الْحِكْمَةُ مِنْ خَلْقِ الْعَرْشِ

  قصص الأنبياء

الْحِكْمَةُ مِنْ خَلْقِ الْعَرْشِ

يَسْتَحِيلُ عَقْلًا أَنْ يَكُونَ الْعَرْشُ مَقْعَدًا لِلَّهِ فَكَيْفَ يَكُونُ الرَّبُّ الَّذِي هُوَ خَالِقٌ لِلْعَرْشِ وَغَيْرِهِ مَحْمُولًا عَلَى سَرِيرٍ يَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ عَلَى أَكْتَافِهِمْ،

وَلا يَصِحُّ تَفْسِيرُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سُورَةَ طَه/5] بِجَلَسَ لِأَنَّ الْجُلُوسَ مِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ وَالْجِنِّ وَالْمَلائِكَةِ وَالدَّوَابِّ

بَلْ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿اسْتَوَى﴾ قَهَرَ لِأَنَّ الْقَهْرَ صِفَةُ كَمَالٍ لائِقٍ بِاللَّهِ تَعَالَى لِذَلِكَ وَصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ فَقَالَ: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾

فَهَذَا الْعَرْشُ الْعَظِيمُ خَلَقَهُ اللَّهُ إِظْهَارًا لِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ وَلَمْ يَتَّخِذْهُ مَكَانًا لِذَاتِهِ، لِأَنَّ الْمَكَانَ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ تَنَزَّهَ عَنِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ،

قَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لا تَحْوِيهِ – أيِ اللَّه – الْجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَاتِ»،

وَقَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَرْشَ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ وَلَمْ يَتَّخِذْهُ مَكَانًا لِذَاتِهِ»، رَوَاهُ عَنْهُ الإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ

فَالْمَلائِكَةُ الْكِرَامُ الْحَافُّونَ حَوْلَ الْعَرْشِ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ تَعَاَلَى وَيُقَدِّسُونَهُ وَيَزْدَادُونَ عِلْمًا بِكَمَالِ قُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عِنْدَمَا يَرَوْنَ هَذَا الْعَرْشَ الْعَظِيمَ.

  الْقَلَمُ الأَعْلَى وَاللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ

خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْقَلَمَ الأَعْلَى بَعْدَ خَلْقِ الْمَاءِ وَالْعَرْشِ وَهُوَ ثَالِثُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَهُوَ جِرْمٌ عَظِيمٌ جِدًّا عَلَى شَكْلِ نُورٍ،

ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ الْقَلَمِ الأَعْلَى اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ وَهُوَ رَابِعُ الْمَخْلُوقَاتِ،

قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ تَحْتَ الْعَرْشِ.

وَجِرْمُهُ عَظِيمٌ جِدًّا مِقْدَارُهُ وَمِسَاحَتُهُ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، طُولُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَعَرْضُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.

وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ الْقَلَمَ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَجَرَى بِقُدْرَةِ اللَّهِ وَمِنْ غَير ….. > سيرة الانبياء والصالحين:

 شرح موجز لكتاب الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيّة (3)

 *ملاحظة مهمة* ما كان بين قوسين () فهو من قول المؤلف أبو جعفر الطحاوي

وَقَوْلُهُ فِي افْتِتَاحِ هَذِهِ الْعَقِيدَةِ: (هَذَا ذِكْرُ بَيَانِ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ)

إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ سُورَةَ يُوسُف/108،

فَالسُّنَّةُ عِبَارَةٌ عَنِ الطَّرِيقَةِ، وَمَعْنَى {عَلَى بَصِيرَةٍ} أَيْ أَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ بِهِ الإِسْلامُ لا يَرُدُّهُ الْعَقْلُ الصَّحِيحُ،

وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ فَهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلَى مِلَّتِهِ.

قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (نَقُولُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ مُعْتَقِدِينَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ)

قَالَ سَيِّدُ الطَّائِفَةِ الصُّوفِيَّةِ الْجُنَيْدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «التَّوْحِيدُ إِفْرَادُ الْقَدِيمِ مِنَ الْمُحْدَثِ» أَيْ لا تَشَابُهَ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَهُوَ اللَّهُ وَالْمُحْدَثِ وَهُوَ الْمَخْلُوقُ.

الشَّرْحُ قَوْلُهُ: (نَقُولُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ) ابْتَدَأَ بِالتَّوْحِيدِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ خِطَابٍ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ،

وَإِلَيْهِ دَعَتِ الأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ، وَبِهِ نَزَلَتِ الْكُتُبُ السَّمَاوِيَّةُ،

أَمَّا الرُّسُلُ وَالأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ قَامَتْ عَلَى أَيْدِيهِمُ الْمُعْجِزَاتُ الْخَارِجَةُ عَنْ وُسْعِ الْخَلائِقِ كَصَيْرُورَةِ النَّارِ بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ،

وَانْقِلابِ عَصَا مُوسَى ثُعْبَانًا يَسْعَى، وَتَسْخِيرِ الرِّيحِ وَالْجِنِّ وَالطَّيْرِ لِسُلَيْمَانَ،

وَتَسْبِيحِ الْجِبَالِ وَتَلْيِينِ الْحَدِيدِ لِدَاوُدَ، وَخُرُوجِ النَّاقَةِ مِنَ الصَّخْرَةِ لِصَالِحٍ، وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى لِعِيسَى، > سيرة الانبياء والصالحين:

 شرح موجز لكتاب الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيّة (4)

 *ملاحظة مهمة* ما كان بين قوسين () فهو من قول المؤلف أبو جعفر الطحاوي

وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ وَنَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ الأَصَابِعِ وَكَلامِ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ وَشَهَادَةِ الضَبِّ وَالذِّئْبِ،

وَتَسْبِيحِ الْحَصَى فِي الْكَفِّ لِسِيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى جَمِيعِ إِخْوَانِهِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ،

كُلُّهُمْ دَعَوْا إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ سُورَةَ الأَنْبِيَاء/25.

وَقَوْلُهُ: (مُعْتَقِدِينَ) فِيهِ نَفْيٌ لِلنِّفَاقِ وَتَحْقِيقٌ لِلإِيـمَانِ،

لِأَنَّ النِّفَاقَ يَجْتَمِعُ مَعَ الِاعْتِرَافِ اللَّفْظِيِّ لَكِنْ لا يَكُونُ مُقْتَرِنًا بِالِاعْتِرَافِ الْقَلْبِيِّ عَلَى وَجْهِ الْجَزْمِ

النِّفَاقُ نَوْعَانِ نِفَاقٌ فِي الإِيـمَانِ كَالَّذِي يُظْهِرُ الإِسْلامَ وَيُخْفِي الْكُفْرَ فِي قَلْبِهِ

كَأَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ شَكٌّ بِصِحَّةِ الإِسْلامِ فَهَذَا مُنَافِقٌ وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.

وَنِفَاقٌ فِي الأَعْمَالِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فِي صِفَةِ الْمُنَافِقِ “إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا اِئْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ”

وَفِي رِوَايَةٍ “وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ”،

الدعاء لي ولوالديا بالخير بارك الله فيكم

التنقل بين المقالات

المقال السابق:
المقال التالي:

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading

اكتشاف المزيد من موقع لطائف التنبيهات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading