا ضَعِيفٌ إِلَّا مَعَ أَنْ إِذَا خُفِّفَتْ فَهُوَ لَازِمٌ» انْتَهَى. وَهَذَا مِنْ أَوْضَحِ النُّقُولِ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ حَذْفَهُ مَنْصُوبًا ضَعِيفٌ، وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ «أَنْ» المُخَفَّفَةَ فَقَطْ.
❁ وَقَالَ الرَّضِيُّ الأَسْتَرَابَاذِيُّ فِي [شَرْحِ كَافِيَةِ ابْنِ الحَاجِبِ]: «لَا يَجُوزُ حَذْفُ هَذَا الضَّمِيرِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، إِذِ الخَبَرُ مُسْتَقِلٌّ لَيْسَ فِيهِ ضَمِيرٌ رَابِطٌ، وَلَا يُحْذَفُ المُبْتَدَأُ وَلَا غَيْرُهُ إِلَّا مَعَ القَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ» انْتَهَى. وَمَقْصُودُهُ أَنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لَا يُحْذَفُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَإِنَّ حَذْفَهُ يُوقِعُ فِي لَبْسٍ وَنَقْصٍ فِي التَّرْكِيبِ.
❁ وَقَالَ ابْنُ عُصْفُورٍ فِي [الضَّرَائِرِ]: «وَإِنَّمَا قَبُحَ حَذْفُهُ فِي الكَلَامِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ الحَذْفُ إِلَى مُبَاشَرَةِ إِنَّ وَأَخَوَاتِهَا لِلأَفْعَالِ؛ لِأَنَّهُ مُفَسَّرٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَهُ». ثُمَّ قَالَ: «فَكَذَلِكَ أَيْضًا يَقْبُحُ حَذْفُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ وَالقِصَّةِ وَإِبْقَاءُ الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ لَهُ، وَأَيْضًا يُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضِعِ التَّعْظِيمِ، وَالحَذْفُ مُنَاقِضٌ لِذَلِكَ» انْتَهَى. وَمَعْنَاهُ أَنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لَهُ مَقَامٌ فِي تَقْوِيَةِ الكَلَامِ وَتَعْظِيمِ شَأْنِ الجُمْلَةِ بَعْدَهُ، فَحَذْفُهُ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِهِ يُنَاقِضُ مَقْصُودَهُ.
❖ *إِذَا أُظْهِرَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَجَبَ تَشْدِيدُ «أَنَّ»*
❁ إِنَّهُ لَا يَصِحُّ حَذْفُ اسْمِ «أَنَّ» الَّذِي هُوَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ إِلَّا فِي بَابِ «أَنْ» المَفْتُوحَةِ إِذَا خُفِّفَتْ، أَمَّا المَسْمُوعُ مِنْ حَذْفِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ فِي «إِنَّ» فَشَاذٌّ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي [مُغْنِي اللَّبِيبِ]: «وَقِيلَ: اسْمُ إِنَّ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ المَوْضُوعَ لِتَقْوِيَةِ الكَلَامِ لَا يُنَاسِبُهُ الحَذْفُ، وَالمَسْمُوعُ مِنْ حَذْفِهِ شَاذٌّ إِلَّا فِي بَابِ أَنْ المَفْتُوحَةِ إِذَا خُفِّفَتْ» انْتَهَى.
❁ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «المَوْضُوعَ لِتَقْوِيَةِ الكَلَامِ لَا يُنَاسِبُهُ الحَذْفُ» أَنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ يُؤْتَى بِهِ لِتَقْوِيَةِ الجُمْلَةِ وَتَمْكِينِهَا فِي نَفْسِ السَّامِعِ، فَلَا يُنَاسِبُهُ أَنْ يُحْذَفَ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِ الحَذْفِ المَعْرُوفِ.
