الأشاعرة مُجمعون على كُفر المُجسِّمة، وغير صحيح أنَّهُم يُفسِّقون المُجَسِّم ولا يُكفِّرونه، فقد قال بدر الدِّين الزَّركشيُّ في [تشنيف المسامع]: <ونُقِلَ عن الأشعريَّة أنَّه يَفْسُقُ وهذا النَّقل عن الأشعريَّة ليس بصحيح> انتهَى ومعناه أنَّ الصَّحيح أنَّ الأشاعرة يُكفِّرون مَن وصف الله بالجسم.وقد نقل المُحدِّث الأُصوليُّ بدر الدِّين الزَّركشيُّ في [تشنيف المسامع] اتِّفاق المُسلمين على كُفر مَن يقول بأزليَّة نوع العالم فقال بعد أنْ ذكر أنَّ الفلاسفة قالوا: (إنَّ العالَم قديم بمادَّته وصُورته) وبعضُهُم قال: (قديم المادَّة مُحدَث الصُّورة) ما نصُّه: <وضلَّلهُمُ المُسلمون في ذلك وكفَّرُوهُم> انتهَى.
قال الإمام أحمد بن حنبل: <مَن قال: اللهُ جسمٌ لا كالأجسامِ: كَفَرَ> انتهَى ذكره بدر الدِّين الزَّركشيُّ في [تشنيف المسامع] فلا شكَّ عند أحد مِن عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة في براءة الإمام أحمد رضي الله عنه مِن المُجسِّمة والمُشبِّهة جميعهم ولو انتسب بعضُهُم إلى مذهبه
وقال ابن الجوزيِّ الحنبليُّ في [دفع شُبَه التَّشبيه]: <ورأيت مِن أصحابنا مَن تكلَّم في الأُصول بما لا يصلُح فصنَّفوا كُتُبًا شانوا بها المذهب وأثبتوا لله وجهًا زائدًا على الذَّات وعينَين وفمًا ولهوات وأضراسًا وأضواء ويدين وأصابع وكفًّا وإبهامًا وصدرًا وفخذًا وساقين ورِجلين> انتهَى مُختصَرًا.
وقد أجمع أهل السُّنَّة والجماعة على كُفر مَن نسب إلى الله الجسم عالمًا أنَّه يعني المُركَّب المُؤلَّف؛ لأنَّ مَن فهم المعنَى ونسبه إلى الله فقد قال بتبعيض ذات الله سُبحانه! فالإجماع مُنعقد على كُفره. قال ابن الجوزيِّ في [دفع شُبه التشبيه]: <ومَن ذكر تبعيض الذَّات كفر بالإجماع> انتهَى.
وقد زعم بعض المُصنِّفين أنَّ الأشاعرة يُفسِّقُون المُجسِّم ولا يُكفِّرونه وهذا افتراء على الأشاعرة؛ ولذلك ردَّ الحافظ بدر الدِّين الزَّركشيُّ هذا الادِّعاء وبيَّن أنَّه غير صحيح فقال في كتابه [تشنيف المسامع]: <ونُقِلَ عن الأشعريَّة أنَّه يَفْسُقُ؛ وهذا النَّقل عن الأشعريَّة ليس بصحيح> انتهَى.
وأمَّا مَن حمل قول الأشعريِّ: (اشهد عليَّ أنِّي لا أُكفِّر أحدًا مِن أهل هذه القِبلة لأنَّ الكُلَّ يُشيرون إلى معبود واحد وإنَّما هذا اختلاف العبارات) انتهَى على أنَّه لا يحكُم بتكفير أحد مِن المُنتسبين إلى الإسلام أبدًا فهذا افتراء عظيم على الأشعريِّ لا يُصدِّقه عاقل ولا يُوافق عليه صاحب رُشد.
فإنَّ مِن الفِرَق المُنتسبة إلى الإسلام -زُورًا وباطلًا- فرقة البَيَانِيَّة وفرقة السَّبئيَّة وفرقة الجَنَاحِيَّة ولكُلٍّ مِن هذه الفِرَق ولغيرها مِن الكُفر القبيح ما يجعل الوِلدانَ شِيبًا والعياذ بالله تعالَى فكيف يُصدِّق مُسلم عاقل أنَّ الإمام الأشعريَّ لا يحكُم بتكفير مَن قال بمقالات هذه الفِرَق الضَّالَّة!؟
ففي فرقة البَيَانِيَّة يقول أبو منصور البغداديُّ في [الفَرق بين الفِرَق] صـ/208 فصل [ذكر البَيَانيَّة مِن الغُلاة وبيان خُروجها عن فِرق الإسلام]: <واختلف هؤُلاء في بيانٍ زعيمهم فمنهُم مَن زعم أنَّه كان نبيًّا وأنَّه نسخ بعض شريعة مُحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ومنهُم مَن زعم أنَّه كان إلهًا> إلخ..
ويقول في فرقة الجناحيَّة [الفَرق بين الفِرَق] صـ/216: <وحكوا لأتباعهم أنَّ عبدالله بن مُعاوية بن عبدالله بن جعفر زعم أنَّه ربٌّ وأنَّ رُوح الإله كانت في آدم ثُمَّ في شيث ثُمَّ دارت في الأنبياء والأئمَّة إلى أنِ انتهَت إلى عليٍّ ثُمَّ دارَت في أولاده الثَّلاثة ثُمَّ صارت إلى عبدالله بن مُعاوية> إلخ..
ويقول في فرقة السَّبئيَّة [الفَرق بين الفِرَق] صـ/215: <السَّبئيَّة أتباع عبدالله بن سبإ الَّذي غلَا في عليٍّ رضي الله عنه فزعم أنَّه كان نبيًّا ثُمَّ غلَا فيه حتَّى زعم أنَّه إله ودعا إلى ذلك قومًا مِن غُواة الكُوفة ورُفع خبرُهُم إلى عليٍّ رضي الله عنه فأمر بإحراق قوم منهُم في حُفرتَين> إلخ..
وقال تقيُّ الدِّين الحصنيُّ في [كفاية الأخيار] في تكفير المُجسِّمة: <وهُو الصَّواب الَّذي لا محيد عنه إذ فيه مُخالفة صريح القُرآن> انتهَى فلمَّا قال (لا محيد عن تكفيرهم) علمنا أنَّ المسألة ليست خلافيَّة؛ إذ لا يختلف مُسلمانِ في أنَّ تكذيب صريح القُرآن الكريم كُفر والعياذ بالله.



اترك رد