مجلس 37 : وقفة مع الإمام الرازي في مسألة العصمة
الحمدلله وصلى الله وسلم على رسول الله اللهم اجعل نياتنا خالصة لوجهك الكريم وامحقِ اللهمَّ الفتنة وأهلَها ءامين
الإمام الرازي خاض في الكلام عن العصمة في تفسيره الكبير وكذلك في كتاب له اسمه كتاب العصمة وفي الكتابين تكلم الرازي في غير موضع عن عصمة الأنبياء وتناول الرازي تفسير بعض الآيات التي تتعلق بها مسألة العصمةفبيَّن رحمه الله مذاهب علماء أهل السنة والجماعة
أظهر قول نفسه في مواضع وأظهر أقوال غيره من علماء أهل السنة والجماعة في مواضع أخرى
أهل الفتنة سلَّطوا الضوء على بعض كلامه وأخفوا بقيته!
(أرجو من صغار أهل الفتنة مساءلة كبارهم عن سبب هذا التدليس الذي ينسبونه إلى غيرهم وهو ليس كالذي ينسبونه إلى غيرهم فغيرهم إذا اقتطع لا يقتطع بحيث يحرف المعنى ويغيره بينما هم فعلوا بهذا القصد والعياذ بالله) ليدلسوا بذلك على المسلمين ليخادعوا المسلمين من خلال تحريف مذاهب العلماء ونحن بإذن الله *ننقل كلام الرازي في غير موضع*
بحيث نشمل وجوه ما نقله عن أهل السنة والجماعة من التفاسير مع ذكر موضع الكلام بإذن الله تعالى
فتابعوني بورك بكم
ففي موضع قال الفخر الرَّازيُّ فقال فِي كتابه [عصمة الأنبياء] فِي تفسير قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ}: <جَوَابُهُ: أَنَّهُ مَحْمُولٌ إِمَّا عَلَى الصَّغِيرَةِ أَوْ تَرْكِ الأَوْلَى أَوِ التَّوَاضُعِ>* انتهى
فالرازي هنا بهذه الحروف القليلة اختصر مذاهب العلماء في عصمة الأنبياء عن صغائر غير منفرة
اختصر كل مذاهبهم في وجوه ثلاثة:
- أن يكون المراد الصغائر – وهل نسبنا نحن إلى الجمهور غير ذلك!
- أو ترك الأولى
- أو التواضع
فيكون الرازي بالتالي قد نص في هذا الموضع بما لا يقبل مجالا للشك على أن أهل السنة منهم من حمل الآية على الإشارة إلى ذنب صغير للنبي عليه الصلاة والسلام فهل يكون الرازي زنديقا عند أهل الفتنة لمجرد ذلك؟
وفي موضع ثان قال الرَّازيُّ فِي تفسير {لِيَغْفِرَ لَكَ}: <قلنا الجواب عنه قد تقدَّم مرارًا مِن وجوه أحدها المُراد ذنب المُؤمنين ثانيها المُراد ترك الأفضل ثالثُها الصَّغائر فإنَّها جائزة على الأنبياء بالسَّهو والعَمْد..> انتهى
ثُمَّ قال: <رابعها مِن قبل النُّبوَّة ومِن بعدها وعلى هذا فمَا قبل النُّبوَّة بالعفو وما بعدها بالعصمة> انتهى.