❁ وَقَالَ الدَّمَامِينِيُّ فِي شَرْحِهِ: «وَقِيلَ: اسْمُ إِنَّ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَحُذِفَ، وَالأَصْلُ: إِنَّهُ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ؛ وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ المَوْضُوعَ لِتَقْوِيَةِ الكَلَامِ لَا يُنَاسِبُهُ الحَذْفُ، وَضَمِيرُ الشَّأْنِ كَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مَا يَعْقُبُهُ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِبْهَامِ ثُمَّ التَّفْسِيرِ، وَالمَسْمُوعُ مِنْ حَذْفِهِ شَاذٌّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إِلَّا فِي بَابِ أَنْ المَفْتُوحَةِ إِذَا خُفِّفَتْ» انْتَهَى.
❁ وَفِي كَلَامِ الدَّمَامِينِيِّ تَبْسِيطٌ لِفَائِدَةِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ؛ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ السَّامِعَ يَنْتَظِرُ مَا بَعْدَهُ، ثُمَّ يَأْتِي التَّفْسِيرُ فَيَتَمَكَّنُ المَعْنَى فِي الذِّهْنِ أَكْثَرَ، فَكَيْفَ يُدَّعَى أَنَّهُ يُحْذَفُ فِي مَوْضِعٍ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الحَذْفِ؟
❁ وَلَا يَصِحُّ فِي غَيْرِ «أَنْ» المُخَفَّفَةِ حَذْفُ اسْمِهَا الَّذِي هُوَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَلَا تُشَدَّدُ إِلَّا مَعَ إِظْهَارِ الضَّمِيرِ؛ لِأَنَّ إِظْهَارَهُ هُوَ مَا يَرُدُّ «أَنْ» المُخَفَّفَةَ إِلَى أَصْلِهَا «أَنَّ» المُشَدَّدَةِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي [مُغْنِي اللَّبِيبِ]: «فَاسْتَسْهَلُوهُ، -أَيْ: ضَمِيرَ الشَّأْنِ-، لِوُرُودِهِ فِي كَلَامٍ بُنِيَ عَلَى التَّخْفِيفِ، فَحُذِفَ تَبَعًا لِحَذْفِ النُّونِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ ذُكِرَ لَوَجَبَ التَّشْدِيدُ؛ إِذِ الضَّمَائِرُ تَرُدُّ الأَشْيَاءَ إِلَى أُصُولِهَا» انْتَهَى.
❁ وَقَالَ الدَّمَامِينِيُّ فِي شَرْحِهِ: «فَاسْتَسْهَلُوهُ لِوُرُودِهِ فِي كَلَامٍ بُنِيَ عَلَى التَّخْفِيفِ، فَحُذِفَ تَبَعًا، أَيْ: لِأَجْلِ التَّبَعِيَّةِ لِحَذْفِ النُّونِ، وَرُبَّ شَيْءٍ يُحْذَفُ تَبَعًا وَلَا يُحْذَفُ اسْتِقْلَالًا، كَالفَاعِلِ يُحْذَفُ مَعَ الفِعْلِ وَلَا يُحْذَفُ وَحْدَهُ، وَحَذْفُ هَذَا الضَّمِيرِ لِعِلَّةٍ أُخْرَى أَيْضًا، وَهِيَ أَنَّ الضَّرُورَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى حَذْفِهِ عِنْدَ إِرَادَةِ تَخْفِيفِ الحَرْفِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ذُكِرَ لَوَجَبَ التَّشْدِيدُ؛ إِذِ الضَّمَائِرُ تَرُدُّ الأَشْيَاءَ إِلَى أُصُولِهَا» انْتَهَى.
❁ وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ حَذْفَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ جَاءَ تَبَعًا لِتَخْفِيفِ «أَنَّ» وَحَذْفِ إِحْدَى النُّونَيْنِ، فَإِذَا ذُكِرَ الضَّمِيرُ زَالَ سَبَبُ التَّخْفِيفِ وَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى الأَصْلِ، فَنَقُولُ: «أَنَّهُ»، لَا «أَنْهُ».