فإذًا في هذا الموضع اختصر الرازي أقوال علماء أهل السنة على أربعة وجوه هي التالية:
- *أن المراد ذنب المؤمنين*
- *أن المراد ترك الأفضل*
- *أن المراد الصغائر*
(وقال في هذا: <ثالثُها الصَّغائر فإنَّها جائزة على الأنبياء بالسَّهو والعَمْد> ولم يخصص زمانا وفصل بين هذا وبين الوجه الرابع لتعلم أنه لم يعنِ قبل النبوة فيه) *أن المراد قبل النبوة*
فيكون الرازي قد نص في هذا الموضع بما لا يقبل مجالا للشك على أن أهل السنة منهم من حمل الآية على الإشارة إلى ذنب صغير للنبي عليه الصلاة والسلام كما في الوجه الثالث
فهل يكون الرازي زنديقا عند أهل الفتنة لمجرد ذلك؟
وفي موضع ثالث قال الرَّازيُّ فِي [التَّفسير الكبير]: <(وثالثها) أنَّ قوله {وَاسْتَغْفِرْهُ} إمَّا أنْ يكون المُراد واستغفر الله لنفسك أو لأُمَّتك فإنْ كان المُراد هُو الأوَّل فهُو يتفرَّع على أنَّه هل صدرت عنه معصية أم لا.فمَن قال صدرت المعصية عنه ذكر فِي فائدة الاستغفار وُجوهًا(أحدها) أنَّه لا يمتنع أنْ تكون كثرة الاستغفار منه تُؤثِّر فِي جعل ذنبه صغيرة (وثانيها) لزمه الاستغفار لينجو عن ذنب الإصرار (وثالثها) لزمه الاستغفار ليصير الاستغفار جابرًا للذَّنب الصَّغير فلا ينتقض مِن ثوابه شيء أصلًا> انتهى
وقد نقلتُ القول بكامله حتى لا يتهمني حثالة الأغبياء بالتدليس لأن كل اقتطاع عندهم تدليس ولو لم يؤدِّ إلى تغيير المعنى فشأن أهل الفتنة شأن الجاهل لا يعرف مدلول الكلام ولا محله ولا حد المصطلحات فلا حول ولا قوة إلا بالله
إذًا يقول الرَّازيُّ: *<(وثالثها) أنَّ قوله {وَاسْتَغْفِرْهُ} إمَّا أنْ يكون المُراد واستغفر الله لنفسك أو لأُمَّتك>* انتهى
والمعنى:
أن الرازي جعل لتفسير هذه الآية احتمالين اثنين. الاحتمال الأول: – أن يكون المراد استغفر لنفسك
الاحتمال الثاني: – أن يكون المراد استغفر لأمتك (فنترك الكلام على هذا الاحتمال ونفصل في الأول)
يقول: <فإنْ كان المُراد هُو الأوَّل فهُو يتفرَّع على أنَّه هل صدرت عنه معصية أم لا> انتهى
قوله <يتفرع على أنه هل صدرت عنه معصية> معناه بعضهم قال صدرت وبعضهم قال ما صدرت. بدليل قوله بعد ذلك (فمن قال صدرت..) إلخ..
والمعنى العام لكلامه هنا أنه إن كان المراد الأول أي إن كان المراد بالآية أمر للنبي بالاستغفار لنفسه فهنا يتفرع احتمالان:
..الاحتمال الأول: – هل صدرت من الرسول معصية
الاحتمال الثاني: – أم لم يصدر منه ذلك (فنترك التوسع في تفصيل الكلام على هذا الاحتمال ونفصل في الأول لكونه محل المبحث)
يقول: <فمَن قال صدرت المعصية عنه ذكر فِي فائدة الاستغفار وُجوهًا* (أحدها) أنَّه لا يمتنع أنْ تكون كثرة الاستغفار منه تُؤثِّر فِي جعل ذنبه صغيرة> انتهى
ودخل الرازي هنا في تفصيل شرح الآية وتفسيرها عند مَن قال (إن النبي صدرت منه المعصية)
فتناول ثلاثة وجوه الوجه الأول: أن مَن قال من العلماء: صدرت من الرسول معصية ذكر أن كثرة الاستغفار مع التوبة منها فورًا تؤكد أن الذنب صغير
(وليس مراده أنَّ ذنب النَّبيِّ كان كبيرة ثُمَّ صار صغيرة لأنَّ الإجماع مُنعقد على عصمته صلَّى الله عليه وسلَّم مِن الكبائر)
يقول: <(وثانيها) لزمه الاستغفار لينجو عن ذنب الإصرار> انتهى
الوجه الثاني: أن مَن قال من العلماء: صدرت من الرسول معصية جعل الاستغفار مانعا في أن يلتحق ذنبه بالكبائر
لأن الاستغفار يدل أنه لا يُصرُّ على الصغيرة وأنه لا يكررها ولا يكثر منه وقوع الصغائر فلا يلتحق ما يصدر عنه من الصغائر بالكبائر مطلقا
يقول: <(وثالثها) لزمه الاستغفار ليصير الاستغفار جابرًا للذَّنب الصَّغير فلا ينتقض مِن ثوابه شيء أصلًا> انتهى
الوجه الثالث: أن مَن قال من العلماء: صدرت من الرسول معصية يقول إن النبي يقبل على الاستغفار ويكثر منه فيجبر ما كان فاته من الثواب فيصير بحالة وكأنه ما فاته شيء من الثواب بسبب ما حصل من الأجر في كثرة الاستغفار
فهذه *الوجوه الثلاثة* تكلم عنها الرازي هي عند من قال إنه صدرت من الرسول معصية
*وكلام الرزاي صريح الدلالة في المقصود* فلا يُنكره إلا أعمى أو جاهل متصولح
فتبين معنا في خلاصة هذا المبحث القصير أن الإمام الرازي
– *يقول تارة بالعصمة المطلقة*
– *ويقول تارة بقول الجمهور ويفصل فيه تفصيلا كما مر معنا*
(ينقل قول نفسه تارة وقول الجمهور بصيغة تقريرية فلا ينكره)
وبهذا يتأكد لكل أحد أن *أهل الفتنة يحرفون مذاهب العلماء* ويعبثون في دين الله والعياذ بالله منهم
وقد ابتلاهم الله بما ابتلى به غيرهم من أهل البدع والأهواء *فنطقوا بما لازمه تضليل جمهور أهل السنة والجماعة* وهذا كاف في الدلالة على كونهم أهل فتنة
وقال الرازي في موضع آخر من تفسيره: <الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَنْبٌ، فَمَاذَا يُغْفَرُ لَهُ؟ قُلْنَا الْجَوَابُ: عَنْهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِرَارًا مِنْ وُجُوهٍ
أَحَدُهَا:
الْمُرَادُ ذَنْبُ الْمُؤْمِنِينَ
ثَانِيهَا: الْمُرَادُ تَرْكُ الْأَفْضَلِ
*ثَالِثُهَا: الصَّغَائِرُ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِالسَّهْوِ وَالْعَمْدِ، وَهُوَ يَصُونُهُمْ عَنِ الْعُجْبِ*
رَابِعُهَا: الْمُرَادُ الْعِصْمَةُ، وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَهُ فِي سُورَةِ الْقِتَالِ> انتهى كلامه.
فانظر كيف أنه لما ذكر *<ثَالِثُهَا: الصَّغَائِرُ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِالسَّهْوِ وَالْعَمْدِ>* انتهى لم يقيده بزمان
وتكلم في وجه من وجوه الحكمة من وقوعهم في الصغائر فقال: <وَهُوَ يَصُونُهُمْ عَنِ الْعُجْبِ> – – – > فهذا قول الجمهور
فكل كلام الرازي يؤيد ما قلناه في مسألة العصمة ولكن أهل الفتنة قوم يكذبون ويفترون ويخلطون الحق بالباطل فيضلون والعياذ بالله
وتابع الرازي قائلا: <الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَما تَأَخَّرَ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ
أَحَدُهَا: أَنَّهُ وَعَدَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ لَا يُذْنِبُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ
*ثَانِيهَا: مَا تَقَدَّمَ عَلَى الْفَتْحِ، وَمَا تَأَخَّرَ عَنِ الْفَتْحِ*
ثَالِثُهَا: الْعُمُومُ يُقَالُ اضْرِبْ مَنْ لَقِيتَ وَمَنْ لَا تَلْقَاهُ، مَعَ أَنَّ مَنْ لَا يَلْقَى لَا يُمْكِنُ ضَرْبُهُ إِشَارَةً إِلَى الْعُمُومِ