❖ *تَعْقِيبٌ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ كُلَّ مَا جَازَ فِي «إِنَّ» جَازَ فِي «أَنَّ»*
❁ نَقُولُ: إِنَّنَا لَمْ نَحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي المَسْمُوعِ مِنْ كَلَامِ العَرَبِ حَذْفُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مَعَ «أَنَّ» المُشَدَّدَةِ المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ هَكَذَا وَحْدَهُ بِالِاسْتِقْلَالِ فَقَطْ، بَلِ احْتَجَجْنَا أَيْضًا بِانْعِدَامِ النَّصِّ عَلَيْهَا فِي قَوَاعِدِ النَّحْوِ، وَبِمَا بَيَّنَهُ النَّحْوِيُّونَ مِنِ اخْتِلَافِ عَمَلِ «أَنَّ» المَفْتُوحَةِ عَنْ عَمَلِ «إِنَّ» المَكْسُورَةِ، وَبِمَا بَيَّنُوهُ مِنْ إِيثَارِ «أَنْ» المُخَفَّفَةِ عَلَى «أَنَّ» المُشَدَّدَةِ فِي حَذْفِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ.
❁ وَقَدْ يَقُولُ بَعْضُ الجُهَّالِ: «أَنَّ» فَرْعٌ مِنْ «إِنَّ»، وَمَا يَجُوزُ فِي الأَصْلِ يَجُوزُ فِي الفَرْعِ. وَالجَوَابُ أَنَّ هَذَا الإِطْلَاقَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّنَا نَقَلْنَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الفَرْعَ قَدْ يُمَيَّزُ عَلَى الأَصْلِ لِمَعْنًى فِيهِ لَا يُوجَدُ فِي الأَصْلِ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ «أَنَّ» فَرْعًا مِنْ «إِنَّ» أَنْ تُجْرَى مَجْرَاهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ.
❁ وَقَالَ الخَصْمُ: «أَنَّ فَرْعٌ مِنْ إِنَّ، وَمَا يَجُوزُ فِي الأَصْلِ يَجُوزُ فِي الفَرْعِ»، ثُمَّ طَلَبَ مَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ هَذِهِ الدَّعْوَى. فَنَقَلْنَا لَهُ مِنْ كَلَامِ العُلَمَاءِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الفَرْعَ قَدْ يُمَيَّزُ عَلَى الأَصْلِ لِمَعْنًى فِيهِ لَا يُوجَدُ فِي الأَصْلِ، وَعَلَى أَنَّ الفَرْعَ لَا يُجْعَلُ أَقْوَى مِنَ الأَصْلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. فَتَوَهَّمَ أَنَّنَا لَمْ نَفْهَمْ مَا نَقْرَأُ، وَالحَقُّ أَنَّهُ لَمْ يَنْتَبِهْ إِلَى مَوْضِعِ الِاسْتِدْلَالِ، ثُمَّ سَكَتَ آخِرًا عَمَّا كَانَ يَسْتَدِلُّ بِهِ أَوَّلًا مِنْ قَوْلِهِ: «أَنَّ فَرْعٌ مِنْ إِنَّ». فَتَأَمَّلْ.
❁ فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيمَا نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ مَالِكٍ فِي [الكَافِيَةِ] مِنْ جَوَازِ حَذْفِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مَعَ «إِنَّ» وَأَخَوَاتِهَا؛ لِأَنَّ ابْنَ مَالِكٍ نَفْسَهُ قَدْ قَيَّدَ مَحَلَّ الكَلَامِ فِي [الأَلْفِيَّةِ] بِالتَّخْفِيفِ، فَقَالَ: «وَإِنْ تُخَفَّفْ أَنَّ فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ». فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الحَذْفَ المَذْكُورَ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ تَخْفِيفِ «أَنَّ» فَتَصِيرُ «أَنْ»، لَا مَعَ بَقَائِهَا مُشَدَّدَةً.
❁ وَقَدْ نَصَّ النَّحْوِيُّونَ فِي بَيَانِ الفَرْقِ بَيْنَ «أَنَّ» المَفْتُوحَةِ وَ«إِنَّ» المَكْسُورَةِ عَلَى اخْتِصَاصِ «أَنْ» المُخَفَّفَةِ وَإِيثَارِهَا فِي هَذَا البَابِ، أَيْ فِي أَنْ تَعْمَلَ فِي ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ، دُونَ «أَنَّ» المُشَدَّدَةِ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَاتَ الخَصْمَ، فَظَنَّ أَنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِ «أَنَّ» فَرْعًا مِنْ «إِنَّ» يَكْفِي لِنَقْلِ الحُكْمِ إِلَيْهَا بِغَيْرِ قَيْدٍ وَلَا شَرْطٍ، مَعَ أَنَّ كَلَامَ المُحَقِّقِينَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
❁ فَالحَاصِلُ أَنَّ مَا فِي [الكَافِيَةِ]، لَا يَنْقُضُ مَا فِي [الأَلْفِيَّةِ] مِنْ تَقْيِيدِ الحَذْفِ بِالتَّخْفِيفِ، وَلَا يَرْفَعُ مَا قَرَّرَهُ النُّحَاةُ مِنْ أَنَّ «أَنْ» المُخَفَّفَةَ هِيَ المَحَلُّ الَّذِي يُحْذَفُ فِيهِ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، أَمَّا «أَنَّ» المُشَدَّدَةُ فَلَا يُحْذَفُ مَعَهَا الضَّمِيرُ عَلَى الوَجْهِ المُعْتَمَدِ، بَلْ إِمَّا أَنْ يُظْهَرَ فَيُقَالَ: «أَنَّهُ»، وَإِمَّا أَنْ يُؤْتَى بِخَبَرٍ يُتِمُّ الكَلَامَ.
❁ وَجَوَابُ مَا وَرَدَ فِي المَسْمُوعِ مِنْ حَذْفِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مَعَ «أَنَّ» المَفْتُوحَةِ أَنَّهُ لَا يَأْتِي إِلَّا فِي الشِّعْرِ خَاصَّةً، كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ النَّحْوِيُّونَ. قَالَ يَعِيشُ النَّحْوِيُّ فِي [شَرْحِ المُفَصَّلِ]: «وَلَا يَجُوزُ حَذْفُ هَذِهِ الهَاءِ إِلَّا فِي الشِّعْرِ؛ لَا يَجُوزُ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ: إِنَّ زَيْدٌ ذَاهِبٌ، عَلَى مَعْنَى إِنَّهُ زَيْدٌ ذَاهِبٌ» انْتَهَى. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الحَذْفَ لَا يُتَّخَذُ قِيَاسًا فِي الكَلَامِ المُخْتَارِ.
❖ *بَيَانُ وَهْمِ مَنْ نَسَبَ إِلَى سِيبَوَيْهِ خِلَافَ ذَلِكَ*
❁ وَقَدْ تَجَرَّأَ بَعْضُ الجُهَّالِ عَلَى مُخَالَفَةِ هَذَا البَيَانِ، مُسْتَدِلًّا بِحِكَايَةٍ مِنْ كِتَابٍ فِي النَّوَادِرِ اسْمُهُ [جَمْعُ الجَوَاهِرِ فِي المُلَحِ وَالنَّوَادِرِ] لِلْقَيْرَوَانِيِّ، مَعَ أَنَّ هَذَا الكِتَابَ لَمْ يَضَعْهُ مُصَنِّفُهُ لِتَحْرِيرِ هَذِهِ المَسَائِلِ، فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ أَحْكَامُ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ، فَضْلًا عَنْ أَنَّ مَنْ تَعَلَّقَ بِهَذَا النَّقْلِ لَمْ يُدْرِكْ أَنَّ مَا قَرَأَهُ فِي بَعْضِ الصُّحُفِ مِنَ الأَخْبَارِ السَّقِيمَةِ جَاءَ فِيهِ تَصْحِيفٌ لِلحِكَايَةِ، وَلَيْسَ عَلَى أَصْلِهَا.