رَابِعُهَا: مِنْ قَبْلِ النُّبُوَّةِ وَمِنْ بَعْدِهَا، وَعَلَى هَذَا فَمَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِالْعَفْوِ وَمَا بَعْدَهَا بِالْعِصْمَةِ
*وَفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ سَاقِطَةٌ، مِنْهَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِ مَارِيَةَ، وَمَا تَأَخَّرَ مِنْ أَمْرِ زَيْنَبَ،* وَهُوَ أَبْعَدُ الْوُجُوهِ وَأَسْقَطُهَا لِعَدَمِ الْتِئَامِ الْكَلَامِ> انتهى
فانظر كيف أنه ذكر <مَا تَقَدَّمَ عَلَى الْفَتْحِ، وَمَا تَأَخَّرَ عَنِ الْفَتْحِ> انتهى
ومعلوم أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم *كان نبيا قبل الفتح وبعده* _وهذا الوجه قول الجمهور_ والرازي لم ينكره بل أقره بدليل أنه بعد أن ذكر الوجوه التي يراها قائمة صحيحة نبَّه إلى وجود أقوال أخرى لكنها ساقطة ومنها قول بعضهم <مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِ مَارِيَةَ، وَمَا تَأَخَّرَ مِنْ أَمْرِ زَيْنَبَ>
فيتأكد مزيد تأكيد أن كلام الرازي يؤيد ما قلناه في مسألة العصمة ولكن أهل الفتنة قوم يكذبون ويفترون ويخلطون الحق بالباطل فيضلون كما أخبرناكم من قبل والعياذ بالله كذلك يتأكد معنا يوما بعد يوم
*عجز أهل الفتنة عن مقارعتنا الدليل العلمي* فغاية ما يفعله أهل الفتنة في هذه المسألة -كما في غيرها- هو أحد ثلاثة تمويهات يموهون بها على أهل السنة والجماعة أختصرها لكم بثلاث فقرات هي التالية:
طريقة تمويه أهل الفتنة – 1 (استعمال قول معتبر لإنكار قول آخر معتبر كذلك)
يأتون إلى نقل قول من قال بالعصمة المطلقة ويستندون إليه في الطعن بالقول الثاني وهذه طريقة الجهلاء لأن المسألة خلافية ومن المعلوم أنه لا ينكر المختلف فيه
فالقولان معتبران عند أهل السنة ولم يطعن أهل السنة ببعضهم في المسائل الخلافية ولا سيما في عصمة الأنبياء
ومن ذلك -أي من المسائل الخلافية- ما بين الأشعرية والماتريدية من مسائل خلافية لا تقتضي التكفير والتبديع
ولذلك قال التَّاج السُّبكيُّ فِي [السَّيف المشهور فِي شرح عقيدة أبي منصور] ما نصُّه: <وَأَنَّ الخِلَافَ اليَسِيرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الحَنَفِيَّةِ فِي مَسَائِلَ مَعْدُودَةٍ غَيرِ طَائِلَةٍ لَا يَقْتَضِي تَكْفِيرًا وَلَا تَبْدِيعًا> انتهى
أما أهل الفتنة فزعموا أنهم يأخذون بقول ليُكفِّروا من أخذ بغيره والعياذ بالله
طريقة تمويه أهل الفتنة – 2 (التمسك بالدعاوي الكاذبة وبما احتمل الدس والتصحيف)
فيأتون إلى قول لا يختلف اثنان بكونه دعوى كاذبة كما في ادعائهم الإجماع على عدم صدور معصية صغيرة لا خسة فيها من نبي بعد النبوة فقد ضربوا عُرض الحائط بعشرات أو مئات النقول والأقوال التي تنص على ذلك -دون خجل بل- وفي صورة لا تكون مقبولة في أدنى الحوارات العلمية مكانة
طريقة تمويه أهل الفتنة – 3 (اختلاق الكذب بالافتراء والبهتان وحكايات “قال لي وقلت له”)
هذا والحمدلله رب العالمين. اللهم امحق الفتنة وأهلها. ءامين.





اترك رد