❁ فَأَمَّا مَا اسْتَحَبَّهُ سِيبَوَيْهِ فَهُوَ قَوْلُ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» عَلَى قَوْلِ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهٌ إِلَّا اللهُ»، فَالفَرْقُ هُنَا فِي لَفْظِ «إِلَهَ» أَوْ «إِلَهٌ»، أَيْ فِي الإِعْرَابِ، لَا فِي تَشْدِيدِ «أَنْ» وَتَخْفِيفِهَا. فَالجُمْلَةُ الأُولَى فِيهَا «إِلَهَ» بِالفَتْحِ، وَالثَّانِيَةُ فِيهَا «إِلَهٌ» بِالرَّفْعِ، وَهَذَا هُوَ الفَرْقُ الَّذِي تَكَلَّمُوا عَلَيْهِ، لَا أَنَّ سِيبَوَيْهِ اسْتَحَبَّ تَشْدِيدَ «أَنْ» فِي وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ.
❁ وَقَدْ ضَبَطَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى الشَّكْلِ الآتِي: «قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَتِ، قُلْ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَإِنْ شِئْتَ فَقُلْ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهَ؛ فَقَدْ قَالَ الفَرَّاءُ: كِلَاهُمَا جَائِزٌ، وَالأُولَى أَحَبُّ إِلَى سِيبَوَيْهِ» انْتَهَى. فَانْظُرْ إِلَى أَنَّ الفَرْقَ فِي شَكْلِ لَفْظِ الجَلَالَةِ أَوْ فِي الإِعْرَابِ، وَلَيْسَ فِي تَشْدِيدِ «أَنْ».
❁ وَرَوَى ابْنُ الجَوْزِيِّ نَحْوَ ذَلِكَ فِي [أَخْبَارِ الحَمْقَى وَالمُغَفَّلِينَ]، فَقَالَ مَا نَصُّهُ: «وَعَنْ أَبِي العَيْنَاءِ عَنِ العَطَوِيِّ الشَّاعِرِ أَنَّهُ دَخَلَ إِلَى رَجُلٍ عِنْدَنَا بِالبَصْرَةِ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا فُلَانُ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَإِنْ شِئْتَ فَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهَ، وَالأُولَى أَحَبُّ إِلَى سِيبَوَيْهِ، ثُمَّ أَتْبَعَ أَبُو العَيْنَاءِ ذَاكَ بِأَنْ قَالَ: سَمِعْتُمْ ابْنَ الفَاعِلَةِ يَعْرِضُ أَقْوَالَ النَّحْوِيِّينَ عَلَى رَجُلٍ يَمُوتُ» انْتَهَى.
❁ وَمَقْصُودُ هَذِهِ الحِكَايَةِ أَنَّ الرَّجُلَ أَخَذَ يَذْكُرُ أَوْجُهَ الإِعْرَابِ لِرَجُلٍ فِي حَالِ الِاحْتِضَارِ، وَلَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَشْدِيدِ «أَنْ» فِي الشَّهَادَةِ الأُولَى مِنْ غَيْرِ ضَمِيرِ شَأْنٍ وَلَا خَبَرٍ. فَمَنْ تَعَلَّقَ بِهَا فِي هَذَا البَابِ فَقَدْ وَضَعَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا.
❁ وَحَكَى ابْنُ الجَوْزِيِّ فِي [أَخْبَارِ الحَمْقَى وَالمُغَفَّلِينَ] قِصَّةً فِيهَا: «قَالَ: حُدِّثْنَا أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَمِعَ مُؤَذِّنًا كَانَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللهِ، بِالنَّصْبِ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، فَعَلَ مَاذَا؟» انْتَهَى. فَالأَعْرَابِيُّ فَهِمَ أَنَّ الكَلَامَ نَاقِصٌ؛ لِأَنَّ نَصْبَ «رَسُولَ» جَعَلَهُ يَنْتَظِرُ خَبَرًا، فَقَالَ: «فَعَلَ مَاذَا؟»، أَيْ كَأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِاسْتِكْمَالِ الكَلَامِ.
❁ فَفِي هَذِهِ الحِكَايَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ العَرَبِيَّ يَفْهَمُ نَقْصَ الكَلَامِ إِذَا لَمْ يُؤْتَ بِالخَبَرِ، فَلِمَاذَا يَأْخُذُ بَعْضُ الجُهَّالِ مِنْ حِكَايَاتِ الحَمْقَى مَا يَظُنُّهُ لَهُ، وَيَتْرُكُ مَا فِيهَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى نَقْصِ الكَلَامِ المُبْتَرِ؟
❁ عَلَى أَنَّ نَقْصَ الثَّانِيَةِ لَيْسَ كَنَقْصِ الأُولَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: «أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا» ثُمَّ نَصَبَ كَلِمَةَ «رَسُولَ» فِي قَوْلِهِ: «رَسُولَ اللهِ»، فَقَدْ تَضَمَّنَ اللَّفْظُ الإِقْرَارَ بِرِسَالَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ حَيْثُ الجُمْلَةُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ خَلَلٌ إِعْرَابِيٌّ، أَمَّا لَوْ قَالَ: «أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» وَسَكَتَ، فَلَمْ يَأْتِ بِضَمِيرِ الشَّأْنِ وَلَا بِخَبَرٍ، فَإِنَّ المَعْنَى لَا يَتَضَمَّنُ الإِقْرَارَ عَلَى الوَجْهِ الصَّحِيحِ الَّذِي يَجِبُ فِي هَذَا المَقَامِ.
❖ *التَّحْذِيرُ مِنَ التَّصَدُّرِ بِغَيْرِ عِلْمٍ*
❁ إِنَّ مَثَلَ بَعْضِ الجُهَّالِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ كَمَثَلِ مَنْ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ حِينَ تَصَدَّرَ لِتَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ وَادِّعَاءِ الفِقْهِ وَالفَهْمِ، وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ لَا يَمْلِكُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا الدَّعْوَى، مُعْتَمِدًا عَلَى جَمْعِ النُّقُولِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ، أَوْ عَلَى البَحْثِ فِي الكُتُبِ وَالمَوَاقِعِ مِنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ بِمَوَاضِعِ الِاسْتِدْلَالِ.
❁ وَكَانَ الأَوْلَى بِمَنْ تَصَدَّرَ لِلكَلَامِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ أَنْ لَا يُخَالِفَ قَوْلَ العَالِمِ العَامِلِ العَارِفِ الثِّقَةِ، خُصُوصًا أَنَّ المَسْأَلَةَ وَإِنْ كَانَتْ نَحْوِيَّةً مِنْ جَانِبٍ، فَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِصِحَّةِ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَبِالتَّالِي بِصِحَّةِ دُخُولِ الكَافِرِ فِي الإِسْلَامِ، فَالأَمْرُ عَظِيمٌ، وَلَا يَلِيقُ فِيهِ التَّسَاهُلُ وَلَا التَّشْغِيبُ.
❁ وَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا الهَرَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ وَرَضِيَ عَنْهُ فِي كِتَابِ [بُغْيَةِ الطَّالِبِ فِي مَعْرِفَةِ العِلْمِ الدِّينِيِّ الوَاجِبِ] «دَارُ المَشَارِيعِ، ص/32، ط/8، ج1»: «وَمَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، بِلَا إِدْغَامٍ، صَحَّتْ شَهَادَتُهُ، أَمَّا الَّذِي يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، لَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا كَلَامٌ مَبْتُورٌ كَمَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ زَيْدًا، وَسَكَتَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْتِيَ بِالخَبَرِ» انْتَهَى كَلَامُهُ.
❖ *مَا يَكْفِي الجَاهِلَ وَالأَعْجَمِيَّ وَالعَاجِزَ*
❁ أَمَّا مَنْ كَانَ جَاهِلًا لَا يَعْرِفُ النُّطْقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ، فَإِنَّ مَنْ دَعَاهُ إِلَى الإِسْلَامِ يُلَقِّنُهُ الشَّهَادَةَ بِالطَّرِيقَةِ الصَّحِيحَةِ، وَلَا يُتْرَكُ يَتَلَفَّظُ بِعِبَارَةٍ مُبْتَرَةٍ مَعَ القُدْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِهِ الصَّوَابَ. وَيَكْفِي لِصِحَّةِ دُخُولِهِ فِي الإِسْلَامِ أَنْ يَقُولَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ»، مِنْ غَيْرِ لَفْظِ «أَشْهَدُ» إِذَا أَرَادَ ذَلِكَ، مَا دَامَ مُقِرًّا بِمَعْنَاهَا.
❁ وَأَمَّا الأَعْجَمِيُّ فَيَقُولُهَا بِلُغَتِهِ بِمَا يَتَضَمَّنُ الإِقْرَارَ بِمَعْنَاهَا، وَأَمَّا العَاجِزُ عَنِ النُّطْقِ فَيَدْخُلُ فِي الإِسْلَامِ بِالِاعْتِقَادِ. فَلَيْسَ المَقْصُودُ التَّضْيِيقَ عَلَى النَّاسِ، وَلَا تَكْلِيفَهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَإِنَّمَا المَقْصُودُ تَعْلِيمُ الصَّوَابِ وَمَنْعُ الغَلَطِ فِي اللَّفْظِ العَرَبِيِّ عِنْدَ القُدْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِهِ.
❖ *الخُلَاصَةُ*
❁ وَالخُلَاصَةُ فِي كُلِّ مَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ أَبَدًا قَوْلُ «أَنَّ» مُشَدَّدَةً فِي الشَّهَادَةِ الأُولَى إِلَّا بِإِلْحَاقِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، وَهُوَ الهَاءُ، فَيُقَالُ: «أَشْهَدُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، أَوْ بِزِيَادَةِ خَبَرٍ لِلجُمْلَةِ، كَقَوْلِ القَائِلِ: «أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ كَلِمَةُ حَقٍّ». أَمَّا قَوْلُ «أَنَّ» مُشَدَّدَةً مَعَ حَذْفِ الهَاءِ أَوْ إِسْقَاطِهَا فِي اللَّفْظِ، ثُمَّ تَرْكُ الجُمْلَةِ بِلَا خَبَرٍ، فَهَذَا مِمَّا لَا يَسْتَقِيمُ.
❁ وَمَنْ خَالَفَ مُتَوَهِّمًا أَنَّ النَّحْوَ مَعَهُ فَقَدْ أَبْعَدَ الرَّمْيَةَ، وَأَدْخَلَ نَفْسَهُ فِيمَا لَا يُحْمَدُ؛ إِذِ الوَاجِبُ فِي مِثْلِ هَذَا البَابِ أَنْ يُرْجَعَ إِلَى كَلَامِ أَهْلِ العِلْمِ المُحَقِّقِينَ، لَا إِلَى الحِكَايَاتِ المُصَحَّفَةِ، وَلَا إِلَى الشَّوَاذِّ، وَلَا إِلَى القِيَاسِ الفَاسِدِ.
❁ فَالعِبْرَةُ بِالِاتِّبَاعِ لَا بِالِابْتِدَاعِ، وَبِالتَّحْقِيقِ لَا بِالتَّشْغِيبِ، وَبِالفَهْمِ عَنْ أَهْلِ العِلْمِ لَا بِمُجَرَّدِ جَمْعِ النُّقُولِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ. وَآخِرُ الدُّعَاءِ أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
وَكَتَبَهُ الرَّاجِي رَحمَةَ رَبِّهِ
د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ.

اترك رد